Indexed OCR Text
Pages 41-54
الأمن لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها؛ وذلك الإيمان بألسنتهم، ويسرون الكفر بالله كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين ورسوله، قال ابن عباس رضي الله عنهما: بعضهم على دين بعض، وقال مقاتل: بعضهم أولياء بعض، ﴿يَأْمُرُونَ ◌ِالْمُنكَرِ﴾ وهو الكفر، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ ﴾ وهو الإيمان. لإمارة أو قضاء أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عمومًا، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية (١). ولذلك حث النبي صلى الله عليه وسلم على الائتمار بالمعروف بين الزوجين، فقال: ﴿وَأَتَِّرُواْ بَتْنَكُم بِمَعْرُوفٍ وَإِن تَعَسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُـ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦]. ثالثًا: أوامر المنافقين: مما لا يحتاج إلى بيان أن أوامر المنافقين تنصب في جانب الشر والفساد، وتوصل متبعها إلى الهلاك والخسران، وهذا ما بينه القرآن من خلال إبرازه لأوامر المنافقين، والمظهرة كما يلي: ١. الأمر بالمنكر. قال تعالى: ﴿وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمُّ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]. يقول تعالى ذكره: في شأن المنافقين والمنافقات، وهم الذین یظهرون للمؤمنين (١) انظر: التيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٥٩. وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ آیدِيهُمْ﴾ أربعة أقوال: أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد. والثاني: عن كل خير، قاله قتادة. والثالث: عن الجهاد في سبيل الله. والرابع: عن رفعها في الدعاء إلى الله، ذکرهما الماوردي(٢). ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿نَسُواْ اللّهَ﴾ أي: نسوا ذكر الله ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: عاملهم معاملة من نسيهم، كقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ اَلْيَّوْمَ نَفْسَنكُ كَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [الجاثية: ٣٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة(٣). قال الإمام الرازي: ((اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحھم وقبائحهم، والمقصود: بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة، (٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٢٧٦. (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١٧٣. www. modoee.com ١٠١ حرف الألف أي: في صفة النفاق؛ وذلك کما یقول إنسان ويحب أن یکون له ما في أيدي الناس بالحل لآخر: أنت مني وأنا منك، أي: أمرنا واحد والحرام، لا يقنع، وقد قيل: إن الله جل ثناؤه لا مباينة فيه ولا مخالفة)»(١). قال الإمام الزمخشري: أريد به نفي أن یکونوا من المؤمنین، وتکذیبھم في قولهم: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦ ]. وتقرير قوله: ﴿وَمَا هُم ◌ِنگؤ﴾ ثم وصفهم بما يدل على مضادة حالهم لحال المؤمنین بقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾ كالكفر ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ اَلْمَعْرُوفِ ﴾ والمعاصي كالإيمان والطاعات(٢). ٢. الأمر بالبخل. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاَلْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَآ ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهُ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]. وقال: ﴿اَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ ◌ِالْبُخْلُ وَمَن يَتَوَّلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ﴾ [الحديد: ٢٤]. فالحق سبحانه یقول: إن الله لا یحب المختال الفخور، الذي يبخل، ویأمر الناس بالبخل، و(البخل) في كلام العرب: منع الرجل سائله ما لديه، وعنده ما فضل عنه، و(الشح): أن يشح على ما في أيدي الناس، (١) مفاتيح الغيب، ٤/ ٤٧٠. (٢) الكشاف ٢٨٧/٤. عنى بقوله: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ ◌ِاَلْبُخْلِ﴾ الذين كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وصفته من اليهود، ولم يبينوه للناس، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل. والمراد بهذه الآية في قول ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: اليهود، فإنهم جمعوا بين الاختيال والفخر والبخل بالمال وكتمان ما أنزل الله من التوراة من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد المنافقون الذين كان إنفاقهم وإيمانهم تقية، والمعنى: إن الله لا يحب كل مختال فخور، ولا الذين يبخلون ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ توعد المؤمنين الباخلين من عَذَابًا توعد الکافرین بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني عذابًا مهينًا(٣). ٣. أمر الغير بالبر دون النفس. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُ ونَ النَّاسَ بِالْبِرِ وَتَنْسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ٤٤]. اختلف العلماء في المراد بالبر في هذا الموضع على وجوه، أحدها: وهو قول السدي: أنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله وينهونهم عن معصية الله، وهم كانوا (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٣/٥. ١٠٢ القرآن الكريم الأمن يتركون الطاعة، ويقدمون على المعصية ... وسادسها: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباع محمد صلی الله عليه وسلم في الظاهر، ثم إنهم كانوا في قلوبهم منکرین له فوبخهم الله تعالى عليه، وسابعًا: أن اليهود كانوا يأمرون غيرهم باتباع التوراة، ثم إنهم خالفوه؛ لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد صلی الله عليه وسلم، ثم إنهم ما آمنوا به(١). أي: أتأمرون الناس بالطاعة، وتتركون أنفسكم فلا تتبعونه، وأنتم تقرؤون التوراة فيها نعته وصفته، أفلا تعقلون أنه حق فتتبعونه؟ والعقل مأخوذ من عقال الدابة، وهو ما يشد به ركبة البعير فيمنعه من الشرود، فكذلك العقل يمنع صاحبه من الكفر والجحود(٢). فالمراد بقوله: ﴿وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ وتنسون أنفسكم أنكم تغفلون عن حق أنفسكم، وتعدلون عما لها فيه من النفع، أما قوله: ﴿وَأَنْتُمْ نَتْلُونَ الْكِنَبَ﴾ فمعناه: تقرؤون التوراة وتدرسونها، وتعلمون بما فيها من الحث على أفعال البر والإعراض عن أفعال الإثم، وأما قوله: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أُنّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن (١) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٨٨/٣. (٢) معالم التنزيل، البغوي ١/ ٨٩. دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٧](٣). وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت ليلة أسري بي رجالًا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب) (٤). رابعًا: أوامر الجبابرة والمسرفين: تتمثل أوامر الجبابرة والمسرفين كما يلي: ١. أمرهم بالكفر بالله. كما قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اُسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِذْتَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُهُ أَنْدَادًا﴾ [سبأ: ٣٣]. فالآية تشير إلى ما قاله الأتباع للرؤساء في الضلال: قالوا لهم: صدنا مکرکم بنا، وخداعكم في الليل والنهار حين كنتم تأمروننا أن نكفر بالله، ونجعل له أمثالًا وأشباهًا في العبادة، وإجمال ذلك: ما صدنا إلا مكركم أيها الرؤساء بالليل والنهار حتى أزلتمونا عن عبادة الله، فأنتم كنتم تغروننا (٣) انظر: مفاتيح الغيب ٤٨٨/٣. (٤) أخرجه أحمد في مسنده ١٥٨/٢١، رقم ١٣٥١٥، وابن حبان في صحيحه، ٢٤٩/١، رقم ٥٣. وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ١/ ١٨٣. www. modoee.com ١٠٣ حرف الألف وتمنوننا وتخبروننا أننا على الهدى، وإنا على شيء، وكل ذلك باطل وكذب، وهذا تطاول من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم، حين علموا كذبهم وبهتانهم، وقد حكي نظير ذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ أَتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]. والمراد بالذين استضعفوا: الأتباع والعامة من الناس، والمراد بالذين استكبروا: الزعماء والقادة والرؤساء (١). وهذا ما فعله فرعون وتبعه فيه قومه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَْنَا مُوسَى بِشَايَيْنَا وَسُلْطَانٍ تُبِينٍ ٩٦ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِيْهِ، فَانَبَّعُواْ أَمَ فِرْعَوْنَ وَمَآ أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٦-٩٧]. قال الزجاج: يعني: بعلاماتنا التي تدل على صحة نبوته. ﴿وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ ﴾ أي: حجة بينة، ثم قال: ﴿فَنَّهُوَأْأَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أي: شأنه وحاله، وهو ما أمرهم به من عبادته واتخاذه إلهًا، وخالفوا أمر الله تعالى ﴿وَمَا أَقْهُ فِرْعَوْنَ پرشیدٍ﴾ أي: مرشد إلى خير (٢). أو بسديد يؤدي إلى صواب. ٢. الأمر بعبادة غير الله. كما قال: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اَللَّهِ تَأْمُرُوَّنَّ أَعْبُدُ (١) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٧٦/٣، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٩/٢٢. (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٩٩/٢، والجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٩٣. أَيُّهَا الْجَهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. وهذه كنتيجة لما قبلها، أو هي من لا وازم الأمر بالكفر بالله. يقول تعالى ذكره لنبيه: قل يا محمد لمشركي قومك، الداعين إلى عبادة الأوثان: ﴿أَفَغَيْرَ اَللَّهِ﴾ أيها الجاهلون بالله ﴿تَأْمُرُوَّنِ﴾ أن ﴿أَعْبُدُ﴾ ولا تصلح العبادة لشيء سواء؛ وذلك حين قال له المشركون: استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، قال مقاتل: وذلك أن کفار قریش دعوه إلی دین آبائه(٣). وأقول: نظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿قُلُ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤]. وإنما وصفهم بالجهل لأنه تقدم وصف الإله بكونه خالقًا للأشياء، ویکونه مالكًا لمقاليد السماوات والأرض، وظاهر كون هذه الأصنام جمادات أنها لا تضر ولا تنفع، ومن أعرض عن عبادة الإله الموصوف بتلك الصفات الشريفة المقدسة، واشتغل بعبادة هذه الأجسام الخسيسة، فقد بلغ في الجهل مبلغًا لا مزيد عليه؛ فلهذا السبب قال: ﴿أَيَُّ الْجَهِلُونَ﴾ ولاشك أن وصفهم بهذا الأمر لائق بهذا الموضع (٤). (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٢٢. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٧/ ١٣٠، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧ / ٤٧١. ١٠٤ القرآن الكريم الأمن ٣. الأمر بالفاحشة. قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَ لِكُنَّ الَّذِىِ لُمْتُنَِّى فِيهِ وَلَقَدْ رَوَدِنُ عَن نَّفْسِهِ، فَأَسْتَعْصَمٌّ وَلَيِن لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُرُهُ، لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوْنَا مِنَ الصَّنْفِرِينَ ﴾ [يوسف: ٣٢]. فتقول امرأة العزيز لسيدنا يوسف عليه السلام: ﴿وَلَيْنِ لَّمْ يَفْعَلْ مَآ ءَامُّرُهُ﴾ يعني: وإن لم يطاوعني فيما دعوته إليه، أي: فيما قد أمرته فيما تقدم ذكره عند أن أغلقت الأبواب، وقالت: هيت لك، يعني حينما طلبت منه الفحشاء فأبى، ولئن لم يفعل ما أمره به مستقبلًا ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ أي: ليعاقبن بالسجن والحبس ﴿وَلَيَكُوْنَا مِنَ الصَّْفِرِينَ﴾ يعني: من الأذلاء المهانين، فقال النسوة ليوسف: أطع مولاتك فيما دعتك إليه، فاختار يوسف السجن على المعصية حين توعدته المرأة بذلك، والمراد: أن يوسف عليه السلام إن لم يوافقها على مرادها يوقع في السجن وفي الصغار، ومعلوم أن التوعد بالصغار له تأثير عظيم في حق من كان رفيع النفس، عظيم الخطر، مثل يوسف عليه السلام (١). ٤. يقتلون الذين يأمرون بالقسط. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُونَ بِنَّايَتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّيْنَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ (١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٨ / ٤٥١، لباب التأويل، الخازن ٥٢٦/٢. الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١]. قال الإمام القرطبي: ((قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبیون يدعونهم إلى الله عز وجل فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم، ففيهم نزلت هذه الآية، وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء -صلوات الله عليهم - تجئ إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقسط، أي بالعدل، فيقتلون))(٢). وهذا ذٌّ من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآئم والمحارم في تكذيبهم بآيات الله قديمًا وحديثًا، التي بلغتهم إياها الرسل، استكبارًا عليهم، وعنادًا لهم، وتعاظمًا على الحق، واستنكافًا عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حین بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُّلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وهذا هو غاية الكبر(٣). ومثله: ﴿وَجَآءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَمُوسَىَ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِّرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ (٢) الجامع لأحكام القرآن ٤ / ٤٦. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٧/٢. www. modoee.com ١٠٥ حرف الألف فَأَخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّصِحِينَ﴾ [القصص: ٢٠]. ٥. الإفساد في الأرض من الشرك ومخالفة الحق. أَ وَلَا قال تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ® تُطِيعُواْ أَمَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٠- ١٥٢]. يقول الإمام ابن كثير: أي: ((أقبلوا على عمل ما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، من عبادة ربكم الذي خلقكم ورزقكم لتوحدوه وتعبدوه وتسبحوه بكرة وأصيلاً ﴿وَلَا تُطِيعُواْ أَمَ الْمُسْرِفِينَ ﴿ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ اْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ يعني: رؤساءهم وكبراءهم، الدعاة لهم إلى الشرك والكفر، ومخالفة الحق))(١). ويقول الإمام الشوكاني: ((﴿وَلَا تُطِيعُواْ أَمَ اَلْمُسْرِفِينَ﴾ أي: المشرکین، وقيل: الذین عقروا الناقة، ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِ الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ﴾ أي: ذلك دأبهم يفعلون الفساد في الأرض، ولا يصدر منهم الصلاح ألبته»(٢). جزاء اتباع الأمر الإنساني لاشك أن اتباع أمر الأنبياء والمؤمنين يتبعه الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، أما اتباع أمر المنافقين والكافرين سيكون عاقبته الخسران والضلال المبين، وهذا ما بینه القرآن الکریم کما يلي: أولًا: جزاء اتباع أمر المؤمنين والأنبياء: ١. الوصف بالفلاح. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَِّعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىِّ الْأُمِنَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ, مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِی التَّوْرَنَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَيْثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ أَلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَدُرْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. جاء في تفسير الخازن: ((﴿قَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ﴾ يعني: بمحمد عليه الصلاة والسلام ﴿وَعَزَّرُوهُ ﴾ يعني: وقروه وعظموه، وأصل التعزير: المنع والنصرة، وتعزير النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه وإجلاله، ودفع وَنَصَرُو الأعداء عنه، وهو قوله يعني: على أعدائه ﴿وَأَتَّبَعُواْلِتُّورَ الَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَدُر﴾ يعني: القرآن، سمي القرآن نورًا (١) المصدر السابق ٦ / ١٥٦. (٢) فتح القدير ٤/ ١٣٠. جَوَسُورَةُ النَّفِيَّ القرآن الكريم ١٠٦ الأمن لأن به يستنير قلب المؤمن، فيخرج به من بالمعروف، والنهي عن المنكر، فالإيمان ظلمات الشك والجهالة إلى ضياء اليقين بالرسول وما يقتضيه ذلك من اتباع أمره والعلم ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ يعني: هم يكون لصاحبه الفلاح والفوز في الدنيا والآخرة. الناجون الفائزون بالهداية، أي: هم الفائزون بالمطلوب في الدنيا والآخرة)»(١). ويقول الإمام أبو زهرة: ((فقد حكم الله سبحانه وتعالى على الذين قاموا بهذه الصفات -ومن بين تلك الصفات اتباع أمر النبي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بأنهم الفائزون في الدنيا باتباع الحق، وأن حياتهم كلها فاضلة، وأن تكون حياتهم في الآخرة نعيمًا مقيمًا، ورضوانًا من الله العزيز الحكيم، وهو أكبر الفوز العظيم؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والإشارة إلى الصفات يفيد أنها علة الحكم وسببه، أي: بسبب هذه الصفات ينالون الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لأن الهداية والاستقامة فلاح لا يدركه إلا من استقامت إلى الحق (٢) نفوسهم»(٢). وَلْتَكَنْ مِّنْكَمْ ونظير ذلك قوله تعالى: أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل: عمران ١٠٤ ]. قلت: فلاشك أن الإيمان بالنبي يتبعه تنفيذ ما أمر به، ومن جملة ما أمر به الأمر (١) لباب التأويل ٢٥٨/٢. (٢) زهرة التفاسير ٦/ ٢٩٧٤. ٢. نيل الأجر العظيم. قال تعالى: ﴿لَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَمُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ مَنْ ضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ تُؤْثِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٤]. يقول الإمام البغوي: يعني: ومن يفعل هذه الأشياء التي ذكرها -وهي الأمر بالصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس- ابتغاء مرضاة الله، أي: طلب رضاه، وخرج عنه من فعل ذلك رياء أو ترؤسًا فسوف نؤتيه في الآخرة ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة:) يؤتيه(بالياء، يعني: يؤتيه الله، وقرأ الآخرون بالنون، أي: ثوابًا كثيرًا واسعًا. و(سوف) هنا لتأكيد الوقوع في المستقبل (٣). ٣. نيل الرحمة من الله. قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَكَ (٣) معالم التنزيل ٢٨٧/٢. www. modoee.com ١٠٧ حرف الألف يقول الإمام ابن كثير: أي: سيرحم الله من اتصف بهذه الصفات، والتي منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزُ﴾ أي: من أطاعه أعزه، فإن العزة لله ◌ُ﴾ في قسمته ولرسوله وللمؤمنين هذه الصفات لهؤلاء، والسين في قوله: ﴿َسَيَرْحُهُمُ﴾ مدخلة في الوعد مهلةً لتكون النفوس تتنعم برجائه، وفضله تعالى زعيم بالإنجاز، والإشارة للدلالة على أن ما سيرد بعد اسم الإشارة صاروا أحرياء به من أجل الأوصاف المذكورة قبل اسم الإشارة (١). ٤. البشرى من الله. قال تعالى: ﴿التِّبُّونَ الْعَبِدُونَ اَلْحَمِدُونَ السََّبِحُونَ الزَّكِعُونَ السَّجِدُونَ اُلْأَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْخَفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢]. ذكر الله تعالى في هذه الآية تسعة أوصاف للمؤمنين، الستة الأولى منها تتعلق بمعاملة الخالق، والوصفان السابع والثامن يتعلقان بمعاملة المخلوق، والوصف التاسع يعم القبيلين(٢). فمن ضمن أوصاف المؤمنین: أن ينتشر (١) تفسير القرآن العظيم، ٤ / ١٧٥. (٢) انظر: حاشية الجمل ٣٢١/٢. سَيَرْجَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ويبرز المجتمع الفاضل الذي يقوم على ٧١]. الأمر بالمعروف، أي: كل ما هو معروف لا تنكره العقول السليمة، والنهي عن كل أمر تنكره العقول السليمة، فإن المجتمع الفاضل ظل لكل خلق سليم ينمو في ظله الوارف؛ ولذا كانت أمة محمد أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيه أناس يدعون الناس إلى الرشد والهدى، وينهونهم عن الفساد والردى، فقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرً لَّهُم﴾ [آل عمران: ١١٠](٣). وقال البيضاوي: ((﴿وَبَشْرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: وبشر به هؤلاء الموصوفين بتلك الفضائل -والتي من بينها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-، ووضع المؤمنين موضع ضمير (هم) للتنبيه على أن إيمانهم دعاهم إلى ذلك، وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به للتعظيم، وللإيذان بخروجه عن حد البيان، كأنه قيل: وبشرهم بما يجل عن إحاطة الأفهام، وتعبير الكلام)) (٤). أو بشر أيها الرسول المؤمنين المتصفين بهذه الصفات -ومن بينهم الآمرون بالمعروف والناهون عن (٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٤٥٧/٧. (٤) أنوار التنزيل ٣/ ٩٩. ١٠٨ مُؤَوالَةُ الْبَقِيَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمن المنكر- بخيري الدنيا والآخرة، وخصت الإخبار بما يظهر سرور المخبر (بفتح الباء) وهو هنا مستعمل فى ضد حقيقته؛ إذ أريد تلك الخلال بالذکر لأن بها تکون المحافظة على حدود الله(١). به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب ثانيًا: جزاء اتباع أمر الجبابرة والمسرفين ما يلي: لحزن المخبرين، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمونها تهكمية؛ لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم أو ١. العذاب الأليم. .