Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ الأَمْصَارُ عناصر الموضوع مفهوم الأنصار ٣٨٢ الأنصار في الاستعمال القرآني ٣٨٣ الألفاظ ذات الصلة ٣٨٤ صفات الأنصار وأعمالهم ٣٨٦ فضائل الأنصار ٤٠٤ المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الأنصار أولًا: المعنى اللغوي: الأنصار: جمع ناصر، كصاحب وأصحاب، كما تجمع ناصر على ناصرين ونصار، اسم فاعل من نصر. أو جمع نصير، كشريف وأشراف، (ناصر أو نصير) وكلاهما صواب، والنصير: فعيل، بمعنى فاعل أو مفعول؛ لأن كل واحد من المتناصرين ناصر ومنصور. ونصير: صيغة مبالغة من ناصر، ومعناه: المساعد، والمعين، والمناصر، والمؤيد. يقال: نصره على عدوه ينصره نصرًا، واستنصره على عدوه: سأله أن ينصره عليهم، وتناصر القوم: إذا نصر بعضهم بعضًا، وانتصر منه: انتقم (١). ولفظ الأنصار يأتي بمعنى: الأعوان المناصرين والمؤازرين والأتباع والحلفاء، وأهل الاتباع والتصديق. وهذا اللفظ (الأنصار) بهذا المعنى اللغوي يمكن إطلاقه لغةً على كل من اتصف بهذا الوصف. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: وفي المعنى الاصطلاحي الأمر ليس ببعيد عن المعنى اللغوي، فأنصار الرجل هم حلفاؤه وأتباعه ومؤيدوه في النزاعات، ومعاونوه على أمره. ومن هنا جاء تعريف الأنصار في الاصطلاح الشرعي بأنهم الأوس، والخزرج من الأزد: سماهم الله عز وجل بذلك لما نصروا رسوله، وآووه، وكانوا له نعم الحلفاء والأتباع (٢). فالأنصار اصطلاحًا: يطلق على من أسلم من أهل المدينة بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من الأوس، والخزرج، ومزينة، وسليم، وجهينة، وغفار، وأسلم، فكل هؤلاء يسمون الأنصار، وهو اسم سماه الله تعالى لكل من ناصر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وآواه في المدينة(٣)، وأولادهم يدخلونه بالنسب؛ فيقال: الأنصاري للواحد منهم ومن أبنائهم. (١) انظر: مختار الصحاح، ١ / ٦٨٨، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ٢٢٢٠/٣. (٢) انظر: مغاني الأخيار في شرح أسامي رجال معاني الآثار، العيني ٣٨٢/٣. (٣) انظر: المصدر السابق. ٣٨٢ مَوَسُولَةُ النَّسَيَّة القرآن الكريم الأنصار الأنصار في الاستعمال القرآني وردت مادة (نصر) في القرآن (١٥٥) مرة، يخص موضوع البحث منها (١١) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال ١١ ٢٧٠ ﴾ [البقرة: ٢٧٠] ﴿وَمَا لِلنَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ الجمع وجاءت كلمة (الأنصار) في الاستعمال القرآني بمعناها اللغوي، وهو: الأعوان(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس الشامل لألفاظ القرآن الكريم، عبد الله جلغوم، ص١٣٢٥ -١٣٢٨. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي ٦٩/٥. www. modoee.com ٣٨٣ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ الصحابة: الصحابة لغة: الصحابة بالفتح: جمع صاحب، ولم يجمع فاعل على فعالة إلا هذا(١). الصحابة اصطلاحًا: هو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، ولو تخللت ردةٌ في الأصح(٢). الصلة بين الأنصار والصحابة: عند الحديث عن الفرق بين لفظة الأنصار ولفظة الصحابة وكذلك الألفاظ الثلاثة التالية يكون المقصود منه الاصطلاح الشرعي، فيكون لفظ الأنصار أخص من لفظ الصحابة، إذ الصحابة منهم المهاجرون والأنصار والطلقاء، ومن دخل في دين النبي صلى الله عليه وسلم من القبائل بعد الفتح. المهاجرون: ١ المهاجرون لغة: جمع مهاجر، والمهاجر هو كل من فارق رباعه من بدوي أو حضري وسكن بلدًا آخر(٣). المهاجرون اصطلاحًا: هم الذين صلوا إلى القبلتين، أو شهدوا بدرًا، أو أسلموا قبل الهجرة (٤). الصلة بين الأنصار والمهاجرين: الأنصار هم أهل المدينة الذين آووا النبي صلى الله عليه وسلم ومن هاجر إليهم من أهل الإسلام من مكة، والمهاجرون هم الذين قدموا المدينة مع النبي صلى الله عليه وسلم، أو هاجروا إليه منها بعد ذلك، وقبل انتهاء أجل الهجرة. (١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، ١٢/٣. (٢) انظر: نزهة النظر، ابن حجر العسقلاني، ص١٤٠. (٣) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٢٩/٦، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار عمر، ٢٣٢٥/٣. (٤) انظر: الكليات، الكفوي، ص ٨٨٣. ٣٨٤ موسوعة النفسية القرآن الكريم الأنصار الطلقاء: ١ الطلقاء لغة: أطلقت الأسير، وهو طليق، وهو من الطلقاء. وأطلقت الناقة من عقالها فطلقت (١). الطلقاء اصطلاحًا: هم أهل مكة الذين أسلموا بعد فتحها. الصلة بين الأنصار والطلقاء: الأنصار من أهل المدينة وإسلامهم متقدم على إسلام الطلقاء، أما الطلقاء فهم أهل مكة وإسلامهم كان بعد فتح مكة. التابعون: ١ التابعون لغة: جمع تابع، وهو التالي، ومنه التتبع والمتابعة، والإتباع، والتتبع، تقول: تتبعت علمه، أي: اتبعت آثاره(٢) التابعون اصطلاحًا: من لقي الصحابي، وإن لم تطل صحبته (٣). الصلة بين الأنصار والتابعين: الأنصار صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه وهم من قرن النبي صلى الله عليه وسلم، بينما التابعون هم من صحبوا الصحابة بعد موت النبي، أو قبل ذلك ولم يحصل لهم شرف الصحبة. (١) انظر: أساس البلاغة، الزمخشري، ١/ ٦١١، تاج العروس، الزبيدي، ١٠٢/٢٦. (٢) انظر: العين، الفراهيدي، ٧٨/٢. (٣) انظر: الضوء اللامع المبين عن مناهج المحدثين، أحمد ناجي، ص، ١٦٨. www. modoee.com ٣٨٥ حرف