Indexed OCR Text
Pages 1-20
صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى لِلْقُرآن الكَرِيْمِ د٧ الإنذار عناصر الموضوع مفهوم الإنذار ٢٨٨ الإنذار في الاستعمال القرآني ٢٨٩ الألفاظ ذات الصلة ٢٩٠ الأساليب القرآنية في الإنذار ٢٩٢ الإنذار وسائله وأغراضه ٢٩٥ ٣٠٠ المنذرون ٣٠٥ المنذرون ومواقفهم ٣١٣ المنذر منه أو المحذر منه ٣١٧ عواقب عدم الاستجابة للإنذار المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الإنذار أولًا: المعنى اللغوي: قال ابن فارس رحمه الله: النون والذال والراء كلمةٌ تدل على تخويفٍ أو تخوفٍ، منه الإنذار: الإبلاغ؛ ولا يكاد يكون إلا في التخويف. ونذر بالشيء، كفرح: علمه فحذره، وأنذره بالأمر إنذارًا ونذرًا -ويضم وبضمتين- ونذيرًا: أعلمه، وحذره، وخوفه في إبلاغه، والاسم: النُذْرى بالضم-، والنذر -بضمتين- والنذير: الإنذار، كالنذارة -بالكسر-، وهذه عن الإمام الشافعي رضي الله عنه والمنذر، وجمعها: نذرٌ، وصوت القوس، والرسول، والشيب، وتناذروا: أنذر بعضهم بعضًا (١). والإنذار: الإبلاغ، ولا يكون إلا في التخويف، والاسم النذر(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: (٣) الإنذار: إخبارٌ فيه تخويف، كما أن التبشير إخبار فيه سرور. والإنذار: الإعلام بما يحذر منه، ولا يكاد يكون إلا في تخويف يسع زمانه الاحتراز، فإن لم يسع زمانه الاحتراز كان إشعارًا وإيذانًا بوقوع المحذور (٤)، وهو مقصور على إبلاغ المحذر عن الأمر المخوف منه دون أن يتضمن ذكر الوعيد (٥). والغرض منه الإعلام بموضع المخافة؛ لتقع به السلامة (٦). ويمكن تعريفه بأنه: الإبلاغ عن خطر يترتب على فعل لابد من تركه؛ ليمتنع وقوع الخطر. فالمعنى الاصطلاحي لا يختلف عن المعنى اللغوي. (١) انظر: القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ٤٨١ . (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٠٠/٥ . (٣) المفردات، الأصفهاني، ٧٩٧ . (٤) انظر: التوقيف، المناوي، ١/ ٦٤ . (٥) انظر: الكليات، الكفوي، ١/ ٢٠١. (٦) انظر: التوقيف، المناوي، ص ٣٢٣. ٢٨٨ مَوَسُوبَةُ المَظِيم القرآن الكريم الإنذار الإنذار في الاستعمال القرآني وردت مادة (نذر) في القرآن الكريم (١٣٠) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٢٤) مرة(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١٠ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَ أَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْلَا (٦)﴾ [ البقرة: ٦] يُؤْمِنُونَ الفعل المضارع ٢٦ ﴿وَيُنْذِرُونَّكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الأنعام: ١٣٠] فعل الأمر ٩ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم : ٣٩] المصدر ١ ﴿ عُذْرًا أَوْنُذْرًا ﴾ [المرسلات: ٦] اسم الفاعل ١٥ ٧٢ ٣* [الصافات: ٧٢] وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُنذِرِينَ ! اسم المفعول ٥ [النمل:٥٨] ٢﴾ [هود: ٢] أَلَا تَعَبُّدُوْاْ إِلَّا اللهُ إِنَّنِى لَكُ مِنْهُ نَذِيرٌ وَ بَشِيرٌ ( الاسم ١٢ حِكْمَةٌ بَشِفَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ ﴾ [القمر:٥] وجاء الإنذار في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: إخبار فيه تخويف، والنذير: المنذر، ويقع على كل شيء فيه إنذار، إنسانًا كان أو غيره(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقى ص ٦٩١ - ٦٩٣. (٢) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٧٩٧، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤٤٧. www. modoee.com ٢٨٩ ٥٨ ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَّرِينَ صيغة المبالغة ٤٤ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة التخويف: ١ التخويف لغة: الإخافة، وهو إدخال الخوف في نفس المخاطب(١). التخويف اصطلاحًا: إدخال الفزع في قلب المخاطب (٢)؛ حثًا على التحرز من ارتكاب محظور (٣). الصلة بين الإنذار والتخويف: الإنذار تخويف مع إعلام موضع المخافة، فإذا خوف الإنسان غيره وأعلمه حال ما يخوفه به فقد أنذره، وإن لم يعلمه ذلك لم يقل: أنذره(٤)، ويقال: خوفه. التهديد: ٢ التهديد لغة: التخويف(٥)، والتوعد بالعقوبة (٦). التهديد اصطلاحًا: زعزعة أمن المخاطب بالوعيد(٧)، وتخويفه بأمر مكروه مفسد لحاله. الصلة بين الإنذار والتهديد: الإنذار: تخويف مع إعلام موضع المخافة، أما التهديد: الوعيد والتخويف بالعقوبة (٨)، فالإنذار يتعلق بالمخوّف والمخوّف منه، أما التهديد فيتعلق بالعقوبة المحققة للمنذر. الوعيد: ٣ الوعيد لغة: التهديد بالشر (٩). (١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ص٩٨ . (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٩/ ٩٩. (٣) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص ٣٠٣. (٤) الفروق اللغوية، العسكري، ١/ ٢٤٢. (٥) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٢٥. (٦) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٢ / ٩٧٦ . (٧) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص ٨٣٤ . (٨) لسان العرب، ابن منظور، ٣/ ٤٣٣. (٩) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٩/ ٣٠٩، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ٣/ ٢٤٦٧. صَوَسُوبَةُ النَّقِّ القرآن الكريم ٢٩٠ الإنذار الوعيد اصطلاحًا: إنذار بما سيحدث من دمار ونكبات(١). الصلة بين الإنذار والوعيد: سبب الإنذار النصح والشفقة، أما الوعيد فهو حاصلٌ عن غضبٍ(٢). الترهيب: ٤ الترهيب لغة: التخويف الشديد(٣). الترهيب اصطلاحًا: المبالغة في إثارة القلق والاضطراب في نفس السامع ظاهرًا وباطنًا (٤) من شيء؛ ليتحاشاه. الصلة بين الإنذار والترهيب: الإنذار: تخويف مع إعلام موضع المخافة، أما