(٣) التمليح كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِنَ بِغَيْرِ حَتٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [آل عمران: ٢١]. يقول الإمام ابن كثير: ((فلما تكبروا عن الحق، واستكبروا على الخلق، قابلهم الله على ذلك بالذلة والصغار في الدنيا، والعذاب المهين في الآخرة، فقال: ﴿فَبَشِّرُهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ أي: موجع مهين)) (٢) ٠ والفاء في ﴿فَبَشِّرْهُم﴾ فاء الجواب المستعملة في الشرط، دخلت على خبر (إن) لأن اسم (إن) وهو موصول تضمن معنى الشرط، إشارة إلى أنه ليس المقصود قومًا معینین، بل كل من يتصف بالصلة فجزاؤه أن يعلم أن له عذابًا أليمًا. واستعمل (بشرهم) في معنى أنذرهم تهكمًا، وحقيقة التبشير: (١) انظر: تفسير المراغي ٣٤/١١. (٢) تفسير القرآن العظيم ٢٨٥/٢. ٢. الأغلال ونار جهنم. يقول تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا " وَأَسَرُواْ النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْ اَلْعَذَابَ وَحَعَلْنَا اْأَغْلَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُو ◌ْيَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣]. قال الإمام الطبري: ((قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ أي: وغلت أيدي الكافرين بالله))(٤)، والأغلال: هي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم (٥) في جهنم، يقول جل ثناؤه: ما يفعل الله ذلك بهم إلا ثوابًا لأعمالهم الخبيثة التي كانوا في الدنيا يعملونها، ومكافأة لهم عليها، كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم ﴿قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَّا نَعْلَمُونَ﴾ (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠٧٥/٣. (٤) جامع البيان ٢٠/ ٤٠٩. (٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٥٢٠. www. modoee.com ١٠٩ حرف الألف [الأعراف: ٣٨]. أي: إنما نجازي الفريقين وأمثالهم، كل بحسب عمله، وبسبب ما اقترفه من الشرك بالله والإثم، فللقادة عذاب يناسبهم، وللأتباع عذاب آخر يلائمهم، ولا ظلم ولا تحامل، كما جاء في آية أخرى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]. ومما لا شك فيه أن القادة إلى الضلال أسوأ من الأتباع، فهم الذين يستحقون مضاعفة العذاب وأليم العقاب، ولكن يشاركهم الأتباع في هذا العذاب؛ لأنهم عطلوا نعمة العقل والوعي، وقلدوا غيرهم تقليدًا أعمى، وكان جديرًا بهم أن يتحرروا من ربقة التقلید، فكانت عقائدهم فاسدة، وأعمالهم سيئة كقادتهم، فاستحقوا جميعًا التخليد في عذاب جهنم، وبئس المصير(١). ٣. العذاب المهين. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا ءَاتَمُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧]. لقد ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية من الأحوال المذمومة ثلاثًا: أولها- كون الإنسان بخيلاً وهو المراد بقوله: ﴿أَلَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ وثانيها: كونهم آمرين لغيرهم بالبخل، وهذا هو النهاية في حب البخل، (١) انظر: الوسيط، الزحيلي ٢١٠٩/٣. وهو المراد بقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ وثالثها: قوله: ﴿وَيَكْتُونَ مَآ ءَاتَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ فيوهمون الفقر مع الغنى، والإعسار مع اليسار، والعجز مع الإمكان، ثم إن هذا الكتمان قد يقع على وجه يوجب الكفر، مثل أن يظهر الشكاية عن الله تعالى، ولا يرضى بالقضاء والقدر، وهذا ينتهي إلى حد الكفر؛ فلذلك قال: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ومن قال: الآية مخصوصة باليهود فكلامه في هذا الموضع ظاهر؛ لأن من كتم الدين والنبوة فهو كافر، ویمکن أيضًا أن يكون المراد من هذا الكافر من يكون كافرًا بالنعمة، لا من يكون كافرًا بالدين والشرع(٢). فهناك: توعد للمؤمنين الباخلين من توعد الكافرين بأن جعل الأول عدم المحبة، والثاني عذابًا مهينًا، أي: قد هيأنا من غاية قهرنا، وانتقامنا للكافرين لنعمنا كفرانًا ناشئًا عن محض النفاق والشقاق، عذابًا طردًا وحرمانًا مؤلمًا، وتخذيلًا وإذلالًا مهيناً (٣). ٤. الوصف بالفسق. كما قال: ﴿اَلْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ (٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٧٩. (٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٣/٥. ١١٠ مَوَسُو ◌َرُ النفسية الوضوء القرآن الكريم الأمر نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ اَلْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧]. إن المنافقين هم الفاسقون هم الكاملون في الفسق الذي هو التمرد