Indexed OCR Text

Pages 41-48

الإنجيل
صفات الرسول وأتباعه في الإنجيل
أولًا: تبشير الإنجيل بالرسول عليه
السلام:
نص القرآن الكريم على أن الكتب
السابقة ومن بينها الإنجيل قد بشرت بمبعث
النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم،
وأن المسيح عليه السلام قد بشر أمته صراحة
به ودلهم على اسمه وصفته، ذلك؛ لأن
المسيح هو آخر رسول قبل رسولنا محمد
صلی الله عليه وسلم وليس بينهما نبي.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى أَبْنُ مَرْيَ يَبَقِيّ
إِسْرَّهِ يَ إِنِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدْىَّ مِنَ
النََّّرَيَّةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَمْهُمْ أَعْمَرٌّ فَذَاً
جَآءَ هُمْ بِالْبَيْنَتِ قَالُواْ هَذَا سِحْرٌّ مُبِينٌ﴾ [الصف: ٦].
((يقول تعالى مخبرًا عن عناد بني إسرائيل
المتقدمین، الذین دعاهم عیسی ابن مريم،
وقال لهم: ﴿يَبَّنِيّ إِسْرَّهِ يلَ إِنَّ رَسُولُ اَلّهِ إِلَيْكُرُ﴾
أي: أرسلني الله لأدعوكم إلى الخير وأنهاكم
عن الشر، وأيدني بالبراهين الظاهرة، ومما
يدل على صدقي كوني ﴿مُصَدِّقَالِّمَا بَيْنَ يَدَقَّ
مِنَ الثّورةِ﴾ أي: جئت بما جاء به موسی من
التوراة والشرائع السماوية، ولو كنت مدعيًا
للنبوة، لجئت بغير ما جاءت به المرسلون،
ومصدقا لما بين يدي من التوارة أيضًا، أنها
أخبرت بي وبشرت، فجئت وبعثت مصداقًا
لها ﴿وَمُبَشِّرًا بَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسَّمُهُ أَعْمَدُ﴾ وهو:
محمد بن عبد الله بن عبد المطلب النبي
الهاشمي، فعيسى عليه الصلاة والسلام،
كالأنبياء يصدق بالنبي السابق، ويبشر
بالنبي اللاحق، بخلاف الكذابين، فإنهم
يناقضون الأنبياء أشد مناقضة، ويخالفونهم
في الأوصاف والأخلاق، والأمر والنهي
﴿لاجاءهم﴾ محمد صلى الله عليه وسلم
الذي بشر به عيسى ﴿إِلَيْنَتِ﴾ أي: الأدلة
الواضحة، الدالة على أنه هو، وأنه رسول
الله حقًّا))(١).
((فعيسى، عليه السلام، وهو خاتم أنبياء
بني إسرائيل، وقد أقام في ملأ بني إسرائيل
مبشرًا بمحمدٍ، وهو أحمد، خاتم الأنبياء
والمرسلين، الذي لا رسالة بعده ولا نبوة،
وما أحسن ما أورد البخاري الحديث الذي
قال فیه: حدثنا أبو اليمان، حدثنا شعيبٌ،
عن الزهري قال: أخبرني محمد بن جبير
بن مطعم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: (إن لي أسماء:
أنا محمدٌ، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي
يمحو الله به الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر
الناس على قدمي، وأنا العاقب) (٢).
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٨٥٩.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب،
باب ما جاء في أسماء رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، رقم ٣٥٣٢، ومسلم في
صحيحه، كتاب الفضائل، باب في أسمائه
صلی الله عليه وسلم، رقم ٢٣٥٤.
www. modoee.com
٢٧٩

حرف الألف
ورواه مسلمٌ، من حديث الزهري، به
نحوه، وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا
المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن أبي
عبيدة، عن أبي موسى قال: سمى لنا رسول
الله صلى الله عليه وسلم نفسه أسماءً، منها
ما حفظنا فقال: (أنا محمدٌ، وأنا أحمد،
والحاشر، والمقفي، ونبي الرحمة، والتوبة،
والملحمة) (١)»(٢).