الترهيب: ((فهو كل ما يخيف المدعو ويحذره من عدم الاستجابة، أو رفض الحق أو عدم الثبات عليه بعد قبوله)) (٥)، فالإنذار يتعلق بالمخوف والمخوف منه، أما الترهيب فيتعلق بنتيجة عدم الاستجابة. التبشير: ٥ التبشير لغة: الخبر الذي يؤثر في البشرة تغيرًا(٦). التبشير اصطلاحًا: الإخبار بما يفيد السرور (٧). الصلة بين الإنذار والتبشير: الإنذار فيه إثارة للخوف والقلق، ويؤثر في النفس تنغيصًا، بينما التبشير يعزز الأمن والاطمئنان، ويؤثر في النفس سرورًا، وعليه فإن اللفظين متضادان. (١) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ٣/ ٢٤٦٧ . (٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ٢ / ٦٦٥ . (٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢/ ٤٧، المصباح المنير، الفيومي، ١/ ٢٤١، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ٢ / ٩٤٩ . (٤) انظر: التوقيف، المناوي، ص ١٨٢ . (٥) أصول الدعوة، عبد الكريم زيدان، ص ٤٣٧ . (٦) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ١٠/ ١٨٥. (٧) انظر: المصدر السابق . www. modoee.com ٢٩١ حرف الألف الأساليب القرآنية في الإنذار تنوعت أساليب القرآن في الحديث عن الإنذار وهذا ما يتضح فيما يأتي: أولًا: أسلوب الطلب المباشر: لقد طلب الله سبحانه وتعالى من الرسول صلى الله عليه وسلم طلبًا مباشرًا بإنذار الخلق عامة، فقال تعالى: فَأَنْ [المدثر: ٢]. أي: قم من مضجعك فحذر الناس من عذاب الله، قال قتادة رحمه الله: ((أي: أنذر عذاب الله، ووقائعه بالأمم)»(١). قال ابن القيم رحمه الله: ((فإنه لما نزل عليه: ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَِّرُ قُرْ فَأَنَذِيْ ن وَرَبَّكَ فَكَِّرْ ب ◌َابَكَ فَطَعِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٤]. شمر عن ساق الدعوة، وقام في ذات الله أتم قيام، ودعا إلى الله ليلا ونهارًا، وسرًا وجهارًاً، ولما نزل عليه: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤]. فصدع بأمر الله لا تأخذه فیه لومة لائم، فدعا إلى الله الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والأحمر والأسود، والجن والإنس))(٢). وقال سيد قطب رحمه الله في تفسير: ﴿قُرْفَأَنَذِرُ﴾: ((إنه النداء العلوي الجليل (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٩٢/٥. (٢) زاد المعاد ٣/ ١٢. للأمر العظيم الثقيل . .، نذارة هذه البشرية وإيقاظها، وتخليصها من الشر في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وتوجيهها إلى طريق الخلاص قبل فوات الأوان .. ، وهو واجب ئقیل شاق، حین یناط بفرد من البشر -مهما يكن نبيًا رسولًا- فالبشرية من الضلال والعصيان والتمرد والعتو والعناد والإصرار والالتواء والتفصي من هذا الأمر، بحيث تجعل من الدعوة أصعب وأثقل ما يكلفه إنسان من المهام في هذا الوجود! ﴿يَأَيُّهَا الْمُدَّثِرُ قُرْفَأَنذِرْ﴾ . والإنذار هو أظهر ما في الرسالة، فهو تنبيه للخطر القريب الذي يترصد للغافلين السادرين في الضلال، وهم لا يشعرون، وفيه تتجلى رحمة الله بالعباد، وهم لا ينقصون في ملكه شيئًا حین یضلون، ولا یزیدون في ملكه شيئًا حین یهتدون، غير أن رحمته اقتضت أن يمنحهم كل هذه العناية؛ ليخلصوا من العذاب الأليم في الآخرة، ومن الشر الموبق في الدنيا، وأن يدعوهم رسله ليغفر لهم، ويدخلهم جنته من فضله!))(٣). ثانيًا: أسلوب خطاب الأنبياء الإنذار أقوامهم: خاطب سبحانه وتعالى الأنبياء عليهم السلام طالبًا منهم إنذار أقوامهم، ومن ذلك (٣) في ظلال القرآن ٣٧٥٤/٦. جَوَسُو ◌َبُ النَّقِبـ القرآن الكريم ٢٩٢ الإنذار إنذار نوح عليه السلام لقومه: قال تعالى طالبًا من نوح إنذار قومه: ﴿إِنّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَنْ يَأْنِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: ١]. فامتثل أمر ربه، وقال: ﴿وَنَقَوْمِ إِ لَكُـ نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴿ أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٢-٣]. ولكن انتفع بالإنذار من قومه القليل، وهم المؤمنون معه، قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ: إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: ٤٠]. أما الكثير من قومه لم ينتفعوا بإنذاره لهم، وأعرضوا فأخذهم الطوفان، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ، فَلِثَ فِيِهِمْ أَلْفَ سَنَّةٍ إِلَّا خَمْسِيْنَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ اُلُوَقَاتُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤]. ثالثًا: أسلوب القصص: لقد قص الله في القرآن قصص الأمم السابقة التي أنذرت فأعرضت. فقال في سورة القمر في حق قوم نوح لما أعرضوا: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُواْ مَجْنُونٌ وَأَزْدُجِرَ ا فَدَهَا رَبَّدُ، أَنِ مَغْلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ ج فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآَةِ بِّوْ مُنَيٍ(١) وَفَجَرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ عَلَ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (٢) وَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَوَج ◌َدُسُرٍ (٢) تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءُ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ، وَلَقَد تَّرَكْتَهَآ ءَايَةٌ فَهَلْ مِن مُّذَّكِرِ ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾ [القمر: ٩ - ١٦]. لما كذب قوم نوح استنصر بالله، فقال: إن قومي غلبوني، ولم يستجيبوا لي، فانتصر منهم بعقاب تنزله علیهم، ففتح الله أبواب السماء بماء متدفق متتابع، وفجر الأرض فصارت عيونًا ينبع منها