الألف صفات الأنصار وأعمالهم تحدث القرآن الكريم عن صفات الأنصار وأعمالهم، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي: أولًا: أبرز صفات الأنصار: اصطفی الله سبحانه لهذا الدين رجالًا، كان لهم الحظ الأوفر، والشرف العظيم في نصرة الدين والنبي صلى الله عليه وسلم وإيوائه بعد أن خذله الناس، ألا وهم الأنصار، فهم من آوى الرسول ونصر، وكبت المشركين وقهر؛ ولهذا فحبهم ثابت في قلب كل مسلم، وبغضهم متقد في قلب كل منافق. وقد شهد الكتاب العزيز بفضلهم، وبرضوان الله عليهم؛ لما قدموا من خدمة لهذا الدين، فخلد الله مديحهم ورضوانه عليهم في كتابه. ولو تأملنا في صفات الأنصار في القرآن الکریم، وأمعنا النظر لوجدنا فضائلهم جمة، ومناقبهم عظيمة، بلغوا فيها غاية الكمال، ونالوا بھا رضا ربھم الکریم المنان، فهو تارة يصفهم بالسابقين الأولين، وتارة بالإيواء والنصرة والإيمان، وتارة يصفهم بالفلاح، وتارة يثني على جهادهم وصبرهم وإيثارهم، وتارة يخبر بالرضا والتوبة عنهم. وقد أشار إلى بعض أفعالهم وصفاتهم، ومنها: تبوءهم المدینة، وحبهم للمهاجرين، وإيثارهم إياهم، وسلامة صدورهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُ والدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. وأشار إليهم في قوله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ ءَتَّهُمُ الْكِتَبَ وَلْنَكْمَ وَالنُّهُوَّةُ فَإِنِ يَكْفُرْ بِهَا هَوَّلَاءِ فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُواْ بِهَا بِكَفِينَ﴾ [الأنعام: ٨٩]. ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا فقوله: بِكَفِرِينَ﴾ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: ((وقوله: ﴿فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءٍ ﴾ يعني: أهل مكة، قاله ابن عباس وسعيد بن المسيب والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد، وقوله: ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ أي: إن يكفر بهذه النعم من كفر بها من قريش وغيرهم من سائر أهل الأرض، من عرب وعجم، وملیین و کتابیین، فقد وكلنا بها قومًا آخرین، أي: المهاجرين والأنصار، وأتباعهم إلى يوم القيامة))(١). وكذا قال البغوي: ((أن المراد بقوله: ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ يعني: (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٨/٣. ٣٨٦ القرآن الكريم الأنصار الأنصار وأهل المدينة)) (١). وقال القرطبي: فِى الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. « ﴿فَقَدْ وََّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ جواب الشرط، أي: وكلنا بالإيمان بها ﴿قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ أي: جمع بين قلوب الأوس والخزرج، يريد الأنصار من أهل المدينة، والمهاجرين وكانت تألف القلوب مع العصبية الشديدة من أهل مكة))(٢). وقال الطبري بعد أن ذكر عدة أقوال في المراد بقوله: ﴿فَقَدْ وَكَلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾: ((وأولى هذه الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: عنى بقوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْبِهَا مَؤُلاءِ ﴾ كفار قريش ﴿فَقَدْ وَكُلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَفِرِينَ﴾ يعني به: الأنبياء الثمانية عشر الذين سماهم الله تعالى ذكره في الآيات قبل هذه الآية، وذلك أن الخبر في الآيات قبلها عنهم مضى، وفي التي بعدها عنهم ذكر، فما بينها بأن يكون خبرًا عنهم، أولى وأحق من أن يكون خيرًا عن غیرهم»(٣). وعلى كل حال لا يوجد ما يمنع من دخول الأنصار في المراد من الآية، والله أعلم. وأشیر إليهم أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَإِن يُرِيدُواْ أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ الَّهُ هُوَ الَّذِىّ أَيََّكَ بِنَصْرِهِ، وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٢]. أي: قواك بنصره، يريد: يوم بدر، وبالمؤمنين، قال النعمان بن بشير: نزلت في الأنصار ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنفَقْتَ مَا (١) معالم التنزيل، البغوي ١٦٦/٣. (٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٤/٧. (٣) جامع البيان، الطبري ٥١٨/١١. في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم، ومعجزاته؛ لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عليها حتى يستقيدها، وكانوا أشد خلق الله حمية، فألف الله بالإيمان بينهم، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين، وقيل: أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والمعنى متقارب (٤). ونزل فيهم قوله -جل وعلا -: وإذ هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْسَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَاً وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٢]. فعن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه قال: نزلت هذه الآية فينا: هَمَّت ◌َطَآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما أحب أنها لم تنزل، والله يقول: ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ وقال سفيان مرةً: وما يسرني أنها (٥) لم تنزل؛ لقول الله: ﴿وَاَللَّهُ وَلِيُّهُمَا ﴾ـ ((وقال الحسن البصري: هما طائفتان (٤) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٤٢. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب قوله: (إذ همت طائفتان منكم)، ٥ / ٩٦، رقم ٤٠٥١ ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار، رضي الله عنهم، رقم ٢٥٠٥. www. modoee.com ٣٨٧ حرف الألف من الأنصار همتا بذلك، فعصمهما الله، يكون بثلاثة أشياء: الصفة، وهو الإيمان، والزمان، والمكان، وأفضل هذه الوجوه وقيل: لما رجع عبد الله ابن أبي في أصحابه يوم أحد همت الطائفتان باتباعه، فعصمهما الله)»(١). سبق الصفات، والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيح: (نحن الآخرون الأولون، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، والمقصود أن الله تبارك وتعالى بين في هذه الآيات فضائل الأنصار التي بَيَنَها القرآن الكريم، فقد نص على مجموعة من صفاتهم الحميدة، ومنها: وأوتيناه من بعدهم، فهذا يومهم الذي اختلفوا فيه، فهدانا الله له، فاليهود غدًا، والنصارى بعد غد)(٣) (٤). ١. سبق الأنصار إلى الإيمان والنصرة. وصف الله الأنصار في القرآن الكريم بالسبق، فقال: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ اَلْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ آَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحَتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ اَلْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((ذهب جمهور العلماء إلى أن السابقين في قوله تعالى: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]. هم هؤلاء الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة))(٢). وبين ابن العربي رحمه الله الأمور التي يكون فيها السبق، فقال: ((السبق (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ١/ ٤٤٩. (٢) منهاج السنة النبوية ١ / ١٥٤. وقال الرازي: ((اختلفوا في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار من هم؟ وذكروا وجوهًا ... ))، ثم قال: ((والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة وفي النصرة، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين، ولم يبين أنهم سابقون في ماذا؟ فبقي اللفظ مجملًا، إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارًا، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارًا، وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة؛ إزالة للإجمال عن اللفظ ... ثم قال: وأيضًا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم علیه أولًا صار (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فرض الجمعة، ٢/ ٢، رقم ٨٧٦، ومسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة ٢/ ٥٨٥، رقم ٨٥٥. (٤) أحكام القرآن، ابن العربي ٤ / ٤٠٦. ٣٨٨ القرآن الكريم الأنصار قدوة لغيره من هذه الطاعة، وكان ذلك مقويًا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك السبق في النصرة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة، فازوا بمنصب عظيم))(١). وما ذکر قبل من الأقوال هو من باب التمثيل، فيكون هذا من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد؛ ولهذا قال الشوكاني رحمه الله: ((ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف کلها»(٢). ٢. رضوان الله عن الأنصار ورضاؤهم عنه. أخبر سبحانه أنه رضي عن (المهاجرين) والأنصار وعن أفعالهم، ورضوا عنه سبحانه؛ لما أجزل لهم من الثواب على طاعاتهم وإيمانهم به ويقينهم، فقال تعالى: ﴿رَضِىَ اَللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. فقوله تعالى: ﴿رَضِىَ اَللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ يعم الكل، قال الزجاج: رضي الله أفعالهم، ورضوا ما جازاهم به(٣) فحین ذکر سبحانه وتعالى الجزاء الذي أعده لهؤلاء، (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٨/ ١٢٧. (٢) فتح القدير ٢/ ٥٧٧. (٣) زاد المسير، ابن الجوزي ٣/ ٤٩١. وحين كانت نفوسهم زاكية راقية؛ قابلوا الجزاء بالشكر، والتزود من الطاعة، فذكر سبحانه أنهم: ﴿وَرَضُواْ عَنْهُ﴾ وهذا أرقى المراتب التي يسعى إليها المؤمنون، ويتنافس فیها المتنافسون، أن یرضی الله تعالی عنهم، ويرضيهم، يقول الطبري: ((رضي الله عن جمیعهم لما أطاعوه، وأجابوا نبيه إلى ما دعاهم إليه من أمره ونهيه، ورضي عنه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان لما أجزل لهم من الثواب على طاعتهم إياه، وإيمانهم به وبنبيه عليه السلام» (٤). ففي هذه الآية إخبار بأن الله رضي عنهم ورضوا عنه، وفي هذا دليل على عدالتهم، ووجه الدلالة: أن الله تعالى أخبر فيها برضاه عنھم، ولا يثبت الله رضاه إلا لمن كان أملا للرضا، ولا توجد الأهلية لذلك إلا لمن كان من أهل الاستقامة في أموره كلها، عدلًا في دینه. يقول ابن كثير رحمه الله: ((يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم)) (٥). ويقول أيضًا: ((فقد أخبر الله العظيم أنه قد (٤) جامع البيان، ١٤/ ٤٣٩. (٥) تفسير القرآن العظيم، ٢٠٣/٤. www. modoee.com ٣٨٩ حرف الألف رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، فیا ویل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم)) (١). وقال تعالى في جزاء هؤلاء السابقين: ﴿وَعَذَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ١٠٠]. أي: وأعد لهم في الآخرة جنات تجري من تحت أشجارها وقصورها