Indexed OCR Text

Pages 41-60

الإيمان
لأنه أخبرهم بما سيقولون مما علمه الله، علمي وعلمك من علم الله إلا مثل ما نقص
هذا العصفور بمنقاره من البحر) (١).
فوقع الأمر کما قال تمامًا.
وقد رد الله تعالى عليهم بدليل التاريخ
الذي وقع للسابقین ممن قالوا مثل دعواهم،
ثم تحداهم أن یکون لدیھم علم يثبت
دعواهم؛ وأكد ذلك بكشف حقيقة دعواهم
القائمة على الظن والتخمين، والمجردة من
التثبت واليقين.
خامسًا: أمران هامان يجب
مراعاتهما في الإيمان بالقدر:
الأول: يجب اليقين باستحالة الإحاطة
بسر القدر الإلهي إحاطة كاملة؛ لأن هذا
من خصائص العلم الإلهي الخالصة، والله
تعالى يطلع من شاء من عباده على ما شاء من
أسرار خلقه وغيبه، وهذا الاطلاع مهما عظم
وامتد فهو ضئيل جدا بجانب علم الله عز
وجل، كما قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَىْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلََّ بِمَا
شَآءٌ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:
٢٥٥].
ولقد كان موسى عليه السلام هو كليم
الله، وعلمه الله تعالى ما شاء، ثم لقي
الخضر وهو كما وصفه الله ﴿وَعَلَّمْنَهُمِن
لَُّنَا عِلْمًا﴾ [الكهف: ٦٥].
(فلما ركبا في السفينة جاء عصفورٌ فوقع
على حرف السفينة فنقر في البحر نقرةً أو
نقرتين، قال له الخضر: يا موسى ما نقص
وفي ذلك دلالة على حكمة الله تعالى
البالغة وراء الحوادث، وأن القدر الإلهي
ليس عشوائيًا، وإنما يمضي على نظام
وإتقان، وإن بدا للناس أحيانًا تحت وطأة
النوازل أمرًا غريبًا مستنكرًا؛ لأنهم لم
يحيطوا به خبرًا.
الأمر الثاني: لا سبيل في الأعمال
الاختيارية إلى الاحتجاج بالقدر؛ لأن
رب القدر هو الذي ترك لنا فيها الخيار
ابتلاءً واختبارًا، وكلفنا بناء على هذا،
وأنزل الكتب، وأرسل الرسل، ولهذا أعد
الآخرة ثوابًا وعقابًا، جزاء وفاقا لهذا الجهد
الإنساني الاختياري في طاعته، أو معصيته.
والاحتجاج بالقدر يبطل ذلك كله،
فعلمنا يقينًا أن الإنسان حر مختار في هذا
الباب، وأن الله عز شأنه لم يجبر أحدًا على
الطاعة، وإنما أمر بها وشرع للناس سبيلها،
ولم يرغم أحدًا على المعصية، وإنما نهى
عنها وبين حدودها؛ ولذلك أبطل الله تبارك
وتعالى حجة المشركين حين تذرعوا بالقدر،
واحتجوا لضلالهم بمشيئة الاقتضاء أو
الارتضاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوَّشَآءَ اللّهُ مَآ أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب حديث الخضر مع موسى
عليهما السلام، رقم ٣١٤٩.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الألف
وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَهٍْ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨](١).
لهذا لا يصح للمسلم أن يحتج في
ارتكاب المعصية، يقول هذا كتبه الله علي،
أو الله قدر علي ذلك، أو أنا مرغم على
ذلك، كل هذا باطل؛ لأن الله سبحانه بين لنا
الطريق، وعلمنا ما لم نكن نعلم، وكان فضله
علينا عظيمًا.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
((إن القدر نؤمن به ولا نحتج به، فمن احتج
بالقدر فحجته داحضة، ومن اعتذر بالقدر
فعذره غير مقبول، ولو كان الاحتجاج بالقدر
مقبولًا، لقبل من إبليس وغيره من العصاة،
ولو كان القدر حجة للعباد؛ لم يعذب الله
أحدًا من الخلق، لا في الدنيا ولا في الآخرة،
ولو كان القدر حجة لم يقطع سارق، ولا قتل
قاتل، ولا أقيم حد على جريمة، ولا جوهد
في سبيل الله، ولا أمر بمعروف، ولا نهي
عن منكر)) (٢)
زيادة الإيمان ونقصانه وقلته
ورد في كتاب الله تعالى آیات استنبط منها
العلماء أن الإیمان یزید وینقص، یزید بفعل
الطاعات وينقص بارتكاب المحرمات.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدَى
وَءَانَمُهُمْ تَقْوَنُهُمْ﴾ [محمد: ١٧].
يقول تعالى ذكره: وأما الذين وفقهم الله
لاتباع الحق، وشرح صدورهم للإيمان به
وبرسوله من الذين استمعوا إليك يا محمد،
فإن ما تلوته عليهم، وسمعوه منك زادهم
الله بذلك إيمانًا إلى إيمانهم، وبيانًا لحقيقة
ما جئتهم به من عند الله إلى البيان الذي كان
عندهم(٣).
وقال تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ أَهْتَدَوْاْ
هُدِّى﴾، [مريم: ٧٦]. أي: أنه يزيد المهتدين
هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى
يشمل العلم النافع، والعمل الصالح، فكل
من سلك طريقًا في العلم والإيمان والعمل
الصالح زاده الله منه، وسهله علیه ويسره له،
ووهب له أمورا أخر، لا تدخل تحت کسبه،
وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه،
كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله
تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِيمَنً﴾ [المدثر: ٣١].
﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ زَادَتْهُمْ إِيَمْنَا﴾
[الأنفال: ٢].
(١) محاضرات في التفسير الموضوعي،
عبدالستار السعيد ص٦٥.
(٢) دقائق التفسير، ابن تيمية ٢/ ٣٦٨.
(٣) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٢٠٥.
٣٤٤
القرآن الكَرِيْمِ

الإيمان
ويدل عليه أيضًا الواقع، فإن الإيمان
قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان
والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه
الأمور أعظم تفاوت (١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّ إِيمَانًا
وَسَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢]. أي صبرًا على
البلاء، وتسليمًا للقضاء، وتصديقًا بتحقيق
ما كان الله وعدهم ورسوله(٢).
وقال تعالى: ﴿وَزِدْنَهُمْ هُدَّى﴾
[الكهف: ١٣]، بأن ثبتناهم على ما كانوا
عليه من الدين، وأظهرنا لهم مكنونات
محاسنه(٤).
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَتُهُ.
زَادَتْهُمْ إِيَمْنَا﴾ [الأنفال: ٢].