وعن عرباض بن سارية، قال سمعت
رسول الله صلی الله عليه وسلم يقول:
(إني عند الله مكتوبٌ لخاتم النبيين، وإن آدم
لمنجدل في طینته، وسأخبر کم بأول ذلك:
دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى پي، والرؤيا
التي رأت أمي، و کذلك أمهات النبیین یرین،
إنها رأت حين وضعتني أنه خرج منها نورٌ
أضاءت منه قصور الشام) (٣).
وقد «بشر کل نبي قومه بنبينا صلی الله
علیه وسلم، وأفرد الله سبحانه عیسی بالذكر
في هذا الموضع؛ لأنه آخر نبي قبل نبينا
صلى الله عليه وسلم، فبين بذلك أن البشارة
به عمت جمیع الأنبياء واحدًا بعد واحد،
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل،
باب في أسمائه صلى الله عليه وسلم، رقم
٢٣٥٥.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١٠٩/٨.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٢٥/٢٨، رقم
١٧١٦٣.
وضعفه الألباني في ضعيف الجامع،
٣٠٥/١، رقم ٢٠٩١.
حتى انتهت بعيسى عليه السلام)» (٤).
قال ابن عاشور: ((وإنما أخبرهم بمجيء
رسولٍ من بعده؛ لأن بني إسرائيل لم يزالوا
ينتظرون مجيء رسولٍ من الله يخلصهم
من براثن المتسلطين عليهم، وهذا الانتظار
ديدنهم، وهم موعودون لهذا المخلص
لهم علی لسان أنبيائهم بعد موسى، فكان
وعد عیسی به كوعد من سبقه من أنبيائهم،
وفاتحهم به في أول الدعوة اعتناءً بهذه
الوصية، وفي الابتداء بها تنبيةٌ على أن ليس
عيسى هو المخلص المنتظر، وأن المنتظر
رسولٌ يأتي من بعده، وهو محمد صلى
الله عليه وسلم، ولعظم شأن هذا الرسول
الموعود به أراد الله أن يقيم للأمم التي يظهر
فيها علامات ودلائل ليتبينوا بها شخصه،
فيكون انطباقها فاتحةً لإقبالهم على تلقي
دعوته، وإنما يعرفها حق معرفتها الراسخون
في الدين من أهل الكتاب؛ لأنهم الذين
یرجع إليهم الدهماء من أهل ملتهم.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَ هُمْ وَإِنَّ ◌َرِيقًا مِّنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِ
وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ، عِلْمُ الْكِنَبِ﴾ [الرعد:
٤٣]»(٥).
(٤) لطائف الإشارات، القشيري، ٣/ ٥٧٧.
(٥) التحرير والتنوير، ٢٨/ ١٨١
٢٨٠
جوبين
لِلْقُرآن الكَرِيمِ

الإنجيل
((أما اسم أحمد فقد قال بعض المفسرين: لما هدي إليه ونفع به من العلم والحكمة،
إنه علمٌ منقولٌ من المضارع للمتكلم، أو من وهو محمودٌ في الآخرة بالشفاعة، فقد
أحمد أفعل التفضيل)» (١)
وقال بعضهم: ((هو علمٌ منقولٌ من
الصفة، وهي تحتمل أن تكون مبالغةً من
الفاعل، فيكون معناها: أنه أكثر حمدًا لله
من غيره، أو من المفعول، فیکون معناها:
أنه یحمد بما فیه من خصال الخير أکثر مما
يحمد غيره))(٢).
وقد مال القرطبي إلى القول الثاني
ورجحه بقوله: «وأحمد: اسم نبينا صلى الله
عليه وسلم، وهو اسم علمٍ منقولٍ من صفةٍ
لا من فعلٍ، فتلك الصفة أفعل التي يراد بها
التفضيل. فمعنى أحمد أي: أحمد الحامدین
لربه. والأنبياء -صلوات الله عليهم- كلهم
حامدون الله، ونبينا أحمد أكثرهم حمدًا.
