Indexed OCR Text
Pages 21-40
الإهلاك وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَتٍ مِّنَ السَّمَآِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦]. أي: ولكن كذبوا الرسل فعاقبناهم، فبسبب هذا التكذيب أخذناهم (١). ٢. ما نص عليه القرآن الكريم من أن تكذیب الرسل كان سببًا في هلاك أممهم. أ- سيدنا نوح عليه السلام: قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِ اَلْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِتَايَتِنَا﴾ [الأعراف: ٦٤] وفي قوله ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَُّأْ﴾ إعلام بعلة الغرق وهو التكذيب (٢). ب- سيدنا هود عليه السلام: قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَهُمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩]. أي: فأهلکنا عادًا بتکذیهم رسولنا، وإن في إهلاكنا عادًا لعبرة وموعظة (٣). جـ- سيدنا شعيب عليه السلام: قال تعالى: ﴿فَكَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ. كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩]. أي: فلما أقاموا على تكذيب نبيهم شعيب أخذهم عذاب الظلة (٤). (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٤٨. وانظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ١٦٠. (٢) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٦/ ٢٩٠٨، التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/ ١٤٧٧ بتصرف. (٣) البحر المحيط ٥/ ٨٥. (٤) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ ١٦٢٥. د- سيدنا موسى عليه السلام: قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ الْمُهْلَّكِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٨]. المعنى: فكذب فرعون وملؤه موسى وهارون، فکانوا ممن أهلکهم الله كما أهلك من قبلهم بتكذيبهم(٥). ٣. ما جاء في القرآن الكريم يشير إلى أن الكفر وتكذيب الرسل كانا سببا الإهلاك. تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ وَقَوْمُ إِنَّهِيَمَ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَبُ مَّدْيَنٌَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٢ - ٤٤]. ولقد كان الكفر وعدم الايمان تابعين للتكذيب؛ لأن الله لم يهلك قومًا بأول التکذیب، ولکن أمهلهم فإذا علم منهم أنهم لا يؤمنون أهلكهم (٦). ﴿ وَلَقَدٍ أَسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن وقال تعالى: ◌َبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [الرعد: ٣٢]. والمعنى: ولقد استهزأ الكفار السابقون، برسل بعثناهم من قبلك إليهم، فأمهلت أولئك المستهزئين، ثم أخذتهم بعقابي (٧). (٥) انظر: المصدر السابق ١٩/ ٣٦، فتح البيان ٩/ ١٢٣. (٦) تأويلات أهل السنة ٧/ ٤٢٧ بتصرف. (٧) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥٪ ٤٤٥ - ٤٤٦. www. modoee.com ٢١٩ حرف الألف ثانيًا: الفسق والذنوب والمعاصي: أولًا: الفسق: قال تعالى: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ اُلْفَسِقُونَ﴾[الأحقاف: ٣٥]. أي: لا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة(١). قال الزجاج: ((وما في الرجاء لرحمة الله شيء أقوى من هذه الآية))(٢) . ثانيًا: الذنوب والمعاصي: قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِشَايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُرِمٌ﴾ [آلـ عمران: ١١]. أي: جازاهم بذنوبهم، وعاقبهم عليها(٣). وفيه إشعار بأن صريح المؤاخذة مناط بالذنوب (٤). وقال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَأَعْلَمْ أَنََّا يُرِدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضٍ ذُنُوبِهِمٌ﴾ [المائدة: ٤٩]. وذکر بعض الذنوب لأن مجازاتهم ببعض الذنوب كافية في إهلاكهم وتدمیرهم (٥). وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣٢٢. (١) فتح البيان ١٣/ ٤٣. وانظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ١٤٦. (٢) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٤ / ٤٤٨، معالم التفسير، البغوي ٧/ ٢٧٣، الجامع لأحكام القرآن ١٦ / ٢٢٢. (٣) أوضح التفاسير ١/ ٥٩. (٤) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤ / ٢٦٠، تراث أبي الحسن الحرالي المراكشي ص ٥٢٢. (٥) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٢/ ٦٠١، وقال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأَنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]. أي: أهلكهم الله بسبب ذنوبهم (٦). وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَّرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنِهِمْ فَسَوَّنَهَا﴾ [الشمس: ١٤]. أي: فأطبق الله عليهم العذاب، أو أهلكهم جميعًا بسبب ذنبهم (٧)، وحقًا لقد كان ذلك لذلك (٨). ويجمل ما سبق صاحب الظلال فيقول: ((إن هذا النص في القرآن: ﴿فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ وما يماثله، إنما يقرر سنة وحقيقة أن الذنوب تهلك أصحابها، وأن الله هو الذي يهلك المذنبين بذنوبهم وأن هذه سنة ماضية تصير إليها الأمم حين تفشو فيها الذنوب وحين تقوم حياتها على الذنوب»(٩). ثالثًا: الظلم والإفساد: أولًا: تقرير القرآن الكريم لحقيقة أن الظلم من أسباب الإهلاك. قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوّاً وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]. مفاتيح الغيب، الرازي ١٢/ ٣٧٤. (٦) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٥/ ٢٤٣٩، التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣ / ١٢٠٢. (٧) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ١٠/ ١٩٢٩،١٩٢٨ بتصرف. (٨) التحرير والتنوير ٣٠/ ٣٧٢. (٩) في ظلال القرآن ٢/ ١٠٣٨ بتصرف. جَوَنُو ◌َرُ النَّيِّ القرآن الكريم ٢٢٠ لإهلاك نبه على سبب الاستئصال بذكر الوصف المقام: اللهم أهلك الظالمين وطهر وجه الأرض منهم))(٥). الذي هو الظلم (١). ويقال: هذا تعليم ليحمدوه سبحانه على إهلاك الظالمين (٢). قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنَّ أَلَنَّكُمْ عَذَابُ اَللَّهِبَغْنَةً أَوْ جَهْرَةٌ هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: ٤٧]. وفي ذكر الظلم تنبيه على علة الإهلاك. والمعنى: هل يهلك إلا أنتم لظلمكم؟