Indexed OCR Text

Pages 21-34

الإنذار
وقال عن الأمم السابقة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ
تَأْنِمْ رُسُلُهُم بِالْبِنَتِ فَقَالُواْ أَبَشَرٌ بَدُونَنَا فَكَفَرُواْ
وَقَوْلُواْ وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىُّ حَمِيدٌ﴾ [التغابن: ٦].
وبين سبحانه وتعالى لرسوله صلى
الله عليه وسلم أن الذين جحدوا ما أنزل
إليك من ربك استكبارًا وطغيانًا، لن يقع
منهم الإيمان، سواء أخوفتهم وحذرتهم
من عذاب الله، أم تركت ذلك؛ لإصرارهم
على باطلهم، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَوَآءُ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْلَا يُؤْمِنُونَ﴾
[البقرة: ٦].
وقال تعالى: ﴿وَسَوَُّ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ
لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يس: ١٠].
فالإنذار لا ينفع قلبًا غير مهيأً للإيمان،
مشدود عنه، محال بينه وبينه بالسدود،
فالإنذار لا يخلق القلوب، إنما يوقظ القلب
الحي المستعد للتلقي.
٤. الإعراض.
أخبر سبحانه وتعالى أن الذین جحدوا أن
الله هو الإله الحق معرضون عما أنذرهم به
القرآن، لا يتعظون ولا يتفكرون، قال تعالى:
﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَّا إِلَّا بِالْحَقِّ
وَأَجَلٍ مُسَتَّىَّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّا أُنْذِرُواْ مُعْرِضُونَ ﴾
[الأحقاف: ٣].
٢. الناس كافة:
أخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن على
الرسول صلى الله عليه وسلم بلاغًا وإعلامًا
للناس؛ لنصحهم وتخويفهم، ولكي يوقنوا
أن الله هو الإله الواحد، فيعبدوه وحده
لا شريك له، وليتعظ به أصحاب العقول
السليمة، قال تعالى: ﴿هَذَا بَلَغُ لِلنَّاسِ
وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ، وَلِيَعْلَمُوْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَجِدٌ وَلِيَذَكَّرَ
أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
((إن الغاية الأساسية من ذلك البلاغ وهذا
الإنذار هي أن يعلم الناس: ﴿أَنََّا هُوَ إِلَهُ
وَحِدٌ﴾ فهذه هي قاعدة دين الله التي يقوم
عليها منهجه في الحياة.
وليس المقصود بطبيعة الحال مجرد
العلم، إنما المقصود هو إقامة حياتهم على
قاعدة هذا العلم، المقصود هو الدينونة لله
وحده، ما دام أنه لا إله غيره، فالإله هو الذي
يستحق أن يكون ربًا -أي: حاكمًا وسيدًا
ومتصرفًا ومشرعًا وموجهًا-، وقيام الحياة
البشرية على هذه القاعدة يجعلها تختلف
اختلافا جوهريًا عن كل حياة تقوم على
قاعدة ربوبية العباد للعباد - أي حاكمية العباد
للعباد ودينونة العباد للعباد-، وهو اختلافٌ
يتناول الاعتقاد والتصور، ويتناول الشعائر
والمناسك، كما يتناول الأخلاق والسلوك،
والقيم والموازين، وكما يتناول الأوضاع
السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكل
www. modoee.com
٣٠٧

حرف الألف
جانب من جوانب الحياة الفردية والجماعية عليه وسلم أنه أرسله رحمة؛ لينذر قومًا لم
على السواء.
إن الاعتقاد بالألوهية الواحدة قاعدة
لمنهج حياة متكامل، وليس مجرد عقيدة
مستكنة في الضمائر، وحدود العقيدة أبعد
کثیرًا من مجرد الاعتقاد الساكن، إن حدود
العقيدة تتسع وتترامى حتى تتناول كل
جانب من جوانب الحياة، وقضية الحاكمية
بكل فروعها في الإسلام هي قضية عقيدة،
كما أن قضية الأخلاق بجملتها هي قضية
عقيدة، فمن العقيدة ينبثق منهج الحياة
الذي يشتمل الأخلاق والقيم، كما يشتمل
الأوضاع والشرائع سواء بسواء)»(١).
٣. العالمون:
أخبر سبحانه وتعالى في القرآن أنه نزل
القرآن الفارق بين الحق والباطل على عبده
محمد صلى الله عليه وسلم ؛ ليكون رسولًا
للإنس والجن، مخوفًا لهم من عذاب الله.
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِى نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى
عَبْدِهِ، لِيَكُونَ لِلْعَلَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١].
فالمراد بـ(العالمين) هنا الإنس والجن؛
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان
رسولًا إليهما، ونذيرًا لهما (٢).
٤. الأقوام:
أخبر سبحانه وتعالى الرسول صلى الله
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤/ ٢١١٤.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣ /٢.
يأتهم من قبله من نذير؛ لعلهم يتذكرون
الخير الذي جاء به فيفعلوه، والشر الذي
نھی عنه فیجتنبوه.
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ اُلْتُورِ إِذْ
نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّيِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمَّامَّاً
أَتَنَّهُم مِّن نَّذِيٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
﴾ [القصص: ٤٦].
وقال سبحانه للرسول صلى الله عليه
وسلم: واذكر -أيها الرسول- نبي الله هودًا
-أخا عاد في النسب لا في الدين- حين
أنذر قومه أن يحل بهم عقاب الله، وهم
في منازلهم المعروفة بـ(الأحقاف): وهي
الرمال الكثيرة جنوب الجزيرة العربية، وقد
مضت الرسل بإنذار قومها قبل هود وبعده،
بأن لا تشرکوا مع الله شيئًا في عبادتكم له،
إني أخاف عليكم عذاب الله في يوم يعظم
هوله، وهو يوم القيامة.
وقال سبحانه وتعالى على لسان نوح عليه
السلام يا قومي إني نذير لكم بين الإنذار من
عذاب الله إن عصيتموه.
قال تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِّ لَكُنْنَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾
[نوح: ٢].
وقال سبحانه وتعالى عن قوم فرعون:
ولقد جاء أتباع فرعون وقومه إنذارنا بالعقوبة
لهم على كفرهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ
فِرْعَوْنَ النَّذُرُ﴾ [القمر: ٤١].
٣٠٨
القرآن الكريمِ