وأما محمدٌ فمنقولٌ من صفةٍ أيضًا، وهي
في معنى محمودٍ، ولكن فيه معنى المبالغة
والتكرار، فالمحمد هو الذي حمد مرةً بعد
مرةٍ. كما أن المكرم من الكرم مرةً بعد مرةٍ،
و کذلك الممدح ونحو ذلك، فاسم محمدٍ
مطابقٌ لمعناه.
والله سبحانه سماه قبل أن يسمي به
نفسه، فهذا علمٌ من أعلام نبوته، إذ كان
اسمه صادقًا عليه، فهو محمودٌ في الدنيا
(١) البحر المحيط، أبو حيان، ١٠/ ١٦٦.
(٢) فتح القدیر، للشوكاني، ٢٦٣/٥.
تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ، ثم إنه
لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، حمد ربه
فنباه وشرفه، فلذلك تقدم اسم أحمد على
الاسم الذي هو محمدٌ، فذكره عيسى عليه
السلام فقال: اسمه أحمد. وذكره موسى
عليه السلام حين قال له ربه: تلك أمة أحمد،
فقال: اللهم اجعلني من أمة أحمد. فبأحمد
ذكره قبل أن يذكره بمحمد؛ لأن حمده لربه
کان قبل حمد الناس له، فلما وجد وبعث
كان محمدًا بالفعل، وكذلك في الشفاعة
يحمد ربه بالمحامد التي يفتحها عليه،
فيكون أحمد الناس لربه ثم يشفع فيحمد
على شفاعته)»(٣).
وفي الصحيح: (لي خمسة أسماء: أنا
محمدٌّ، وأحمد، وأنا الماحي الذي يمحو
الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي تحشر
الناس على قدمي، وأنا العاقب) (٤).
ومما يدل على ذكره صلی اللهعليه وسلم
والتبشير به في الإنجيل ووجوب اتباعه على
من أدرك زمنه واستحقاقه للمدح.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٨٣/١٨.
(٤) أخرجه البخاري، كتاب المناقب، باب ما جاء
في أسماء رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
عن جبير بن مطعم،رضي الله عنه، رقم
٣٥٣٢.
www. modoee.com
٢٨١

حرف الألف
ثانيًا: صفات الرسول الكريم صلى الله صفة أمة العرب، قال عليه الصلاة والسلام:
(إنا أمةٌ أميةٌ لا نكتب ولا نحسب)(١).
عليه وسلم:
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
التَّىَّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ
فِيِ التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ اَلَّيْبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَظْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ فَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَدٍُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[الأعراف: ١٥٧].
وقد نصت هذه الآية على أن التوراة
والإنجيل قد ورد فيهما ذكر النبي الخاتم
محمد صلى الله عليه وسلم، ووصفه
بصفات يعرفها بها كل من رآه ونظر في
شرعه، كما نصت على الأمر باتباعه، ومدح
من اتبعوه.
وقد فصل الفخر الرازي هذه الصفات
تفصيلا فقال: إنه تعالی وصف محمدًا صلى
الله عليه وسلم في هذه الآية بصفاتٍ تسعٍ:
الصفة الأولى: كونه رسولا، وقد اختصّ
هذا اللفظ بحسب العرف بمن أرسله الله
إلى الخلق لتبليغ التكاليف.
الصفة الثانية: كونه نبيًا، وهو يدل على
کونه رفیع القدر عند الله تعالى.
الصفة الثالثة: کونه أمیًا.
قال الزجاج: معنى الأمي الذي هو على
جوسو
القرآن الكريم
فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا
يقرءون، والنبي عليه الصلاة والسلام كان
کذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أمیًا، قال
أهل التحقيق وكونه أميًا بهذا التفسير كان من
جملة معجزاته.