في الكفر والانسلاخ عن كل خير، وكفى المسلم زاجرًا أن يلم بما يكسبه هذا الاسم الفاحش الذي وصف به المنافقون حين بالغ في ذمهم، أي: أنهم الخارجون عن طريق الحق، الداخلون في طريق الضلالة، فهذا تذييل قصد به المبالغة في ذمهم، وصيغة القصر في ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ الْفَسِقُونَ﴾ قصر ادعائي للمبالغة؛ لأنهم لما بلغوا النهاية في الفسوق جعل غیرهم کمن ليس بفاسق، والإظهار في مقام الإضمار في قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَفِقِينَ﴾ لزيادة تقريرهم في الذهن لهذا الحكم؛ ولتكون الجملة مستقلة حتی تكون كالمثل(١). (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٥/١٠. أوامر إبليس وذريته أوضح القرآن الكريم أوامر إبليس لعنه الله وذريته وعاقبة اتباعها، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتي: أولًا: أوامر إبليس: لا شك أن أوامر إبليس تتمثل في العقائد الفاسدة، والأحكام الباطلة التي تخالف منهاج الدين، ويتضح ذلك فيما يلي: ١. الأمر بتبتيك آذان الأنعام. قال تعالى: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَّتِّيَّنَّهُمْ وَلََّ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِكُنَّ ءَاذَانَ اَلْأَنْعَمِ﴾ [النساء: ١١٩]. البتك: القطع، والتبتيك للتكثير والتكرير، أي: لأحملنهم على أن يقطعوا آذان الأنعام، وكانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، وجاء الخامس ذكرًا، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها، وقال آخرون: المراد أنهم يقطعون آذان الأنعام نسكًا في عبادة الأوثان، فهم يظنون أن ذلك عبادة مع أنه في نفسه كفر وفسق، سول لهم إبليس أن هذا قربةٌ إلى الله تعالى، فهو كالأمر لهم الذي يجعل ما ليس بعبادة أصلًا عبادة، وإن ذلك تشويه لما خلق الله سبحانه وتعالى (٢). (٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٤٧٤/١، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٢٣/١١، مدارك التنزيل، النسفي ٣٩٧/١. www. modoee.com ١١١ حرف الألف يروى في ذلك أن أبا الأحوص من الإسلام؛ ﴿لَا نَبْدِيَلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]. وكذلك استعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالًا، ولا يوجب لها من الله سبحانه وتعالى زلفى(٢). الصحابة أتى النبي صلی الله عليه وسلم، وكان رث الهيئة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (هل لك من مال؟) قال: نعم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإذا آتاك الله مالًا فلير عليك أثره) ثم قال عليه الصلاة والسلام: (هل تنتج إبل قومك صحاحًا آذانها، فتعمد إلى موسى فتشق آذانها، وتقول: هذه بحر -أي: جمع بحيرة- وتشق جلودها، وتقول: هذه صرم -جمع صريمة -) قال: أجل، قال: (كل ما آتاك الله حل، وموسى الله أحد من موساك، وساعد الله أشد من ساعدك)(١). ٢. الأمر بتغيير خلق الله. قال تعالى: ﴿وَلََّ مُنْ تَهُمْ فَلَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اللَّهِ ﴾ [النساء: ١١٩]. يعني: بفقء عين الحامي، وإعفائه عن الركوب أو بالخصاء، وهو مباح في البهائم محظور في بني آدم، أو بالوشم، أو بنفي الأنساب واستلحاقها، أو بتغيير الشیب بالسواد، أو بالتحريم والتحليل، أو بالتخنث، أو بتبديل فطرة الله التي هي دين (١) أخرجه أحمد ٢٢٦/٢٥، رقم ١٥٨٩١، والترمذي في سننه، أبواب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو ٤٣٢/٣، رقم ٢٠٠٦. وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان ٨/ ٥٩ . فتغيير الخلق يشمل التغيير المادي والمعنوي، وكان كل ذلك خضوعًا لأوامر الشيطان، فكانوا بهذا أولياءه، كما قال الإمام أبو زهرة (٣). ولقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وأمرتهم أن يغيروا خلقي) (٤). ٣. الأمر بالفحشاء والمنكر. كما قال: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَآءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضَّلاً وَاَللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٨]. يقول الإمام الرازي: ((اعلم أنه تعالى لما رغب الإنسان في إنفاق أجود ما يملكه حذره بعد ذلك من وسوسة الشيطان، فقال: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ اُلْفَقْرَ﴾ أي: يقال: إن أنفقت الأجود صرت فقيرًا، فلا تبال بقوله، (٢) انظر: أنوار التنزيل البيضاوي ٢/ ٩٨ . (٣) زهرة