الإنذار
قال الشنقيطى رحمه الله: ((قوله:
ءَالَ مِرْعَوْنَآلنُّذُرُ﴾ قيل: هو جمع نذيرٍ، وهو
الرسول، وقيل: هو مصدرٌ بمعنى الإنذار،
فعلى أنه مصدرٌ فقد بينت الآيات القرآنية
بكثرةٍ أن الذي جاءهم بذلك الإنذار هو
موسى وهارون، وعلى أنه جمع نذيرٍ أي
منذرٍ، فالمراد به موسى وهارون، وقد
جاء في آياتٍ كثيرةٍ إرسال موسى وهارون
لفرعون، كقوله تعالى في طه: ﴿ فَأْنِيَاءُ
فَقُولَا إِنَّا رَسُولًا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ وَلَا
تُعَذِّبْهُمَّ قَدْ جِئْنَكَ بِئَايَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ [طه: ٤٧].
ثم بین تعالی إنذارهما له في قوله: ﴿إِنَّا
قَدْ أُوحِىَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلََّ﴾
[طه: ٤٨](١)).
وهنا تساؤل: لماذا جمع النذر؟
قال الشنقيطي رحمه الله: ((لأن من کذب
رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين،
ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع
النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدةٌ،
وهي مضمون لا إله إلا الله، قال تعالى:
﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِىّ
إِلَيْهِ أَنَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّ أَنْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: من اهتدى، وأعرض من أعرض (٤).
٢٥]» (٢) .
٥. العشيرة الأقربون:
أمر الله رسوله أن يحذر من عذابه
(١) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٤٨٤.
(٢) المصدر السابق.
الأقرب فالأقرب من قومه، قال تعالى:
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
عن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال:
لما أنزل الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الأَقْرین ﴾ أتى النبي صلى الله عليه وسلم
الصفا، فصعد عليه ثم نادى: (يا صباحاه)
فاجتمع الناس إليه بين رجلٍ يجيء إليه وبين
رجلٍ يبعث رسوله، فقال رسول الله صلى
الله علیه وسلم: (يا بني عبد المطلب، یا
بني فهرٍ، يا بني لؤيٍ، أرأيتم لو أخبرتكم أن
خيلًا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم
صدقتموني؟) قالوا: نعم، قال: «فإني نذيرٌ
لکم بین یدي عذاب شديد» فقال أبو لهبٍ:
تبًا لك سائر اليوم، أما دعوتنا إلا لهذا؟
وأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِى لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
[المسد: ١](٣).
فلما أمر رسول الله بإنذار عشيرته امتثل
هذا الأمر الإلهي، فدعا سائر بطون قريش،
فعمم وخصص، وذكرهم ووعظهم، ولم
یبق صلی الله عليه وسلم من مقدوره شيئًا،
من نصحهم، وهدایتهم، إلا فعله، فاهتدى
٦. أم القرى وما حولها:
أخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
سورة تبت يدا أبي لهب، رقم ٤٩٧١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٩٨.
www. modoee.com
٣٠٩

