Indexed OCR Text

Pages 21-40

الأمن
الإرادة صفة محدثة، ولابد لها من فاعل،
وفاعلها إن كان هو العبد افتقر في تحصيل
تلك الإرادة إلى إرادة أخرى، ولزم التسلسل،
بل لابد من الانتهاء إلى إرادة يخلقها مدبر
العالم، ففي الحقيقة هو الميسر للأمور (١).
قال ابن كثر: هذا سؤال من موسى عليه
السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما
بعثه به، فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطبٍ
جسيم، فقد بعثه إلى أعظم ملك على وجه
الأرض إذ ذاك، وأجبرهم، وأشدهم كفرًا،
وأكثرهم جنودًا، وأعمرهم ملكًا، وأطغاهم
وأبلغهم تمردا، بلغ من أمره أن ادعى أنه لا
يعرف الله، ولا يعلم لرعاياه إلها غيره.
وفي زيادة كلمة ﴿ليٍ﴾ مع انتظام الكلام
بدونها تأكيدٌ لطلب الشرح والتيسير بإبهام
الشروح والميسر أولًا وتفسيرهما ثانيًا، وفي
تقدیمها وتکریرها إظهار مزيد اعتناءٍ بشأن
کل من المطلوبین، وفضل اهتمام باستدعاء
حصولهما له، واختصاصهما به(٢).
ثالثًا: تعامل المؤمنين مع الأمر الإلهي:
يتعامل المؤمن مع الأمر الإلهي، وفق
النقاط الآتية:
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٩٩/١٨، زاد
المسير، ابن الجوزي ٣/ ١٥٧.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٨٢/٥
إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٦/ ١٢.
١ . الإيمان بما أمر الله به.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِلِه
أَنْ يُؤْصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوَّءَ الْحِسَابِ:
[الرعد: ٢١].
قال ابن عباس رضي الله عنه وسعید بن
جبير: معنى: ﴿يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ اَللّهُ يِ﴾﴾ أي:
الإيمان بجميع الكتب والرسل كلهم، قال
القرطبي: والظاهر أنها في صلة الأرحام،
وهو قول قتادة وأكثر المفسرين، وهو مع
ذلك يتناول جميع الطاعات(٣).
وقال صاحب التحرير: ((وما أمر الله به
أن يوصل عام في جميع الأواصر والعلائق
التي أمر الله بالمودة والإحسان لأصحابها،
فمنها آصرة الإيمان، ومنها آصرة القرابة،
وهي صلة الرحم، وقد اتفق المفسرون على
أنها مراد الله هنا»(٤).
وقال الإمام النسفي: ((﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا
أَمَرَ اللَّهُ بِ أَنْ يُوصَلَ﴾ من الأرحام والقرابات،
ويدخل فيه وصل قرابة رسول الله صلى الله
عليه وسلم، وقرابة المؤمنين الثابتة بسبب
الإيمان ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات:
١٠].
بالإحسان إليهم على حسب الطاقة،
ونصرتهم، والذب عنهم، والشفقة عليهم،
(٣) انظر: الوجيز، الواحدي ص ٥٧٠، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٩/ ٣١٠.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣/ ١٢٧.
www. modoee.com
٨١

حرف الألف
وإفشاء السلام عليهم، وعيادة مرضاهم، الدين الحق، والنجاة من مناوئة المشركين؛
ومنه مراعاة حق الأصحاب والخدم
والجيران والرفقاء في السفر ﴿وَخْشَوْنَ
رَهُمْ﴾ أي: وعيده كله ﴿وَيَخَافُونَ سُوْءَ
اِْسَابِ﴾ خصوصًا فيحاسبون أنفسهم قبل
أن يحاسبوا))(١).
وهكذا يتبين لنا أن المؤمن الحقيقي
يؤمن بکل ما يأمر الله تعالی به ويخشاه
ویخافه.
٢. طلب التيسير.
قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْبَةُ إِلَى الْكَهْفِ
فَقَالُواْ رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنْكَ رَحْمَةٌ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا
رَشَدًا﴾ [الكهف: ١٠].
قال الطبري: حين أوى الفتية أصحاب
الکھف إلی کھف الجبل، هربًا بدينهم إلى
الله، فقالوا إذ أووه: ﴿رَبَّنَاَ ءَائِنَا مِن لَّدُنِكَ
رههُ﴾ رغبة منهم إلى ربهم في أن يرزقهم من
عنده رحمة، ويسر لنا بما نبتغي وما نلتمس
من رضاك والهرب من الكفر بك، ومن عبادة
الأوثان التي يدعونا إليها قومنا ﴿رَشَدًا﴾
يقول: سدادًا إلى العمل بالذي تحب، أي:
أرشدنا إلى ما يقرب منك، والمعنی: هيئئ لنا
من أمرنا ما نصيب به الرشد(٢).
فقد سألوا الله أن يقدر لهم أحوالًا تكون
عاقبتها حصول ما خولهم من الثبات على
(١) مدار التنزيل، النسفي ١/ ٤١٦.
(٢) جامع البيان، ١٧ /٦٠٥ .
ضور
القرآن الكريم
وذلك طلب لتيسير أمورهم وأحوالهم،
فجمعوا بين السعي والفرار من الفتنة إلى
محل يمكن الاستخفاء فيه، وبين تضرعهم
وسؤالهم لله تيسير أمورهم، وعدم اتكالهم
على أنفسهم وعلى الخلق؛ فلذلك استجاب
الله دعاءهم، وقيض لهم ما لم يكن في
حسابهم(٣). فالمؤمن الحقيقي يلجأ إلى
الله؛ لأن هو من بيده التيسير فهو القادر
المقتدر.
٣. الهداية به.
قال تعالى: ﴿وَكَأَيْنِ مِّن نٍَِّ قَتَلَ مَعَهُ
رِبِيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِوَمَا
ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّبِينَ
١٤٦
وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلََّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا
وَإِسْرَافَنَا فِىْ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنصُرْنَا عَلَىَ
اَلْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ -١٤٧].
قال ابن القيم: «لما علم القوم أن العدو
إنما يدال عليهم بذنوبهم، وأن الشيطان إنما
يستزلهم ويهزمهم بها، وأنها نوعان: تقصير
في حق، أو تجاوز لحد، وأن النصر منوط
بالطاعة، قالوا: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا
فِي أَمْرِنَا﴾ قال القاضي: وهذا تأديب من الله
تعالى فى كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب
والمحن، سواء كان في الجهاد أو غيره» (٤).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٤٧١.
(٤) زاد المعاد ٣/ ٢٠٢.
٨٢