في هذه الآية: دليل على أن الإيمان،
يزيد وينقص، فيزيد بفعل الطاعة وينقص
بضدها، وأنه ينبغي للعبد أن يتعاهد إيمانه
وینمیه، وأن أولی ما يحصل به ذلك تدبر
كتاب الله تعالى والتأمل لمعانيه(٥).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٩٩.
(٢) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٦٠.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٣٥١.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ٢١٠.
(٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣١٥.
عمران: ١٧٣].
وفي الآية دليلٌ على أن الإيمان يتفاوت
زيادةً ونقصانًا، قال: ابن عمر رضي الله
عنهما قلنا: يا رسول الله: الإيمان يزيد
وینقص؟ قال: (نعم یزید حتى يدخل صاحبه
الجنة وينقص حتى يدخل صاحبه النار)(٦).
قال ابن كثير رحمه الله: ((هذه الآية من
أكبر الدلائل على أن الإيمان يزيد وينقص،
وفي الآية ((دليل على زيادة الإيمان كما هو مذهب أكثر السلف والخلف
وقوته بالنسبة إلى الناس وأحوالهم، كما قال من أئمة العلماء. بل قد حكى غير واحد
الإجماع على ذلك»(٧).
جمهور الأئمة: إنه يزيد وينقص))(٣).
ومن أقوال العلماء في زيادة الإيمان
ونقصانه:
قيل لسفيان بن عيينة: الإيمان يزيد
وينقص؟ قال: أليس تقرأون: ﴿فَزَادَهُمْ
إِيمَنَا﴾ [آل عمران: ١٧٣]. ﴿وَزِدْنَهُمْ
هُدَى﴾ [الكهف: ١٣]. في غير موضع،
قيل: فينقص؟ قال: ليس شيء يزيد إلا وهو
ينقص (٨).
وقال ابن بطال رحمه الله: ((مذهب
جماعة أهل السنة من سلف الأمة وخلفها:
أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ..
وقال تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا ﴾[آل ثم قال: فإيمان من لم تحصل له الزيادة
ناقص»(٩).
(٦) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢ / ١١٤.
(٧) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٠/٤.
(٨) أخرجه الآجري في الشريعة ص ١١٧ .
(٩) شرح صحيح مسلم، النووي ١ / ١٤٦.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الألف
وخلاصة القول: أن الإيمان يزيد
بالطاعات وينقص بالمعاصي.
وتجدر الإشارة إلى أن نقصان الإيمان
غير الإيمان القليل التي ذكره القرآن وصفًا
لليهود، قال تعالى: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ
اُلْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ، وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا
وَأَسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَعِنَا لَيَّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنَا فِى
الدِّينَّ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأَسْمَعْ وَأَنْظُرْنَا
لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ يَكُفْرِهِمْ فَلَا
﴾ [النساء: ٤٦]. ((أي: إلا
٤٦
يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًاً
إیمانًا قلیلا، وهو الإیمان ببعض الکتب دون
بعض، وببعض الرسل دون بعض»(١).
«قيل: أي: إلا إيمانًا قليلا لا يعبأ به، وهو
الإيمان ببعض الكتب والرسل، أو إلا زمانًا
قليلًا وهو زمان الاحتضار فإنهم يؤمنون
حين لا ينفعهم الإيمان»(٢).
وقال ابن الجوزي رحمه الله: ((قوله
تعالى: ﴿فَلايُؤمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ فيه قولان:
أحدهما: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم
عبد الله بن سلام، ومن تبعه، قاله ابن عباس.
والثاني: فلا يؤمنون إلا إيمانًا قليلًا، قاله
قتادة، والزجاج. قال مقاتل: وهو اعتقادهم
أن الله خلقهم ورزقهم)) (٣).
والمعنى يسع هذه الأقوال؛ لأنها من
باب التفسير بالمثال.
(١) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٤٨.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢/ ١٨٤.
(٣) زاد المسير ١/ ٤١٦.
أثر الإيمان في النفوس
للإيمان تأثير بليغ في النفوس، فيحدث
فیھا تغیرًا کبیرًا.
وفي القرآن الكريم بعض النماذج التي
تظهر تأثر النفس وتغييرها بعد الإيمان.
ومن تلك النماذج: سحرة فرعون.
فقد أخبرنا الله في القرآن الكريم عن
قصة إيمان سحرة فرعون وأثر هذا الإيمان
في ثباتهم واسترخاص أنفسهم في سبيل الله
تعالی.
ويظهر هذا التأثير في النقاط الآتية:
أولًا: سحرة فرعون وتعلقهم بعطايا
فرعون:
قال تعالى: ﴿وَجَآءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ
قَالُواْ إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَلِينَ
(٣) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ
١١٤
[الأعراف: ١١٣ -١١٤]. أي أجمع لكم بين
الأجر والمنزلة عندي والقرب مني، وسألوا
استحقاق الأجر إدلال بخبرتهم وبالحاجة
إلیھم، إذ علموا أن فرعون شدید الحرص
على أن يكونوا غالبين، وخافوا أن يسخرهم
فرعون بدون أجر فشرطوا أجرهم من قبل
الشروع في العمل ليقيدوه بوعده»(٤).
وهذا دأب المستبدين، تسخير العباد
بمختلف طاقاتهم ومهاراتهم لحساب
(٤) تفسير التحرير والتنوير ١٩/ ١٢٦.
مُوس ◌َر التفسير
القرآن الكريمِ
٣٤٦

الإيمان
ذواتهم، دون أن يعطوهم من الأجر ما
يستحقونه.
ثانيًا: سحرة فرعون وتعلقهم بعظمة
فرعون:
قال تعالى ﴿فَأَلْقَوْ حِبَالَمْ وَعِصِيَّهُمْ
وَقَالُواْ بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَلِبُونَ
[الشعراء: ٤٤].
ثالثًا: أثر الإيمان في نفوسهم:
وعندما من الله عليهم بالإيمان واليقين
قالوا: ﴿قَالُواْ لَن تُؤْثِرَكَ عَلَى مَاجَآءَنَامِنَ الْبَيْنَتِ
وَالَّذِى فَطَرَنَا فَأَقْضِ مَآ أَنْتَ قَاضٌٍ إِنَّمَا نَقْضِى هَذِهِ
الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].
قال ابن عاشور رحمه الله: ((أظهروا
استخفافهم بوعيده وبتعذيبه إذا أصبحوا أهل
إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل
إذا أشرفت عليهم أنوار الرسالة، فسرعان ما
يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته
إلی حكمة الإيمان و ثباته»(١).
وتعليقًا على هذا التحول العجيب:
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((أصبحوا
سحرة وأمسوا شهداء)»(٢).
(١) تفسير التحرير والتنوير ١٦/ ٢٦٦.
(٢) الدر المنثور، السيوطي ٣/ ٥١٣.