حرف الألف
على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ليخوف
به من عذاب الله وبأسه أهل (مكة) ومن
حولها من أهل أقطار الأرض كلها، قال
تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنْزَلْتَهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقٌ
الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَاً وَالَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِلْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِّ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ
يُحَافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٩٢].
كما أخبر سبحانه وتعالى أنه كما أوحى
إلى الأنبياء قبل الرسول الكريم أوحى إلى
الرسول الكريم صلی الله علیه وسلم قرآنًا
عربيًّا؛ لينذر أهل (مكة) ومن حولها من
سائر الناس، وينذر عذاب يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا
عَرَبِيًّا لِنُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهًا وَتُنْذِرَ يَوْمَ
اٌلْجَمْعِ لَا رَيِّبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى
السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
وأم القرى: هي مکة ومن حولها من سائر
البلاد شرقًا وغربًا، وسميت مكة أم القرى؛
لأنها أشرف من سائر البلاد.
روى الترمذي بسنده عن عبد الله ابن
عدي بن حمراء قال: رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم واقفًا على الحزورة، فقال:
(والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض
الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما
خرجت)(١).
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب المناقب،
باب في فضل مكة، ٧٢٢/٥، رقم ٣٩٢٥.
وصححه الألباني في الجامع الصغير،
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٧. الظالمون:
أخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل کتابه بلسان
عربي؛ لينذر الذين ظلموا أنفسهم بالكفر
والمعصية، وبشرى للذين أطاعوا الله،
فأحسنوا في إیمانهم وطاعتهم في الدنيا، قال
تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِ كِنَبُ مُوسَىَ إِمَامًا وَرَحْمَةً
وَهَذَا كِتَبُ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ أَلَّذِينَ
ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ﴾ [الأحقاف: ١٢].
والذين ظلموا هم المشركون، كما قال
الله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:
١٣].
ويلحق بهم الذين ظلموا أنفسهم من
المؤمنين؛ ولذلك قوبل بالمحسنين وهم
المؤمنون الأتقياء؛ لأن المراد: ظلم النفس،
ويقابله الإحسان، والنذارة مراتب، والبشارة
مثلها (٢).
٨. المؤمنون:
لقن الله سبحانه وتعالى الرسول صلى
الله عليه وسلم أنه ما هو إلا رسول الله
أرسله؛ ليخوف من عقابه، ویبشر بثوابه قومًا
يصدقونه، ويعملون بشرعه، فقال: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا
نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨].
والرسول صلى الله عليه وسلم نذير
وبشير للناس أجمعين، ولكن الذين
(يؤمنون) هم الذين ينتفعون بما معه من
١١٩٢/٢، رقم ٧٠٨٩.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٦/٢٦.
٣١٠

الإنذار
النذارة والبشارة، فهم الذین یفقهون حقيقة
ما معه، وهم الذین یدرکون ما وراء هذا
الذي جاء به.
ثم هم بعد ذلك خلاصة البشرية كلها،
كما أنهم هم الذین یخلص بهم الرسول من
الناس أجمعين.
إن الكلمة لا تعطي مدلولها الحقيقي إلا لا يقبل الإنذار، ولا ينتفع به؛ لأن أرضه غیر
للقلب المفتوح لها، والعقل الذي يستشرفها
ويتقبلها، وإن هذا القرآن لا يفتح كنوزه، ولا
يكشف أسراره، ولا يعطي ثماره إلا لقوم
يؤمنون (١).
كما أخبر سبحانه وتعالى أن المؤمنين
ينذر بعضهم بعضًا.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ
كَفَّةُ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ
لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَمُوْاْ
إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].
من صفات المؤمنين المنتفعين بالإنذار:
١. القلوب الحية.
أخبر سبحانه وتعالى أن الإنذار يؤثر في
صاحب القلب الحي المستنير البصيرة، قال
تعالى: ﴿لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَ الْقَوْلُ عَلَى
اَلْكَفِرِينَ﴾ [يس: ٧٠].
عن قتادة رحمه الله: ((حي القلب، حي
البصر))(٢).
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤١٠/٣.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٤٨١/١٩.
فأخبر سبحانه وتعالى أن الانتفاع بالقرآن
والإنذار به إنما يحصل لمن هو حي القلب،
كما قال في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِى ذَلِكَ
لَذِكْرَىْ لِمَنْ كَانَ لَهُ، قَلْبُ﴾ [ق: ٣٧].
فأخبر سبحانه أن الناس قسمان: حيّ
قابلٌ للانتفاع، يقبل الإنذار وينتفع به، وميتٌ
زاكية، ولا قابلةٍ لخيرٍ ألبتة (٣).
٢. الذين يخشون ربهم بالغيب ويقيمون
الصلاة.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا نُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ
رَّهُمٍ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُواْ الصَّلَوَةٌ وَمَن تَزََّّ فَإِنَّمَا
يَتَزَّكَى لِنَفْسِهِ، وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ ﴾
[فاطر:
١٨].
أي: هؤلاء الذين يقبلون النذارة،
وينتفعون بها، أهل الخشية لله بالغيب، الذین
يخشونه في حال السر والعلانية، والمشهد
والمغيب، وأهل إقامة الصلاة، بحدودها
وشروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها؛
لأن الخشية لله تستدعي من العبد العمل
بما يخشى من تضييعه العقاب، والهرب مما
يخشى من ارتكابه العذاب، والصلاة تدعو
إلى الخير، وتنهى عن الفحشاء والمنكر (٤).
٣. الذین یخافون أن یحشروا إلى ربهم.
أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله
(٣) مدارج السالكين، ابن القيم ٢٣٤/١.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٨٧.
www. modoee.com
٣١١