الأمر
وهذا ما وصف به المتقين من قوله: إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ: أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ
مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلًا
قُّبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].
﴿أَوْ ظَلَمُوَاْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَأَسْتَغْفَرُواْ
لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥].
إلّا
وقال الإمام الشوكاني: ((قوله:
أَنْ قَالُواْ﴾ استثناء مفرغ، أي: ما كان قولهم
عند أن قتل منهم ربانيون، أو قتل نبيهم
إلا أن قالوا: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ قيل:
هي الصغائر، وقوله: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِىْ أَمْرِنَا﴾
قيل: هي الكبائر، والظاهر: أن الذنوب
تعم كل ما يسمى ذنبًا من صغيرة أو كبيرة،
والإسراف: ما فيه مجاوزة للحد، فهو من
عطف الخاص على العام، قالوا ذلك مع
كونهم ربانيين: هضمًا لأنفسهم، ﴿وَثَيِّتْ
أَقْدَامَنَا﴾ في مواطن القتال، ﴿فَانَهُمُ اللّهُ﴾
تعالى بسبب ذلك ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ من النصر
وَحَسَنَ ثوابٍ
والغنيمة والعزة ونحوها،
اَلْآَخِرَةِ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف،
أي: ثواب الآخرة الحسن، وهو نعيم الجنة،
جعلنا الله من أهلها، فهم قد ابتهلوا إليه
عند نزول المصيبة بقولهم: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا
ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا﴾ خشية أن يكون ما
أصابهم جزاء على ما فرط منهم، وهكذا
استعملوا الأمر في طلب الهداية، والعون
من الله))(١).
٤. الطاعة والامتثال.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ
(١) فتح القدير ١/ ٣٨٧.
قال الشوكاني: ((أي: ما صح ولا استقام
لرجل ولا امرأة من المؤمنين، ولفظ ما كان
وما ينبغي ونحوهما معناهما المنع والحظر
من الشيء، والإخبار بأنه لا يحل أن يكون
شرعًا، وقد يكون لما يمتنع عقلًا، كقوله:
﴿مَّا كَانَ لَكُّ أَنْ تُنِبِتُواْ شَجَرَهَا.
[النمل: ٦٠].
ومعنى الآية: أنه لا يحل لمن يؤمن بالله
إذا قضى الله أمرًا أن يختار من أمر نفسه
ما شاء، بل يجب عليه أن يذعن للقضاء،
ويوقف نفسه على ما قضاه الله عليه،
واختاره له))(٢).
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: لم يكن
لمؤمن بالله ورسوله، ولا مؤمنة إذا قضى
الله ورسوله في أنفسهم قضاء أن يتخيروا
من أمرهم غير الذي قضى فيهم، ويخالفوا
أمر الله وأمر رسوله وقضاءهما فيعصوهما،
ومن يعص الله ورسوله فيما أمراً أو نهيا
فَقَدْ صَلَّ صَلَلامَّبِينًا﴾ يقول: فقد جار عن
قصد السبيل، وسلك غير سبيل الهدي
والرشاد))(٣).
وروي في سبب نزول الآية: أنها نزلت في
(٢) المصدر السابق ٣٢٦/٤.
(٣) جامع البيان ٢٠/ ٢٧١.
www. modoee.com
٨٣

حرف الألف
زينب بنت جحش، وكانت بنت عمة رسول
الله صلى الله عليه وسلم، فخطبها رسول
الله صلى الله عليه وسلم فرضیت ورأت أنه
يخطبها على نفسه، فلما علمت أنه يخطبها
على زيد بن حارثة أبت وأنكرت، فأنزل
الله الآية، قال: فتابعته بعد ذلك ورضیت،
وهكذا هو المؤمن الحقيقي يتعامل مع أمر
الحق سبحانه وتعالى بالطاعة والامتثال (١).
قال ابن كثير: «هذه الآية عامة في جميع
الأمور؛ وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله
بشيء فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار
لأحد ها هنا، ولا رأي ولا قول، كما قال
تبارك وتعالى: ﴿فَلَ وَرَيْكَ لَا يُؤْمِنُونَ
حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ
لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ
وَيُسَلِّمُوَأْ تَسَلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥])) (٢).
٥. الاتباع.
قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَيْنِ
يَتِيمَيْنِ فِىِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا وَكَانَ
أَبُوهُمَا صَلِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَآَ أَشُدَّهُمَا
وَيَسْتَخْرِحَا كَنَزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَِّكَّ وَمَا فَعَلْنُهُ.
عَنْ أَمْرِئَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعِ عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾
[الكهف: ٨٢].
واختياري، ومن تلقاء نفسي، وإنما فعلته
عن أمر الله إياي به، فهو كان عبدًا مأمورًا،
فمضى لأمر الله واتبعه)» (٣).
قال الرازي: ((يعني ما فعلت ما رأيت من
هذه الأحوال عن أمري واجتهادي ورأبي،
وإنما فعلته بأمر الله ووحيه؛ لأن الإقدام
على تنقيص أموال الناس وإراقة دمائهم لا
يجوز إلا بالوحي والنص القاطع»(٤).
فكل ما فعله الخضر فإنما عن أمر من له
الأمر، وهو الله، وهكذا کل مؤمن لا يسير
خطوة، ولا ينفذ أمرًا إلا متبعًا لأمر الله وأمر
رسوله صلی الله علیه وسلم .
٦. الصبر والتقوى.
قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَ فِى أَمْوَلِكُمْ
وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ
اَلْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ
ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٦].
يخبر تعالى ويخاطب المؤمنين أنهم
سيبتلون في أموالهم وفي أنفسهم، وفي
إخباره لعباده المؤمنين بذلك عدة فوائد،
منها: أنه أخبرهم بذلك لتتوطن نفوسهم
على وقوع ذلك، والصبر عليه إذا وقع؛
قال الطبري: ((يعني: وما فعلت يا لأنهم قد استعدوا لوقوعه، فيهون عليهم
حمله، وتخف عليهم مؤنته، ويلجئون إلى
موسی جمیع الذي رأيتني فعلته عن رأيي
(١) المصدر السابق.
(٢) تفسير القرآن الكريم، ٦/ ٤٢٣.
(٣) جامع البيان ١٨/ ٩١.
(٤) مفاتيح الغيب ٤٩٢/٢١.
٨٤
مَوَسُولَهُ النَّشيد
القرآن الكريم