ثمرات الإيمان في الدنيا والآخرة
جعل الله تعالى للإيمان ثمرات في
الدنيا والآخرة؛ لتحفيز العباد على الثبات
علیه، وتجديده باستمرار وزيادته بالطاعات،
وسوف نتناول هذه الثمرات في المطالب
الآتية:
أولًا: جزاء الإيمان في الدنيا:
١. الاستخلاف والتمكين في
الأرض.
أخبر سبحانه وتعالى أنه وعد بالنصر
الذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحة، بأن
يورثهم أرض المشركين، ويجعلهم خلفاء
فیھا.
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اَللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ
كَمَا أَسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ
لَّمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمْ مِنْ بَعْدِ
خَوْفِهِمْ أَمْنَا يَعْبُدُ ونَبِ لَا يُشْرِكُونَ بِىِ شَيْئاً وَمَنْ
كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَيْكَ هُمُ الْفَسِقُونَ )
[النور: ٥٥].
عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي
الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم وأصحابه المدينة
وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس
واحدة، كانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الألف
يصبحون إلا فيه، فقالوا: ترون أنا نعيش
حتی نکون آمنين مطمئنین لا نخاف إلا
الله، فنزلت ﴿وَعَدَ الَهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَعَمِلُواْ
الصَِّحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ كَمَا
أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ
الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْنَا﴾ إلى ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ يعني
بالنعمة ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾(١).
هذا وعد من الله تعالی لرسوله صلوات
الله وسلامه عليه بأنه سيجعل أمته خلفاء
الأرض، أي أئمة الناس والولاة عليهم،
وبهم تصلح البلاد، وتخضع لهم العباد.
وليبدلنهم من بعد خوفهم من الناس أمنًا
وحكمًا فيهم، وقد فعله تبارك وتعالى،
وله الحمد والمنة (٢)، ولا يزال الأمر إلى
قيام الساعة، مهما قاموا بالإيمان والعمل
الصالح، فلا بد أن یوجد ما وعدهم الله،
وإنما يسلط عليهم الكفار والمنافقين،
ويديلهم في بعض الأحيان، بسبب إخلال
المسلمين بالإيمان والعمل الصالح(٣).
قال سيد قطب رحمه الله: ((أن
الاستخلاف في الأرض قدرة على العمارة
(١) أخرجه الطبري ١٥٩/١٨ مرسلاً عن أبي
العالية.
وانظر: الصحيح المسند من أسباب النزول،
الوادعي ص ١٥٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧١.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٧٣.
والإصلاح، لا على الهدم والإفساد، وقدرة
على تحقيق العدل والطمأنينة، لا على
الظلم والقهر، وقدرة على الارتفاع بالنفس
البشرية والنظام البشري، لا على الانحدار
بالفرد والجماعة إلى مدارج الحيوان!
وهذا الاستخلاف هو الذي وعده الله الذين
آمنوا وعملوا الصالحات، وعدهم الله
أن يستخلفهم في الأرض-كما استخلف
المؤمنين الصالحين قبلهم- ليحققوا النهج
الذي أراده الله، ويقرروا العدل الذي
أراده الله، ويسيروا بالبشرية خطوات في
طريق الكمال المقدر لها يوم أنشأها الله ..
فأما الذين يملكون فيفسدون في الأرض،
وينشرون فيها البغي والجور، وينحدرون
بها إلى مدارج الحيوان .. فهؤلاء ليسوا
مستخلفين في الأرض؛ إنما هم مبتلون بما
هم فيه، أو مبتلى بهم غيرهم، ممن يسلطون
علیهم لحكمة يقدرها الله .. وتمکین الدين
يتم بتمكينه في القلوب، كما يتم بتمكينه في
تصريف الحياة وتدبيرها)» (٤).
(وإن الله تعالى إذا نبه عباده إلى أن
الأرض يرثها عباده الصالحون، فإن معنى
ذلك الصلاح أوسع من ركعات تؤدى، أو
أیام تصام، إنه علم رحب الآفاق بكل شيء
في مقدور البشر، وعدل محدود الرواق، لا
يشقى معه ضعيف، ولا يقهر معه مظلوم،
(٤) في ظلال القرآن ٤ / ٢٥٢٩.
جَوَسُولَةُ التفسير
القرآن الكريم
٣٤٨

الامان
وأمان ضد الجوع والقلق، وطوارق اليوم والحكم بين الناس بما شرع الله، فمن كانوا
كذلك فهم خير البرية (٣)
والغد، وكفالة لحرية العقل والضمير،
تنمو فيها المواهب وتتضح الملكات،
وتكمل الشخصية، وتصان المرافق العامة
والخاصة)»(١).
٢. الخيرية بين البشرية.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ أُوْلَكَ هُمْ خَّرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ [البينة:
٧].
يقول تعالى ذكره: إن الذين آمنوا بالله
ورسوله محمد، وعبدوا الله مخلصين له
الدين حنفاء، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة،
وأطاعوا الله فيما أمر ونهى، يقول: من
فعل ذلك من الناس فهم خير البرية(٢)،
حکم قاطع لا جدال فيه ولا محال، ولکن
شرطه کذلك واضح لا غموض فيه ولا
احتيال: إنه الإيمان، لا مجرد مولد في
أرض تدعی الإسلام، أو في بیت یقول: إنه
من المسلمین، ولا بمجرد كلمات يتشدق
بها الإنسان! إنه الإيمان الذي ينشيء آثاره
في واقع الحياة، وليس هو الكلام الذي لا
يتعدى الشفاه! والصالحات هي كل ما أمر
الله بفعله من عبادة وخلق وعمل وتعامل.
وفي أولها إقامة شريعة الله في الأرض،
(١) انظر: سر تأخر العرب والمسلمين، محمد
الغزالي ص ١٢٣.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٤ / ٥٥٦.
٣. البركات من السماء والأرض.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىّ ءَامَنُواْ
وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ
وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾
[الأعراف: ٩٦].
((أي: لوسعنا عليهم الخير ويسرناه لهم
من كل جانب)) (٤). وفي هذا دلالة على أن
الله يجازي عباده الصالحين بطيب العيش.
((والبركات التي يعد الله بها الذين
يؤمنون ويتقون، في توكيد ويقين، ألوان
شتى لا يفصلها النص ولا يحددها، وإيحاء
النص القرآني يصور الفيض الهابط من كل
مکان، النابع من کل مکان، بلا تحدید ولا
تفصيل ولا بیان، فھي البرکات بكل أنواعها
وألوانها، وبكل صورها وأشكالها، ما يعهده
الناس وما يتخيلونه، وما لم يتهيأ لهم في
واقع ولا خیال.