حرف الألف
عليه وسلم أن يخوف بالقرآن الذين يعلمون فيه من أحكام الله، وخاف الرحمن، حيث
لا يراه أحد إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا
◌ُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِىَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِّ
فَبَشِّرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [يس: ١١].
أنهم يحشرون إلى ربهم، قال تعالی:
﴿ وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوَإِلَى رَبِّهِمٌ
لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ، وَلِىٌّ وَلَا شَفِيعُ لَّعَلَّهُمْ يَنَّقُونَ﴾
[الأنعام: ٥١].
واتباع الذكر: هو العمل بما في كتاب الله
وخص الذين يخافون أن يحشروا؛ لأن تعالى، والاقتداء به (٣).
الإنذار يؤثر فيهم لما حل بهم من الخوف،
بخلاف من لا يخاف الحشر من طوائف
الكفر؛ لجحوده به وإنكاره فإنه لا يؤثر فيه
ذلك(١).
وعرفوا بالموصول؛ لما تدل عليه الصلة
من المدح، ومن التعليل بتوجيه إنذاره إليهم
دون غيرهم؛ لأن الإنذار للذين يخافون
أن يحشروا إنذارٌ نافعٌ، خلافًا لحال الذين
ينكرون الحشر، فلا يخافونه فضلًا عن
الاحتياج إلى شفعاء.
و﴿أَن يُحْشَرُواْ﴾: مفعول ﴿يَخَافُونَ ﴾،
أي: يخافون الحشر إلى ربهم فهم يقدمون
الأعمال الصالحة وینتهون عما نهاهم خيفة
أن يلقوا الله وهو غير راضٍٍ عنهم، وخوف
الحشر يقتضي الإیمان بوقوعه (٢).
٤. المتبعون للذكر.
بين الله سبحانه وتعالى للرسول صلى
الله عليه وسلم من ينتفعون بالإنذار، فقال:
إنما ينفع تحذيرك من آمن بالقرآن، واتبع ما
(١) فتح القدير، الشوكاني ١٣٦/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤٤/٧.
والذي اتبع القرآن، وخشي الرحمن
دون أن يراه هو الذي ينتفع بالإنذار، فكأنه
هو وحده الذي وجه إليه الإنذار. و کأنما
الرسول صلی الله علیه وسلم قد خصه به،
وإن كان قد عمم، إلا أن أولئك حيل بينهم
وبين تلقيه، فانحصر في من اتبع الذكر
وخشي الرحمن بالغيب.
وهذا يستحق التبشير بعد انتفاعه
بالإنذار: ﴿فَشِّرُهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾
المغفرة عما يقع فيه من الخطايا غير مصر،
والأجر الكريم على خشية الرحمن بالغيب،
واتباعه لما أنزل الرحمن من الذكر، وهما
متلازمان في القلب، فما تحل خشية الله في
قلب إلا ويتبعها العمل بما أنزل، والاستقامة
على النهج الذي أراد (٤).
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٤٨/٤.
(٤) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٦٠/٥.
٣١٢
مُوسُو ◌َةُ النَّ
القرآن الكريم

الإنذار
المنذر منه أو المحذر منه
هذا الموضع يتحدث عن المنذر منه أو
المحذر منه فیما یآتي:
أولًا: عقوبات دنيوية:
١. طمس الأعين:
أخبر سبحانه عن لوط عليه السلام فقال:
ولقد خوف لوط قومه بأس الله وعذابه، فلم
یسمعوا له، بل شکوا في ذلك، و کذبوه، قال
تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْاْ بِالنَّذُرِ
وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُّنَهُمْ
فَذُوقُواْ عَذَابِ وَنُذُرٍ () وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ
[القمر: ٣٦-٣٨].
مُسْتَقِرُّ﴾
قال ابن زيدٍ رحمه الله: «هؤلاء قوم لوط
حين راودوه عن ضيفه، طمس الله أعينهم،
فكان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا
يعملون، فقالوا: إنا لا نترك عملنا، فإياك أن
تنزل أحدًا أو تضیفه، أو تدعه ينزل عليك،
فإنا لا نتركه ولا نترك عملنا، قال: فلما جاءه
المرسلون خرجت امرأته الشقية من الشق،
فأتتهم فدعتهم، وقالت لهم: تعالوا فإنه قد
جاء قومٌ لم أر قط أحسن وجوهًا منهم،
ولا أحسن ثيابًا، ولا أطيب أرواحًا منهم،
قال: فجاءوه یهرعون إليه، فقال: إن هؤلاء
ضيفي، فاتقوا الله ولا تخزوني في ضيفي،
قالوا: أولم ننهك عن العالمين؟ أليس قد
تقدمنا إليك وأعذرنا فيما بيننا بينك؟ قال:
هؤلاء بناتي هن أطهر لكم، فقال له جبريل
عليه السلام: ما يهولك من هؤلاء؟ قال:
أما ترى ما يريدون؟ فقال: إنا رسل ربك لن
يصلوا إليك، لا تخف ولا تحزن إنا منجوك
وأهلك إلا امرأتك، لتصنعن هذا الأمر
سرًا، وليكونن فيه بلاءً؛ قال: فنشر جبريل
عليه السلام جناحًا من أجنحته، فاختلس
به أبصارهم، فطمس أعينهم، فجعلوا يجول
بعضهم في بعضٍ»(١).
٢. الصاعقة:
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُّكُمْ
صَلِقَةٌّمِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣].
الصاعقة: نارٌ تخرج مع البرق تحرق ما
تصيبه، وتطلق على الحادثة المبيرة السريعة
الإهلاك (٢).
٣. المطر المدمر:
قال تعالى: ﴿وَمَطَرْنَا عَلَيْهِ مَطَرًا فَسَآءَ مَطَرٌ
الْمُذَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٣].
قال ابن عطية رحمه الله: (((المطر) الذي
مطر عليهم هي حجارة السجيل، أهلكت
جميعهم، وهذه الآية أصل لمن جعل من
الفقهاء الرجم في اللوطية))(٣). وسمي ما
أصابهم من الحجارة مطرًا؛ لأنه نزل عليهم
(١) أخرجه الطبري في تفسيره ٢٢/ ١٥١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٤/ ٢٥٣.
(٣) المحرر الوجيز ٢٦٥/٤.
www. modoee.com
٣١٣