الأمن
الصبر والتقوى(١).
الأذى، والصفح عنه ومغفرته، ومقابلته
قال أبو السعود: ﴿وإن تصپرُوا﴾ أي: بالإحسان أشق وأشق، ولکنه یسیرٌ على من
يسره الله عليه، وجاهد نفسه على الاتصاف
به، واستعان الله على ذلك، ثم إذا ذاق العبد
حلاوته، ووجد آثاره، تلقاه برحب الصدر،
وسعة الخلق، والتلذذ فيه (٤).
تتخلقوا بالصبر على تلك الشدائد والبلوى
عند ورودها وتقابلوها بحسن التجمل
﴿وَتَتَّقُواْ﴾ أي: تتبتلوا إلى الله تعالى
بالكلية، معرضين عما سواه بالمرة، بحيث
يتساوى عندكم وصول المحبوب ولقاء
المكروه ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ﴾ إشارةٌ إلى الصبر
والتقوى، وما فيه من معنى البعد؛ للإيذان
بعلو درجتهما، وبعد منزلتهما ﴿مِنْ عَزْمِ
الْأُمُورِ ﴾ أي: الأشياء التي هي أهل لأن
یعزم على فعلها، ولا يتردد فيه، ولا يعوق
عنه عائق (٢).
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ لَِّّ
ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣].
قال الطبري: ((يقول تعالى ذكره: ﴿وَلَمَن
صَبَرَ﴾ على إساءة إليه، ﴿وَغَفَرَ﴾ للمسيء
إليه جرمه إليه، فلم ينتصر منه، وهو على
الانتصار منه قادر، ابتغاء وجه الله، وجزيل
ثوابه ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ يقول: إن
صبره ذلك وغفرانه ذنب المسيء إليه لمن
عزم الأمور التي ندب إليه عباده، وعزم
عليهم العمل به))(٣).
فإن ترك الانتصار للنفس بالقول أو
الفعل من أشق شيء عليها، والصبر على
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٦٠.
(٢) إرشاد العقل السليم، ٢/ ١٢٤.
(٣) جامع البيان ٥٥١/٢١.
قال صاحب التحرير: ((وهذا ترغيب
في العفو والصبر على الأذى؛ وذلك بين
الأمة الإسلامية ظاهر، وأما مع الكافرين
فتعتريه أحوال تختلف بها أحكام الغفران،
وملاكها أن تترجح المصلحة في العفو أو
في المؤاخذة)» (٥).
رابعًا: تعامل الكافرين والمنافقين مع
الأمر الإلهي:
يتعامل الكافرون والمنافقون مع الأمر
الإلهي بالرفض والامتناع، ويتضح ذلك كما
يلي:
١ . العتو.
﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِئَقِهِ،
وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اَللَّهُ بِهِ أَن يُؤْصَلَ وَيُفْسِدُونَ
فِي الْأَرْضِِّ أُوْلَبِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة:
٢٧].
قال البيضاوي: ((فهذه الآية صفة
للفاسقين للذم وتقرير الفسق، ثم قال مبينًا
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٦٠.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥/ ١٢٣.
www. modoee.com
٨٥

حرف الألف
تعامل هؤلاء مع ما أمر الله به بعد أن بين وعدم وصل الأقوال الطيبة بالأعمال
الصالحة، وسائر ما فيه رفض خير، أو تعاطي
شر (٣). وجعل الآية عامة في كل قطيعة لا
يرضاها الله هو الأولى والراجح في نظري؛
فالعبرة بعموم اللفظ كما على ذلك جمهور
المفسرين.
نقضهم للعهود والمواثيق فقال: ﴿وَيَقْطَعُونَ
مَآ أَمَرَ اللهُ بِهِ= أَنْ يُوصَّلَ﴾ يحتمل كل قطيعة
لا يرضاها الله تعالى، كقطع الرحم،
والإعراض عن موالاة المؤمنين، والتفرقة
بين الأنبياء عليهم السلام، والكتب في
التصديق، وترك الجماعات المفروضة،
وسائر ما فيه رفض خير، أو تعاطي شر، فإنه
يقطع الوصلة بين الله وبين العبد المقصودة
بالذات من كل وصل وفصل ﴿وَيُفْسِدُونَ
فِي الْأَرْضِ﴾ بالمنع عن الإيمان، والاستهزاء
بالحق، وقطع الوصل التي بها نظام العالم
وصلاحه))(١).
فقوله عز وجل: ﴿وَيَقْطَّعُونَ مَآ أَمَرَ أَلَهُ
بِهِ، أَنْ يُوصَّلَ﴾ فيه ثلاثة تأويلات: قال
الماوردي: أحدها: أن الذي أمر الله تعالى
به أن یوصل هو رسوله، فقطعوه بالتكذيب
والعصيان، وهو قول الحسن البصري،
والثاني: أنه الرحم والقرابة، وهو قول قتادة،
والثالث: أنه على العموم في كل ما أمر الله
تعالى به أن يوصل(٢).
فقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَّا أَمَرَ اَللّهُ بِهِ، أَن
يُؤْصَلَ﴾ عام في كل قطيعة لا يرضاها
الله، كقطع الرحم، والإعراض عن موالاة
المؤمنين، وترك الجماعات المفروضة،
(١) أنوار التنزيل ١/ ٦٥.
(٢) النكت والعيون، ٨٩/١.
ونظير تلك الآية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَنْقُضُونَ عَهْدَ الَّهِ مِنْ بَعْدٍ مِتَقِهِ، وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ
اللَّهُ بِهِّ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِ اَلْأَرْضِّ أُوْلَكَ لَهُمُ
اَللَّعْنَةُ وَمُمْ سُوَهُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
٢. التكذيب.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْفَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا
عَلَيْهَا مَابَاءَنَا وَاَللَّهُ أَمَهَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ
بِالْفَحْشَدِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ٢٨].
قال الإمام الطبري: «كان قبيلة من العرب
من أهل اليمن يطوفون بالبيت عراة، فإذا
قیل: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: وجدنا عليها
آباءنا، والله أمرنا بها، فتأويل الكلام إذًا: وإذا
فعل الذين لا يؤمنون بالله الذين جعل الله
الشياطين لهم أولياء قبيحًا من الفعل، وهو
الفاحشة، وذلك تعريهم للطواف بالبيت
وتجردهم له، فعذلوا على ما أتوا من قبيح
فعلهم، وعوتبوا عليه، قالوا: وجدنا على
مثل ما نفعل آباءنا، فنحن نفعل مثل ما كانوا
يفعلون، ونقتدي بهديهم، ونستن بسنتهم،
(٣) الوسيط، طنطاوي ١/ ٨٧.
مَوَسُولَةُ البَش
القرآن الكريم
٨٦