(٣). وقال تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢]. الرجز: العذاب وقوله: ﴿يَمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ ﴾ الباء سببية، أي: بسبب كونهم ظالمين (٤). قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِئَايَتِ رَيْهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَكُلْ كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤]. قال الرازي: ((والمراد منه: أن الله تعالى إنما أهلكهم بسبب ظلمهم، وأقول في هذا (١) انظر: البحر المحيط ٤ / ٥١٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٤٢٧. (٢) تفسير السمر قندي ١/ ٤٤٨. (٣) البحر المحيط ٤ / ٥١٧. (٤) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٤ / ٢٧٠. قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَهْلَكُنَا الْقُرُونَ مِن [يونس: ١٣]. أي: أن لَمَّا ظَلَمُوا قَبْلـ الهلاك كان عند ظلمهم وبسببه (٦). وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذٌ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةٌ﴾ [هود: ١٠٢]. وجملة ﴿وَهِىَ ظَامَةٌ﴾ في موضع الحال، وفائدة هذه الحال الإشعار بأن عقابهم كان بسبب ظلمهم(٧). قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِحَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَتِنَا فَأَوْحَىَ إِلَيْهِمْ رَبُهُمْ لَتُلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾[إبراهيم: ١٣]. أي: لنهلكن من تناهى فى الظلم من المشركين (٨). وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَىِّ أَهْلَكْنَهُمْ لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ [الكهف: ٥٩]. أي: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة أهلكنا أهلها لما ظلموا. أي: عند ظلمهم (٩). کما أخبر الله تعالی بأن إهلاك قوم سیدنا (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٤٩٦. (٦) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٧/ ٣٥٢٩، فتح البيان ٦ / ٢٧. (٧) التفسير الوسيط لطنطاوي ٧ / ٢٧٢. (٨) انظر: تفسير المراغي ١٣ / ١٣٨. (٩) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨ / ٥٣، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٩/ ٤٥٥٣. www. modoee.com ٢٢١ حرف الألف نوح وعاد وثمود ولوط وشعيب وموسى عليهم السلام كان بسبب ظلمهم، كما سيتبين لنا ذلك من الآيات التالية: ١. قوم سيدنا نوح عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادَا الْأُولَى وَثَمُودًا فَآَ أَبْقَى وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلٌ إِنَّهُمْ كَانُواْ هُمْ أَلْلَمَ وَأَْفَى﴾ [النجم: ٥٠ - ٥٢]. أي: وأهلك كفار قوم نوح؛ لأنهم كانوا أشد منهما ظلمًا للحق ولأنفسهم(١). وقال تعالى: ﴿وَأَصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَطِبْنِ فِىِ الَّذِينَ ظَلَمُوَّأْ إِنَّهُم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧]. وصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة إِنَّ أَهْلَهَا كَانُواْ ظَالِمِينَ﴾[العنكبوت: ٣١]. الهلاك (٢). ٢. قوم سيدنا هود عليه السلام. قال تعالى: ﴿فَلَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُنَاءُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١]. فيه بیان بأن إهلاكهم كان بسبب ظلمهم(٣). ٣. قوم سيدنا صالح عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ (١) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٩/ ١١٦٤. (٢) فتح البيان ٦/ ١٨٩. (٣) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ١٠/ ٥٠٧٥، روح البيان، إسماعيل حقي الإستانبولي ٦ / ٨٤ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَِّهِمْ جَئِمِينَ﴾ [هود: ٦٧]. حكم عليهم بأنهم أخذتهم الصيحة بسبب ظلمهم (٤). ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ وقال تعالى: خَاوِيَةٌ بِمَا ظَلَمُوْاْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٤٩-٥٢]. أي: خربة بما ظلموا (٥). وفيه إشارة إلى أن للظلم أثرا في خراب (٦) بلادهم (٦). ٤. قوم سيدنا لوط عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْ إِنَّا مُهْلِكُوْ أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةٌ ﴿كَانُواْ ظَلِمِينَ﴾ تعليل للإهلاك أي: إهلاكنا لهم بهذا السبب(٧). ٥. قوم سيدنا شعيب عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَتْنَا شُعَيْبًا وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤ - ٩٥]. (٤) نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، أبو العباس البسيلي التونسي ٢/ ٢٣٨. (٥) تأويلات أهل السنة ٨/ ١٢٣. (٦) التحرير والتنوير ١٩ / ٢٨٦. (٧) انظر: فتح البيان ١٠/ ١٨٨، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥ / ٥١، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٧/ ٣٨، فتح القدير، الشوكاني ٤/ ٢٣٣، التحرير والتنوير ٢٠/ ٢٤٢، إعراب القرآن وبيانه، محيي الدين درويش ٧ / ٤٢٨. مَهُوَالَرَ النَفسِيةِ القصوي القرآن الكريم ٢٢٢ الإهلاك وأظهر في موضع الإضمار لبيان أن ما يحذر قومه بعد أن نهاهم عن الإفساد: ﴿وَأَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٦]. أنزل بهم من العذاب سببه الظلم (١). وقال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَبُ الْأَئِكَةِ لَظَلِينَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٨ - ٧٩]. المعنى: وما كان أصحاب الأيكة إلا ظالمين، والانتقام هنا معناه: إنزال العقوبة مماثلة لما ارتكبوه (٢). ٦. قوم سيدنا موسى عليه السلام. ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ. قال تعالى: فَنَبَذْنَهُمْ فِ أَلْبَدِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَِقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٤٠]. ﴿عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ أنهم يعذبون بظلمهم (٣). قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٣]. وهي نار أخذتهم بسبب ظلمهم (٤). ثانيًا: إخبار القرآن الكريم بأن الإفساد من أسباب الإهلاك. ١. الإفساد كان من أسباب إهلاك قوم سيدنا شعيب عليه السلام. قال الله تعالى على لسان سيدنا شعيب (١) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٧ / ٣٧٤٥. (٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية ٦/ ٣٩١٩، جامع البيان، الطبري ١٧/ ١٢٣، زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٨/ ٤١٠٤. (٣) تأويلات أهل السنة ٨/ ١٧٠. (٤) أوضح التفاسير ١/ ١١٩. ليعرفوا أن عاقبة المفسدين المتمردين ليست إلا الهلاك والخزي والنكال (٥). ٢. الإفساد كان من أسباب إهلاك قوم عاد و ثمود وفرعون. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِدَمَ ذَاتٍ اُلْمِمَادِ أَلَتِ لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِىِ الْبِلَدِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُواْ الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعُوْنَ ذِى الْأَوْنَاءِ الَّذِينَ طَغَوْاْ فِى الْبِلَدِ فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِأَلْمِرْصَادٍ﴾ [الفجر: ٦ - ١٤]. والمعنى: فأنزل بهم ربك عذابه، ونقمته، بما أفسدوا في البلاد، وطغوا فيها (٦). ٣. الإفساد كان من أسباب إهلاك قوم سيدنا لوط عليه السلام. قال الله تعالى على لسان سيدنا لوط بعد أن نصح قومه فلم يستجيبوا لنصحه: ﴿قَالَ رَبِّ أَنصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٠]. أي: بإنزال عذابك عليهم بسبب إفسادهم، فانتصر الله له بإهلاكهم (٧). (٥) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣١٥ بتصرف. التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/ ١٤٦٨. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري، ط هجر ٢٤/ ٣٧٣. (٧) انظر: فتح البيان ١٠/ ١٨٧، التيسير في www. modoee.com ٢٢٣ حرف الألف ٤. الإفساد كان من أسباب إهلاك قوم سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُواْ ضَلَا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٦٧] سيدنا موسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم ◌ُوسَى ◌ِثَايَتِنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِ، فَظَلَمُواْ بِهَا فَانْظُرْكَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣]. والمعنى: إن جميع الأمم الماضية كانت عاقبة إفسادها أن أهلكهم الله(١). وقال تعالى: ﴿وَحَحَدُواْ بِهَا وَأَسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوَّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل: ١٤]. قال السعدي: ((أسوأ عاقبة دمرهم الله وغرقهم في البحر وأخزاهم» (٢). ٥. الإفساد كان من أسباب إهلاك أفراد کفرعون و قارون. قال تعالى لفرعون مبينا له أن سبب هلاكه الفساد: ﴿ءَالْتَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ اَلْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]. وقال لقارون: ﴿وَلَا تَبْغُ الْفَسَادَ فِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَلَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧]. يعني: أنه يعاقبهم (٣). رابعًا: الصد عن سبيل الله: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَنْ أحاديث التفسير ٦ / ٩٢. (١) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٤ / ٦٥، التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/ ١٤٨٢. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٠٢ (٣) فتح البيان ١٠/ ١٥٠. صدهم عن سبيل الله كان بكتمان نعت محمد ﴿قَدْ ضَلُواْ ضَلَلأْ بَعِيدًا﴾ أي: هلكوا، والضلال: الهلاك (٤). قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوَّنَ عَنْهُ وَيَنْعَوْنَ عَنْهُ [الأنعام: وَإِنِ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢٦]. المراد بالنهي: صدهم وتنفيرهم الناس عن الإسلام(٥). وبين سبحانه أنهم ما يهلكون بصدهم عن سبيل الله، إلا أنفسهم لا غيرها (٦). وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَن كَذَّبَ بِتَابَتِ اَللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَاُ سَنَجْزِى الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ ءَايَئِنَا سُوّهَ اٌلْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٧]. وصدف بمعنى صد، فهو حكم بالعقوبة الرادعة، لأولئك الذين كذبوا بآيات الله وصدوا عنها (٧). وقال تعالى: ﴿وَلَا نَقْعُدُواْ بِكُلٍ صِرَطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ ءَامَنَ بِهِ، وَتَبْغُونَهَا عِوَجَا﴾ (٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١/ ٥٠٤. (٥) انظر: درج الدرر ٢/ ٧٠٩. (٦) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٣١٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٦/ ٤٠٨، تفسير القاسمي ٤ / ٣٣٧. (٧) انظر: التفسير القرآني للقرآن ٤/ ٣٥٢، تفسير الإيجي ١ / ٥٩٥. مُوسُوبة النفسية القرآن الكريم ٢٢٤ الإهلاك [الأعراف: ٨٦]. وهذه الآية تحذير من سيدنا شعيب لقومه من عاقبة صدهم عن سبيل الله (١). الي أن جاء ما هددهم به عقوبة على صدهم، فقال تعالى: ﴿ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْغَةُ ﴾ [الأعراف: ٩١]. وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اَللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَفِرُونَ أُوْلَئِكَ [هود: لَمَّ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِىِ الْأَرْضِ ١٩ - ٢٠]. أي: هؤلاء الذين يصدون عن سبيل الله لم يكونوا ناجين من عذاب الله في الدنيا (٢). ومن صور الصد عن سبيل الله التي كانت من أسباب الإهلاك، محاولة الصادين إخراج رسلهم عليهم السلام والذين آمنوا معهم من أرضهم أو توعدهم بذلك. قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِحَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَاً أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاً فَأَوْحَىَ إِلَتْهِمْ رَبُّهُمْ لَتُهُلِكَنَّ اٌلَّيْلِمِينَ﴾ [إبراهيم: ١٣]. وقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أُسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ، لَنُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَقِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَاً﴾ [الأعراف: ٨٨]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ» إِلَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمَّ إِنَّهُمْ (١) جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٥٩ (٢) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٤ / ١٧٨ أُنَاسَُّ يَنْطَهَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٨٢ - ٨٣]. وقال تعالى ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِرُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذَا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا سُنَّةً مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَّاً وَلَا تَجِدُ لِسُنَِّنَا تَّحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦ - ٧٧]. أي: لو أخرجوك لاستأصلناهم كسنتنا (٣) ٠ فيمن قبلهم خامسًا: الإسراف وبطر النعمة: ١. الإسراف. قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: ٩]. وأهلكنا الذين أسرفوا بعذاب الاستئصال (٤). وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِقُونَ﴾ [الأعراف: ٨١]. أي: بل إنكم قوم عادتكم الإسراف وتجاوز الحدود في كل شيء، لذلك جاء العقاب الإلهي فدخل فيه الكبير والصغير (٥). وقال تعالى: ﴿لِتُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (٣) انظر: التفسير البسيط ١٣ / ٤٢٤. (٤) انظر: أوضح التفاسير ١/ ٣٨٩، وانظر: التفسير الحديث ٥/ ٢٥٦، الهداية الى بلوغ النهاية ٧/ ٤٧٣٣. (٥) انظر: التفسير المنير الزحيلي ٨/ ٢٨٣، التيسير في أحاديث التفسير ٤ / ٤٥١. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الألف تُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ [الذاريات: ٣٣ - ٣٤]. ووضع الظاهر موضع ضميرهم في قوله ﴿لِلْمُسْرِفِينَ﴾ ذمًا لهم بالإسراف وإشارة إلى علة الحكم (١). قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِيعُواْ أَمَ اُلْمُسْرِفِينَ﴾ [الشعراء: ١٥١]. أي: قال صالح لقومه: لا تطيعوا أمر من ظهر لكم منه الإسراف فتهلكوا ... إلى أن قال سبحانه: ﴿فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ ﴾ [الشعراء: ١٥٨] أي: فأهلكوا(٢). وقال تعالى: ﴿قَالُواْ طَرُكُم مَّعَكُمْ أَین ذُكْرُ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِقُونَ﴾ [يس: ١٩]. ثم جاءهم عاقبة إسرافهم بقوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾، أي: فأهلكناهم (٣). ٢. بطر النعمة. قال تعالى: ﴿فَكَمَا نَسُواْ مَا ذُكِرُوا بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أَوْنُواْ لَخَذْنَهُم بَفْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤]. أي: فرحوا بما أعطوا من الصحة بدل ١١٠٠، وانظر: تفسير المراغي ٢٧/ ٤. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة ٨/ ٧٨ - ٧٩. (٣) انظر: الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية، الشيخ علوان ٢/ ٢٠١، صفوة التفاسير، محمد علي الصابوني ٣/ ٨- ٠٩ المرض، ومن الغنى بدل الفقر، فرحوا بهذا فرح أشرٍ وبطٍ، أهلكهم الله (٤). وقال تعالى: ﴿ثُمَّبَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ اَلْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَواْ وَقَالُواْ قَدْ مَسَ ءَابََّنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّآءُ فَأَخَذْنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٥]. أي: أبطرتهم النعمة وأطغتهم الكثرة فأهلكناهم (٥). وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اَللَّهُ لِبَاسَ اُلْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢]. أي: جحد أهل هذه القرية نعم الله عليهم فعاقبهم الله (٦). والأنعم جمع نعمة، وهو جمع قلة، وذلك أنه قصد التنبيه على أن كفران النعم القليلة أوجب العذاب، فكفران الكثيرة أولى بإيجابه(٧) . وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةِ (٤) انظر: العذب النمير ١/ ٢٥٨، فتح البيان ٤/ ١٤١ - ١٤٢، معالم التفسير، البغوي ٢/ ١٢٤. (١) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٩/ (٥) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٦/ ٢٩٠٥. (٦) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥٪ ٦٨٨، وانظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٨/ ٤٢٨٤. (٧) انظر: البحر المحيط ٦/ ٦٠٣. فَضْو مَوَسُو ◌َرُ النفسي القرآن الكريم ٢٢٦ الإهلاك بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص ٥٨]. وأشار هنا إلى سبب الإهلاك بقوله: ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ أي: وقع منها البطر في زمان عيشها الرخي الواسع، فلما بطروا معيشتهم أهلكناهم (١). ﴿فَقَالُواْ رَبَّنَا بَعِدْ بَيْنَ وقال تعالى: أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْ أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَهُمْ أَحَادِيثَ ٠٨٠٠٠٠٠ وَمَزَّقْتَهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩]. أي: إنهم سئموا الراحة وبطروا النعمة، وكرهوا ما كانوا فيه من الخصب والسعة، فأرسل الله عليهم سيل العرم، ومزقهم كل ممزق (٢) وقال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كُفَيْهٍ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [الكهف: ٤٢]. أي: أهلك الله جنتیه، وهذا جزاء المتبطر المغرور وتلك عاقبة البطر والكبر (٣). وقال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَيِفٌ مِّن رَِّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. أي: أهلك الله جنتهم بسبب بطر النعمة والاغترار بالقوة (٤) ٠ (١) نظم الدرر، البقاعي ١٤/ ٣٢٧. (٢) انظر: التفسير البسيط ١٨/ ٣٥١، جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٨٩، في ظلال القرآن ٥/ ٢٩٠٢. (٣) انظر: في ظلال القرآن ٤ / ٢٢٧٠، التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥/ ٨٧١. (٤) انظر: التحرير والتنوير ٢٩/ ٨١. وسائل الإهلاك أولًا: المعجزات الخارقة: ١. الصيحة. أهلك الله تعالى بها أربعة من الأمم. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠] يريد: عادًا وثمود ومدين(٥)، وأصحاب القرية. قوم سيدنا صالح عليه السلام. قال الله تعالى في نهاية قصتهم: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَزِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [هود: ٦٧]. أي: أن ثمود قوم نبي الله صالح أنتهم صيحة من السماء فأهلكتهم (٦). وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَبِدَةٌ فَكَانُواْ كَهَشِيمٍ اَلُْخْتَظِرِ﴾ [القمر: ٣١]. قوم سيدنا لوط عليه السلام. قال الله تعالى تعقيبًا على إهلاك قوم لوط عليه السلام: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ﴾ [الحجر: ٧٣]. أي: أهلكوا بالصيحة (٧). * قوم سيدنا شعيب عليه السلام. قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا جََةَ أَمْرُنَا ◌َيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَا وَأَخَذَتِ (٥) انظر: التفسير البسيط ١٧/ ٥٢٥ بتصرف، وانظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ ١٨٥٨ بتصرف. (٦) التفسير البسيط ١١/ ٤٦٤ بتصرف. (٧) تأويلات أهل السنة ٦/ ٤٥٣. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الألف الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٩٤]. أي: أهلكوا بصيحة جبريل (١). أصحاب القرية. قال تعالى: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةٌ وَحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَلِمِدُونَ﴾ [يس: ٢٩]. أي: إن كانت إلا صيحة واحدة من جبريل فإذا هم موتی مثل النار إذا طفئت لا يسمع لها صوت(٢). ٢. الحجارة من السماء. أهلك الله تعالى بها قومين: قوم سيدنا لوط عليه السلام، وأصحاب الفيل. قوم سيدنا لوط عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّلٍ مَّنْصُورٍ﴾ [هود: ٨٢]. أي: منضود بعضه فوق بعض في السماء(٣). وقال تعالى ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]. وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبَا﴾ [العنكبوت: ٤٠]. يريد: قوم لوط أهلكناهم بالربح العاصفة التي تحمل الحصباء، وهي صغار الحصى (٤). (١) تأويلات أهل السنة ٦/ ١٧٧. (٢) تفسير مقاتل بن سليمان ٣/ ٥٧٧. (٣) التفسير البسيط ١١/ ٥١٥. (٤) انظر: التفسير البسيط ١٧ / ٥٢٥ بتصرف، وانظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ أصحاب الفيل. ﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن قال تعالى: سِجِيلٍ ﴾[الفيل: ٤]. أي: فجاءت الطير ورمتهم بالأحجار(٥). ٣. عذاب الظلة. وهو