حرف الألف
من الجو، وقيل: هو من مقذوفات براكين
في بلادهم أثارتها زلازل الخسف، فهو
تشبيه بليغٌ (١).
٤. العذاب الشديد:
قال تعالى: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحِهِمْ فَسَآءَ صَبَاحُ
الْمُنذَرِينَ﴾ [الصافات (١٧٧)].
أي: فإذا نزل العذاب بمحلتهم فبئس
ذلك الیوم یومهم بإهلاکهم ودمارهم، وقال
السدي رحمه الله: ﴿فَإِذَا نَزَّلَ بِسَاحِهِمْ﴾
يعني: بدارهم، ﴿فَآءَ صَبَّاعُ الْمُذَّرِينَ﴾
أي: فبئس ما يصبحون، أي: بئس الصباح
صباحهم(٢).
وفي هذا المعنى روى البخاري بسنده
عن أنسٍ رضي الله عنه «أن رسول الله صلی
الله عليه وسلم أتی خیبر ليلًا، وكان إذا أتى
قومًا بلیلِ لم یغر بھم حتی یصبح، فلما أصبح
خرجت اليهود بمساحيهم ومكاتلهم، فلما
رأوه قالوا: محمدٌ والله، محمدٌّ والخميس،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (خربت
خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قومٍ ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ
اُلْمُنذَرِينَ﴾﴾ (٣).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٨١/١٩.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤١/٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب غزوة خيبر، ١٣١/٥، رقم
٤١٩٧، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح،
باب فضيلة إعتاقة أمته، ثم يتزوجها، ٢/
١٠٤٥، رقم ١٣٦٥.
وذكر الصباح؛ لأنه من علائق الهيئة
المشبه بها، فإن شأن الغارة أن تكون في
الصباح؛ ولذلك كان نذير المجيء بغارة
عدوٍ ينادي: يا صباحاه! نداء ندبةٍ وتفجع،
واعلم أن في اختيار هذا التمثيل البديع
معنَى بديعًا من الإيماء إلى أن العذاب الذي
وعدوه هو ما أصابهم يوم بدرٍ من قتلٍ وأسٍ
على طريقة التورية (٤).
٥. الصيحة:
أخبر سبحانه وتعالى عن تكذيب ثمود
بالآيات التي أنذروا بها، ومصيرهم بعد
التكذيب، فقال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ
فَقَالُواْ أَبَرًا مِنَا وَحِدًا تَّعُهُ إِنَّ إِذَا لَّفِىِ ضَلَلٍ
٢٣
وَسُعُرٍ ، أَلْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ
أَشِرٌ ن سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الأَثِرُ ))
إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةٌ لَّهُمْ فَأَرْتَقِبْهُمْ وَأَصْطَيْ
وَنَبِّهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ تُخْتَضَرٌ (
٢٨
فَتَادَوْاْ صَاحِبٌ فَنَعَاطَىْ فَعَقَرَ ا فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ
وَنُذُرٍ ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَجِدَةً فَكَانُواْ
كَهَشِيرِ الْخْنَظِرِ﴾
[القمر: ٢٣-٣١].
والصيحة: الصاعقة، وهي المعبر عنها
بالطاغية في سورة الحاقة، وفي سورة
الأعراف بالرجفة، وهي صاعقةٌ عظيمةٌ
خارقةٌ للعادة أهلكتهم؛ ولذلك وصفت
بـ(واحدةٌ)؛ للدلالة على أنها خارقةٌ للعادة؛
إذا أتت على قبيلةٍ كاملٍ وهم أصحاب
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٩٨/٢٣.
مَوَسُوبَةُ النَِّيَة
القرآن الكريم
٣١٤