الأمر
والله أمرنا به، فنحن نتبع أمره فيه»(١).
فقيل لهم: يعني أنكم سمعتم كلام الله
تعالى ابتداءً من غير واسطة، ولا أخذتموه
عن الأنبياء الذين هم وسائط بين الله
تعالى وبين عباده في تبليغ أوامره ونواهيه
وأحكامه؛ لأنكم تنكرون نبوة الأنبياء؛
فكيف تقولون على الله ما لا تعلمون؟ (٢).
فليس المراد أن القوم کانوا یسلمون کون
تلك الأفعال فواحش، ثم كانوا يزعمون أن
الله أمرهم بها، فإن ذلك لا يقوله عاقل،
بل المراد أن تلك الأشياء كانت في أنفسها
فواحش، والقوم كانوا يعتقدون أنها طاعات،
وأن الله أمرهم بها، ثم إنه تعالی حکی عنهم
أنهم كانوا يحتجون على إقدامهم على تلك
الفواحش بأمرين:
أحدهما: إنا وجدنا عليها آباءنا.
والثاني: إن الله أمرنا بها ...
وَاَللَّهُ
وأما الحجة الثانية: وهي قولهم:
أَمَرَنَا بِهَا﴾ فقد أجاب عنه بقوله تعالى: ﴿قُلّ
إِنَّ اللّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَآَ﴾ والمعنى: أنه ثبت
على لسان الأنبياء والرسل كون هذه الأفعال
منكرة قبيحة فكيف يمكن القول بأن الله
تعالى أمرنا بها؟(٣).
(١) جامع البيان ٣٧٩/١٢.
(٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ١٩٢/٢.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٤/ ٢٢٥.
٣. النفور.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَسْجُدُواْلِلَّحْمَنِ قَالُواْ وَمَا
الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان:
٦٠].
يقول تعالى منكرًا على المشركين الذين
يسجدون لغير الله من الأصنام والأنداد:
اسجدوا واخضعوا وتذللوا للرحمن،
فالسجود الذي أمروا به سجود الاعتراف
له بالوحدانية، وهو شعار الإسلام، ولم
يكن السجود من عبادة مشركي قريش،
وإنما كانوا يطوفون بالأصنام، ومقصدهم
من ذلك إباء السجود لله؛ لأن السجود
الذي أمروا به سجود لله بنية انفراد الله به
دون غيره، وهم لا یجیبون إلى ذلك، ويدل
على ذلك قوله: ﴿وَزَادَهُمْ تُفُورًا ﴾ فالنفور
من السجود سابق قبل سماع اسم الرحمن،
وزادهم ذكر الرحمن نفورًا أي: تباعدًا من
الإيمان (٤).
أما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي
هو الرحمن الرحيم، ويفردونه بالإلهية،
ويسجدون له، وكان سفيان الثوري يقول
في هذه الآية: إلهي زادني لك خضوعًا ما
زاد عداك نفورًا، وكأنهم يقولون: تأمرنا بألا
نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، وتريد أن
تأمرنا أيضًا بأن نسجد لهذا الرحمن.
قال الطبري: يعني وزاد هؤلاء المشركين
(٤) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٣٢٦/٣.
www. modoee.com
٨٧

حرف الألف
قول القائل لهم: اسجدوا للرحمن من يسجد إذا أمره في ذلك الوقت، فلما نفخ
إخلاص السجود لله، وإفراد الله بالعبادة
بعدًا مما دعوا إليه من ذلك فرارًا(١).
فيه الروح وقعت الملائكة سجدًا، وبقي
هو قائمًا بين أظهرهم، فأظهر بقيامه وترك
السجود ما في ضميره ... ، قلت: يعني من
الكبر والاستكبار لأمر الله.
خامسًا: تعامل إبليس وذريته مع الأمر
الإلهي:
تعامل إبليس مع الأمر الإلهي يتمثل فيما
يلي:
١ . الكبر والغرور.
قال تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَّ
قَالَ أَنَّأْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِ مِن ◌َّارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن ◌ِينٍ﴾
[الأعراف: ١٢].
قال العلماء: الذي أحوجه إلى ترك
السجود هو الكبر والحسد، وكان أضمر
ذلك في نفسه إذا أمر بذلك، وقال الإمام
النسفي: ((والسؤال عن المانع من السجود
مع علمه به للتوبيخ ولإظهار معاندته و کفره
وكبره)) (٢)
فقد كان أمره من قبل خلق آدم، يقول الله
تعالى: ﴿إِنِّ خَلِقٌ بَشَرًا مِنِ طِينٍ ( فَإِذَا سَوَّيْتُهُ.
وَنَفَخَّتُ فِيهِ مِن رُوحِى فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص:
٧١-٧٢].
فكأنه دخله أمر عظيم من قوله: ﴿فَقَعُواْ
لَهُ سَجِدِينَ﴾ فإن في الوقوع توضيح الواقع
وتشريفًا لمن وقع له، فأضمر في نفسه ألا
(١) الطبري ٢٨٨/١٩ وتفسير القرآن العظيم، ابن
كثير ١٣ / ٦٤ وتفسير أبي زهرة ١٠/ ٥٣٠٧.
(٢) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ٥٥٧.
ثم قال: ﴿أَنَأْ خَيْرٌمِّنْهُ﴾ أي: منعني من
السجود فضلى عليه، فهذا من إبليس جواب
على المعنى، فليس هذا عين الجواب، بل
هو كلام يرجع إلى معنى الجواب ﴿خَلَقْتِی
مِنْ ثَّارٍ وَخَلَقْتَهُ، مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢].
فرأى أن النار أشرف من الطين؛ لعلوها
وصعودها وخفتها؛ ولأنها جوهر مضيء.
قال ابن عباس رضي الله عنه والحسن
وابن سيرين: أول من قاس إبليس، فأخطأ
القياس، فمن قاس الدين برأيه قرنه مع
إبليس، قال ابن سيرين: وما عبدت الشمس
والقمر إلا بالمقاييس، وقالت الحكماء:
أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على
الطین، وإن كانا في درجة واحدة من حيث
هي جماد مخلوق (٣).
فھو مما لاشك فيه أول من أسس بنيان
التكبر والمعاندة والعصيان للأوامر الإلهية؛
ولأن الباعث على قوله هذا التکبر، ولیس
الدليل؛ لذلك قال الله تعالى له: ﴿قَالَ
فَأَهْبِطَ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيَهَا فَأَخْرُجْ إِنَّكَ
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧/ ١٧١.
٨٨
مَشَارَةُ الَّقيد
القرآن الكريم