الماء، فالتقى الماء النازل من السماء مع الماء النابع من الأرض على أمر من الله قدره في الأزل، فأغرق الجميع إلا من نجاه الله. وقال تعالى في حق قوم عاد لما أنذروا فأعرضوا: ﴿ كَذَّبَتْ حَادٌّفَكَيْفَ كَانَ عَذَابِوَنُذُرٍ إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِبًَّا صَرْصَرًا فِ يَّوْمِ نَّحْسِ ١٨ مُسْتَمِّرِ ن تَزِعُ النَّاسَ كَنَهُمْ أَعْجَازُ نَعْلٍ مُّنْقَعِرٍ ﴿ فَكَفَ كَانَ عَذَابِ وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٨ - ٢١]. وكذبت عاد نبيها هودًا عليه السلام، فتأملوا -يا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟ و کیف کان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟ إنا بعثنا عليهم ريحًا شديدة باردة في يوم شر وشؤم مستمر معهم إلی ورودهم جهنم، تقتلع الناس من الأرض، وترمي بهم على رءوسهم، كأنهم أصول نخل منقلع من مغرسه، فتأملوا -یا أهل مكة- كيف كان عذابي لهم؟ وكيف كان إنذاري لغيرهم بعذابهم؟ وقال تعالى في حق قوم ثمود لما أنذروا فأعرضوا: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّلُرِ ﴿ فَقَالُواْ أَا مِنَّا وَحِدًا تَّبَّعُهُ إِنَّ إِذَا لَّفِى صَلَالٍ وَسُمٍُّ (١) www. modoee.com ٢٩٣ حرف الألف ٢٥ ◌َغْفِىَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ يَبْنِّنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَّنِ اَلْكَذَّابُ الأَشِرُ ) إِنَّا مُرْسِلُواْ النَّاقَةِ فِئْنَةٌ لَّهُمْ فَرْتَّقِبْهُمْ وَأَصْطَيِرْ ٢) وَنَبِتْهُمْ أَنَّ الْمَآءَ قِسْمَةٌ بَهُمْ كُلّ شِرْبٍ تُخْتَضَرْ فَادَوْاْ صَالِحَةٌ فَتَعَاطَىْ فَعَقَرَ ج فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِ وَتُذُرِ ) إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةٌ وَجِدَةً فَكَانُواْ كَهَشِيمِ اَلْمُخْتَظِرِ﴾ [القمر: ٢٣ - ٣١]. وكذب قوم فرعون بالبراهين والحجج التي جاء بها موسى عليه السلام، فعاقبهم الله على تكذيبهم بها، عقوبة عزيز، لا يغلبه أحد، مقتدر لا يعجز عن شيء. وكذبت ثمود بما أنذرهم به رسولهم صالح عليه السلام، فبعث الله عليهم صيحة واحدة فأهلكتهم، فكانوا كيبيس الشجر يتخذ منه المحتظر حظيرة لغنمه. وقال تعالى في حق قوم لوط لما أنذروا فأعرضوا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ ) إِنَّ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّ ءَالَ لُوطٍ ◌ََّّتَهُمْ بِسَحَرٍ ( ٣٤ نِعْمَةً مِنْ عِندِنَاْ كَذَلِكَ تَجْرِى مَن شَكَرَ ﴿ وَلَقَدْ أَنْذَرَهُم بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ ) وَلَقَدْ رَوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ، فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُواْ عَذَابٍ وَنُذُرٍ﴾ [القمر: ٣٣ - ٣٧]. وكذبت قوم لوط بما أنذرهم به رسولهم لوط عليه السلام، فبعث الله عليهم ريحًا ترميهم بالحجارة، إلا آل لوط عليه السلام لم يصبهم العذاب، فقد أنقذناهم منه. وقال تعالى في حق قوم فرعون لما أنذروا فأعرضوا: ﴿وَلَقَدْ جَآءَ ءَالَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ﴿ كَذَّبُواْ بِتَقِنَاْ كُلِّهَا فَأَخَذْنَهُأَخْذَ عَزِزٍ مُّقْنَدِرٍ أَكُفَّارُ كُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَِّكُمْ أَمْ لَكُمُ بَرَآءَةٌ فِ الزُّبْرِ﴾ [القمر: ٤١ - ٤٣]. ٢٩٤ جَوَسُور القرآن الكريم الإنذار الإنذار وسائله وأغراضه تعددت وسائل وأغراض الإنذار في القرآن وهذا ما يتضح مما يأتي: أولًا: وسائل الإنذار: ١. الوحي: لقن الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بـ(قل) التلقينية أنه ما يخوف قومه من العذاب إلا بوحي من الله وهو القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنْذِرُكُم بِالْوَحِيُّ وَلَا يَسْمَعُ الصُُّّ الدُّعَلَّ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٥]. قل: أيها المقترحون المتشططون إنما أنذركم بوحي يوحيه الله إلي، وبدلالات على العبر التي نصبها الله تعالی؛ لينظر فيها، كنقصان الأرض من أطرافها وغيره، ولم أبعث بآية مضطرة، ولا ما تقترحون(١). ولقنه سبحانه وتعالى بأن يقول للمشركين: لقد أوحى الله إلي هذا القرآن من أجل أن أنذركم به من عذابه أن يحل بکم، وأنذر به من وصل إليه من الأمم، قال تعالى: ﴿قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبِرُ شَهَدَةٌ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِ وَبَيْنَكُمْ وَأُوْحِىَ إِلَّ هَذَا الْقُرْءَانُ لِأَنْذِرَّكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَيَتَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ الَّهِءَالِهَةً أُخْرَىَّ قُل لَّاً أَشْهَدُّ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَجِدٌ وَإِنَِّ بَرٌِّ مَِّ تُشْرِكُونَ﴾ (١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٨٤. [الأنعام: ١٩]. قال الربيع بن أنسٍ رحمه الله: «حقٌّ علی من اتبع رسول الله صلی الله علیه وسلم أن يدعو کالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر)»(٢). ٢. الأنبياء: أخبر سبحانه وتعالى أنه بعث النبيين دعاة لدينه، مبشرين من أطاع الله بالجنة، ومحذرين من كفر به وعصاه النار، قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وبین سبحانه مقصد بعث الرسل، فقال: أرسلت رسلًا إلى خلقي مبشرين بثوابي، ومنذرين بعقابي؛ لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُّبَشِرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِثَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُبَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. وأخبر سبحانه وتعالى أن من آمن وصدق الرسل، وعمل صالحًا، فأولئك لا يخافون عند لقاء ربهم، ولا يحزنون على شيء فاتهم من حظوظ الدنيا، قال تعالى ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينٌّ فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام: ٤٨]. وبين سبحانه وتعالى أن المقصد من (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢١٩/٣. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الألف إنزال القرآن عليه صلى الله عليه وسلم ؛ إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى فإني أنذرکم حلول نقمة الله بکم، ليكون من رسل الله الذين يخوفون قومهم عقاب الله، فینذر بهذا الكتاب الإنس والجن أجمعين، قال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ ٢١٢ نَزَّلَ بِهِ أَلُوعُ الْأَمِينُ ( عَلَى قَلْبِكَ لِتَّكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٤]. كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين، صاعقة مثل صاعقة عادٍ وثمود ومن شاكلها، ممن فعل كفعلهما؛ إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم، كقوله تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ [الأحقاف: ٢١]. ثم لقن سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن من اهتدى بما في القرآن، واتبع ما جئت به، فإنما خير ذلك وجزاؤه لنفسه، ومن ضل عن الحق، فقال: قل - أيها الرسول- إنما أنا نذير لكم من عذاب الله وعقابه إن لم تؤمنوا، فأنا واحد من الرسل الذين أنذروا قومهم، وليس بيدي من الهداية شيء، قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوا الْقُرْءَانٌ فَمَنِ أُهْتَدَى فَإِنَّمَا يَدِى لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢]. ٣. قصص السابقين: لقن الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم إن أعرض المكذبون بعدما بين لهم من أوصاف القرآن الحميدة، ومن صفات الله العظيم أن يقول لهم: قد أنذرتکم عذابًا يستأصلکم مثل عذاب عاد وثمود حین كفروا بربهم وعصوا رسله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَيِقَةٌ مِثْلَ صَعِقَةٍ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣]. قل يا محمد لهؤلاء يقول تعالى: المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق: أي: في القرى المجاورة لبلادهم بعث الله إلیھم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ومبشرين ومنذرين، ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم، وما ألبس أولياءه من النعم(١). وخص عادًا وثمودًا بالذكر؛ لوقوف قريش على بلادها في اليمن وفي الحجر في طريق الشام (٢). فمن سنن الله أن المثيل يأخذ حكم مثیله، والشبيه يأخذ حكم شبيهه، فخوفهم بتوقع عقابٍ مثل عقاب الذين شابهوهم في الإعراض خشية أن يحل بهم ما حل بأولئك. وقال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن یذکر حکمه فیمن کذب رسله، وخالف أمره، فقال تعالى: ﴿وَأَذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيّهِ وَمِنْ (١) المصدر السابق ٧/ ١٥٤. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية ٨/٥. ٢٩٦ مُوسُوبَةُ اللَّهِ القرآن الكريم الإنذار خَلْفِهِ: أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّا اللَّهَ إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمُ عَذَابَ من هول الحساب: يا ليتني كنت ترابًا فلم أبعث، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْهُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ اَلْكَافِر ◌َلَيْتَنِىِ كُتُّ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠]. يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ مَاِتْنَا فَأَيْنَا بِمَا تَعِدُنَّا إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ (٣) قَالَ إِنَّمَا اَلْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَيْلِفُّكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ، وَلَكِنِّ أَرْبِّكُمْ قَوْمًا تَّجْهَلُونَ ﴿ فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَنِهِمْ قَالُواْ هَذَا عَارِضٌ مُطِرُ نَا بَلْ هُوَ مَا أَسْتَعْجَلْتُم بِهِّ رِيحٌ فِيَهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَقْمٍ يَأَمْرِ رَجِهَا فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَىَ إِلَّا مَسَكِنُهُمَّ كَذَلِكَ نَجْزِى اَلْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأحقاف: ٢١ - ٢٥]. والأحقاف: جمع حقفٍ -بكسرٍ فسكونٍ-، وهو الرمل العظيم المستطيل، وكانت هذه البلاد المسماة بالأحقاف منازل عادٍ، وكانت مشرفةً على البحر بين عمان وعدن (١). «وقد أدت الريح ما أمرت به، فدمرت كل شيء ﴿فَأَصْبَحُواْ لَا يُرَبِىّ إِلَّا مَسَكِنُهُمْ أما هم، وأما أنعامهم، وأما أشياؤهم، وأما متاعهم فلم يعد شيء منه یری، إنما هي المساكن قائمة خاوية موحشة، لا دار فيها ولا نافخ نار، ﴿كَذَلِكَ نَجْزِى الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ سنة جارية، وقدر مطرد في المجرمين)) (٢). ٤. حوادث المستقبل (القيامة): لقد حذر الله عباده عذاب الآخرة القريب الذي يرى فيه كل امرئ ما عمل من خیر، أو اكتسب من إثم، ويقول الكافر (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥/٢٦. (٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٢٦٧. وأمر الله سبحانه وتعالى الرسول صلى الله عليه وسلم بإنذار الناس، فقال: أنذر -أيها الرسول- الناس يوم الندامة حين یقضی الأمر، ويجاء بالموت كأنه كبش أملح فيذبح، ويفصل بين الخلق، فيصير أهل الإيمان إلى الجنة، وأهل الكفر إلى النار، وهم اليوم في هذه الدنيا في غفلة عما أنذروا به، فهم لا