الصفة الرابعة: قوله تعالى: ﴿الَّذِى
يَجِدُونَهُ, مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ
وَالإِنجِيلِ ﴾ وهذا يدل على أن نعته وصحة
نبوته مكتوبٌ في التوراة والإنجيل؛ لأن ذلك
لو لم یکن مکتوبًا لکان ذکر هذا الكلام من
أعظم المنفرات لليهود النصارى عن قبول
قوله؛ لأن الإصرار على الكذب والبهتان
من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما
يوجب نقصان حاله، وينفر الناس عن قبول
قوله، فلما قال ذلك دل هذا على أن ذلك
النعت كان مذكورًا في التوراة والإنجيل
وذلك من أعظم الدلائل على صحة نبوته.
هُم
الصفة الخامسة: قوله:
بِالْمَعْرُوفِ﴾ استئنافًا، ويجوز أن يكون
المعنى: يجدونه مكتوبًا عندهم أنه يأمرهم
(١) أخرجه البخاري، كتاب الصوم، باب قول
النبي صلى الله عليه وسلم لا نكتب ولا
نحسب، رقم ١٩١٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب الصيام، باب فضل شهر رمضان،
عن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، رقم
١٠٨٠.
٢٨٢

الإنجيل
بالمعروف.
الصفة السادسة: قوله: ﴿وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ
الْمُنكَرِ﴾ والمراد منه: عبادة الأوثان،
والقول في صفات الله بغير علم، والكفر بما
أنزل الله على النبيين، وقطع الرحم، وعقوق
الوالدين.
الصفة السابعة: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُ
لَهُمُ الطَّبَتِ﴾ من الناس من قال: المراد
بالطيبات الأشياء التي حكم الله بحلها،
وهذا بعيدٌ لوجهين، الأول: أن على هذا
التقدير تصير الآية ويحل لهم المحللات
وهذ محض التكرير. الثاني: أن على هذا
التقدير تخرج الآية عن الفائدة؛ لأنا لا ندري
أن الأشياء التي أحلها الله ما هي وكم هي؟
بل الواجب أن يكون المراد من الطيبات
الأشياء المستطابة بحسب الطبع؛ وذلك لأن
تناولها يفيد اللذة، والأصل في المنافع الحل
فكانت هذه الآية دالةً على أن الأصل في کل
ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل إلا
لدليل منفصلٍ.
الصفة الثامنة: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ
عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ﴾ قال عطاءٌ عن ابن عباسٍ:
يريد الميتة والدم وما ذكر في سورة المائدة
إلى قوله: ذلكم فسقٌ، وأقول: كل ما يستخبثه
الطبع وتستقذره النفس كان تناوله سببًا
للألم، والأصل في المضار الحرمة، فكان
مقتضاه أن كل ما يستخبثه الطبع فالأصل فيه
الحرمة إلا لدليلٍ منفصلٍ.
الصفة التاسعة: قوله تعالى: ﴿وَيَضَعُ
عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمْ﴾.
الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي:
يحبسه من الحراك لثقله، والمراد منه: أن
شريعة موسى عليه السلام كانت شديدةً.
وقوله: ﴿وَالْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾
المراد منه: الشدائد التي كانت في عباداتهم
كقطع أثر البول، وقتل النفس في التوبة،
وقطع الأعضاء الخاطئة، وتتبع العروق من
اللحم وجعلها الله أغلالًا؛ لأن التحريم
يمنع من الفعل، كما أن الغل يمنع عن
الفعل، وقيل: كانت بنو إسرائيل إذا قامت
إلى الصلاة لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم
إلى أعناقهم تواضعًا لله تعالى(١).
وهذه الصفات غاية في إظهار صفة
الرسول صلی الله عليه وسلم لكل من رآه
وأدركه من أهل الكتاب، حتى كان أحدهم
إذا رآه عرفه بصفاته المذكورة في کتبهم كما
يعرف ابنه الذي من صلبه.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِثَبَ
يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَءَ هُمَّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ
لَيَكْتُمُونَ الْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
فقد دلت هذه الآية على ((أنهم يعرفون
النبي صلى الله عليه وسلم بما في كتبهم من
البشارة به، ومن نعوته وصفاته التي لا تنطبق
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣٨٠/١٥.
www. modoee.com
٢٨٣

حرف الألف
على غيره، وبما يظهر من آياته وآثار هدايته،
كما يعرفون أبناءهم الذين يتولون تربيتهم
وحياطتهم حتى لا يفوتهم من أمرهم شيءٌ.
قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه - وكان
من علماء اليهود وأحبارهم : - أنا أعلم به
مني بابني، فقال له عمر رضي الله عنه: لم؟
قال: لأني لست أشك في محمدٍ أنه نبيٌّ،
فأما ولدي فلعل والدته خانت. فقد اعترف
من هداه الله من أحبارهم كهذا العالم
الجليل، وتميم الداري من علماء النصارى
أنهم عرفوه - صلى الله عليه وسلم - معرفةٌ
لا یتطرق إليها الشك»(١).
ثالثًا: صفات أتباعه:
وقد وصف الله أتباع الرسول صلى الله
عليه وسلم في الإنجيل بصفات عظيمة،
فقال تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنجِلِ كَزَوَعْ أَخْرَجَ
شَعْنَهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ،
يُعْجِبُ الزَُّّعَ لِيَغِيَظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ [الفتح: ٢٩].
((والمثل يطلق على الحالة العجيبة،
ويطلق على النظير، أي المشابه))(٢).
((وقوله: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنْجِلِ كَزَرِعْ أَخْرَجَ
شَعَْهُ﴾ يقول: وصفتهم في إنجيل عيسى
صفة زرع أخرج شطأه، وهو فراخه، يقال
منه: قد أشطأ الزرع: إذا فرخ، فهو يشطي
إشطاء، وإنما مثلهم بالزرع المشطئ؛ لأنهم
(١) تفسير المنار، محمد رشيد رضا، ١٧/٢.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٦/ ٢٠٧.
ابتدأوا في الدخول في الإسلام، وهم عدد
قليلون، ثم جعلوا يتزايدون، ويدخل فيه
الجماعة بعدهم، ثم الجماعة بعد الجماعة،
حتی کثر عددهم، کما یحدث في أصل
الزرع الفرخ منه، ثم الفرخ بعده حتی یکثر
وينمي»(٣).
وهذا مثلٌ ضربه الله عز وجل للنبي
صلى الله عليه وسلم ؛ إذ خرج وحده، فأيده
بأصحابه، كما قوى الطاقة من الزرع بما نبت
منها، حتى كبرت وغلظت واستحكمت،
وقال قتادة: في الإنجيل: سيخرج قومٌ ينبتون
نبات الزرع.
(وقوله تعالى: ﴿كَزَرْع﴾، هو علی کل
الأقوال وفي أي كتاب منزل: فرض مثل
للنبي - صلی الله عليه وسلم - وأصحابه،
في أن النبي صلی الله عليه وسلم بعث
وحده، فكان كالزرع حبة واحدة، ثم کثر
المسلمون فهم كالشطء، وهو فراخ السنبلة
التي تنبت حول الأصل، يقال: أشطأت
الشجرة إذا خرجت غصونها، وأشطأ الزرع:
إذا خرج شطأه)) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنِلِ كَزَّع
أَخْرَجَ شَطْشَهُ، فَازَرَهُ، فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى
سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَُّّعَ﴾، أي: وصفوا في
الكتابين به ومثلوا بذلك؛ وإنما جعلوا
(٣) جامع البيان، الطبري، ٢٦٥/٢٢.
(٤) المحرر الوجيز، ابن عطية، ١٤٢/٥.
مُوسُو ◌َة النَّفِي
القرآن الكريم
٢٨٤

الإنجيل
((﴿يُعْجِبُ الزُّعَ﴾: جملةٌ في موضع
كالزرع لأنه أول ما يخرج يكون ضعيفاً وله
نموٌ إلى حد الكمال، فكذلك المؤمنون، الحال، وإذا أعجب الزراع فهو أحرى أن
والشطء الفرخ، و﴿فَازَرَهُ﴾ يحتمل أن
يكون المراد أخرج الشطء وآزر الشطء،
وهو أقوى وأظهر، والكلام یتم عند قوله
يعجب الزراع (١).