الأمر
مِنَ الصَّغِرِينَ﴾ [الأعراف ١٣].
٢. الرفض والخروج على أوامر
الله.
قال تعالى: ﴿وَإِذْقُلْنَا لِلْمَلَئِكَةِ أَسْجُدُواْلِآدَمَ
فَسَجَدُوَأْ إِلَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ آلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
رَيِّدِهُ أَفَتَتَّخِذُونَهُ, وَذُرِّيَّتَهُ، أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ
وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ بِْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا ﴾ [الكهف:
٥٠].
فقوله: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾﴾ يعني:
فخرج عن أمر ربه، وعدل عنه ومال، وعن
مجاهد في قول الله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ آَمْرِ
رَبِِّ﴾ قال: في السجود لآدم، فالمعنى:
أنه: عتا وعصى، وأصل الفسق: الخروج،
أي: خرج عن أمر ربه، وكذلك قال القتبي:
ففسق، أي: خرج عن طاعته، يقال: فسقت
الرطبة إذا خرجت من قشرتها، يعني: أنه
خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك
السجود، وذكر هذا الزمن بأحداثه وما قيل
فيه استحضار لصورته، وكيف عصی إبليس
ربه، وعاند في الخضوع لأمر الله تعالى
بالنسبة لآدم(١).
قال الإمام الشعراوي: «لقد جاء القرآن
بالنص الصريح الذي يوضح جنسیته، فليس
لأحد أن يقول: إنه من الملائكة، وما دام كان
من الجن، وهم جنس مختار في أن يفعل أو
لا يفعل، فقد اختار ألا يفعل: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٧ /١٨٥.
رَيِّدِ=﴾ [الكهف: ٥٠].
أي: رجع إلى أصله، وخرج عن الأمر،
أي: فخرج بذلك عن طاعتنا، واستحق لعنتنا
وغضبنا)) (٢).
سادسًا: جزاء اتباع الأمر الإلهي في
الدنيا والآخرة:
١. الفلاح في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوّنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤].
ففي الآية السابقة حثٌّ لأتباع أمة
النبي محمد على الأمر بالمعروف والنهي
والمنكر، والمراد بالأمة هنا الطائفة من
الناس التي تصلح لمباشرة الدعوة إلى
الخير والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر،
والمعروف ما حسنه الشرع، وتعارف
العقلاء على حسنه، والمنکر ضد ذلك، كما
أن الآية تومئ إلى الحث على الدعوة إلى
ما يصلح من شأن الناس، من خلال أمرهم
بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التي توافق
الكتاب والسنة والعقول السليمة، ونهيهم
عن المنكر الذي يأباه شرع الله، وتنفر منه
الطباع الحسنة؛ ولقد أعد الله لمن يفعلون
ذلك الفلاح في الدنيا والآخرة، فقال
تعالى: ﴿وَأُوْلَكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي:
(٢) تفسير الشعراوي ١٤/ ٨٩٣٥.
www. modoee.com
٨٩

حرف الألف
هؤلاء هم المختصون بالفلاح الكامل، فقد الذين صلحت أحوالهم عند الله، ورضيهم،
واستحقوا رضاه وثناءه)) (٣)
ختم سبحانه الآية الكريمة بتبشير هؤلاء
﴿وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ والفلاح هو
الظفر، وإدراك البغية، أي: وأولئك القائمون
بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف
والنهى عن المنكر هم الكاملون في الفلاح
والنجاح، ولا یمکن أن يفلح سواهم ممن
لم يقم بهذا الواجب الذي هو مناط عزة
الجماعات والأفراد، وأساس رفعتهم
وقوتهم وسعادتهم(١).
وقد روى الإمام مسلم عن أبي سعيد
الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول
الله صلی الله عليه وسلم يقول: (من رأى
منکم منکرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع
فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف
الإيمان)(٢).
٢. الصلاح.
قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَأَلْيَّوْمِ
اُلْآَخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
اٌلْمُنكَرِّ وَيُسَرِعُونَ فِي الْخَيْرَتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ
الصَّلِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤].
يقول الإمام النسفي: ((وأولئك
الموصوفون بما وصفوا به من الصالحين،
أي: من المسلمين، أو من جملة الصالحين
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٢ / ٢٠٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
واجبان، ١ /٦٩، رقم ٤٩.
وهذا غاية المدح من وجهين:
الأول: أن الله مدح بهذه الصفة أكابر
الأنبياء، فقال بعد ذکر إسماعیل وإدريس
وذي الكفل وغيرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَهُمْ فِى
رَحْمَيِّنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّلِحِينَ﴾ [الأنبياء:
٨٦].
وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَنْهُ وَجِبْرِيلُ وَصَلِحُ
اَلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم: ٤].
الثاني: أن الصلاح ضد الفساد، فكل ما
لا ينبغي أن یکون فهو فساد، سواء أكان ذلك
في العقائد أم في الأعمال، وإذا كان كذلك
کان کل ما ينبغي أن یکون صلاحًا، فكان
الصلاح دالًا على أكمل الدرجات (٤).
قال القفال: ولا يبعد أن يقال: المراد:
كل من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم
فسماهم الله بأهل الكتاب، كأنه قيل:
أولئك الذين سموا أنفسهم بأهل الكتاب
حالهم وصفتهم تلك الخصال الذميمة،
والمسلمون الذین سماهم الله بأهل الكتاب
حالهم وصفتهم هكذا، فكيف يستويان؟
فيكون الغرض -من هذه الآية- تقرير
فضيلة أهل الإسلام، تأكيدًا لما تقدم من
قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل
(٣) مدارك التنزيل ١/ ٢٨٤.
(٤) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٤٨١/٥.
مُوسُوبَة النفسية
القرآن الكريم
٩٠