التفاسير ٤ /١٨٦٦. (٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا ٤ / ٢١٩٧، رقم ٢٨٦٥. مَوَسُوبَةُ النَّسيد القرآن الكريم ١١٢ الأمر فإن الرحمن يعدكم مغفرة منه ... ، ثم قال: وبعثه لهم على الشر تسفيهًا لرأيهم، وتحقیرًا لشأنهم، والسوء والفحشاء ما أنكره العقل، واستقبحه الشرع، والعطف لاختلاف الوصفين، فإنه سوء لاغتمام العاقل به، وفحشاء باستقباحه إياه. أما قوله: (الفحشاء) ففيه وجوه، الأول: أن الفحشاء هي البخل ﴿وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَآءِ﴾ أي: ويغريكم على البخل إغراء الأمر للمأمور. الوجه الثاني: في تفسير الفحشاء، وهو أنه يقول: لا تنفق الجيد من مالك في طاعة الله؛ لئلا تصير فقيرًا، فإذا أطاع الرجل الشيطان في ذلك زاد الشيطان، فيمنعه من الإنفاق في الكلية حتى لا يعطي لا الجيد ولا الرديء، وحتى يمنع الحقوق الواجبة، فلا يؤدي الزكاة، ولا يصل الرحم، ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا سقط وقع الذنوب عن قلبه، ويصير غير مبال بارتكابها، وهناك يتسع الخرق، ويصير مقدامًا على كل الذنوب؛ وذلك هو الفحشاء))(١). وقال الإمام ابن كثير: ((﴿وَيَأْمُرُكُم پالفحشاء﴾ أي: مع نهیه إیاکم عن الإنفاق خشية الإملاق، يأمركم بالمعاصي والمآثم والمحارم، ومخالفة الأخلاق))(٢). ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرَّكُمْ بِالسُّوْءِ وَاَلْفَحْشَآِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩]. وهذه الآية بيان لعداوته، ووجوب التحرز عن متابعته، واستعير الأمر لتزيينه (١) مفاتيح الغيب ٧/ ٥٥ . (٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٧٠٠. وقيل: السوء يعم القبائح، والفحشاء ما يتجاوز الحد في القبح من الكبائر. وقيل: الأول ما لا حد فيه، والثاني: ما شرع فيه الحد، فالسوء ما يسوء صاحبه ويخزيه، والفحشاء يعني بها المعاصي، وما قبح من قول أو فعل(٣). وقال الإمام ابن كثير: ((أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة، وأغلظ منها الفاحشة كالزنا ونحوه، وأغلظ من ذلك وهو القول على الله بلا علم، فدخل في هذا كل كافر، وكل مبتدع أيضًا)) (٤). ونظير ذلك قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَنَّبِعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِّ وَمَنْ يَتَّعْ خُطُوَتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآِ وَالْمُنكَرِ﴾[:٢١]. ثانيًا: عاقبة اتباع أوامر إبليس وذريته في الدنيا والآخرة: يتمثل في الخسران المبين في الدارين، كما قال تعالى: ﴿وَلَأَضِلَّنَّهُمْ وَلَأَمَنِيَنَّهُمْ وَلَّ مُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ اَلْأَنْعَمِ وَلَّمُهَهُمْ فَيُغَيْرُنَ خَلْقَ اَللَّهِ وَمَن يَتَّخِذٍ (٣) انظر: أنوار التنزيل البيضاوي ١/ ١١٨. (٤) تفسير القرآن العظيم ١ / ٤٨٠. www. modoee.com ١١٣ حرف الألف الشَّيْطَانَ وَلِيَّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ ولا استدراك لفائتها(٣). خُسْرَانًا مُّبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]. ﴿ وَمَن يَتَّخِذِ قال البيضاوي: ((يعني: موضوعات ذات صلة: الحرام، الحلال الشَّيْطَانَ وَلِيًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾ بإيثاره ما يدعو إليه على ما أمر الله به ومجاوزته عن طاعة الله سبحانه وتعالى إلى طاعته، ﴿فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ﴾ إذا ضيع رأس ماله، وبدل مكانه من الجنة بمكان من النار، فهذا الخسران في غاية الظهور والرداءة بما تعطيه صيغة الفعلان))(١). فمن يوالي الشيطان فيطيعه مع أنه متمرد عن الحق، داعٍ إلى الشر، ويترك الحق وأمر الله، فإنه بهذا يخسر خسرانًا واضحًا، يخسر الحق فلا يتبعه، ويرتكب الشر، ويترك المعقول إلى المرذول، ويمسخ فطرة الله تعالى، وتنحرف نفسه، ويلتوي تفكيره، وتشوه إنسانيته؛ وذلك خزي في الدنيا ووراءه عذاب في الآخرة، وأي: خسارة أعظم من هذه الخسارة وأوضح منها(٢). وهكذا يتبين لنا: أن طاعة الله تعالى تفيد المنافع العظيمة الدائمة، الخالصة عن شوائب الضرر، وطاعة الشيطان تفيد المنافع القليلة المنقطعة، المشوبة بالغموم والأحزان، ويعمها العذاب الدائم، وهذا هو الخسار المطلق؛ وتلك خسارة لا جبر لها، (١) أنوار التنزيل ٩٨/٢. (٢) زهرة التفاسير ١٨٦٦/٤. مَوَسوبر التشيك الوضوء القرآن الكريم (٣) انظر: اللباب في علوم القرآن، ابن عادل ٣٧/٧. ١١٤