والذين يتصورون الإيمان بالله وتقواه
مسألة تعبدية بحتة، لا صلة لها بواقع الناس
في الأرض، لا يعرفون الإيمان ولا يعرفون
الحياة، وما أجدرهم أن ينظروا هذه الصلة
قائمة يشهد بها الله سبحانه وكفى بالله
شهيدًا، ويحققها النظر بأسبابها التي يعرفها
(٣) في ظلال القرآن ٦/ ٣٩٥٣.
(٤) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ٢٥٣.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الألف
الناس (١).
وهنا يثار تساؤل: لماذا نرى أممًا مسلمة
مضيق عليهم في الرزق، ونرى أممًا لا
يؤمنون موسعًا عليهم في الرزق والقوة
والنفوذ ؟
قال سيد قطب رحمه الله: إن أولئك
الذین یقولون: إنهم مسلمون، لا مؤمنون ولا
متقون، إنهم لا يخلصون عبودیتهم لله، ولا
يحققون في واقعهم شهادة أن لا إله إلا الله،
إنهم يسلمون رقابهم لعبید منهم، يتألهون
عليهم، ويشرعون لهم - سواء القوانين أو
القيم والتقاليد - وما أولئك بالمؤمنين،
فالمؤمن لا يدع عبدًا من العبيد يتأله عليه،
ولا يجعل عبدًا من العبيد ربه الذي يصرف
حياته بشرعه وأمره، ويوم كان أسلاف
هؤلاء الذين يزعمون الإيمان مسلمين حقًا.
دانت لهم الدنيا، وفاضت عليهم بركات من
السماء والأرض، وتحقق لهم وعد الله، فأما
أولئك المفتوح عليهم في الرزق، فهذه هي
السنة: ﴿ثُمَّبَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ اَلْحَسَنَةَ حَتَّى
عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَشَ ءَابََّنَا الضَّرَّةُ وَالسَّرَّةُ
فَأَخَذْنَهُمْ بَفْئَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥].
فهو الابتلاء بالنعمة، وهو أخطر من الابتلاء
بالشدة، وفرق بينه وبين البركات التي يعدها
الله من يؤمنون ويتقون، فالبركة قد تكون
مع القليل إذا أحسن الانتفاع به، وكان معه
(١) في ظلال القرآن، ٣/ ١٣٣٨.
الصلاح والأمن والرضى والارتياح، وكم
من أمة غنية قوية ولكنها تعيش في شقوة،
مهددة في أمنها مقطعة الأواصر بينها، يسود
الناس فيها القلق وينتظرها الانحلال، فهي
قوة بلا أمن، وهو متاع بلا رضى، وهي وفرة
بلا صلاح، وهو حاضر زاه يترقبه مستقبل
تکد، وهو الابتلاء الذي يعقبه النکال.
إن البركات الحاصلة مع الإيمان
والتقوى، بركات في الأشياء، وبركات في
النفوس وبركات في المشاعر، وبركات في
طيبات الحياة، بركات تنمي الحياة وترفعها
في آن وليست مجرد وفرة مع الشقوة
والتردي والانحلال» (٢).
٤. الحياة الطيبة.
أخبر سبحانه وتعالى أنه من عمل عملا
صالحًا ذکرًا كان أم أنثى، وهو مؤمن بالله
ورسوله، فلنحيينه في الدنيا حياة سعيدة
مطمئنة، ولو كان قليل المال، ولنجزينهم
في الآخرة ثوابهم بأحسن ما عملوا في
الدنيا، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن
ذَكَرٍ أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَتَّهُ، حَيَوَةٌ
طَيِّبَةٌ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ (٧﴾ [النحل: ٩٧].
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحًا
وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة
نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى،
(٢) في ظلال القرآن، ١٣٣٩/٣.
٣٥٠
مُوسَو ◌َرُ الْبَشِدُ
القرآن الكريم

الامان
من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله، وإن بالعمل الصالح وآثاره في الضمير وآثاره
هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله في الحياة .. وليس المال إلا عنصرًا واحدًا
يكفي منه القليل، حين يتصل القلب بما هو
أعظم وأزكى وأبقى عند الله(٢).
بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا، وأن
يجزيه بأحسن ما عمله في الدار الآخرة،
وقال ابن القيم رحمه الله: ((وهذه الحياة
الطيبة تكون في الدور الثلاث، أعني: دار
الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار))(٣).
والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من
أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس
وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال
الطيب. وعن علي بن أبي طالب رضي الله
عنه أنه فسرها بالقناعة، و کذا قال ابن عباس
وعكرمة ووهب بن منبه، وقال علي بن أبي
طلحة عن ابن عباس: أنها هي السعادة.
وقال الحسن ومجاهد وقتادة: لا يطيب
لأحد حياة إلا في الجنة.
وقال الضحاك: هي الرزق الحلال
والعبادة في الدنيا، وقال الضحاك أيضًا: هي
العمل بالطاعة والانشراح بها، والصحيح أن
الحياة الطيبة تشمل هذا كله(١).
فالعمل الصالح مع الإيمان جزاؤه
حياة طيبة في هذه الأرض، لا يهم أن
تكون ناعمة رغدة ثرية بالمال، فقد تكون
به، وقد لا يكون معها. وفي الحياة أشياء
كثيرة غير المال الكثير تطيب بها الحياة في
حدود الكفاية: فيها الاتصال بالله والثقة به
والاطمئنان إلى رعايته وستره ورضاه، وفيها
الصحة والهدوء والرضى والبركة، وسكن
البيوت ومودات القلوب، وفيها الفرح
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥١٦.
وفي الآية دليل على أن الجنسين:
الذكر والأنثى متساويان في قاعدة العمل
والجزاء، وفي صلتهما بالله، وفي جزائهما
عند الله، و أن أحكام الإسلام يستوي فيها
الذکور والنساء عدا ما خصصه الدین بأحد
الصنفين.
٥. عدم الحرمان من ثواب العمل.
أخبر سبحانه وتعالى أنه يجازي أهل
الإيمان والعمل الصالح بالأجر الجزيل
غير المقطوع، وهذا الأجر یکون بأحسن ما
عملوا، ویکون وافيًا تامًّا.
قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّلِحَتِ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَ كُفْرَانَ لِسَعْبِهِ، وَإِنَّا لَهُ.
كَثِبُونَ﴾[الأنبياء: ٩٤].
((هذا هو قانون العمل والجزاء، لا
جحود ولا كفران للعمل الصالح متى قام
على قاعدة الإيمان، وهو مكتوب عند الله
(٢) في ظلال القرآن ٤/ ٢١٩٣.
(٣) مدارج السالكين: ٣/ ٢٤٣.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الألف
لا یضیع منه شيء ولا یغیب)»(١).
ووعد الله أهل الإيمان والعمل الصلاح
بالثواب غير المقطوع، قال تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ
مَمْنُونٍ ﴾ [فصلت: ٨].