الأمن
عمران: ١١٠].
ونظيره قوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن
كَانَ فَاسِقَاً لَّا يَسْتَوُنَ ﴾ [السجدة: ١٨].
منهم: ﴿أُمَّةٌ قَابِمَةٌ يَتْلُونَ ءَايَتِ اللهِ﴾ [آل
عمران: ١١٣].
فعبر بذلك عن تهجدهم(١).
٣. الفوز.
قال تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَخْشَ
اللَّهَ وَ يَتَّقَّهِ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ﴾ [:٥٢].
يقول الإمام الطبري: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ﴾ فيما أمره ونهاه، ويسلم لحكمهما
له وعليه، ويخف عاقبة معصية الله ويحذره،
ويتق عذاب الله بطاعته إياه في أمره ونهيه
﴿فَأُوْلَكَ﴾ يقول: فالذين يفعلون ذلك
﴿هُمُ الْفَآئِزُونَ﴾ برضا الله عنهم يوم القيامة،
وأمنهم من عذابه(٢).
وذکر أن عمر رضي الله عنه بينما هو
قائم في مسجد النبي صلی الله عليه وسلم
وإذا رجل من دهاقين الروم قائم على
رأسه، وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا
الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فقال له
عمر: ما شأنك؟ قال: أسلمت لله، قال: هل
لهذا سبب؟! قال: نعم! إني قرأت التوراة
والزبور والإنجيل وكثيرًا من كتب الأنبياء،
(١) المصدر السابق ٤٨١/٥.
(٢) جامع البيان ٢٠٦/١٩.
فسمعت أسیرًا يقرأ آية من القرآن جمع فيها
كل ما في الكتب المتقدمة، فعلمت أنه من
عند الله فأسلمت: قال: ما هذه الآية؟ قال:
قوله تعالى: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ﴾ في الفرائض
﴿وَرَسُولَهُ﴾ في السنن ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ ﴾ فيما
قيل: قائمة في الصلاة، يتلون آيات الله، مضى من عمره ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ فيما بقي من
عمره ﴿فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ﴾ والفائز من
نجا من النار وأدخل الجنة، فقال عمر: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (أوتيت جوامع
الكلم)(٣).
فهذه الآية جامعة لأسباب الفوز والنجاح
والفلاح، فقوله: ﴿فَأَوْلَبَكَ هُمُ الْفَآيِزُونَ﴾
يعني: الذين فازوا بكل خير، وأمنوا من كل
شر في الدنيا والآخرة (٤).
يقول صاحب الظلال: ((وعد الله ولن
يخلف الله وعده، وهم للفوز أهل، ولديهم
أسبابه من واقع حیاتھم، فالطاعة لله ورسوله
تقتضي السير على النهج القويم الذي
رسمه الله للبشرية عن علم وحكمة، وهو
بطبيعته يؤدي إلى الفوز في الدنيا والآخرة،
وخشية الله وتقواه هي الحارس الذي يكفل
الاستقامة على النهج، وإغفال المغريات
التي تهتف بهم على جانبيه، فلا ينحرفون
ولا يلتفتون، وأدب الطاعة لله ورسوله، مع
خشية الله وتقواه، أدب رفيع، ينبئ عن مدى
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢٩٥/١٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧٥/٦.
www. modoee.com
٩١

حرف الألف
إشراق القلب بنور الله، واتصاله به، وشعوره
بهيبته، كما ينبئ عن عزة القلب المؤمن
واستعلائه، فكل طاعة لا ترتكن على طاعة
الله ورسوله، ولا تستمد منها، هي ذلة یأباها
الكريم، وينفر منها طبع المؤمن، ويستعلي
عليها ضميره، فالمؤمن الحق لا يحني رأسه
إلا لله الواحد القهار))(١).
٤. طيب الحياة.
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
قال تعالى:
أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا
◌ُبِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ففي الآية السابقة حثٌ للمؤمنين على
الاستجابة لأمر الرسول إذا دعاهم إلى
شيء، فإن في الاستجابة لأمره إحياءً
للنفوس، واختير في تعريفهم عند النداء
وصف الإيمان ليومئ إلى أن الإيمان
هو الذي يقتضي أن يثقوا بعناية الله بهم،
فيمتثلوا أمره إذا دعاهم، وليس قوله: ﴿إذا
دَعَاكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾ قيدًا للأمر باستجابة،
ولكنه تنبيه على أن دعاءه إياهم لا يكون إلا
إلى ما فيه خير لهم، وإحياء لأنفسهم(٢).
والمعنى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ بالله
حق الإيمان ﴿أَسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ﴾ عن
طواعية واختيار، ونشاط وحسن استعداد
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الرسول صلى الله عليه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ /٢٥٢٧.
وسلم ﴿لِمَا يُحِيكُمْ﴾ أي: إلى ما يصلح
أحوالكم، ويرفع درجاتكم، من الأقوال
النافعة، والأعمال الحسنة، التي بالتمسك
بها تحيون حياة طيبة، وتظفرون بالسعادتين
الدنيوية والأخروية(٣).
فأجيبوا دعوته بقوة وعزم، كما قال فى
آية أخرى: ﴿خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَكُم بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة:
٦٣].
وطاعته صلى الله عليه وسلم واجبة في
حياته، وبعد مماته فيما علم أنه دعا إليه دعوة
عامة من أمور الدين الذي بعثه الله به، كبيانه
لصفة الصلاة وعددها قولًا أو فعلًا، فقد
صلى بأصحابه وقال: (صلوا كما رأيتموني
أصلي)(٤).
وقال: (خذوا عني مناسككم)(٥).
وبيانه لمقادير الزكاة وغيرها من السنن
العملية المتواترة وأقواله كذلك، فكل من
ثبت لديه شيء منها ببحثه أو بحث العلماء
الذین یثق بهم وجب عليه الاهتداء به (٦).
والضمير في قوله: ﴿دَعَاكُمْ﴾ يعود إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه هو
المباشر للدعوة إلى الله؛ ولأن في الاستجابة
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ٧٣/٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب،
باب رحمة الناس والبهائم، ٦٠٠٨،٩/٨.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج،
باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر،
٢/ ٩٤٣، رقم ١٢٩٧.
(٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣١١/٩. (٦) تفسير المراغي ١٨٧/٩.
٩٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأمن
له استجابة لله تعالى.
قال سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ
اَللَّهُ وَمَن تَوَلَى فَمَا أَرْسَلْنَكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾
[النساء: ٨٠](١).
تكلم الإمام ابن القيم كلامًا نفيسًا حول
هذه الآية فقال رحمه الله: ((إن الحياة النافعة
إنما تحصل بالاستجابة لله ولرسوله، فمن
لم تحصل له هذه الاستجابة فلا حياة له، وإن
كانت له حياة بهيمية مشتركة بينه وبين أرذل
الحيوانات، فالحياة الحقيقية الطيبة هي حياة
من استجاب لله ولرسوله ظاهرًا وباطنًا،
فهؤلاء هم الأحياء، وإن ماتوا، وغيرهم
أموات وإن كانوا أحياء الأبدان؛ ولهذا كان
أكمل الناس حياة أكملهم استجابة لدعوة
الرسول صلی الله عليه وسلم، فإن کل ما
دعا إليه ففيه الحياة، فمن فاته جزء منه فاته
جزء من الحياة، وفيه من الحياة بحسب ما
استجاب للرسول»(٢).
(١) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢/ ٧٣.
(٢) التفسير القيم ١/ ٢٩٨.
الأمر الإنساني وجزاء اتباعه
بين القرآن الكريم أوامر الإنسان، سواء
كان من الرسل أو المؤمنين أو المنافقين أو
الجبابرة والمسرفين، وبين جزاء اتباع هذه
الأوامر، وسوف نتناول هذه الأوامر بالبيان
فيما يأتي:
أولًا: أوامر الرسل عليهم السلام:
الرسل أرسلهم الحق سبحانه وتعالى
لإسعاد الناس وهدايتهم؛ ولذلك يمكن
إبراز أوامر الرسل كما يلي:
١. عبادة الله واجتناب عبادة
الطاغوت.
قال تعالى: ﴿اَّخَذُوَا أَحْبَارَهُمْ
وَرُهْبَنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ
وَالْمَسِيحَ أَبْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوّا إِلَّا
لِيَعْبُدُواْ إِلَهَا وَحِدَاً لََّ إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
سُبْحَنَهُ, عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة:
٣١].
إن من الطبيعي أن يكون أول أمر للرسل
لأقوامهم الأمر بعبادة الله وحده، وهذا ما
جسده النبي صلى الله عليه وسلم.
يقول الإمام الألوسي: ((﴿وَمَا أُمِرُوَا
إِلَّا لِيَعْبُدُوَأْ إِلَهَا وَاحِدًا﴾ جليل
الشأن وهو الله سبحانه، ويطيعوا أمره ولا
يطيعوا أمر غيره بخلافه، فإن ذلك مناف
www. modoee.com
٩٣

