Indexed OCR Text

Pages 41-44

الآمن
الخوف، والرزق بعد شظف العيش.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أصبح منكم آمنًا في سربه، معافى في
جسده، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له
الدنيا)(١).
وهذا الحديث أصل في هذا الباب،
فقد ذكر فيه الدعائم الأساسية في حياة
الفرد، وهي تنطبق تباعًا على المجتمعات
والتكتلات بكل مفرداتها، وهذه الأسس
هي: الأمن والعافية والقوت (الرزق)
فمن جوامع الخير وحقوق الآدمية للفرد
والجماعة أن يوفر لهم الأمن بكل أنواعه،
والرزق بصنوف حاجاته وعلائقه.
وإذا كنا قد اتفقنا على أن أعظم طرق رغدًا.
الأمن هو الإيمان، فإن الإيمان بالله هو
الذي يجعل المجتمع في رغد وسعة من
الرزق.
، قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ
ولذلك
الْقُرَىّ ءَامَنُواْ وَأَتَّقَوْاْ لَفَنَحْنَا عَلَيْهِم بَرَّكَتٍ مِّنَ
السَّمَآءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَهُم بِمَا
كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴿ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ
يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَتَّا وَهُمْ نَآَيِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ
(١) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الزهد،
٤/ ١٥٢، رقم ٢٣٤٦، وابن ماجه في سننه،
كتاب الزهد، باب القناعة، ١٣٨٧/٢، رقم
٤١٤١.
وحسنه الألباني في صحيح الجامع ٢/
١٠٤٤، رقم ٦٠٤٢.
٩٨
اٌلْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللَّهَ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا
اَلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦ - ٩٩].
فذكر الله تعالى أن هذه القرى لما كانت
آمنة كانت البركات تنزل عليهم، فلما كفروا
أبدلهم الله بالأمن خوفًا، وزالت النعمة
عنهم.
وقال سبحانه: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةٌ
كَانَتْ ءَامِنَةٌ مُّطْمَيِنَّةً بَأْتِيهَا رِزْقُهَا
رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ
فَأَذَقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا
كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
فجعل من مستلزمات الأمن أن رزقها
قال الماوردي: ((اعلم أن ما به تصلح
الدنيا حتى تصير أحوالها منتظمةً، وأمورها
ملتئمةً، ستة أشياء هي قواعدها، وإن
تفرعت، وهي: دينٌ متبعٌّ، وسلطانٌ قاهٌ،
وعدلُ شاملٌ، وأمنٌ عامٌ، وخصبٌ دائمٌ،
وأملُ فسيحٌ.
وقال في شرح ذلك: وأما القاعدة
الرابعة: فهي أمنٌّ عامٌ تطمئن إليه النفوس،
وتنتشر فيه الهمم، ويسكن إليه البريء،
ویأنس به الضعيف، فليس لخائفٍ راحةٌ،
ولا لحاذرٍ طمأنينةٌ.
وقد قال بعض الحكماء: الأمن أهنا
عيشٍ، والعدل أقوى جيشٍ؛ لأن الخوف
www. modoee.com
١٥٥

حرف الألف
الخطوب الكبار، فالأمن والعافية قاعدتا
يقبض الناس عن مصالحهم، ويحجزهم
عن تصرفهم، ويكفهم عن أسباب المواد
التي بها قوام أودهم، وانتظام جملتهم؛ لأن
لیس بعدلٍ.
النعم كلها، ولا يهنأ بشيءٍ منها دونها؛
فلينتهض الإمام لهذا المهم، وليوكل
الأمن من نتائج العدل، والجور من نتائج ما بذلك الذين يخفون، وإذا حزب خطبٌ
لا يتواكلون، ولا يتجادلون، ولا يركنون
إلى الدعة والسكون، ويتسارعون إلى
لقاء الأشرار بدار الفراش إلى النار، فليس
للناجمين من المتلصصين مثل أن يبادروا
قبل أن يتجمعوا أو يتألبوا، وتتحد كلمتهم،
ويستقر قدمهم، ثم يندب لكل صقعٍ من
ذوي البأس من يستقل بكفاية هذا المهم.
ثم قال فى الخصب: والخصب يكون من
وجهين: خصبٌّ في المكاسب، وخصبٌ في
المواد، فأما خصب المكاسب فقد يتفرع من
خصب المواد، وهو من نتائج الأمن المقترن
بها، وأما خصب المواد فقد يتفرع عن
أسباب إلهيةٍ، وهو من نتائج العدل المقترن
بها))(١).
وتأمل التلازم الوثيق بين الأمن والرزق،
وبين الخوف والجوع، تجده مطردًا في
القرآن كله، مما يؤكد أهمية ووجوب
المحافظة على الأمن؛ لما يترتب على ذلك
من آثار کبری في حياة الناس وعباداتهم،
واستقرارهم البدني والنفسي، وأي طعم
للحياة والعبادة إذا حل الخوف؟ بل تتعثر
مشاریع الدين والدنيا.
وقال الجويني: ((ولا تصفو نعمةٌ عن
الأقذاء ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من
الأخطار والأغرار، فإذا اضطربت الطرق،
وانقطعت الرفاق، وانحصر الناس في
البلاد، وظهرت دواعي الفساد، ترتب عليه
غلاء الأسعار، وخراب الديار، وهواجس
(١) أدب الدنيا والدين، الماوردي ص ١٣٣.
وإذا تمهدت الممالك، وتوطدت
المسالك، انتشر الناس في حوائجهم،
ودرجوا في مدارجهم، وتقاذفت أخبار
الديار مع تقاصي المزار إلى الإمام، وصارت
خطة الإسلام كأنها بمرأى منه ومسمعٍ،
واتسق أمر الدين والدنيا، واطمأن إلى الأمنّة
الورى، والإمام في حكم البذرقة (٢) في
البلاد للسفرة والحاضرة، فليكلأهم بعينٍ
ساهرةٍ، وبطشةٍ قاهرةٍ)) (٣).
ثالثًا: النجاة من عذاب الله في الآخرة:
(٢) البذرقة: الحراس يتقدمون القافلة، وأجر
الحراسة، والأمان يعطاه المسافر، وهي كلمة
ليست بعربية، وإنما هي كلمة فارسية وعربتها
العرب، يقال: بعث السلطان بذرقة مع القافلة،
والمبذرق: الخفير. انظر: المعجم الوسيط
٤٥/١ والقاموس المحيط ص ٨٦٦.
(٣) غياث الأمم، الجويني ص ٢١٢.
١٥٦
القرآن الكريم