قال السدي: نزلت هذه الآية في
المرضى والزمنى، إذا عجزوا عن إكمال
الطاعات كتب لهم من الأجر كأصح ما كانوا
يعملون (٢).
بل وعدهم سبحانه بتوفية أجورهم
والزيادة من فضله، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَةِ فَيُوَفِيهِمْ
أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾ [النساء:
١٧٣].
يعني جل ثناؤه بذلك: فأما المؤمنون
المقرون بوحدانية الله، الخاضعون له
بالطاعة، المتذللون له بالعبودية، والعاملون
الصالحات من الأعمال، وذلك أن يردوا
علی ربهم، قد آمنوا به وبرسله، وعملوا
بما أتاهم به رسله من عند ربهم، من فعل
ما أمرهم به، واجتناب ما أمرهم باجتنابه
فيؤتيهم جزاء أعمالهم الصالحة وافيًا
تامًا، ويزيدهم على ما وعدهم من الجزاء
على أعمالهم الصالحة والثواب عليها من
الفضل والزيادة ما لم يعرفهم مبلغه ولم
(١) في ظلال القرآن ٥/ ١٧٢ .
(٢) المحرر الوجيز ٥/ ٥.
يحد لهم منتهاه. وذلك أن الله وعد من
جاء من عباده المؤمنين بالحسنة الواحدة
عشر أمثالها من الثواب والجزاء، فذلك هو
أجر كل عامل على عمله الصالح من أهل
الإيمان المحدود مبلغه، والزيادة على ذلك
تفضل من الله عليهم، وإن کان کل ذلك من
فضله على عباده، غير أن الذي وعد عباده
المؤمنين أن يوفيهم فلا ينقصهم من الثواب
على أعمالهم الصالحة، هو ما حد مبلغه
من العشر، والزيادة على ذلك غير محدود
مبلغها، فيزيد من شاء من خلقه على ذلك
قدر ما يشاء، لا حد لقدره یوقف عليه(٣).
ويستفاد من الآية: أن أجر أهل الإيمان
والعمل الصالح مستمر مدى الأوقات،
متزايد على الساعات، مشتمل على جميع
اللذات والمشتھیات، ودخل في ذلك کل ما
في الجنة من المآكل والمشارب، والمناكح،
والمناظر والسرور، ونعيم القلب والروح،
ونعیم البدن، بل يدخل في ذلك کل خير
ديني ودنيوي رتب على الإيمان والعمل
الصالح.
٦. الأمن من الخوف والحزن.
أخبر سبحانه وتعالى أن الذين صدقوا
الله ورسوله، وعملوا الأعمال الصالحة،
وأدوا الصلاة كما أمر الله ورسوله،
وأخرجوا زكاة أموالهم، لهم ثواب عظيم
(٣) جامع البيان، الطبري ٧/ ٧١٠.
٣٥٢
مَوَسُو بَرُ النَّفِد
القرآن الكريم

الإيمان
خاص بهم عند ربهم ورازقهم، ولا يلحقهم
خوف في آخرتهم، ولا حزن على ما فاتهم
من حظوظ دنياهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصََّلِحَتِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةَ
وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفُ
عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٧]. وعـ
سبحانه- الذين آمنوا وعملوا الصالحات
وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة بالأجر العظيم،
والرحمة والرضوان، والأمن يوم الفزع
الأكبر .. ذلك لأنهم استقاموا على الصراط
المستقيم، وجاءتهم الموعظة فاستمعوا
إليها، وامتثلوا لها، وانتهوا عما نهوا عنه من
منكرات كانوا يأتونها وهم جاهلون(١).
من هدايات الآية: أنه سبحانه وتعالى
خص الصلاة والزكاة بالذکر وقد تضمنهما
عمل الصالحات تشريفًا لهما، وتنبيهًا على
قدرهما، إذ هما رأس الأعمال، الصلاة في
أعمال البدن، والزكاة في أعمال المال.
٧. الأمان من الظلم.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلُ مِنَ الصَِّحَتِ
وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا
[طه: ١١٢].
لا یخاف أن یظلم فیزاد في سيئاته، ولا
أن يهضم من حسناته، ولا يخاف أن يظلم
فیزاد من ذنب غيره، ولا يخاف أن يؤاخذ بما
لم یعمل، ولا ينتقص من عمله الصالح، ولا
(١) التفسير القرآني للقرآن ٢/ ٣٥٩.
يخاف أن لا يجزى بعمله، ولا أن ينقص من
حقه (٢).
٨. المحبة في قلوب العباد.
قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّْلِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا
٩٦
[مريم: ٩٦]. أي سيحدث لهم في
القلوب مودةً من غير تعرضٍ منهم لأسبابها
سوى ما لهم من الإيمان والعمل الصالح (٣).
روى مسلم بسنده عن عن أبي هريرة،
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال:
إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فیحبه جبريل،
ثم ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب
فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، قال: ثم
يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض
عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا
فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في
أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه،
قال: فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في
الأرض)(٤).
٩. الهداية إلى الصراط المستقيم.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْوَ عَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِیمَنِهِمْ تَجْرِى مِن
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ١٧٧ .
(٣) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٥/ ٢٨٣.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة
والآداب، باب إذا أحب الله عبدًا حببه إلى
عباده، رقم ٢٦٣٧.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الألف
تَحْنِهِمُ الْأَنْهَرُ فِي جَنَّتِ التَّعِيمِ ﴾ [يونس:
٩]، أي: بسبب ما معهم من الإيمان، يثيبهم
الله أعظم الثواب، وهو الهداية، فيعلمهم ما
ينفعهم، ويمن عليهم بالأعمال الناشئة عن
الهداية، ويهديهم للنظر في آياته، ويهديهم
في هذه الدار إلى الصراط المستقيم وفي
الصراط المستقيم، وفي دار الجزاء إلى
الصراط الموصل إلى جنات النعيم؛ ولهذا
قال: ﴿َتَجْرِى مِن ◌َّحِهِمُ الْأَنْهَرُ﴾(١).
١. صلاح البال.
﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ
قال تعالى:
◌ِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: ٢-٣].
الصَِّحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَلَْنُّ مِن
◌َيْهِمْكَفَّرْعَنْهُمْ سِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالُمْ ﴾ [محمد:
٢].
يقول تعالى ذكره: والذين صدقوا الله
وعملوا بطاعته، واتبعوا أمره ونهیه، وصدقوا
بالكتاب الذي أنزل الله علی محمد، محا
الله عنهم بفعلهم ذلك سيئ ما عملوا من
الأعمال، فلم يؤاخذهم به، ولم يعاقبهم
علیه، وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند
أوليائه، وفي الآخرة بأن أورثهم نعيم الأبد
والخلود الدائم في جنانه (٢).