حرف الألف
لعبادته جل شأنه، وأما إطاعة الرسول صلى الكلمة فيهم، والعقل المدبر لهم، فكلمة
الله عليه وسلم وسائر من أمر الله بطاعته الأحبار والرهبان لهم هي الكلمة التي لا
معقب عليها عندهم، حتى لكأنها كلمات
الله عند المؤمنين بالله(٢).
فهي في الحقيقة إطاعة لله عز وجل، وما
أمر الذين اتخذهم الكفرة أربابًا من المسيح
ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ
أَسْجُدُ واْلِلَّحْمنِ قَالُواْ وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا
وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: ٦٠].
عليه السلام والأحبار والرهبان إلا ليطيعوا
أو ليوحدوا الله تعالى، فكيف يصح أن
یکونوا أربابًا وهم مأمورون مستعبدون
و کأنهم يقولون: تأمرنا بألا نعبد إلا الله،
ولا نشرك به شيئًا، وتريد أن تأمرنا أيضًا بأن
نسجد لهذا الرحمن، کأن المسألة بيننا وبينك
ليس أمر التوحيد تدعو إليه، إنما أنت تعادي
آلهتنا بآلهة أخرى، ومرماهم أنك تتحكم في
عبادتنا، ولا تخالفنا في شركنا(٣).
مثلهم؟! ولا يخفى أن تخصيص العبادة به
تعالى لا يتحقق إلا بتخصيص الطاعة أيضًا
به تعالى، ومتى لم يخص به جل شأنه لم
تخص العبادة به سبحانه ﴿سُبْحَنَهُ.
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه له، أي: تنزيه
عن الإشراك به فى العبادة والطاعة، والمراد
بالآية: اتخذ كل من الفريقين علماءهم -لا
الكل - أربابًا من دون الله بأن أطاعوهم في
تحريم ما أحل الله تعالى، وتحليل ما حرمه
سبحانه، وهو التفسير المأثور عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم.
فالآية ناعية على كثير من الفرق الضالة
الذين تركوا كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى
الله علیه وسلم لکلام علمائھم ورؤسائھم،
والحق أحق بالاتباع، فمتى ظهر وجب على
المسلم اتباعه)»(١).
فهو اتهام لهم، وكشف عن وجه من
وجوه الضلال الذي ركبوه، وهو أنهم
انقادوا لأحبارهم ورهبانهم، وجعلوا لهم
(١) روح المعاني ١ / ٧٥.
مَوَسُولَة التَِّنَة
القرآن الكريم
فالآية الكريمة تحكي ما جبل عليه
أولئك المشركون من استهتار وتطاول
وسوء أدب، عندما يدعوهم الرسول صلى
الله عليه وسلم إلى إخلاص العبادة لله
عز وجل، وإلى السجود للرحمن الذي
تعاظمت رحماته، وتكاثرت الاؤه، ولقد
بلغ من تطاول بعضهم أنهم كانوا يقولون: ما
نعرف الرحمن إلا ذاك الذي باليمامة، يعنون
به مسيلمة الكذاب(٤).
٢. الإخلاص.
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ
(٢) التفسير القرآني للقرآن، عبدالكريم الخطيب
٧٤٣/٥.
(٣) زهرة التفاسير، أبو زهرة ٥٣٠٧/٤.
(٤) التفسير الوسيط، طنطاوي ٢١٥/١٠.
٩٤