الإنذار
الحجر (١) ((فبادوا عن آخرهم لم تبق منهم
باقیةٌ، وخمدوا وهمدوا کما یهمد وییبس
الزرع والنبات)) (٢).
ثانيًا: عقوبات أخروية:
أولًا: أهوال القيامة:
١. يوم الجمع:
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا
عَرَبِيًّا لِنْنَذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلهَا وَنُنْذِرَ يَوْمَ
الْجَمْعِ لَا رَيَّبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِى الْجَنَّةِ وَفَرِقٌ فِی
السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
أي: تخوفهم إياه؛ لما فيه من عذاب
من كفر، وسمي يوم الجمع؛ لاجتماع أهل
الأرض فيه بأهل السماء، أو لاجتماع بني
آدم للعرض (٣).
وقال الرازي رحمه الله: وفي تسميته
بیوم الجمع وجوهٌ:
الأول: أن الخلائق يجمعون فيه، قال
تعالی: ﴿یوم بجمعگتلیومِالجمع﴾[التغابن: ٩].
فيجتمع فيه أهل السموات مع أهل
الأرض.
الثاني: أنه يجمع بين الأرواح والأجساد.
الثالث: یجمع بین کل عامل وعمله.
الرابع: يجمع بين الظالم والمظلوم(٤).
(١) المصدر السابق ٢٧/ ٢٠٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٤/٧.
(٣) المحرر الوجيز، ابن عطية ٢٧/٥.
(٤) مفاتيح الغيب، ٢٧/ ٥٨٠.
والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرةٌ،
قُلْ إِنَّ الْأَوْلِينَ
كقوله سبحانه وتعالى:
وَالْآَخِرِينَ ﴿ لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾
[الواقعة: ٤٩-٥٠].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِّ
جَمَعْنَكُ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات: ٣٨].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا
هُوَّ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴾ [النساء: ٨٧].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ مَجْمَعُكُوْلِيَوْمِ
اٌلْجَنَّحِّ ذَلِكَ يَوْمُ النَّغَابْنِ﴾ [التغابن: ٩].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ فَجْمُوعُ لَّهُ أُلنَّاسُ
وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا
جَمَعْنَهُمْ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِيَتْ كُلُّ نَفْسِ
مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٥)﴾
[آل
عمران: ٢٥].
٢. يوم الآزفة:
﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِ
قال تعالى:
الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلَّالِمِينَ مِنْ
حَيٍ وَلَا شَفِيعِ بُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨].
يعني: يوم القيامة، سميت بذلك؛ لأنها
قريبةٌ؛ إذ كل ما هو آتٍ قريبٌ، نظيره قوله عز
وجل: ﴿أَرِفَتِ الْأَزِفَةُ﴾ [النجم: ٥٧].
أي: قربت القيامة (٥).
عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه
ينادي أهل الجنة وأهل النار: هو الخلود
(٥) معالم التنزيل، البغوي ١٤٤/٧.
www. modoee.com
٣١٥

حرف الألف
أبد الآبدين، قال: فيفرح أهل الجنة فرحة لو
كان أحد ميتًا من فرحة لماتوا، ويشهق أهل
النار شهقة لو كان أحد ميتًا من شهقة لماتوا،
فذلك قوله: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِقَةِ إِالْقُلُوبُ
لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨](١).
وعن الحسن البصري رحمه الله في قوله بالله يوم حسرتهم وندمهم، على ما فرطوا
تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُلَدَى
اٌلْحَنَاجِرِ كَظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨].
قال: ((أزفت والله عقولهم، وطارت
قلوبهم، فترددت في أجوافهم بالغصص إلى
حناجرهم، لما أمر بهم ملك يسوقهم إلى
النار، فيقول بعضهم لبعض: ﴿فَهَل لَّنَامِن
شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَا﴾ [الأعراف: ٥٣].
فينادون: ﴿مَا لِلَّلِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا
شَفِيعِ بُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]))(٢)
قال سيد قطب رحمه الله: ((اللفظ
يصورها كأنها مقتربة زاحفة، والأنفاس من
ثم مكروبة لاهثة، وكأنما القلوب المكروبة
تضغط على الحناجر، وهم كاظمون
لأنفاسهم ولآلامهم ولمخاوفهم، والكظم
يكربهم، ويثقل على صدورهم وهم لا
يجدون حميمًا يعطف عليهم، ولا شفيعًا
ذا كلمة تطاع في هذا الموقف العصيب
يخفى على الله منهم شيء))(٣).
(١) انظر: التخويف من النار، ابن رجب ١٥٣/١.
(٢) صفة النار، ابن أبي الدنيا ص ١٣١.
(٣) في ظلال القرآن ٣٠٧٤/٥.
٣. يوم الحسرة:
قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِىَ
اُلْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩].
يقول تعالى ذكره لنبيه محمدٍ صلى الله
عليه وسلم: وأنذر يا محمد هؤلاء المشركين
في جنب الله، وأورثت مساكنهم من الجنة
أهل الإيمان بالله والطاعة له، وأدخلوهم
مساكن أهل الإيمان بالله من النار، وأيقن
الفريقان بالخلود الدائم، والحياة التي لا
موت بعدها، فيا لها حسرة وندامة (٤).
روى مسلم بسنده عن أبي سعيد رضي
الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبشٌ
أملح -زاد أبو كريب: فيوقف بين الجنة
والنار، واتفقا في باقي الحديث- فيقال:
يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون
وينظرون ويقولون: نعم، هذا الموت، قال:
ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال:
فيشرئبون وينظرون، ويقولون: نعم، هذا
الموت، قال: فیؤمر به فیذبح، قال: ثم يقال:
يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار
خلودٌ فلا موت). قال: ثم قرأ رسول الله
المكروب! وهم بارزون في هذا اليوم لا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَأَنَذِرُهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ
إِذْ قُضِىَ آلْأَمْرُ وَهُمْ فِ غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم:
(٤) جامع البيان، الطبري ١٥/ ٥٤٤.
٣١٦
جَوَسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم

الإنذار
٣٩]. وأشار بيده إلى الدنيا(١).
ثانيًا: النار:
قال تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَفَّى﴾ [الليل:
١٤].
قال مجاهدٌ رحمه الله: أي: توهج(٢).
وقال ابن عاشور رحمه الله: هذه نارٌ
خاصةً أعدت للكافرين، فهي التي في قوله:
فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالحِجَارَةَ
أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ ﴾ [البقرة: ٢٤].
والقرينة على ذلك قوله: ﴿وَسَيُجَنَُّهَا
الْأَنْقَى﴾ [الليل: ١٧](٣).
وفي هذا المعنى روى الإمام أحمد
بسنده عن سماك بن حربٍ، سمعت
النعمان بن بشيرٍ يخطب يقول: ((سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب
يقول: (أنذرتكم النار) حتى لو أن رجلًا
كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، قال:
حتى وقعت خميصةٌ كانت على عاتقه عند
رجليه)» (٤).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة
نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون
والجنة يدخلها الضعفاء، ٤ / ٢١٨٨، رقم
٢٨٤٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٨ /٤٠٨.
(٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٩٠/٣٠.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٨/٣٠، رقم
١٨٣٩٨.
وصححه الألباني في تعليقه على المشكاة،
رقم ٥٦٨٧.
عواقب عدم الاستجابة للإنذار
عدم الاستجابة للإنذار له عواقب وخيمة
نتناولها فيما يأتي:
أولًا: عواقب دنيوية:
١ عاقبة قوم نوح: الغرق.
قال تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوجِ إِذْ قَالَ
لِقَوْمِ، يَقَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُرُ مَّقَامِى وَتَذْكِيرِى
بِشَايَتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَاَجِعُواْ أَقْرَكُمْ
وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنَّ أَمْرُّكُمْ عَلَيْكُنْ غُمَّةً ثُمَّ
فَإِن تَوَلَيْتُمْ فَمَا
٧١
أَقْضُواْ إِلَىَّ وَلَا نُنظِرُونِ
سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ
أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
فَكَذَّبُوهُ فَنَجِّيَّتَهُ
٧٢
وَمَن مَّعَدُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَهُمْ خَلَتَيِفَ وَأَغْرَقْنَا
الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَِنَا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ
الْنُذَرِينَ﴾ [يونس: ٧١ - ٧٣].
يقول تعالى ذكره: فكذب نوحًا قومه فيما
أخبرهم به عن الله من الرسالة والوحي،
فنجيناه ومن معه ممن حمل معه في الفلك،
يعني في السفينة ﴿وَجَعَلْنَهُمْ خَلَيْفَ﴾
يقول: وجعلنا الذين نجينا مع نوحٍ في
السفينة خلائف في الأرض من قومه الذين
كذبوه بعد أن أغرقنا الذین کذبوا بآياتنا،
يعني حججنا وأدلتنا على توحيدنا، ورسالة
رسولنا نوح، یقول الله لنبيه محمد صلى الله
علیه وسلم: فانظر يا محمد كيف كان عاقبة
www. modoee.com
٣١٧