((وإصلاح البال نعمة كبرى تلي نعمة
الإيمان في القدر والقيمة والأثر. والتعبير
يلقي ظلال الطمأنينة والراحة والثقة
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٨.
(٢) جامع البيان، الطبري ٢١ / ١٨٠.
والرضى والسلام، ومتى صلح البال، استقام
الشعور والتفكير، واطمأن القلب والضمير،
وارتاحت المشاعر والأعصاب، ورضيت
النفس واستمتعت بالأمن والسلام))(٣).
ويستفاد من الآية: أن الإيمان والعمل
الصالح أصل صلاح بال المؤمن، فلا يفكر
إلا صالحًا، ولا يتدبر إلا ناجحًا، و لا يعمل
إلا نافعًا.
١١. النجاة من الخسران.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ
٢
إن الإنسان لفي خسارة وهلاك إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات، فاستثنى من
جنس الإنسان عن الخسران: الذين آمنوا
بقلوبهم، وعملوا الصالحات بجوارحهم
وتواصوا بالحق: وهو أداء الطاعات، وترك
المحرمات وتواصوا بالصبر، أي: على
المصائب والأقدار وأذى من يؤذي ممن
يأمرونه بالمعروف وينهونه عن المنكر (٤).
والخسار مراتب متعددة متفاوتة:
((قد يكون خسارًا مطلقًا، كحال من
خسر الدنيا والآخرة، وفاته النعيم، واستحق
الجحيم.
وقد یکون خاسرًا من بعض الوجوه دون
(٣) في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٨١.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨/ ٤٥٧.
٣٥٤
مَوَسُولَرَ النَّفِيَّ
القرآن الكريم

الإيمان
بعض، ولهذا عمم الله الخسار لكل إنسان، وجه أحسن من ذلك؛ لأن مراتب الخضوع
إلا من اتصف بأربع صفات:
والخشوع لله غير متناهية، فإن مراتب جلال
الله وقهره غير متناهية، وكلما كان علم
يكون الإيمان بدون العلم، فهو فرع عنه لا الإنسان بها أكثر كان خوفه منه تعالى أكثر،
الإيمان بما أمر الله بالإيمان به، ولا
یتم إلا به.
فكان تعظيمه عند الإتيان بالطاعات أتم
والعمل الصالح، وهذا شامل لأفعال وأكمل، وترك الأعلى والاقتصار بالأدنى
نوع خسران»(٢).
الخير كلها، الظاهرة والباطنة، المتعلقة بحق
الله وحق عباده، الواجبة والمستحبة.
ويستفاد أيضًا: أن الأمة إذا قامت
والتواصي بالحق، الذي هو الإيمان بالصفات الأربع-الإيمان والعمل الصالح
والعمل الصالح، أي: يوصي بعضهم بعضًا والتواصي بالحق والتواصي بالصبر-قادت
العالم الإنساني إلى الخيرية التي أخرجت
بذلك، ويحثه علیه، ويرغبه فيه.
والتواصي بالصبر على طاعة الله، وعن من أجل تحقيقها كما كانت في سابق
معصية الله، وعلى أقدار الله المؤلمة.
عهدها؛ لأنه لما ضعف في الأمة تحقيق
هذه الصفات الأربع أصبحت في ذيل الأمم
وتحقق الخسار للعالم أجمع، وكثرت
رايات الباطل ومن يحملها، وقلت رايات
الحق ومن يحملها.
فبالأمرین الأولین، یکمل الإنسان نفسه،
وبالأمرين الأخيرين يكمل غيره، وبتكميل
الأمور الأربعة، يكون الإنسان قد سلم من
الخسار، وفاز بالربح العظيم»(١).
ويستفاد من الآية: أن الإنسان لا
ینفك عن نوع خسران، وتفسيره: «أن کل
ساعة تمر بالإنسان فإن كانت مصروفة
إلى المعصية فلا شك في الخسران، وإن
كانت مشغولة بالمباحات فالخسران أيضًا
حاصل؛ لأنه کما ذهب لم يبق منه أثر، مع
أنه کان متمكنًا من أن یعمل فیه عملا یبقی
أثره دائمًا، وإن كانت مشغولة بالطاعات فلا
طاعة إلا ويمكن الإتيان بها، أو بغيرها على
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٩٣٤.
ونحن على موعد لإرهاصات عهد جديد
للأمة ترفع فيه رايات الحق وينضوي تحتها
المحبون له المناضلون من أجله؛ لإسعاد
الخلق به، وقيادتهم إلى الخير والهدى
والصلاح والفلاح.
١٢. الإخراج من الظلمات إلى
النور.
أخبر سبحانه وتعالى أنه يخرج عباده
من الظلمات إلى النور، قال تعالى: ﴿اللَّهُ
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٣٢/ ٢٨٠.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الألف
وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ اُلُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ ﴾ [البقرة: ٢٥٧]. یخبر تعالى أنه یهدي
من اتبع رضوانه سبل السلام، فيخرج عباده
المؤمنين من ظلمات الكفر والشك والريب
إلى نور الحق الواضح الجلي المبين السهل
المنير (١).
ويستفاد من الآية: أن الله يدفع عن
المؤمنين كل مكروه بسبب إيمانهم، ويعينهم
على ما فيه الخير والمصلحة لهم، في دينهم
و دنیاهم.
١٣. مجازاة المؤمنين بأحسن ما
کان یعملون.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِنْ ذَكَرٍ
أَوْ أُنْقَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَتُحْبِيَنَّهُ، حَيَوَةٌ طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
(٢)) [النحل: ٩٧]. قيل: وإنما خص أحسن
أعمالهم؛ لأن ما عداه وهو الحسن مباح،
والجزاء إنما يكون على الطاعة، وقيل:
المعنى: ولنجزينهم بجزاء أشرف وأوفر من
عملهم، كقوله: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠].
أو لنجزينهم بحسب أحسن أفراد
أعمالهم، على معنى لنعطينهم بمقابلة الفرد
الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيهم
بمقابلة الفرد الأعلى منها من الجزاء الجزيل،
لا أنا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٥٢٤.
في مراتب الحسن بأن نجزي الحسن منها
بالأجر الحسن، والأحسن بالأحسن (٢).
ويستفاد من الآية: أن الله يجزي أهل
الإيمان والعمل الصالح الحسنة بعشر
أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف
كثيرة.
١٤. الامتناع عن الظلم.
أثنى الله على أهل الإيمان والعمل
الصالح بأنهم لا يبغي بعضهم على بعض،
بل ينتصفون من أنفسهم للحق، وهم قليل.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّ لَتْفِبَعْضُهُمْ
عَلَى بَعْضٍ إِلَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
وَقَلِيلٌ مَّا هُمَّْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَنَّهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ.