يصدقون، ولا يعملون العمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ اَْسْرَةِ إِذْ قُضِىَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩]. وأمره سبحانه وتعالى أن يحذر الناس يوم القيامة، وما فيه، فقال: وحذر -أيها الرسول- الناس من يوم القيامة القريب -وإن استبعدوه-؛ إذ قلوب العباد من مخافة عقاب الله قد ارتفعت من صدورهم، فتعلقت بحلوقهم، وهم ممتلئون غمًا وحزنًا، ما للظالمين من قريب ولا صاحب، ولا شفیع یشفع لهم عند ربهم فيستجاب له، قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْأَزِفَةِ إِذِالْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَظِمِينَّ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيٍ وَلَا شَفِيٌ يُطَاعُ﴾ [غافر: ١٨]. وبين له سبحانه وتعالى المقصد من www. modoee.com ٢٩٧ حرف الألف الوحي، فقال: كما أوحينا إلى الأنبياء قبلك ثانيًا: أغراض الإنذار: أوحينا إليك قرآنًا عربيًا؛ لتنذر أهل (مكة) ومن حولها من سائر الناس، وتنذر عذاب يوم الجمع، وهو يوم القيامة، لا شك في مجيئه، الناس فيه فريقان: فريق في الجنة، وهم الذين آمنوا بالله، واتبعوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ومنهم فريق في النار المستعرة، وهم الذين كفروا بالله، وخالفوا ما جاءهم به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْ حَيْنَا إِلَيْكَ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِنُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهًا وَنُنَذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيَةٍ فَرِيقٌ فِ اَلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧]. وقال سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: وأنذر - أيها الرسول- الناس الذين أرسلتك إليهم عذاب الله يوم القيامة، وعند ذلك يقول الذين ظلموا أنفسهم بالكفر: ربنا أمهلنا إلى وقت قريب نؤمن بك ونصدق رسلك، فيقال لهم توبيخًا: ألم تقسموا في حياتكم أنه لا زوال لكم عن الحياة الدنيا إلى الآخرة، فلم تصدقوا بهذا البعث؟ قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ اَلنَّاسَ يَوْمَ يَأْنِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِرْنَا إِلَىْ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَتَتَّيِعِ الرُّسُلُّ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِن زَوَالٍ ﴾ [إبراهيم: ٤٤]. ١. الدعوة إلى توحيد الله عز وجل: لقد جاءت الرسالة؛ لإقرار التوحيد في حياة الناس جميعًا، قال الله سبحانه وتعالى للرسول صلى الله عليه وسلم: قل -أيها الرسول- لقومك: إنما أنا منذر لكم من عذاب الله أن يحل بكم؛ بسبب كفركم به، ليس هناك إله مستحق للعبادة إلا الله وحده، فهو المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله، القهار الذي قهر كل شيء وغلبه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنََّا أَنَأْ مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّ الَهُ اُلْوَجِدُ الْقَهَّارُ﴾ [ص: ٦٥]. يقول تعالى آمرًا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله: إنما أنا منذرٌ لست كما تزعمون، وما من إله إلا الله الواحد القهار، أي: هو وحده قد قهر كل شيءٍ وغلبه، رب السموات والأرض وما بينهما، أي: هو مالكٌ جميع ذلك، ومتصرفٌ فيه، العزيز الغفار، أي: غفار مع عظمته وعزته(١). ٢. الهداية: أنزل الله عز وجل القرآن على رسوله صلی الله عليه وسلم ؛ لیهتدي الناس به، ويعرفوا الحق ويؤمنوا به ويؤثروه، قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنَةٌ بَلَّ هُوَ الْحَقُّ مِنْ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/ ٧٠. ٢٩٨ ◌ُ البَشِيَّة جَوَسُوع القرآن الكريم الإنذار رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنَّهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ ولكنا أرسلناك رحمة من ربك؛ لتنذر قومًا لم یأتهم من قبلك من نذير؛ لعلهم يتذكرون لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [السجدة: ٣]. الخير الذي جئت به فيفعلوه، والشر الذي ٣. التنبيه من الغفلة: وَمَا نهيت عنه فيجتنبوه، قال تعالى: كُنْتَ بِجَانِبٍ اُلُورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ قَوْمَامَّآ أَنَهُم مِّن نَذِيرِيِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [القصص: ٤٦]. لقد بين الله للرسول صلى الله عليه وسلم الغرض من إنزال القرآن عليه، فقال: أنزلنا عليك - أيها الرسول - القرآن؛ لتحذر به قومًا لم ينذر آباؤهم من قبلك، وهم العرب، فهؤلاء القوم ساهون عن الإيمان والاستقامة على العمل الصالح، وكل أمة ينقطع عنها الإنذار تقع في الغفلة، قال تعالى: ﴿لِنُنْذِرَ قَوْمًا مَّا أُنْذِرَ ءَآبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَفِلُونَ ﴾ [يس: ٦]. ٦ فالغفلة أشد ما يفسد القلوب، فالقلب الغافل قلب معطل عن وظيفته، معطل عن الالتقاط والتأثر والاستجابة، تمر به دلائل الهدى أو يمر بها دون أن يحس بها أو یدرکها، ودون أن ینبض أو يستقبل، ومن ثم کان الإنذار هو أليق شيء بالغفلة التي كان فيها القوم، الذين مضت الأجيال دون أن ینذرهم منذر، أو ینبههم منبه(١). ٤. التذكر: بين سبحانه وتعالى رحمته برسوله وبالمستجیبین لدعوته فقال: ما کنت -أيها الرسول- بجانب جبل الطور حين نادينا موسى، ولم تشهد شيئًا من ذلك فتعلمه، (١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٥٩/٥. قال ابن عاشور رحمه الله: ((والتذكر: هو النظر العقلي في الأسباب التي دعت إلى حكمة إنذارهم، وهي تناهي ضلالهم فوق جميع الأمم الضالة؛ إذ جمعوا إلى الإشراك مفاسد جمةً من قتل النفوس، وارتزاقٍ بالغارات وبالمقامرة، واختلاط الأنساب، وانتهاك الأعراض، فوجب تذكيرهم بما فيه صلاح حالهم» (٢). ٥. الإقلاع عن المخالفة: قال تعالى: ﴿فَفِرُّواْ إِلَى اللهِ إِّ لَكُمْ مِنْهُ نَّذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [الذاريات: ٥٠]. والفرار إلى الله مستعارٌ للإقلاع عما هم فيه من الإشراك وجحود البعث ((أي: الفرار مما یکرهه الله ظاهرًا وباطنًا، إلى ما يحبه، ظاهرًا وباطنًا، فرار من الجهل إلى العلم، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى ذكر الله، فمن استكمل هذه الأمور، فقد استكمل الدين كله، وقد زال عنه المرهوب، وحصل له (٢) التحرير والتنوير ٢٠/ ١٣٤. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الألف نهاية المراد والمطلوب. وسمى الله الرجوع إليه فرارًا؛ لأن في الرجوع لغيره أنواع المخاوف والمكاره، وفي الرجوع إليه أنواع المحاب والأمن، والسرور والسعادة والفوز، فيفر العبد من قضائه وقدره إلى قضائه وقدره، وكل من خفت منه فررت منه إلى الله تعالى، فإنه بحسب الخوف منه یکون الفرار إليه)»(١). ٦. إقامة الحجة على الناس: أخبر سبحانه وتعالى أنه أرسل رسلًا إلى خلقه مبشرین بثوابه، ومنذرین بعقابه؛ لئلا یکون للبشر حجة يعتذرون بها بعد إرسال الرسل، فعمهم سبحانه بالدعوة على ألسنة رسله حجةً منه وعدلًا، قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. فإرسال الرسل لقطع عذر البشر إذا سئلوا عن جرائم أعمالهم، واستحقوا غضب الله وعقابه(٢). (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨١١. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٦/ ٣٩. المنذرون الحديث في هذا الموضع عن المنذرين في القرآن، ويكون من خلال النقاط الآتية: أولًا: الله عز وجل: الله سبحانه وتعالى هو المنذر لعباده، وهذا من رأفته ورحمته بهم؛ لئلا يتعرضوا لعقابه إذا أعرضوا، كما قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ, وَاللّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ٣٠]. وجميع المنذرين بعد ذلك تبع لهذا الأصل، فإذا أنذر الرسل وورثتهم فبأمره، وإذا أنذر القرآن فهو وحیه سبحانه وتعالى . ومن استجاب لإنذاره سبحانه وتعالى وانتفع به نجا من عقابه في الدنيا والآخرة، ومن أعرض فله العذاب في الدنيا والآخرة. ثانيًا: القرآن: أنزل الله كتابه؛ ليكون بشيرًا بالثواب العاجل والآجل لمن آمن به وعمل بمقتضاه، ونذيرًا بالعقاب العاجل والآجل لمن كفر به، قال تعالى: ﴿كِنَبُ فُصِّلَتْ ءَايَتُهُ، قُزْءَانًا بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [فصلت: ٣ - ٤]. أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ . شبه القرآن بالبشير فيما اشتمل عليه من الآيات المبشرة للمؤمنين الصالحين، وبالنذير فيما فيه من الوعيد للكافرين وأهل ٣٠٠ مَوسُو ◌َر النفسية القرآن الكريم الإنذار المعاصي(١). وقال تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَبَحِّقَّ اَلْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [يس: ٧٠]. أي: لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض(٢). وقال تعالى: ﴿قَيِّمَا لِّيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا ◌ِّن لَُّنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرَاً حَسَنًا﴾ [الكهف: ٢]. أي: لينذر بهذا القرآن الكريم عقابه الذي عنده، أي: قدره وقضاؤه على من خالف أمره، وهذا يشمل عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، وهذا أيضًا من نعمه أن خوف عباده، وأنذرهم ما يضرهم ویهلکهم(٣). وقال تعالى: ﴿وَمِن قَبْلِهِ كِنَبُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةٌ وَهَذَا كِتَبٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ ﴾ للكافرين، والبشارة للمؤمنين (٤). ثالثًا: الرسل عليهم السلام: من رحمة الله بعباده أنه ما من أمة إلا وأرسل فيها رسولًا؛ ليقيم عليهم الحجة، قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّ خَلَا فِيَهَا نَذِيِرٌ﴾ [فاطر: ٢٤]. (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٢/٢٤. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٢٨/٦. (٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٩. (٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٥٧/٧ أي: وما من أمةٍ خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر، وأزاح عنهم العلل(٥). والحكمة في الإنذار أن لا يبقى الضلال رائجًا، وأن يتخول الله عباده بالدعوة إلى الحق، سواء عملوا بها، أو لم يعلموا، فإنها لا تخلو من أثرٍ صالحٍ فيهم، وإنما لم يسم القرآن إلا الأنبياء والرّسل الذين كانوا في الأمم السامية القاطنة في بلاد العرب وما جاورها؛ لأن القرآن حين نزوله ابتدأ بخطاب العرب ولهم علمٌ بهؤلاء الأقوام، فقد علموا أخبارهم، وشهدوا آثارهم، فكان الاعتبار بهم أوقع، ولو ذكرت لهم رسل أمم لا يعرفونهم لکان إخبارهم عنهم مجرد حكايةٍ، ولم يكن فيه استدلال واعتبار (٦). وأيضًا من حكمة إرسال الرسل إقامة [الأحقاف: ١٢]. أي: مشتملٌ على النذارة حجته على عباده؛ حتى لا یکون لهم عذر. روى مسلم في صحيحه بسنده عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليس أحدٌ أحب إليه المدح من الله عز وجل، من أجل ذلك مدح نفسه، وليس أحدٌ أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش، وليس أحدٌ أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل) (٧). (٥) المصدر السابق ٦/ ٤٨١. (٦) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢/ ٢٩٧. (٧) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، www. modoee.com ٣٠١ حرف الألف وقد كثر في القرآن ذكر المقصد من إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. الرسل