حرف الألف
المنذرين، وهم الذين أنذرهم نوحٌ عقاب آيةً لهم، فلولا أن الأمر بيد الله على وفق
الله على تكذيبهم إياه وعبادتهم الأصنام.
يقول له جل ثناؤه: انظر ماذا أعقبهم
تکذیبھم رسولهم؟ فإن عاقبة من کذبك من
قومك إن تمادوا في كفرهم وطغيانهم على
ربهم نحو الذي كان من عاقبة قوم نوحٍ حين
کذبوه.
يقول جل ثناؤه: فليحذروا أن يحل بهم
مثل الذي حل بهم إن لم يتوبوا (١).
قال صاحب المنار رحمه الله: (قدم ذکر
تنجية المؤمنين واستخلافهم على إغراق
المكذبين وقطع دابرهم؛ لأنه هو الأهم في
سیاق صدق الوعد والوعيد من وجهين:
أولهما: تقديم مصداق الوعد لتسلية
النبي صلى الله عليه وسلم وتسرية حزنه
على قومه ومنهم.
وثانيهما: كونه هو الأظهر في الحجة
على أنهما -أي: الوعد والوعيد- من الله
تعالى القادر على إيقاعهما، على خلاف
ما يعتقد المشركون المكذبون المغرورون
بکثرتهم، وقلة أتباع النبي صلى الله عليه
وسلم، وخلاف الأصل المعهود في
المصائب العامة في العادة، وهو أنها تصيب
الصالح والطالح على سواءٍ، فلا تمييز فيها
ولا استثناء، ولكنه هو الذي جرت به سنة الله
تعالى في مكذبي الرسل من بعد نوحٍ، فكان
(١) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٢٣٦.
وعده ووعيده لما هلك الألوف الكثيرون،
ونجا أفرادٌ قلیلون لهم صفةٌ خاصةٌ أخرجهم
منهم تصديقًا لخبر رسولهم، وما سيق هذا
النبأ هنا إلا لتقرير هذا المعنى)» (٢).
فكانت عاقبة المكذبين الهلاك المخزي،
واللعنة المتتابعة عليهم في كل قرن يأتي
بعدهم، لا تسمع فیهم إلا لومًا، ولا تری إلا
قدحًا وذمًا.
هذه سنة الله في الأرض، وهذا وعده
لأوليائه فيها، فإذا طال الطريق على
العصبة المؤمنة مرة، فيجب أن تعلم أن
هذا هو الطريق، وأن تستيقن أن العاقبة
والاستخلاف للمؤمنين، وألا تستعجل وعد
الله حتى يجيء وهي ماضية في الطريق،
والله لا يخدع أولياءه سبحانه، ولا يعجز
عن نصرهم بقوته، ولا يسلمهم كذلك
لأعدائه، ولكنه يعلمهم ويدربهم ويزودهم
-في الابتلاء - بزاد الطريق (٣).
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن عقاب
الأمم المكذبة في قوله تعالى: ﴿فَكُلَّا أَخَذْنَا
يَذَتْبِةٍ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم
مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَنْ خَسَفْنَا
بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَنْ أَغْرَقْنَأْ وَمَا كَانَ
اُللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنْفُسَهُمْ
(٢) المنار، محمد رشيد رضا ٣٧٨/١١.
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٨١٢/٣.
٣١٨
القرآن الكَرِيْمِ

الإنذار
يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
أشار جل وعلا في هذه الآيات الكريمة
إلى إهلاك عادٍ وثمود وقارون وفرعون
وهامان، ثم صرح بأنه أخذ كلا منهم بذنبه،
ثم فصل على سبيل ما يسمى في البديع
باللف والنشر المرتب أسباب إهلاكهم.
٢. إهلاك عاد بالريح العقيم.
قال تعالى: ﴿فَيِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ
حَاصِبًا﴾ [العنكبوت: ٤٠].
وهي: الريح، يعني: عادًا، بدليل قوله:
وَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَلِبَةِ﴾
[الحاقة: ٦].
وقوله: ﴿وَفِ عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَّهِمُ الْرِيحَ
اَلْعَقِيَمَ﴾ [الذاريات
٣. إهلاك ثمود بالصيحة.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم ◌َنْ أَخَذَتْهُ
الصَّيْحَةُ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
يعني: ثمود، بدليل قوله تعالى فيهم:
﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي
دِيَزِهِمْ جَئِينَ ) كَأَن لَّمْ يَغْنَوْ فِيهَا أَلا إِنَّ
ثَمُودَأُ كَفَرُواْ رَّهُمُّ أَلَ بُعْدُ الْشَمُودَ ﴾ [هود:
٦٧ - ٦٨].
٤. إهلاك قارون بالخسف.
قال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مِّنْ خَسَفْنَا بِهِ بصريٌّ، وإن أريد عاقبتهم في الآخرة كما
الْأَرْضَ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
يعني: قارون، بدليل قوله تعالى فيه:
﴿َسَفْنَابِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].
٥. إهلاك فرعون بالغرق.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا﴾
[العنكبوت: ٤٠].
يعني: فرعون وهامان، بدليل قوله تعالى:
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ ﴾ [الصافات: ٨٢].
ثانيًا: عواقب أخروية:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثُ
الْأَوَّلِينَ ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم مُنذِرِينَ
٧٢
فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَلِقِبَةُ اٌلْمُنْذَرِينَ ) إِلَّا
عِبَادَ اَللَّهِ الْمُخْلَصِينَ ﴾
[الصافات: ٧١-
٧٤].
يخبر تعالى عن الأمم الماضية أن
أكثرهم كانوا ضالين يجعلون مع الله آلهةً
أخری، وذکر تعالی أنه أرسل فیھم منذرین
ينذرونهم بأس الله، ويحذرونهم سطوته
ونقمته ممن كفر به وعبد غيره، وأنهم
تمادوا على مخالفة رسلهم وتكذيبهم،
فأهلك المكذبين ودمرهم، ونجی المؤمنین
ونصرهم وظفرهم(١).
قال ابن عاشور رحمه الله: ((والأمر
بالنظر مستعملٌ في التعجيب والتهويل،
فإن أريد بالعاقبة عاقبتهم في الدنيا فالنظر
يقتضيه السياق فالنظر قلبيٍّ، ولا مانع من
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ١٩.
www.modoee.com
٣١٩

حرف الألف
إرادة الأمرين واستعمال المشترك في
المعنيين))(١).
موضوعات ذات صلة:
البشرى، الترغيب، الترهيب، الدعوة،
النصيحة
(١) التحرير والتنوير ١٢٨/٢٣.
ضـ
٣٢٠
مَوَسوبر التفسير
القرآن الكريم