عذاب من السماء كان من جملة ما أهلك الله به قوم سيدنا شعيب، قال تعالى: فَكَذَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٨٩] والظلة: سحابة أظلتهم، فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها مما نالهم من حر ذلك اليوم ثم أطبقت عليهم (٦). ثانيًا: الآيات الكونية: ١. الصاعقة. هي صوت فيه نار لا تأتي على شيء إلا أحر قته (٧). وأهلك الله تعالى بها قوم صالح عليه السلام، وقوم هود عليه السلام، ومن شرط رؤية الله جهرة حتى يؤمن من قوم موسى عليه السلام. قوم سيدنا صالح عليه السلام. تَمَودَ فهديتهم وَأَمَّا قال تعالى: فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَحِقَةُ ١٨٥٨ بتصرف. (٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٦/ ٢٨٥. (٦) انظر: معاني القرآن وإعرابه الزجاج ٤ / ٩٨. (٧) انظر: درج الدرر في تفسير الآي والسور ط الفكر ١ / ١١٦. مَوَسُولَةُ النَِّّ القرآن الكريم ٢٢٨ الإهلاك اُلْعَذَابِ أَلُونِ﴾ [فصلت: ١٧]. أي: فأخذتهم واستأصلتهم الصاعقة (١). وقال تعالى: ﴿فَعَتَوْأُ عَنْ أَمْرِرَبِهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّحِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الذاريات: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّائِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]. والطاغية: هي الصاعقة نزلت عليهم .(٢) فأهلكتهم (٢). قوم سيدنا هود عليه السلام. قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَحِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ ﴾ [فصلت: ١٣] أي: صاعقة تصعقهم وتهلکهم کصاعقة عاد قوم هود، وثمود قوم صالح (٣). مَنْ شرط رؤية الله جهرة حتى يؤمن من قوم سيدنا موسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَنْ تُؤْمِنَ لَكَ حَقَّ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٥]. وهي نار جاءت من السماء فأحرقتهم جميعًا (٤) ٢. الرجفة (الزلزلة). الرجفة: الزلزلة الشديدة، والهزة وقيل: إنهم زلزلوا حتى ماتوا يومًا وليلة (٨). (١) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٨/ ٦٩٣. (٢) انظر: التحرير والتنوير ٢٩ / ١١٦. (٣) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٨/ ٦٨٨ بتصرف. (٤) التفسير البسيط ٢/ ٥٤١. العظيمة (٥). قوم سيدنا ثمود عليه السلام. قال تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٧٨]. والرجفة هي الزلزلة، ولا منافاة بين تسميتها صيحةً وتسميتها رجفةً؛ لأن المَلَك یصیح بھم من فوقهم، فإذا صاح بهم رجفت بهم الأرض وارتعدت، ففارقت أرواحهم أبدانهم (٦). قوم سيدنا شعيب عليه السلام. قال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَاصْبَحُوا فِى دَارِهِمْ جَثِمِينَ﴾ [الأعراف: ٩١]. أي: فاستحقوا الإهلاك فأخذتهم الرجفة وهي الزلزلة الشديدة المهلكة(٧). ■ السبعون من قوم سيدنا موسى عليه السلام. قال تعالى: ﴿وَأَخْثَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلَاً لِّمِيقَِنَّا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّنِ قَبْلُ وَإِنَنِىٌّ أَتْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَآءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي: فلما أخذتهم الزلزلة الشديدة، (٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه الزجاج ٢/ ٣٥١، العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٤ / ١٩٣. (٦) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣ / ٥١٩. (٧) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٣١٩. (٨) انظر: فتح البيان ٥/ ٣٠. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الألف ٣. الغرق. وقد أهلك الله تعالى به أمتین: أمة سیدنا نوح عليه السلام، وأهلك فرعون وقومه. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَأَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. يريد: قوم نوح وفرعون (١). وتفصيل ذلك: * قوم سيدنا نوح عليه السلام. قال تعالى: ﴿قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءَ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمُّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ﴾ [هود: ٤٣]. أي: غرقوا ولم يبق منهم ديار(٢). وقال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَهُمْ وَجَعَلْنَهُمْ لِلنَّاسِ ءَايَةٌ﴾ [الفرقان: ٣٧]. وقال تعالى: ﴿فَأَّنَهُ وَمَنْ مَعَدُ فِ اَلْفُلْكِ اَلْمَشْحُونِ ثُمَ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ﴾ [الشعراء: ١١٩ - ١٢٠ ]. فرعون وقومه. قال تعالى: ﴿فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَهُ وَمَن مَعَهُ جَمِيعًا﴾[الإسراء: ١٠٣]. فأغرقنا فرعون ومن معه من الجنود، فلم نبق منهم أحدًا(٣). (١) انظر: التفسير البسيط ١٧ / ٥٢٥ بتصرف. (٢) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٧٪ ٣٧١١. (٣) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥٪ وقال تعالى: ﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ. فَنَبَذْنَهُمْ فِ آلْيَرِ﴾ [القصص ٤٠]. أي: فألقيناهم جميعهم في البحر، فغرقناهم فيه (٤). ٤. الريح. وَأَمَا أهلك الله بها عادًا، فقال تعالى: عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجَ صَرْصَرٍ عَاتِبَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]. والصرصر: التي لها صوت شديد، أو ذات برد شدید (٥) . وقال تعالى: ﴿وَ فِ عَادٍ إِذْ أَرْ سَلْنَا عَلَّهِمُ الْرِيحَ الْحَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. و﴿اَلْرِّيحَ اَلْعَقِيَمَ﴾، هي التي لا تلقح شجرًا ولا تثير سحابًا، وهي عذاب على من أرسلت عليه (٦). وقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ شَّحِسَاتٍ﴾[فصلت: ١٦]. ٥. الخسف. أهلك الله به قارون. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠]. ٨١٥، تفسير مقاتل بن سليمان ٢/ ٥٥٣. (٤) انظر: جامع البيان، الطبري، ط هجر ١٨/ ٢٥٦. (٥) انظر: الهداية الى بلوغ النهاية ٤ / ٢٤٢٤، تفسير القرآن، السمعاني ٦/ ٣٥. (٦) انظر:، تفسير مجاهد ٢ / ٦٢، تفسير مقاتل ١٢٧، جامع البيان ٢٧ / ٤، فتح القدير ٨/ ٩٠، التفسير البسيط ٢٠/ ٤٥٥. ٢٣٠ مَوَسُولَة النَّبـ القرآن الكريم الإهلاك فغارت به، وغيبته في جوفها (١). وقال تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَبِدَارِهِ اُلْأَرْضَ﴾ [القصص ٨١]. ٦. قَلْبُ الديار. ٨. الحسبان من السماء. قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ أهلك الله بها قوم لوط فقال: ﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَلِيَهَا سَافِلَهَا﴾ [هود: كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنفَقَ فِيَهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ٨٢]. [الكهف: ٤٢]. ((وأحيط بثمره)) أي: أهلك جنته وماله أي: قلبناها فصار أعلاها إلى أسفل وأصول نخله وشجره(٥). وأسفلها إلى أعلى (٢). نتيجة لما أصاب الجنة من عذاب السماء وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْنَفِكَةَ أَهْوَى﴾ [النجم: الذي جعلها صعيدًا زلقًا (٦). ٥٣]. عليهم(٣). ٧. المسخ لليهود قردة وخنازير. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْتُمُ الَّذِينَ أَعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]. أي: فعوقبوا بمسخهم قردة في خلقهم أذلاء بعيدين عن الإنسانية صورة (٤). وهي كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَّوْاْ عَنْ مَّا نُهُواْ عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ (١) انظر: التفسير البسيط ١٧/ ٥٢٥ بتصرف، وانظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ ١٨٥٨ بتصرف. (٢) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٤/ ٢٣١. (٣) المصدر السابق ٣/ ١٧٣٠. (٤) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٣/ (٧) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٪ ١٥٣٧. ١٤٤، انظر: روح البيان ٥/ ٢٤٧٢٤٨. أي: أحاط بهذه الجنة نارًا نزلت من (٥) انظر: التفسير البسيط ١٤ / ١٢. (٦) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥٪ ٨٧٦. www. modoee.com ٢٣١ والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وهي قرى قوم لوط التي قلبها الله وأشجارها، أو عذابٌ من السماء يرميها به من برد أو صاعقة أو نار (٧). والشاهد أن هذا العذاب نزل من السماء وهو وسيلة من وسائل الإهلاك، لهذا اكتفيت بتسميته حسبانًا كما سماه القرآن الكريم. ٩. الطائف من السماء. قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآَيِفٌ مِّن رَّبِكَ وَهُمْ نَآيِمُونَ ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِم [القلم: ١٩- ٢٠]. كُونُواْقِرَدَةً خَسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦]. وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَالْغَنَازِيرَ﴾ [المائدة: ٦٠]. ﴿فَجَعَلْنَا عَلِيَهَا سَائِلَهَا﴾ [الحجر: ٧٤]. حرف الألف السماء فأحرقتها (١). ثالثًا: الأمراض والسلب: ١. الأمراض. الأوجاع والأسقام عامة. قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍمِّن نَِّيّ إِلَّاَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرَّآءِ﴾ [الأعراف: ٩٤]. أي: أخذناهم بالأمراض والأوجاع (٢) والأسقام (٢). ٥ الطاعون. قال تعالى: ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِى قِلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزَّا مِنَ السَّمَآءِ﴾[البقرة: ٥٩]. فالرجز: العذاب، وقيل: إن هذا العذاب طاعونٌ أنزله الله عليهم (٣). ويقوي ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الطاعون عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الطاعون رجسٌ أرسل على طائفةٍ من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم فإذا سمعتم به بأرضٍ فلا تقدموا علیه؛ وإذا وقع بأرضٍ وأنتم بها فلا تخرجوا؛ فرارًا منه، قال أبو النضر: لا يخرجكم إلا فرارًا منه) (٤). (١) المصدر السابق ١٠/ ١١٥ بتصرف. (٢) التفسير البسيط ٨/ ١٣٥، ١٣٦ بتصرف. (٣) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ١/ ١١٨. (٤) أخرجه البخاري، رقم ٣٢٣٨ كتاب أحاديث القرآن الكريم الأمراض الفتاكة المهلكة. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]. قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِ بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: ترى آكل مال اليتيم؛ وقد انتابته الأمراض الفتاكة المهلكة، وذهب المفسرون إلى أن المراد بالنار التي يأكلونها: نار الآخرة. والقول الذي ذهبنا إليه أولى لما نشاهده، ولقوله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ أي: في الآخرة (٥). ٢. القحط والمجاعة. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]. والسنين القحط والجدوية (٦) • قال عليه السلام: (اللهم سنين كسني يوسف) (٧). قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اَللَّهِ فَأَذَاقَهَا اَللَّهُ لِيَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]. الأنبياء باب حديث الغار. (٥) أوضح التفاسير ١/ ٩٢. (٦) انظر: التفسير البسيط ٩/ ٢٩٨،٢٩٦. (٧) أخرجه البخاري، رقم ١٠٠٦، كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه. ٢٣٢ الإهلاك عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحرقة(١). وقال تعالى: ﴿فَرْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِى أَلسَّمَاءُ يِدُخَانٍ مُّبِينٍ ﴾ [الدخان: ١٠]. أکثر المفسرون علی أن هذا الدخان کان حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم على قومه بمكة لما كذبوه فقال: (اللهم سنين كسني يوسف) فارتفع القطر، وأجدبت الأرض فأصابت قریشًا شدة المجاعة حتى أكلوا العظام والكلاب والجيف، فكان الرجل لما به من الجوع یری بينه وبين السماء دخان(٢). وقال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبِّوَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ﴾ [الروم: ٤١]. أي: القحط وقلة الأمطار (٣). ٣. الفقر وشدة البؤس. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَِّ مِّن قَبْلِكَ فَلَفَذْ نَهُم بِالْبَأْسَلِ وَالضَّرَِّ﴾ [الأنعام: ٤٢]. والمعنى: أرسلنا رسلاً فخالفوهم فأخذناهم ﴿يَلْبَأْسَكَةِ﴾ أي: الفقر وشدة البؤس (٤). ٤. الهلاك بقوة العدو والحروب. (١) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٣/ ٨٨، مفاتيح الغيب، الرازي ٣٠٠/٣٢. (٢) انظر: التفسير البسيط ٢٠/ ٩٨. (٣) انظر: تأويلات أهل السنة ٨/ ٢٨٣. (٤) انظر: التفسير البسيط ٨/ ١٣٥، ١٣٦ بتصرف. قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى النَّهُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] أي: أنكم إن لم تنفقوا في سبيل الله هلكتم، أي: عصيتم الله فهلكتم، وجائز أن يكون هلكتم: بتقوي عدوكم علیکم.والمعنى: لا تتركوا الجهاد فتهلكوا، فسمى ترك الجهاد تهلكة؛ لأنه يؤدي إلى الهلاك في الدنيا بقوة العدو وفي الآخرة بالعصيان(٥). ٥. الإهلاك ببلاء. مثل: الفيضان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم. ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْقُلُوفَانَ قال تعالى: وَاَلْجَادَ وَاَلْقُعَّلَ وَالضَّفَارِعَ وَاَلَدَّمَ ءَايَتٍ مُفَصَّلَتٍ ﴾ [الأعراف: ١٣٣]. ووقع الإهلاك لقوم فرعون بهذه الوسائل فأصاب الإهلاك زرعهم وحرثهم ونسلهم وأجسامهم (٦). ومنه قوله تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ رِيج فِيهَا صِرُّ أَصَابَتْ حَرْتَ قَوْمٍ ظَلَمُوْاْ أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ [آل عمران: ١١٧]. والمعنى: كمثل الريح التي تكون باردة يتوقع منها الناس الخير لزرعهم، فتهلكه وتجعله حطامًا، وتصيبه بالآفات الوبائية(٧). (٥) المصدر السابق ٣/ ٦٣٤، ٦٣٥ بتصرف. (٦) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٦/ ٢٩٣٥، معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن ١/ ٣١٥، أنوار التنزيل، البيضاوي ٣/ ٣٠. (٧) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٣/ ١٣٧٥، www. modoee.com ٢٣٣ حرف الألف وقد يرد في الذهن بعض الأسئلة، منها: لماذا ذكر القرآن أن إهلاك قوم شعيب عليه السلام كان تارة بالرجفة، وتارةً بالصيحة، وتارةً بالظلة؟ أخرى أصحاب الأيكة؟ والجواب: جمهور المفسرين على أن كل ذلك وقع لقوم شعيب، وأن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، والاسم مختلفٌ فیهما، والمسمی واحدٌ. قالوا: لما أراد الله أن یھلکھم صاح بهم الملك؛ ولذا قيل: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: آية ٩٤]. فلما صاح الملك اهتزت الأرض بهم هزًّا عنيفًا، ورجفت بهم رجفةً قويةً، فصار هو معنى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٩١]. ثم إن الله أضرم عليهم الظلة نارًا وما الظواهر الطبيعية التي أوجبت حمل الطير الأبابيل حجارة من سجیل ورمت بها أصحاب الفيل دون غيرهم، وكل ذلك ثابت بالتواتر لا يمكن إنكاره (٣). لماذا ذكر القرآن الكريم إهلاك قوم ثمود في موضع بقوله: ﴿فَأَخَذَ تَهُمُ الرَّجْغَةُ﴾، وفي موضع: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾ [هود: ٦٧]، وفي موضع: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ بتصرف. (١) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٦١٠،٦٠٩. (٢) انظر: روح البيان ٣/ ١٩٣. (٣) انظر: اللباب في علوم الكتاب ١٥/ ٧٧. ٢٣٤ مؤشر النفسي العضو القرآن الكريمِ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاعِيَةِ﴾ [الحاقة: ٥]؟ والجواب: لا تناقض في ذلك؛ لأن الرجفة مترتبة على الصيحة؛ لأنه لما صيح بهم رجفت قلوبهم فماتوا، فجاز أن يسند ولماذا يسميهم مرة أصحاب مدين، ومرة الإهلاك إلى كل واحدة منهما (٢). لِمَ لا يجوز أن يقال: إن العذاب النازل بعاد وثمود و قوم لوط وغیرهم ما كان بسبب كفرهم، بل كان بسبب الأحداث والظواهر الطبيعية؟ والجواب: ما الظواهر الطبيعية التي أوجبت نجاة بني إسرائيل من البحر وأغرقت فرعون وقومه في ساعة واحدة، وما الظواهر الطبيعية التي أوجبت الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم على القبط دون بني إسرائيل وهم معهم في بلد واحد، وما الظواهر الطبيعية التي نجت لوطًا ومن معه وأهلكت قومه وهم قريب منهم، فاحترقوا، فاجتمعت لهم الصیحة من أعلى، والرجفة من أسفل، وأحرقهم الله، واجتمع لهم ذلك کله (١). الإهلاك حكم الإهلاك لا تنفك الحكمة عن أفعال الله عز وجل وأقضیته، وأحكامه. ومن ذلك الإهلاك، فلا تخلو حالةٌ من حالات الإهلاك التي قدرها الله تعالى من حِگم. ومن تلك الحِگم: أولًا: بيان قدرة الله تعالى: من حكم الإهلاك أنها تبين قدرة الله تعالی من وجوه: ١. أن الله تعالي قادرٌ على إهلاك العالم بأسره وإعادته إن شاء. قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَ اخَرِينَ﴾ [الأنعام: ٦]. أي: أن الذي أهلك من قبلهم وأنشأ بعدهم قرنًا آخرين قادر على أن يهلك العالم بأسره، وقادر على الإعادة بعد الإهلاك(١). ٢. أن الله تعالى قادر على الإهلاك في أي زمان ومكان وبأي وسيلة. قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبٍ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْنَهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَنىِّ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. أي: تقدر على إهلاكي(٢). وقال تعالى: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِ تَقَلُّبِهِمْ فَمَا (١) انظر: التفسير البسيط ٨/ ٢٢. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة ٥/ ٤٩. هُم بِمُعْجِزِينَ﴾ [النحل: ٤٦]. وقال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَهُمُّ إِنَّفِ ذَلِكَ لَآَيَّةٌ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٩]. أي: إن في ذلك الذي أنزله الله بعاد لبرهانًا على قدرة الله (٣). ٣. أن الله تعالى قادر على إهلاك العالم بأسره وإنشاء غيره متى أراد. قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ ◌ِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذَلِكَ عَلَى اَللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [فاطر: ١٦ - ١٧]. أي: إن الله تعالى قادر على أن يذهبهم وأن يفنيهم، فالإفناء أسهل من الإنشاء، فمن قدر على الإفناء قادر على الإنشاء الثاني (٤). وقال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِ كُم مَّايَشَآءُ ﴾ [الأنعام: ١٣٣]. والمعنى: إن يشأ الله يذهبكم بإهلاككم وإفنائکم ویأت بناس آخرين غيركم(٥). ٤. أن الله تعالى قادر على الإهلاك فجأة بسوط عذابه تأديبًا للغافلين. قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَلْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِّكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ (٣) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧/ ١٦١٠. (٤) انظر: زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٨/ ٤٠١٣. (٥) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥/ ٤٨٣. www. modoee.com ٢٣٥ حرف الألف يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥]. الله(١). ٥. القدرة على إهلاك الكافرين واختيار يتبجحون به ويتطاولون (٥). نجاة المؤمنين من العذاب. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَحْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥]. وفيه فائدتان: إحداهما: بيان القدرة والاختيار أي قدرة الله تعالى على إهلاك الكافرین واختياره سبحانه نجاة المؤمنین، فيصيب الهلاك الفاجر وينجوا منه البار (٢). ٦. أن الله قادر على الإهلاك فلا يعجزه شيء، فلا يعجزه سبحانه قوة أو شدة. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبِرُوا فِى الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ﴾ [فصلت: ١٥]. أي: أنهم ظنوا أنهم قادرون على دفع ما نزل بهم من العذاب، فرد الله علیهم بأن الله أشد منهم قدرة (٣). أي: إن كنا أهلكنا الذين هم أقوى منكم وقال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشًا بأضعافٍ فعليكم أن تحذروا بطشنا (٧). وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٨]. (١) انظر: التيسير في أحاديث التفسير ٢/ ١٣٢. (٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ١٨١. (٣) انظر: فتح البيان ١٢/ ٢٣٦. أي: لم یعجزنا أحد منهم (٤). ولا يعجزه كثرة المال ولا قوة الآلات والمعنى: أنه قادر على أن يؤدبهم بسوط والأنصار، قال تعالى: ﴿وَكَُّأَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن عذابه فجأة، فهو ((العذاب التأديبي)) من قَرْدٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَثًا وَرِهْيًا﴾[مريم: ٧٤]. أي: لا ينبغي أن يغرهم هذا الذي وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةٌ وَأَكْثَرُ جمعًا﴾ [القصص ٧٨] أي: أن الله تعالى قد أهلك من هو أشد منه قوة في الآلات، وجمعًا للأعوان والأنصار والأموال(٦). والآيات التي تدل على قدرة الله على الإهلاك - مهما كانت الأمم المهلكة أشد قوة أو بطشًا أو تمكنًا في الأرض -كثيرة منها، قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعِ وَلَّذِينَ مِن قَبْلِهِ أَمْلَكْنَهٌ﴾[الدخان: ٣٧]. وَكَيْنِ مِّن قَرْيَّةٍ هِىَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَئِكَ أَلَِّيَّ أَخْرَجَنْكَ أَهْلَكْنَهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]. ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا﴾ [ق: ٣٦]. (٤) لطائف الإشارات، القشيري ٣/ ٣٦٢. (٥) انظر: أيسر التفاسير للجزائري ٣/ ٣٢٧. (٦) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٧٪ ١٨١٠. (٧) العذب النمير ٥/ ٦٢٧ بتصرف، وانظر: جامع مُوسُو ◌َة النفسية القرآن الكريم ٢٣٦ الإهلاك ثانيًا: إظهار العدل الإلهي بين العباد. ومن حكم الإهلاك أنها تبرز العدل الإلهي بين عباده تعالى، ومن صور ذلك العدل: ١. أن الله تعالى لم يهلك أحدًا ظلمًا. قال تعالى: ﴿فَلَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَهُمْ غُثَلَهُ فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون: ٤١]. أي: أهلكهم بالجزاء العدل الذي يستحقونه(١). وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَّمْ يَكُنْ رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٣١]. يقول ابن عاشور: ((وجملة لم يكن ربك مهلك القرى بظلم هو شأن عظيم من شؤون الله تعالى، وهو شأن عدله، فبين بهذه الآية أن هذا هو العدل)» (٢). وقال تعالى: ﴿أَلَ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوَّمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِثْزَهِيمَ وَأَصْحَبِ مَنْيَنَ وَاَلْمُؤْتَّفِكَتِ أَنَنَّهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِّ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [التوبة: ٧٠]. البيان، الطبري ٢٠/ ٥٥٢. (١) معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن ١/ ٤٢٨. العظیم، ابن کثیر ٦/ ٢٤٨. ﴿ فَكَيْنِ مِّن قَرْيَةٍ وقال تعالى: أَمْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ﴾ [الحج: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكٍ اَلْقُرَىّ إِلَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩]. وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم، حيث أخبر بأنه لا يهلكهم إلا إذا استحقوا الهلاك بظلمهم (٣). ٢. أن الله تعالى لم يترك حجة لمعتذر عند إهلاکه. فالعدل الإلهي اقتضى ألا يكون هلاك وعقاب في الدنيا إلا بعد بيان الحجة وإقامة البرهان (٤). قال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَنُهُمْ إِذْ جَآءَهُم بِأَسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَلِينَ﴾ [الأعراف: ٥]. فالله تعالى لا يأخذ ظلمًا، ولذا القرى التي دمرها لم تكن عندهم دعوی یعتذرون بها (٥) . وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَمْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَالَمَا مُنْذِرُونَ ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَلِينَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨ - ٢٠٩]. (٣) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ٤٢٤، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣/ ٣٠٢. (٤) انظر: انظر: التفسير الوسيط الزحيلي ٢/ ١٢٧٦ . (٢) انظر: التحرير والتنوير ٨/ ٨١، تفسير القرآن (٥) العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير ٣/ ٤٩. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الألف يقول ابن كثير: ((ثم قال الله تعالى مخبرًا ثالثًا: الاعتبار بمصير المهلكين: عن عدله في خلقه: أنه ما أهلك أمة من الأمم إلا بعد الإعذار إليهم)) (١). ٣. أن الله تعالى يعاقب العاصي، فيهلكه، ویثیب الطائع فینجيه. فالعدل الإلهي بين العباد يقتضي التفاوت بين الأمم، فيهلك الله الظالمين، وينعم على الطائعين (٢). قال تعالى: ﴿فَلَمَا جَاءَ أَمْرُنَا نَتْنَا صَلِحًا وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِىُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ اَلَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَرِهِمْ جَشِينَ﴾ [هود: ٦٦ - ٦٧]. فقد اقتضى العدل الإلهي ورحمة الله إنجاء صالح عليه السلام ومن آمن معه، وإهلاك قبيلة ثمود (٣). ولهذا قال سيدنا هود عليه السلام مخاطبًا قومه: ﴿إِنَّ رَبٍِّ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦]. أي: على الحق والعدل، فهذا تمثيل لعدله واستقامة تدبيره لخلقه، وجزائه لهم بالثواب والعقاب (٤). (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ١٦٥. (٢) التفسير المنير الزحيلي ٧ / ١٢٨. (٣) المصدر السابق ١٢/ ١٠٣. (٤) انظر: باهر البرهان فى معانى مشكلات القرآن ٢/ ٦٦٧، التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٤/ ٢١١. قال تعالى: ﴿أَلَّيَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِم مِّن قَّرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَوْ نُمَّكِّنْ لَـ [الأنعام: ٦]. قال الحسن: ﴿أَلَيَرَوْا﴾ ألم يعتبروا من کثرة إهلاكنا القرون قبلهم (٥). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَثْبَاءِ الْقُرَى نَقُضُّهُ. عَلَيْكٌ مِنْهَا قَآَبِهٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. أي: ما قصه الله سبحانه من أخبار الأمم السالفة، هو مقصوص عليك لتخبر به قومك لعلهم يعتبروا (٦). وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدٍ لَمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّنَ الْقُرُونِ﴾ [طه: ١٢٨]. والمعنى: ألم يعتبروا (٧). وقال تعالى: ﴿وَيَسْتَعِْلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَّةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُّ﴾ [الرعد: ٦]. أي: أنهم قد مضت من قبلهم عقوبات الأمم السابقة، فما لهؤلاء لم يعتبروا بتلك الأمم؟ (٨). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِن مُذَكِرٍ ﴾ [القمر: ٥١]. (٥) تأويلات أهل السنة ٤ / ٢٢. (٦) انظر: فتح البيان ٦/ ٢٤٢. (٧) زهرة التفاسير، محمد أبو زهرة ٩/ ٤٨٠٨ بتصرف. (٨) التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٥/ ٤١١. ـَالنَّة جويق القرآن الكريم ٢٣٨