بأنه الإنذار والتبشير، ومن ذلك: قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وأخبر سبحانه وتعالى أنه أرسل في الأمم السابقة مرسلين فأنذروهم بالعذاب فكفروا، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِم تُنْذِرِينَ﴾ [الصافات: ٧٢]. وأخبر سبحانه وتعالى أنه أنزل القرآن على قلب رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ ليكون من رسل الله الذين يخوفون قومهم عقاب الله، فتنذر بهذا التنزيل الإنس والجن أجمعين، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَغْزِيلُ رَبِّ الْعَلَمِينَ نَزَّلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩١-١٩٤]. وقد بين سبحانه المقصد من إرسال الرسل، وهو لئلا يكون للبشر حجة يعتذرون رُسُلَا بها بعد إرسال الرسل، قال تعالى: مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَّلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]. رابعًا: أهل العلم: قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَاَفَّةُ فَلَوَلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِيَنَفَقَّهُواْ فِىِ الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ باب غيرة الله تعالى وتحريم الفواحش، ٢١١٤/٤، رقم ٢٧٦٠. قال ابن القيم رحمه الله: ندب تعالى المؤمنين إلى التفقه في الدين وهو تعلمه، وإنذار قومهم إذا رجعوا إليهم وهو التعليم. وقد اختلف في الآية: فقيل: المعنى أن المؤمنين لم يكونوا لينفروا كلهم للتفقه والتعلم، بل ينبغي أن ينفر من كل فرقة منهم طائفة تتفقه تلك الطائفة، ثم ترجع تعلم القاعدين، فيكون النفير على هذا نفير تعلم. وقالت طائفة أخرى: المعنى: وما كان المؤمنون لينفروا إلى الجهاد كلهم، بل ينبغي أن تنفر طائفة للجهاد وفرقة تقعد تتفقه في الدين، فإذا جاءت الطائفة التي نفرت فقهتها القاعدة وعلمتها ما أنزل من الدين والحلال والحرام، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَيَنَفَقَّهُواْ﴾ ﴿وَلِيُنذِرُواْ﴾ للفرقة التي نفرت منها طائفة، وهذا قول الأكثرين، وعلى هذا فالنفير نفیر جهاد على أصله. وعلى القولين فهو ترغيب في التفقه في الدین وتعلمه وتعليمه، فإن ذلك یعدل الجهاد، بل ریما یکون أفضل منه(١). وقال ابن عاشور رحمه الله: «وإذ كان من مقاصد الإسلام بث علومه وآدابه بين الأمة، وتکوین جماعاتٍ قائمةٍ بعلم الدین، وتثقيف أذهان المسلمين كي تصلح سياسة (١) مفتاح دار السعادة ١ / ٥٦. ٣٠٢ مُوتُوابَرُ النَفسِير القرآن الكريم الإنذار الأمة على ما قصده الدين منها، من أجل ذلك عقب التحريض على الجهاد بما يبين أن ليس من المصلحة تمحض المسلمين کلهم لأن يكونوا غزاءً أو جندًا، وأن ليس حظ القائم بواجب التعليم دون حظ الغازي في سبيل الله من حيث إن كليهما يقوم بعملٍ لتأیید الدین، فهذا يؤيده بتوسع سلطانه، وتكثير أتباعه، والآخر يؤيده بتثبيت ذلك السلطان وإعداده؛ لأن يصدر عنه ما يضمن انتظام أمره وطول دوامه، فإن اتساع الفتوح وبسالة الأمة لا يكفيان لاستبقاء سلطانها إذا هي خلت من جماعةٍ صالحةٍ من العلماء والساسة وأولي الرأي المهتمين بتدبير ذلك السلطان؛ ولذلك لم تثبت دولة التتار إلا بعد أن امتزجوا بعلماء المدن التي فتحوها، ووكلوا أمر الدولة إليهم»(١). وقال الشيخ السعدي رحمه الله: «أي: ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولینذروا قومهم إذا رجعوا إلیھم))(٢). ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم به، فإن انتشار العلم عن العالم من بركته وأجره الذي ینمی له. (١) التحرير والتنوير ١١/ ٥٩. (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٥٥. وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعلیم الجهال ما لا يعلمون، فأي منفعة حصلت للمسلمين منه؟ وأي نتيجة نتجت من علمه؟ وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علمًا ومنحه فهمًا. وفي هذه الآية أيضًا: دليل وإرشاد وتنبيه لطيف لفائدة مهمة، وهي: ((أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته علیها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جمیعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور»(٣). خامسًا: المنذرون من الجن: قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ اَلْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]. أي: نصحًا منهم لهم وإقامة لحجة الله عليهم، وقيضهم الله معونة لرسوله صلى (٣) المصدر السابق. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الألف الله عليه وسلم في نشر دعوته في الجن (١). امتلأ حسه بشيء جديد، وحفلت مشاعره بمؤثر قاهر غلاب، يدفعه دفعًا إلى الحركة به، والاحتفال بشأنه، وإبلاغه للآخرين في جد واهتمام)) (٣). قال ابن كثير رحمه الله: ((وقد استدل بهذه الآية على أنه في الجن نذرٌّ، وليس فيهم رسلٌ، ولا شك أن الجن لم يبعث الله منهم رسولًا لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِىّ إِلَيْهِم مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]. وقال عز وجل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ اللَّعَامَ وَ يَمْشُونَ فِ اَلْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال عن إبراهيم الخليل عليه السلام: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ﴾ [العنكبوت: ٢٧]. فكل نبي بعثه الله تعالى بعد إبراهيم فمن ذريته وسلالته. فأما قوله تبارك وتعالى في الأنعام: ﴿يَمَعْشَرَ أَلْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ [الأنعام: ١٣٠]. فالمراد هنا مجموع الجنسين، فيصدق على أحدهما وهو الإنس(٢). قال سيد قطب رحمه الله في اهتمام الجن بإنذار قومهم: «فلما انتهت التلاوة لم يلبثوا أن سارعوا إلى قومهم، وقد حملت نفوسهم ومشاعرهم منه ما لا تطیق السكوت علیه، أو التلكؤ في إبلاغه، والإنذار به، وهي حالة من (١) المصدر السابق، ص ٧٨٣. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٢٨٠. (٣) في ظلال القرآن ٦/ ٣٢٣. ٣٠٤ مُوسُو بَرُ النَّقد القرآن الكريم الإنذار المنذرون ومواقفهم الحديث في هذا الموضع يكون عن المُنْذَرين ومواقفهم من المُنْذِرين: ١. الكافرون المعاندون: أخبرنا سبحانه وتعالى في القرآن عن مواقف الكفار المعاندین من الإنذار، والتي منها: إلا قال رءوسهم وقادتهم في الشر من أهلها: إنا بالذي جئتم به -أيها الرسل- جاحدون. ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْیَهِ وقال تعالى: مِّنِ تَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤]. «هذه تسلیةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مما مني به من قومه قريش، من الكفر والافتخار بالأموال والأولاد، وأن ما ذكروا من ذلك هو عادة المترفین مع أنبيائهم، فلا يهمنك أمرهم، ونص على المترفين؛ لأنهم أول المكذبين للرسل، لما شغلوا به من زخرفة الدنيا، وما غلب على عقولهم منها، فقلوبهم أبدًا مشغولةٌ منهمكةٌ))(١). قال سيد قطب رحمه الله: ((فهى قصة معادة، وموقف مکرور، على مدار الدهور، وهو الترف يغلظ القلوب، ويفقدها الحساسية، ويفسد الفطرة ويغشيها، فلا ترى دلائل الهداية فتستكبر على الهدى، وتصر على الباطل، ولا تتفتح للنور)). والمترفون تخدعهم القيم الزائفة، ١. الجحود. أخبر سبحانه أنه ما أرسل في قرية من والنعيم الزائل، ويغرهم ما هم فيه من ثراء رسول يدعو إلى توحيد الله وإفراده بالعبادة وقوة، فيحسبونه مانعهم من عذاب الله، ويخالون أنه آية الرضا عنهم، أو أنهم في مكان أعلى من الحساب والجزاء، والقرآن يضع لهم میزان القيم كما هي عند الله، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَآءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَ إِنَّا عَلَىْ ءَاتَِّهِمْ مُقْتَدُونَ * قَلَ أَوَلَوْ جِبْتُكُ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْ تُمْ عَلَيْهِ مَابَّةَ كُمْ قَالُواْ إِنَّا [الزخرف: ٢٣-٢٤]. بِمَا أُرْ سِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ ﴾ ويبين لهم أن بسط الرزق وقبضه ليست له علاقة بالقيم الثابتة الأصيلة، ولا يدل على رضا ولا غضب من الله ولا يمنع بذاته عذابًا، ولا يدفع إلی عذاب، قد يغدق الله على أهل الشر استدراجًا لهم؛ ليزدادوا سوءًا وبطرًا وإفسادًا، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة، ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة -وفق حكمته وتقديره- بهذا الرصید الأثیم! وقد یحرمهم فیزدادون شرًا وفسوقًا وجريمة، وجزعًا وضيقًا ويأسًا من رحمة الله، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال. (١) البحر المحيط، أبو حيان ٥٥٣/٨. www. modoee.com ٣٠٥ حرف الألف فقد يغدق الله على أهل الخير؛ ليمكنهم كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ وَإِلَى اَللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [فاطر: ٤]. من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان، والفعل الجميل، ويذخروا بهذا كله رصيدًا من الحسنات يستحقونه عند الله بصلاحهم، وبما يعلمه من الخير في قلوبهم، وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان، وثقتهم بربهم، ورجاءهم فيه، واطمئنانهم إلى قدره، ورضاهم بربهم وحده، وهو خير وأبقى، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان(١). ٢. التكذيب. أخبر سبحانه وتعالى أن موقف الأقوام الذين أرسل فيهم المنذرون التكذيب، قال تعالى عن قوم صالح عليه السلام: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٢٣]. وقال عن قوم لوط عليه السلام: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ [القمر: ٣٣]. وقال عن قوم نوح عليه السلام ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوجِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]. وقال عن قوم عاد: ﴿كَثَّبَتْ عَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٣]. وأخبر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن من سنة الله مقابلة الدعوة بالتكذيب، قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ (١) في ظلال القرآن ٢٩١٠/٥. ٣. التعجب. أخبر سبحانه وتعالى عن عجب الأقوام السابقة من إرسال رسول منهم، قال تعالى على لسان نوح عليه السلام: ﴿أَوَ غَيْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَ رَجُلٍ مِنْكُتْ لِبُنذِرَكُمْ وَلِنَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُوْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٦٣]. وقال على لسان هود عليه السلام: ﴿أَوَ ◌َعَبْتُمْ أَنْ جَاءَ كُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِّنْكُمْ لِسُنذِرَكُمْ وَأَذْكُرُواْ إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوجِ وَزَادَكُمْ فِ اَلْخَلْقِ بَصْطَةٌ فَاذْكُرُوَاْ ءَالَآءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]. أي: لا تعجبوا من هذا، فإن هذا ليس بعجب أن یوحي الله إلى رجل منکم رحمةً بكم، ولطفًا وإحسانًا إليكم؛ لينذركم، ولتتقوا نقمة الله ولا تشركوا به، ولعلكم ترحمون(٢). وبين سبحانه وتعالى في مواضع أخر أن جمیع الأمم عجبوا من ذلك، قال في عجب قوم نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ [يونس: ٢]. وقال: ﴿بَلّ ◌َمُوْ أَنْ جَاءَ هُم مُّنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ [ق: ٢]. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٨٨/٣. ٣٠٦ القرآن الكريم