الأنهار، ﴿خَلِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾ أي: مقيمين فيها من غير انتهاء، ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أي: ذلك ممن تلاهم. هو الفوز الذي لا فوز وراءه. قال في البحر: لما بين تعالى فضائل الأعراب المؤمنين بين حال هؤلاء السابقين، ولكن شتان ما بين الثناءين، فهناك قال: ﴿ألآ إِنَّهَاقُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٩]. وهنا قال: ﴿وَأَعَدَّلَهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ﴾ وهناك ختم ﴿إِنَّاللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: ٩٩]. وهنا ختم: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠] (٢). وهذا الرضوان للأنصار، وما أعد لهم من الجنات والنعيم، هو جزاء ما قدموه لهذا الدین، وما ترکوا من دورهم وأهلیھم، وجزاء ما أعطوه للمهاجرين من أموالهم؛ (١) المصدر السابق. (٢) صفوة التفاسير، الصابوني ٣٧٤/١. لأن الهجرة أمر شاق على النفس، لمفارقة الأهل والعشيرة، والنصرة منقبة شريفة؛ لأنها إعلاء كلمة الله، ونصر رسوله وأصحابه، والإحسان من أحوال المقربين أو مقاماتهم. وفي هذه الآية ﴿وَالسَّبِقُونَ اُلْأَوَّلُونَ﴾ [التوبة: ١٠٠] فوائد: الأولى: في الآية دليل على أن للصحابة مراتب، وأن الفضل للسابق إلى الإسلام والهجرة، وأن السابقين من الصحابة أفضل الثانية: قيل: المراد بالسابقين الأولين جميع المهاجرين والأنصار، فـ(من) بيانية؛ لتقدمهم على من عداهم، وقيل: بعضهم، وهم قدماء الصحابة و(من) تبعيضية، وقد اختار کثیرون الثاني، واختلفوا في تعیینھم. الثالثة: تقديم المهاجرين؛ لفضلهم على الأنصار، كما ذكر في قصة السقيفة، ومنه علم فضل أبي بكر رضي الله عنه على من عداه؛ لأنه أول من هاجر معه صلى الله عليه وسلم(٣). الرابعة: وفيها دليل على تنزيل الناس منازلهم. الخامسة: وفيها دليل على أن أفضلية العمل على قدر رجوع منفعته إلى الإسلام والمسلمين. (٣) محاسن التأويل، القاسمي ٢/ ٥٠. ٣٩٠ مُوسُو ◌َةُ النَِّّ القرآن الكريم الأنصار المهاجرين والأنصار، والمعنى: أنه رضي عنهم بما عملوه من الطاعات الخالصة له، ورضوا عنه بما جازاهم به مما لا يخطر لهم على بال، ولا تتصوره عقولهم، والرضا منه سبحانه هو أرفع درجات النعيم، وأعلى منازل الكرامة. قد شهد الله تعالى لهم بذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ وَالْإِيمَنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]. فمن جملة أوصاف الأنصار الجميلة أنهم: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]. وهذا لمحبتهم لله ولرسوله أحبوا أحبابه، وأحبوا من نصر دينه، وهذه المحبة هي آصرة أقوى من آصرة النسب، وأقوى من رابطة الدم؛ لأنها تجمع على الإيمان بالله واليوم الآخر؛ ولأنها تستل كل الأحقاد والضغائن من الصدور؛ ولأنها تجعل من محبة الفرد لأخيه المسلم طاعة يتقرب بها، وينال بها الأجر والثواب من الله عز وجل، ويحصل بها على المنازل الرفيعة في الآخرة. وأن هذه الرابطة أقوى من رابطة الدم واللغة والمصالح الاقتصادية، والعلاقات المتبادلة، يقول سيد قطب في الكلام على هذه الآية: ((وهذه كذلك صورة وضيئة وفي قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ﴾ الواو استئنافية و﴿وَاَلَّذِينَ﴾ مبتدأ، وخبره ﴿يُحِبُّونَ﴾ والجملة مستأنفة. وقوله: ﴿يُحِبُّونَ﴾ [الحشر: ٩]. خبر عن اسم الموصول ﴿وَأَلَّذِينَ﴾ والمعنى: يحبونهم من حيث مهاجرتهم إليهم لمحبتهم الإيمان؛ قال ابن كثير: ((أي: من كرمهم وشرف أنفسهم يحبون المهاجرين، ويواسونهم بأموالهم» (٢). وقوله: ﴿مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ أي: إلى المدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه حال الأنصار، فقلوبهم مملوءة (١) في ظلال القرآن ١٦٥/٧. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٩/٨. www. modoee.com ٣٩١ السادسة: رضا الله عن السابقين من صادقة تبرز أهم الملامح المميزة للأنصار، هذه المجموعة التي تفردت بصفات، وبلغت إلى آفاق، لولا أنها وقعت بالفعل، لحسبها الناس أحلامًا طائرة، ورؤی مجنحة، ومثلًا عليا قد صاغها خيال محلق ... ، ولم يعرف تاريخ البشرية كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه ٣. حب الأنصار للمهاجرين. المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتی لیروی أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة؛ لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أكثر من عدد المهاجرين)»(١). حرف الألف بالحب للمهاجرين، ولا يحملون في الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار) (٤). صدورهم شيئًا على إخوانهم المهاجرين؛ لکونھم فضلوا علیھم ببعض الفضائل. قال القاسمي: وقوله: ﴿مُحِبُّونَ﴾ أي: لوجود الجنسية - أي المجانسة- في الصفاء، والموافقة في الدين والإخاء، قال الشهاب: المراد بمحبتهم المهاجرين هنا مواساتهم، وعدم الاستثقال والتبرم منهم، إذا احتاجوا إليهم، فالمحبة كناية عما ذكر (١). ويقول العيني: ((في قوله: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، أي: من المسلمين، حتى بلغ من محبتهم أن نزلوا لهم عن نسائهم، وشاطروهم أموالهم ومساكنهم)) (٢). وفي مقابل هذا الحب منهم أحبهم المهاجرون، وأحبهم الرسول صلى الله عليه وسلم، حتى قال للأنصار: (والذي نفسي بيده إنکم أحب الناس إلي)(٣) مرتین. بل جعل الرسول حبهم من دلائل الإیمان، کما في حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (آية الإيمان حب (١) محاسن التأويل، القاسمي ٢/ ٥٠. (٢) عمدة القاري ٢٤/ ٤١١. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: (أنتم أحب الناس إلي)، ٥٪ ٣٢، رقم ٣٧٨٦، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل الأنصار، ٤/ ١٩٤٨، رقم ٢٥٠٨. ففي هذا الحديث دلالة أن حب المؤمن لقبيلة الأنصار شعبة من شعب الإيمان، وعلامة عليه، فلا يحبهم إلا مؤمن، وأن بغضهم وكرههم شعبة من شعب النفاق والكفر، فلا يبغضهم إلا منافق. وعن البراء قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الأنصار لا یحبهم إلا مؤمن، ولا ببغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله)(٥). وليس المراد بالبغض في هذا الحديث البغض الناتج من العداء الشخصي لأفرادهم، وإنما المراد بغضهم بسبب الصفة التي مدحوا بها، وهي نصرتهم للنبي صلی الله عليه وسلم، فمن أبغضهم من جهة هذه الصفة، وهي: كونهم نصروا رسول الله صلی الله عليه وسلم أثر ذلك في تصديقه، فيصح أنه منافق (٦). (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، باب علامة الإيمان حب الأنصار، ١ / ١٢، رقم ١٧، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أنّ حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق ١/ ٨٥، رقم ٧٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب الأنصار، باب حبّ الأنصار، ٣٢/٥، رقم ٣٧٨٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب الدليل على أنّ حب الأنصار وعلي رضي الله عنهم من الإيمان وعلاماته، وبغضهم من علامات النفاق ١/ ٨٥، رقم ٧٥. (٦) انظر: فتح الباري، ابن حجر ١/ ١٦٣. مُوسُوبَة النفسي لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٣٩٢ الأنصار البغض. وهذا الحب من الأنصار لإخوانهم المهاجرین دافعه وجه الله تعالى، ومعرفتهم فضل الأخوة في الله، ومكانتها في الدين، فالأخوة في الله مبدأ عظيم من مبادئ الإسلام، يقوم عليه الولاء والبراء، والحب والبغض. وتجلت هذه الأخوة في أبهى صورها، وأجمل حللها، في تلك المواقف السمحة التي عامل بها الأنصار إخوانهم المهاجرین، وهذا التآخي لم يكن مجرد شعار للمزايدة، ودغدغة العواطف، والالتفاف حول المعاني السامية بالأكاذيب والتدليس والتلبيس، لكنه معنى خالط قلوبهم ومشاعرهم، ولحمهم ودمهم، برز ذلك في سلمهم وحربهم، وفقرهم وغناهم، مستضعفین وممکن لهم، أفرادًا وجماعات. وهذا الأنموذج من الأخوة الصادقة حرص النبي صلى الله عليه وسلم عليه وأكده، وكان من أوائل الأمور التي قام بها بعد وصوله المدينة أن آخى بين المهاجرين والأنصار؛ ليذهب عن المسلمين المهاجرين وحشة الغربة، ويؤنسهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، ویشد بعضهم أزر بعض. ٤. الإيثار عند الأنصار. الإيثار من أعظم الصفات التي اتصف وكذلك الحب يقال فيه مثل ما يقال في بها المجتمع الإسلامي؛ ولهذا يقول بعض المفکرین: بأن كلمة الإيثار یصعب ترجمتها إلى لغات أخرى، أي: ليس لها مرادف في اللغات الأخرى مرادف يؤدي معناها، ويحقق كل معانيها، وكأن هذه الخصلة هي من الخصال التي أتى بها هذا الدين الحنيف، وزكى غرسها، وحث عليها، ودعا إليها. وأعظم الناس إيثارًا في التاريخ الإسلامي هم الأنصار، فقد جاءهم المهاجرون إلى المدينة وهم لا يملكون من أمر الدنيا شيئًا، قد تركوا أموالهم وما يملكون خلف ظهورهم، وأقبلوا على ما عند الله عز وجل، يرجون رحمته، ويخافون عذابه، فاستقبلهم الأنصار الذين تبوءوا الدار، وأكرموهم أيما إكرام، ولم يبخلوا عليهم بشيء من حطام الدنيا، بل قاسموهم الأموال والمتاع، وشاطروهم بيوتهم وأرضهم وأموالهم، بطيب نفس، وسلامة صدر، في صورة يعجز عن وصفها اللسان، ويضعف عن تعبيرها البيان، وقابل المهاجرون هذا الإيثار الرائع بحسن الخلق والتعفف. وقدامتدح الله جل وعلا خلق الإيثار عند الأنصار، فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. ففي قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. www. modoee.com ٣٩٣ حرف الألف أي: إن من أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميزوا بها على من سواهم الإيثار، وهو أکمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحاب النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خلق زكي، ومحبة لله تعالى مقدمة على محبة شهوات النفس ولذاتها. والمراد بقوله: ﴿رَبُؤْثِرُونَ﴾ [الحشر: ٩]. أي: الأنصار، والإيثار لغة: مصدر من قولهم: آثره علیه یؤثره إيثارًا، بمعنى: فضله وقدمه، والمآثر: ما يروى من مكارم الإنسان، وفي التنزيل: ﴿قَالُواْ تَاَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٩١]. وآثر أن يفعل كذا: فضل وقدم، وضده الأثرة من قولهم: استأثر بالشيء انفرد به، أو اختص به نفسه. واصطلاحًا: قال القرطبي: ((الإيثار: هو تقديم الغير على النفس في حظوظها الدنيوية؛ رغبة في الحظوظ الدينية، وذلك ينشأ عن قوة اليقين، وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة)) (١). وفي قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ﴾ [الحشر: ٩]. مفعول الإيثار محذوف، والتقدير: ويؤثرونهم بأموالهم ومنازلهم على أنفسهم. (١) الجامع لأحكام القرآن، ١٨/ ٢٦. جاء في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجلٌ رسول الله صلى