((والضمير المنصوب في آزره عائدٌ على
الزرع؛ لأن الزرع أول ما يطلع رقيق الأصل،
فإذا خرجت فراخه غلظ أصله وتقوى،
و کذلك أصحاب رسول الله صلی الله علیه
وسلم كانوا أقلةً ضعفاء، فلما كثروا وتقووا
قاتلوا المشركين. وقال الحسن: آزره: قواه
وشد أزره. وقال السدي: صار مثل الأصل
في الطول. فاستغلظ: صار من الرقة إلى
الغلظ. فاستوى: أي: تم نباته. على سوقه:
جمع ساقٍ، کنایةٌ عن أصوله))(٢).
«أي: فکذلك أصحاب محمدٍ صلی الله
عليه وسلم آزروه وأيدوه ونصروه، فهم معه
كالشطء مع الزرع»(٣).
((وقال قتادة: مثل أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوبٌ أنه
سیخرج من أمة محمدٍ صلی الله عليه وسلم
قومٌ ينبتون نباتًا كالزرع، يأمرون بالمعروف
وينهون عن المنكر))(٤).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ٨٩/٢٨.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان، ٩/ ٥٠٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٧ / ٣٦٢
(٤) البحر المحيط، أبو حيان، ٩/ ٥٠١.
يعجب غيرهم؛ لأنه لا عيب فيه، إذ قد
أعجب العارفين بعيوب الزرع، ولو كان
معيبًا لم يعجبهم، وهنا تم المثل. وليغيظ:
متعلقٌ بمحذوفٍ يدل عليه الكلام قبله
تقديره: جعلهم الله بهذه الصفة؛ ليغيظ بهم
الكفار)»(٥).
((قوله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ﴾ أي:
إنما كثرهم وقواهم ليغيظ بهم الكفار، وقال
مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على
أصحاب رسول الله صلی الله عليه وسلم
فقد أصابته هذه الآية. وقال ابن إدريس:
لا آمن أن يكونوا قد ضارعوا الكفار، يعني
الرافضة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لِيَغِيظُ بِهِم
الْكُفَّارُ﴾))(٦).
وقال القرطبي: ((وهذا مثلٌ ضربه الله
تعالى لأصحاب النبي صلى الله عليه
وسلم، يعني: أنهم يكونون قليلاً ثم يزدادون
ویکثرون، فكان النبي صلى الله عليه وسلم
حين بدأ بالدعاء إلى دينه ضعيفًا، فأجابه
الواحد بعد الواحد حتى قوي أمره، كالزرع
یبدو بعد البذر ضعيفًا، فیقوی حالًا بعد حالٍ
حتى يغلظ نباته وأفراخه. فكان هذا من
أصح مثل وأقوی بیاٍ))(٧).
(٥) المصدر السابق، ٩/ ٥٠٣.
(٦) زاد المسير، ابن الجوزي، ١٣٩/٤، ١٤٠.
(٧) الجامع لأحكام القرآن، ٢٩٥/١٦.
www. modoee.com
٢٨٥

حرف الألف
فالصحابة رضي الله عنهم خلصت
نياتهم وحسنت أعمالهم، فكل من نظر
إليهم أعجبوه في سمتهم وهديهم، وقال
مالكٌ، رحمه الله: بلغني أن النصارى
كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام
يقولون: ((والله لهؤلاء خيرٌ من الحواريين
فيما بلغنا)). وصدقوا في ذلك، فإن هذه
الأمة معظمةٌ في الكتب المتقدمة، وأعظمها
وأفضلها أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقد نوه الله بذکرهم في الكتب
المنزلة والأخبار المتداولة (١).
موضوعات ذات صلة:
أهل الكتاب، التوراة، عيسى عليه السلام،
القرآن، الكتب المنزلة، النصارى
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٣٦٢/٧.
٢٨٦
القرآن الكريم