الآمن
من المفهوم القاصر للأمن الذي يحاول لا شريك له، ولم يشركوا به شيئاهم الآمنون
الملبسون ترسيخه في أذهان الناس اليوم يوم القيامة، المهتدون في الدنيا والآخرة(١).
ومن خاف هنا أمن هناك، فإن الله لا
یجمع بین خوفین علی عبد، فمن خاف في
الدنيا أمن في الآخرة، ولست أعني بالخوف
رقة كرقة النساء، تدمع العين، ويرق القلب،
ثم ينسى على القرب، يعود المرء إلى اللهو
واللعب، فهذا ليس من الخوف في شيء،
بل من خاف شيئًا هرب منه، ومن رجا شيئًا
طلبه، فلا ينجي إلا خوف يمنع عن معاصي
الله تعالى ويحث على طاعته.
توجيه الأنظار إلى توفير الأمن على النفس
والرزق في هذه الحياة الدنيا فحسب،
ونسيان الأمن الحقيقي والسعادة الكبرى
في الآخرة، وعدم أو ضعف الحرص على
ذلك، وإغفال الأسباب التي توصل إلى
الأمن يوم الفزع الأكبر، والفوز بدار الأمن
والسلام والتي أعدها الله عز وجل لعباده
المتقين، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَّقِينَفِ جَنَّتٍ
وَعُيُونٍ ﴿ أَدْخُلُوهَا بِسَلَمٍ ءَامِنِينَ﴾ [الحجر:
٤٥ - ٤٦].
وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السَّلَمِ
وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْنَقِيٍ﴾ [يونس: ٢٥].
إن الأمن يوجب على الإنسان أن يعبد
الله، كما قال سبحانه: ﴿وَعْدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ
اَلْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِّنَنَّلَمْ دِيْنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَهُمُ
مِنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنَّا يَعْبُدُونَنِ لَا يُشْرِكُونَ
◌ِ شَيْئًاْ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَكَ هُمُ
اُلْفَسِقُونَ﴾ [: ٥٥].
وهذه العبادة هي المؤدية للأمن التام
في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢].
فهؤلاء الذين أخلصوا العبادة لله وحده
ولذلك وعد الله أهل الإيمان بالأمن
التام، فقال سبحانه: ﴿مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيٌّ
مِنْهَا وَهُمْ مِن فَزَعْ يَوْمَيْدٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
ففي يوم القيامة في هذا اليوم المفزع
الرهيب يكون الأمن والطمأنينة من الفزع
جزاء الذين أحسنوا في الحياة الدنيا، فوق
ما ينالهم من ثواب هو أجزل من حسناتهم
وأوفر ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ، خَيٌِّ مِنْهَا وَهُم مِّن فَزَع
يَوْمَيْدٍ مَامِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩].
والأمن من هذا الفزع هو وحده جزاء،
وما بعده فضل من الله ومنة، ولقد خافوا
الله في الدنیا فلم یجمع علیھم خوف الدنيا
وفزع الآخرة، بل أمنهم يوم يفزع من في
السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله.
وقال تعالى: ﴿أَفَنْ يُلْقَى فِ النَّارِ خَيْرٌ أَم
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٤/٣.
www. modoee.com
١٥٧

حرف الألف
مَّن يَأْتِى ءَامِنًا يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَعْمَلُواْ مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا
تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [فصلت: ٤٠].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: لهؤلاء
الذين يلحدون في آياتنا اليوم في الدنيا يوم
القيامة عذابُ النار، ثم قال الله: أفهذا الذي
يلقى في النار خيرٌ أم الذي يأتي يوم القيامة
آمنًا من عذاب الله لإيمانه بالله جل جلاله ؟
هذا الكافر، إنه إن آمن بآيات الله، واتبع أمر
الله ونهیه، أمنه يوم القيامة مما حذره منه من
عقابه إن ورد علیه یومئذٍ به كافرًا» (١).
وقال تعالى ذاكرًا أمنهم وهم في الجنة:
﴿وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ ءَاِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
إشارةً إلى دوام النعيم وتأبيده، فإن من
تنقطع عنه النعمة لا يكون آمنًا (٢).
فهم في منازل الجنة العالية آمنون من
کل بأسٍ وخوفٍ وأنّی، ومن کل شرِ يحذر
منه، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل الأمن في
الدنيا والآخرة.
موضوعات ذات صلة:
الحذر، الخوف
(١) جامع البيان، ٢٠/ ٤٤٢.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠٩/٢٥.
مُوسُوبَةُ الَفي
القرآن الكَرِيْمِ
١٥٨