الله علیه وسلم، فقال: يا رسول الله، أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا رجل يضيف هذه الليلة يرحمه الله)، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فذهب إلى أهله، فقال لامرأته: ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا تدخریه شيئًا، فقالت: والله ما عندي إلا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم، وتعالي فأطفئي السراج، ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (لقد عجب الله عز وجل، أو ضحك من فلان وفلانة)، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩](٢) . وفي رواية في البخاري أيضًا: (ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما)، فأنزل الله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩](٣). (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (ويؤثرون على أنفسهم)، ٦/ ١٤٨، رقم ٤٨٨٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله: (ويؤثرون على أنفسهم)، ٥/ ٣٤، رقم ٣٧٩٨. ٣٩٤ مُؤْمِنُوابَرُ النَّسيد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأنصار وجاء في سبب نزولها: أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم أهدي له رأس شاةٍ، فقال: إن أخي فلانًا وعياله أحوج إلى هذا، فبعث به إليه، فلم یزل یبعث به واحد إلی واحد، حتى تناولها سبعة أهل أبیات، حتی رجعت إلى أولئك، فنزلت هذه الآية. وروي نحو هذه القصة عن أنس بن مالك قال: أهدي لبعض الصحابة رأس شاةٍ مشوي، وکان مجهودًا، فوجه به إلی جارٍ له فتناوله تسعة أنفس، ثم عاد إلى الأول، فنزلت هذه الآية (١). وذكر ابن جزي في سبب نزولها قصة الفيء، فقال: ((وروي أن سبب هذه الآية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قسم هذه القرى على المهاجرين دون الأنصار، قال للأنصار: (إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وشاركتموهم في هذه الغنيمة، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه)(٢)، فقالوا: بل نقسم لهم من أموالنا، ونترك لهم هذه الغنيمة، وروي أيضًا أن سببها أن رجلًا من الأنصار أضاف رجلًا))(٣). وذكر القصة التي في البخاري. وهذا ما رجحه الرازي، حيث قال: (١) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤ /٢٥٨. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٨/ ٢٥. (٣) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٣٦٠/٢. (وذكر المفسرون أنواعًا من إيثار الأنصار للضيف بالطعام، وتعللهم عنه حتى يشبع الضيف، ثم ذكروا أن الآية نزلت في ذلك الإيثار، والصحيح أنها نزلت بسبب إيثارهم المهاجرین بالفيء، ثم لا يمتنع أن يدخل فيها سائر الإيثارات)) (٤). قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ [الحشر: ٩]. الخصاصة: هي صَاصَةٌ﴾ الفقر (٥). والمعنى: ولو کان بهم حاجة وفاقة إلى ما آثروا به من أموالهم على أنفسهم، فبين أن هذا الإيثار ليس عن غنى، وعن المال، ولكنه عن حاجة وخصاصة، وهي: الفقر (٦). وهذا هو واقع الأنصار، فهم مع ما هم عليه من الخصاصة - وهي الفاقة والفقر-، ومع شدة احتياجهم وافتقارهم إلى ما في أيديهم، حيث أن المهاجرين كانوا أهل تجارة، وكانوا أهل ثراء في أوطانهم في مكة، بينما الأنصار كانوا في الحقيقة أهل زراعة، وما كانوا بالثراء الذي كان عليه أهل مكة؛ ولذلك عبر عنهم القرآن بهذا التعبير: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. فلئن يقدم الإنسان حاجة غيره عليه وهو مستغنٍ عن تلك الحاجة فهذا لا يستغرب، (٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٥٠٨. (٥) المصدر السابق. (٦) انظر: المصدر السابق. www. modoee.com ٣٩٥ حرف الألف ومع ذلك فإن الله تعالى قد أمر به في كتابه ابتلي بالشح بالخير الذي هو أصل الشر ومادته. الكريم، حينما قال: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ اَلْعَقْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩]. أي: الزيادة، ما فضل عن نفقاتكم الضرورية اللازمة عليكم، لكن هذه المرتبة أعلى، وهي أن يجود الإنسان بما عنده لأخيه مع کونه محتاجًا إلیه، شدید الاحتیاج، شدید الرغبة فيه، فهذا المعنى هو الذي تتحدث عنه الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩]. قال الرازي: ((واعلم أن الفرق بين الشح والبخل هو أن البخل نفس المنع، والشح هو الحالة النفسانية التي تقتضي ذلك المنع، فلما كان الشح من صفات النفس لا جرم قال تعالى: ﴿وَمَن يُوقَ شُعَّ نَفْسِهِ، فَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩])(١). ووقاية شح النفس يشمل وقايتها الشح في جميع ما أمر به، فإنه إذا وقي العبد شح نفسه سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله، ففعلها طائعًا منقادًا منشرحًا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نھی الله عنه وإن کان محبوبًا للنفس، تدعو إلیه، وتطلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله، وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز، بخلاف من لم یوق شح نفسه، بل فهذان الصنفان الفاضلان الزكيان هم الصحابة الكرام والأئمة الأعلام، الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به من بعدهم، وأدركوا به من قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادات المتقين. ووصف الله من يتصف بهذه الصفة بقوله: ﴿فَأَوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الظافرون بما أرادوا، والمقصود بهم: الأنصار، ومن أتصف بهذه الصفات من غيرهم، والمفلحون: هم الفائزون بكل مطلوب، الناجون من كل مهروب، قال ابن كثير: أي: من سلم من الشح فقد أفلح وأنجح(٢). ((والفلاح: اسم لسعادة الدارين، والجملة اعتراض وارد لمدح الأنصار والثناء عليهم، فإن الأوصاف المذكورة في حقهم، فلهم جلائل الصفات، ودقائق الأحوال ... ، قال السهروردي في العوارف: السخاء صفة غريزية في مقابلة الشح، والشح من لوازم صفة النفس، حكم الله بالفلاح لمن يوقی الشح، أي: لمن أنفق وبذل، والنبي عليه الصلاة والسلام نبه بقوله: (ثلاث مهلکات، وثلاث منجيات) فجعل إحدى المهلكات (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٥٠٨/٢٩. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٧١/٨. مَوَسُولَةُ النَّة القرآن الكريم ٣٩٦ الأنصار (شحًا مطاعًا)(١) ولم يقل: مجرد الشح ولذلك لا يمكن أن تتصور الإيثار دون أن يكون مهلكًا، بل إنما يكون مهلكًا إذا كان تتصور المحبة بين الناس، المحبة التي تنشأ في القلوب، ثم يتبع هذه المحبة رغبة صادقة في أن ينال الخير أخاك؛ ولذلك فلا يجد الواحد منهم غضاضة في نفسه أن يقدم إخوانه في الخير الذي لديه. مطاعًا، فأما كونه موجودًا في النفس غير مطاع لا ینکر ذلك؛ لأنه من لوازم النفس، مستمد من أصل جبلتها الترابي، وفي التراب قبض وإمساك، وليس ذلك بالعجب من الآدمي، وهو جبلي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة))(٢). وهكذا يصور القرآن الكريم هذا الوضع غير المسبوق في أبلغ عبارة وأجزلها، وتظهر الآيات الكريمة صدق الأخوة بين المهاجرين والأنصار، لا تلوثه أطماع، ولا حب دنیا، ولا أثرة، ولا شح أو حرص، ولا حاجة إنما هو أخوة تدور بين سلامة الصدر والإيثار، ولا شك أن المرء يقف مبهورًا أمام هذه الصورة الرائعة من الأخوة المتينة، والإيثار المتبادل، الذي لا نشهد له مثيلا في تواريخ الأمم السابقة. ولقد كان دافع الأنصار لهذا الإيثار هو رغبتهم فيما عند الله، وحبهم لإخوانهم المهاجرين؛ ولهذا صدر الله هذه الصفات للأنصار في هذه الآية بأنهم يحبون من هاجر إليهم، فالمحبة هي باعث هذا الإيثار؛ (١) أخرجه البزار في مسنده، رقم ٧٢٩٣ والطبراني في المعجم الأوسط ٥٧٥٤. وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب ٢/ ٣٥٦، رقم ٢٦٠٧. (٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٣٥٣/٩. وكيف لا يؤثر الأنصار وقد بايعوا الرسول صلى الله عليه وسلم على الإيثار؟! فقد جاء عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (بایعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله)(٣). فالسمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره: لهم معه، ومع الأئمة بعده، والأثرة: عدم منازعة الأمر مع الأئمة بعده خاصة. ولو ذهبنا نلتمس الأسباب وراء هذا الإخاء والحب والإيثار فلن نجد إلا مسبب الأسباب، وأن ذلك كان بفضل الله ورحمته، لا بصنع بشر وحکمته وسیاسته، وصدق الله حيث قال: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمَّ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِىِ الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]. (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية ١٤٧٠/٣، رقم ١٧٠٩. www. modoee.com ٣٩٧ حرف الألف فلم يلتق النبي صلی الله عليه وسلم عليه وسلم حين طرد، ونصروه حين خذل، فلا مثل لهم، ولا لأجرهم» (١). بالأنصار إلا في سویعات تحت جنح الليل، واكتفى فيها بعرض الإسلام، وأخذ العهود والمواثيق، ولم يطل لقاؤه معهم قبل الهجرة حتى يكون هذا الذي فعلوه بسبب تربية النبي إياهم، وطول تعهده لهم كما فعل تجاه المهاجرين حتى كون منهم رجالًا، فلم يكن بين دخول الأنصار الإسلام وقيامهم بهذه المآثر إلا أقل من عام. فالأنصار قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، لقد فتحوا للمهاجرين قلوبهم قبل أن يفتحوا لهم بيوتهم، ووسعوهم بصدورهم قبل أن يسعوهم بأموالهم، وتسابقوا إلى لقائهم وإكرامهم، وضربوا في باب الإیثار، وسخاء النفس، وكرم الطبع مثلًا عليا، لا تزال تذکرها لهم الأجيال المتعاقبة، بالإکبار والإعظام. ٥. سلامة صدورهم. أثنى الله على الأنصار بسبب سلامة صدورهم رضي الله عنهم، فقال: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. فقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ﴾ [الحشر: ٩]. الضمير في (يجدون) للأنصار، قال ابن العربي: ((قال الخلق بأجمعهم: يريد بذلك الأنصار الذين آووا رسول الله صلى الله وقوله: ﴿حَاجَةٌ﴾ أي: حزازة وغيظًا وحسدًا، قال الشوكاني في فتح القدير: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِىِ صُدُورِهِمْ حَاجَةٌ مِّمَّا أُوتُواْ﴾ [الحشر: ٩]. ((أي: لا يجد الأنصار في صدورهم حسدًا وغيظًا وحزازةً))(٢). وفي الكلام مضاف محذوف: أي لا يجدون في صدورهم مس حاجة، أو أثر حاجة، و کل ما يجده الإنسان في صدره مما يحتاج إليه فهو حاجة (٣). وقوله: ﴿مِّمََّ أُوتُواْ﴾ أي: مما أعطوا، والضمير للمهاجرين، والمراد (فيما أوتوه) هو مال الفيء، حيث قسم النبي صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير بين المهاجرين، ولم يعط من الأنصار غير ثلاثة نفر، كانت بهم حاجة، فطابت أنفس الأنصار بتلك القسمة، أو يكون المراد (فيما أوتوه) هو: الفضل والتقدم (٤). قال شيخ الإسلام في الفتاوى: ((وبهذا أثنى الله تعالى على الأنصار، فقال: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. (١) أحكام القرآن، ابن العربي ٣٠٨/٧. (٢) فتح القدير ٢٠١/٥ (٣) المصدر السابق ٥/ ٢٨٢. (٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٨ / ٢١٢. ٣٩٨ القرآن الكْرِيْمِ الأنصار أي: مما أوتي إخوانهم المهاجرون، قال اختلال أحوال (٤). المفسرون: لا يجدون في صدورهم حاجة أي: حسدًا وغيظًا، مما أوتي المهاجرون، ثم قال بعضهم: من مال الفيء، وقيل: من الفضل والتقدم))(١). يعني: لا يحسدون المهاجرين على ما خصوا به من مال الفيء وغيره، ويحتمل أن يريد به: ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا إذا كان قليلا، بل یقنعون به، ويرضون عنه، وقد كانوا على هذه الحال حين حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كانوا عليه بعد موته صلی الله عليه وسلم. وقد أنذرهم النبي صلی الله عليه وسلم قائلا: (سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض)(٢)(٣). فالأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما خصص به المهاجرون من الفيء، ولا يحسدونهم على ذلك، ولا يعترضون بقلوبهم على حكم الله بتخصيص المهاجرين حتى لو كانت بهم حاجة، أو (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١٩/١٠. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية، باب ما أقطع النبي صلى الله عليه وسلم من البحرين، وما وعد من مال البحرين والجزية، ولمن يقسم الفيء والجزية ٤ / ٩٨، رقم ٣١٦٣، ومسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب الأمر بالصبر عند ظلم الولاة واستثارهم ٣/ ١٤٧٤، رقم ١٨٤٥. (٣) أحكام القرآن، ابن العربي ٧/ ٣١٠. وعلى هذا ففي الآية بيان حال الأنصار، وأنهم لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله، وخصهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها، وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنهم. ويدل ذلك أيضًا على أن المهاجرين أفضل من الأنصار؛ لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم؛ لأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة. ثانيًا: أبرز أعمال الأنصار: الأنصار: ما أجملها من كلمة! إنها كلمة تحمل معاني شريفة جليلة، اتصف بها قوم ضرب بهم المثل في الكمال الإنساني، إنها علمٌ على قوم عملوا أعمالًا استحقوا بها أن يكونوا من أنصار الرسول الكريم. ومن أبرز هذه الأعمال: ١. الإيواء والنصرة. لما هاجر المسلمون من مكة هجروا المحبوبات والمألوفات من الديار والأوطان والأحباب والخلان والأموال، وتجردوا من كل شيء إلا من الإيمان؛ رغبةً (٤) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ٥٦١/٣. www. modoee.com ٣٩٩ حرف الألف الله صلی الله عليه وسلم، فوصلوا إلى أرض جديدة، وواقع مختلف، وكان من أثر هذه الرحلة نشوءً عدد من المشكلات الجديدة، ليس أقلها: الشعور بالغربة، ومفارقة الأهل والديار، وترك معظم الأموال والممتلكات في مكة، وطبيعة الوضع المعيشي والاقتصادي الجديد، أضف إلى ذلك الآثار الصحية والبدنية التي أحدثها الانتقال المفاجئ إلى بيئةٍ أخرى؛ مما أدى إلى ظهور الأمراض في صفوفهم كالحمى وغيرها، كل هذا ترك في أنفسهم وحشة وغربة، حتى أصبح وضعهم يحتاج إلى حل عاجل وسريع. فترجم الأنصار ما تعاقدوا عليه من أقوال في البيعتين إلى جملة أفعال، حيث فتح الأنصار أبواب بيوتهم و قلوبهم، واستعدوا لاحتضان من جاءهم مهاجرًا تحت ظاهرة عظيمة من التكافل الاجتماعي، فحوى المسكن الواحد تحت سقفه الأنصاري والمهاجر، وهم يتقاسمون كل شيء المسكن والمال والطعام. فلم یعرف تاریخ البشریة حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلي الإيواء، واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم في الله، ونصرةً لدين الله، ومحبةً لرسول ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة؛ لأن عدد الراغبين في الإيواء المتزاحمين عليه أکثر من عدد المهاجرين، وهم لا یجدون في أنفسهم شيئًا من حسد، أو ضيق من هذا، والإيثار على النفس مع الحاجة قيمة عليا، وقد بلغ بها الأنصار مبلغًا لم تشهد له البشرية نظيرًا. وهنا ظهر دور الأنصار الذين أبدوا من التضحية وضروب الإيثار ما استحق التخليد في کتاب الله. إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قال الله تعالى عنهم: وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ بِأَمْوَلِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَنَصَرُواْ أُوْلَيْكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]. وقال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَاوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاًلَهُ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌّ كَرِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٧٤]. فجمع الله تعالى في هاتين الآيتين الذين كانوا دعامة الإسلام، وعليهم هدى الرسول قام بنیانه، وشیدت أركانه، وهم المهاجرون والأنصار، فالمهاجرون ابتدأ بهم تكوين الجماعات الأولى التي صبرت وصابرت، وتلقت الصدمة الأولى من المشركين. والأنصار وهم الذين آووا ونصروا، وأعزوا كلمة التوحيد، وأغلوها وأعلوها، فإذا كان المهاجرون هم الذين أظلوا شجرة مُوسُوبَة النفسية القرآن الكريمِ ٤٠٠