وَخَرَّ رَاكِعَا وَأَنَابَ﴾ [ص٢٤]. أي: وإن كثيرًا
من الشركاء في المال ليتعدى بعضهم على
بعض، ويظلمه غير مراع لحقه إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم يتحامون
ذلك، ولا يظلمون خليطًا ولا غيره، وقليل
هم))(٣).
ويستفاد من الآية: أن الإيمان والعمل
الصالح يمنع صاحبه من الظلم.
ثانيًا: جزاء الإيمان في الآخرة:
أخبر سبحانه وتعالى أن لأهل الإيمان
والعمل الصالح الثواب العظيم في الآخرة
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٢٣٠.
(٣) المصدر السابق ٤ / ٤٨٩.
٣٥٦
مَوَسُوبَةُ الْمَّقِين
القرآن الكريم

الإيمان
والذي منه:
١. تکفیر السیئات وتبدیلها
حسنات.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
لَتُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٧].
قال القرطبي رحمه الله: ((أي لنغطينها
عنهم بالمغفرة لهم. ثم قيل: يحتمل أن
تكفر عنهم كل معصية عملوها في الشرك
ويثابوا على ما عملوا من حسنة في الإسلام،
ويحتمل أن تكفر عنهم سيئاتهم في الكفر
والإسلام، ويثابوا على حسناتهم في الكفر
والإسلام))(١).
وقال تعالى في تبديل السيئات حسنات:
﴿إِلَّا مَنْ تَبَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا
فَأُوْلَكَ يُبَدِّلُ اَللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَةٍ﴾
[الفرقان: ٧٠]. في معنى قوله: يبدل الله
سيئاتهم حسنات قولان:
أحدهما: أنهم بدلوا مكان عمل السيئات
بعمل الحسنات.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس
في الآية، قال: هم المؤمنون كانوا من قبل
إيمانهم على السيئات، فرغب الله بهم عن
ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم
مكان السيئات الحسنات، وقال عطاء بن
أبي رباح: هذا في الدنيا، يكون الرجل على
هيئة قبيحة ثم يبدله الله بها خیرًا.
وقال سعيد بن جبير: أبدلهم الله بعبادة
الأوثان عبادة الرحمن، وأبدلهم بقتال
المسلمين قتال المشركين، وأبدلهم بنكاح
المشركات نكاح المؤمنات.
وقال الحسن البصري: ((أبدلهم الله
بالعمل السيئ العمل الصالح، وأبدلهم
بالشرك إخلاصًا، وأبدلهم بالفجور إحصانا،
وبالكفر إسلامًا»، وهذا قول أبي العالية
وقتادة وجماعة آخرين.
والقول الثاني: أن تلك السيئات الماضية
تنقلب بنفس التوبة النصوح حسنات،
وما ذاك إلا لأنه كلما تذكر ما مضى ندم
واسترجع واستغفر، فينقلب الذنب طاعة
بهذا الاعتبار، فيوم القيامة وإن وجده
مكتوبًا عليه، فإنه لا يضره وينقلب حسنة في
صحيفته(٢)،
وقد روى مسلم بسنده عن عبد الله قال:
قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم (إني
لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار،
رجلٌ يخرج منها زحفًا فيقال له: انطلق
فادخل الجنة - قال - فيذهب فيدخل الجنة
فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيقال له:
أتذكر الزمان الذى كنت فيه، فيقول: نعم.
فیقال له تمن. فيتمنى: فيقال له: لك الذى
تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا - قال - فيقول
أتسخر بى وأنت الملك؟!) قال: فلقد رأيت
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٣٢٨. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١١٦.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الألف
رسول الله صلی الله علیه وسلم ضحك
حتى بدت نواجذه(١).
٢. المغفرة.
وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح
أن يغفر لهم ذنوبهم، وأن يثيبهم على ذلك
الجنة، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرُ
عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٩].
هذه آية وعد للمؤمنين بستر الذنوب
عليهم، وبالجنة فهي الأجر العظيم(٢).
ووعدهم سبحانه وتعالى بالرزق الحسن
الذي لا ينقطع وهو الجنة، قال تعالى:
فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّدِحَتِ لَم
مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴾ [الحج: ٥٠].
٣. الجنة ونعيمها.
وعد الله أهل الإيمان والعمل الصالح أن
لهم أعلى الجنة وأفضلها منزلًا، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّتُ
اَلْفِرْدَوْسِ نُزْلًّا (١٠٧)﴾ [الكهف: ١٠٧].
وفي وصف الفردوس روى البخاري
بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (من آمن
بالله وبرسوله وأقام الصلاة وصام رمضان
كان حقًّا على الله أن يدخله الجنة، جاهد
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب آخر أهل النار خروجًا، رقم ٤٨٠.
(٢) المحرر الوجيز ٢ / ١٦٦.
مَوَسُوبَةُ النَّفيده
الْعَشْرَآن الكَرِيْمِ
في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد
فيها) فقالوا: يا رسول الله: أفلا نبشر الناس
؟ قال: (إن في الجنة مائة درجةٍ أعدها الله
للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين
كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله
فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى
الجنة، أراه فوقه عرش الرحمن ومنه تفجر
أنهار الجنة)(٣).
وقد بشر الله أهل الإيمان والعمل الصالح
بالجنة وما فيها من أنواع النعيم، قال تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
أَنَّ لَمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرْ كُلَّمَا
رُزِقُواْ مِنْهَا مِنْ ثَمَرَ وَرِزْقًا قَالُواْ هَذَا الَّذِى رُزِقْنَا
مِن قَبْلٌ وَأَنُواْ بِهِ، مُتَشَبِهَاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَجُ
مُطَهَرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ [البقرة:
٢٥].
«فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه،
وعظمته وعظمة من أرسله إليك بهذه
البشارة، وقد بشرك به، وضمنه لك، وجعله
أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه
في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات،
وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس
بالأزواج المطهرة، نعيم القلب، وقرة العين
بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب درجات المجاهدين في سبيل
الله، رقم ٢٥٨١.
٣٥٨

الإيمان
انقطاعه)»(١).
﴾ [النساء: ٥٧].
وَنُدْخِلُهُمْ ظِلَّا ظَلِيلًا
وقوله تعالى: ﴿وَأُتُواْ بِهِمُتَشَِهًا﴾ عن
ابن عباس رضي الله عنهما: لا يشبه شيء
مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء،
وفي رواية: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا
الأسماء(٢).
وأخبر سبحانه وتعالى أن من نعيم أهل
الجنة: الأزواج المطهرة، وقد فسر مجاهد
رحمه الله قوله: ﴿فَُّمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾
[النساء: ٥٧].
قال: ((طهورٌ من الحيض، والغائط،
والبول، والبزاق، والنخامة، والمني،
والولد)) (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ﴾،
هذا هو تمام السعادة فإنهم مع هذا النعيم في
مقام أمين من الموت والانقطاع فلا آخر له
ولا انقضاء؛ بل في نعيم سرمدي أبدي على
(٤)
الدوام(٤).
وقال سبحانه في موضع آخر: أنه سبحانه
يدخل أهل الإيمان والعمل الصالح ظلّا
كثيفًا ممتدًا في الجنة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصََّلِحَتِ سَنُدْ خِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًاٌ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَجٌ مُطَهَّرَةٌ
(١) التفسير القيم، ابن القيم ١٣٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١١٤.
(٣) البعث والنشور، البيهقي ١/ ٢٠.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ١١٤.
الظل الظليل: الكثيف الذي لا يدخله ما
يدخل ظل الدنيا من الحر والسموم ونحو
ذلك، وقيل: هو مجموع ظل الأشجار
والقصور، وقيل: الظل الظليل: هو الدائم
الذي لا يزول(٥).
وقد وصف النبي ظل الشجرة فيما رواه
الإمام مسلم عن أبى هريرة عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن فى الجنة
لشجرةً يسير الراكب فى ظلها مائة سنةٍ)(٦).
وأخبر سبحانه أنه عند دخول أهل الإيمان
والعمل الصالح الجنة يُحَيَوْنَ بالسلام.
قال تعالى: ﴿ وَأَدْخِلَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَمْهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيَهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَمِّنُهُمْ فِهَا
[إبراهيم: ٢٣].
سَلَمْ
مصدر مضاف إلى
قوله:
الضمير، فجائز أن يكون الضمير للمفعول
أي تحييهم الملائكة، وجائز أن يكون
الضمير للفاعل، أي يحيي بعضهم بعضًا (٧).
وأخبر سبحانه وتعالى عن زينة أهل
الإيمان والعمل الصالح في الجنة، فقال:
(٥) فتح القدير، الشوكاني ١/ ٥٥٤.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة
وصفة نعيمها وأهلها، باب إن فى الجنة شجرةً
يسير الراكب فى ظلها مائة عام لا يقطعها،
رقم ٧٣١٤.
(٧) المحرر الوجيز ٣/ ٣٣٤.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الألف
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَدِرُ
يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُّؤْلُوّاً
وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ [الحج: ٢٣].
« يحلون فيها من الحلية من أساور من
ذهب ولؤلؤًا أي: في آیدیھم.
کما قاله النبي صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي رواه مسلم بسنده عن أبي
مالكِ الأشجعي عن أبي حازم قال: كنت
خلف أبي هريرة وهو يتوضأ للصلاة، فكان
یمد یده حتى تبلغ، إبطه فقلت له: يا أبا
هريرة ما هذا الوضوء؟ فقال: يا بني فروخ،
أنتم هاهنا لو علمت أنكم هاهنا ما توضأت
هذا الوضوء، سمعت خليلي صلى الله عليه
وسلم يقول: (تبلغ الحلية من المؤمن حيث
يبلغ الوضوء)»(١).
وقال کعب الأحبار: إن في الجنة ملكًا لو
شئت أن أسميه لسميته: يصوغ لأهل الجنة
الحلي منذ خلقه الله إلى يوم القيامة ، لو
أبرز قلب منها-أي سوار منها-لرد شعاع
الشمس كما ترد الشمس نور القمر.
وقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ )
في مقابلة ثياب أهل النار التي فصلت لهم،
لباس هؤلاء من الحرير إستبرقه وسندسه،
كما قال: ﴿عَلِيَهُمْ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبَقٌ
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الطهارة،
باب تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، رقم
٢٥٠.
وَحُلُواْ أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا
إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُرْ جَزَآءٌ وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا
٢١
﴾ [الإنسان: ٢١-٢٢])) (٢).
وقد روى مسلم بسنده عن خليفة بن
کعب أبی ذبیان قال سمعت عبد الله بن
الزبير يخطب، يقول: ألا لا تلبسوا نساءكم
الحرير، فإنى سمعت عمر بن الخطاب
یقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا تلبسوا الحرير فإنه من لبسه فى الدنيا لم
يلبسه فى الآخرة)(٣).
وأخبر سبحانه وتعالى أنه: أعد لأهل
الإيمان والعمل الصالح غرف وصفها
سبحانه وتعالى في قوله: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا
وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَنُبُوَّتَّنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرْفًا
◌َّجْرِىٍ مِن تَحْنِهَا الْأَنْهُ خَلِينَ فِيهَأْ نِعْمَ أَجْرُ
الْعَمِلينَ
[العنكبوت: ٥٨].
((أي: لنسكننهم منازل عالية في الجنة،
تجري من تحتها الأنهار على اختلاف
أصنافها من ماء وخمر وعسل ولبن،
يصرفونها ويجرونها حيث شاؤوا، ماكثين
فيها أبدًا لا يبغون عنها حولًا، نعمت هذه
الغرف أجرًا على أعمال المؤمنين الذين
صبروا أي على دينهم. وهاجروا إلى الله
ونابذوا الأعداء، وفارقوا الأهل والأقرباء
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٣٥٩.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب اللباس
والزينة، باب لا تشربوا في إناء الذهب والفضة
ولا تلبسوا الديباج والحرير، رقم ٣٨٥٠.
جَوَبُو بَرُ النَّفِّ
القرآن الكريم
٣٦٠

الامان
ابتغاء وجه الله ورجاء ما عنده، وتصديق
موعوده))(١).
وأخبر سبحانه وتعالى أن أهل الإيمان
والعمل الصالح، یکرمون ويسرون وينعمون
في الجنة.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ
﴾ [الروم: ١٥])).
الحبر، والحبور: السرور والغبطة،
والرضوان .. والروضة: الجنة. أي أن الذين
آمنوا وعملوا الصالحات، لا يحزنهم هذا
الیوم، ولا يضرهم التفرق، إذ كان مع كل
مؤمن عمله، الذي يؤنسه، ويذهب وحشته،
ويملأ قلبه طمأنينة وأمنًا، بما يرى من
بشريات الإيمان والأعمال الصالحة، التي
بین یدیه(٢).
وذكر تعالى (الروضة)؛ لأنها من أحسن
ما یعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل
النبت الأخضر وجن، وما كان منها في
المرتفع من الأرض كان أحسن (٣).
والخلاصة: أن نعيم الجنة المعد لأهل
الإيمان والعمل الصالح: ما لا عين رأت،
ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٦٢.
(٢) التفسير القرآني للقرآن ١١/ ٤٩١.
(٣) المحرر الوجيز ٤ / ٣٣٢.
موضوعات ذات صلة:
التوحيد، الشرك، القدر، الملائكة، النبوة
www. modoee.com
٣٦١