الأمر
مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ تعالى: ﴿قُلْ إِّ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ
[الزمر: ١١].
الزَّكَوَةَ ﴾ [البينة: ٥].
يقول الإمام أبو الفرج الجوزي:
والمعنى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّه﴾ إلا
أن یعبدوا الله، موحدین لا یعبدون سواه،
حُنَفَآءَ﴾ على دين إبراهيم، ﴿وَيُقِيمُواْ
السَّلَوةَ﴾ المكتوبة في أوقاتها، ﴿وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةَ﴾ عند وجوبها؛ وذلك الذي أمروا به
هو دين القيمة، قال الزجاج: أي دين الأمة
القيمة بالحق، ويكون المعنى: ذلك الدين
دين الملة المستقيمة (١)
.
قال الإمام ابن العربي: ((أمر الله عباده
بعبادته، وهي أداء الطاعة له بصفة القربة؛
وذلك بإخلاص النية بتجريد العمل عن
كل شيء إلا لوجهه؛ وذلك هو الإخلاص،
وإذا ثبت هذا فالنية واجبة في التوحيد؛ لأنها
عبادة، فدخلت تحت هذا العموم دخول
الصلاة»(٢).
يقول الإمام الرازي: ((فثبت أن المراد:
وما أمروا إلا أن يعبدوا الله مخلصين له
الدين، والإخلاص عبارة عن النية الخالصة،
والنية الخالصة لما كانت معتبرة كانت النية
معتبرة، فقد دلت الآية على أن كل مأمور
به فلابد وأن یکون منویًا ... »(٣) ومنه قوله
(١) انظر: معاني القرآن، الزجاج ٢/ ٣٥٠، زاد
المسير، ابن الجوزي ٤ / ٤٧٦.
(٢) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٦٤٣/٤.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، ٢٤٢/٢٢.
﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام:
٧١ ] .
ويقول الإمام النسفي: ((والإخلاص
عبارة عن النية الخالصة، وتجريدها عن
شوائب الرياء، وهو تنبيه على ما يجب من
تحصيل الإخلاص من ابتداء الفعل إلى
انتهائه، والمخلص هو الذي يأتي بالحسن
لحسنه، والواجب لوجوبه، والنية الخالصة
لما كانت معتبرة كانت النية معتبرة، فقد
دلت الآية علی أن کل مأمور به فلابد وأن
یکون منويًا، فلابد من اعتبار النية في جميع
المأمورات)» (٤).
فالإخلاص: التصفية والإنقاء، أي: غير
مشارکین في عبادته معه غيره، وحنفاء:
جمع حنيف، وهو لقب للذي يؤمن بالله
وحده دون شريك، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِ
هَدَنِ رَبِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْزَهِيمَ
حِفَاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].
وهذا الوصف تأكيد لمعنى: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ
آلِینَ﴾، مع التذکیر بأن ذلك هو دین إبراهيم
عليه السلام الذي ملئت التوراة بتمجيده،
واتباع هدیه.
فمن أهم وأعظم ما بعثه الله به من الأمر
بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة
(٤) انظر: مدارك التنزيل ٤ / ٤٥٥.
www. modoee.com
٩٥

حرف الألف
من سواه، کما أرسل به جمیع الرسل قبله،
كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُنَّةٍ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾
[النحل: ٣٦](١).
٣. الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
يبين القرآن صفة سيدنا محمد صلى الله
عليه وسلم في كتب الأنبياء الذين بشروا
أممهم ببعثته، وأمروهم بمتابعته، ولم تزل
صفاته موجودة في كتبهم، يعرفها علماؤهم
وأحبارهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ
النَّبِىَّ الْأُفِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ
فِي التَّوْرَكَةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَنَّهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطِّبَتِ
وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمَّ نَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَُّوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ
الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُمْ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[الأعراف: ١٥٧].
فمن صفة الرسول صلى الله عليه وسلم
في الکتب المتقدمة، وهکذا کان حاله صلی
الله علیه وسلم أنه لا یأمر إلا بخير، ولا ینھی
إلا عن شر، كما قال عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه: إذا سمعت الله يقول:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ فأرعها سمعك،
فإنه خیر یأمر به، أو شر ینھی عنه.
والمعروف ما تعرف العقول السليمة
حسنه، وترتاح القلوب الطاهرة له لنفعه
وموافقته للفطرة والمصلحة، بحيث لا
يستطيع العاقل المنصف السليم الفطرة أن
يرده، أو يعترض عليه إذا ورد الشرع به،
والمنكر ما تنكره العقول السليمة، وتنفر
منه القلوب، وتأباه على الوجه المذكور
أيضًا(٢).
٤ . القتال.
قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَنِِْلَيْ
أَمَّرْتَهُمْ لَيَخْرُنٌ قُل لَّا نُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ
اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [:٥٣].
يقول الإمام الطبري: يقول تعالى ذكره
يعني: وحلف هؤلاء المعرضون عن حكم
الله وحكم رسوله إذ دعوا إليه ﴿ِاللَّهِ جَهْدَ
أَيْمَنِهِمْ﴾ يعني: بأغلظ أيمانهم وأشدها ﴿لَينْ
أَمَرْتُهُمْ﴾ یا محمد بالخروج إلى جهاد عدوك
وعدو المؤمنين، أي: إذا أمرتهم بالقتال
والاستعداد له ﴿لَيَخْرُجُنَّقُل لَّا تُقْسِمُوا﴾ لا
تحلفوا، فإن هذه ﴿طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةً﴾ منكم
فيها التكذيب، يعني: قل لهم - أيها الرسول
الكريم- على سبيل السخرية والزجر،
لا تقسموا على ما تقولون، فإن طاعتكم
معروف أمرها، ومفروغ منها، فهي طاعة
باللسان فقط.
أما الفعل فيكذبها؛ وذلك أن المنافقين
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٨١/٣٠. (٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٩/ ١٩٧.
مَوَسُوبَةُ الْبَِّبُ
القرآن الكريم
٩٦

الأمن
كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه الله عليه وسلم أن يشاور أصحابه في
الأمور، وهو يأتيه وحي السماء؛ لأنه أطيب
لأنفس القوم، وأن القوم إذا شاور بعضهم
بعضًا، وأرادوا بذلك وجه الله، عزم لهم
على أرشده))(٢).
وسلم: أینما کنت نکن معك، لئن خرجت
خرجنا، وإن أقمت أقمنا، وإن أمرتنا بالجهاد
جاهدنا ... ، ثم قال الحق: إن الله ذو خبرة
بما تعملون من طاعتكم الله ورسوله، أو
خلافکم أمرهما، أو غير ذلك من أمورکم،
لا يخفى عليه من ذلك شيء، وهو مجازيكم
بکل ذلك(١).
٥. ثمرة الشورى.
يقول تعالى مخاطبًا النبي صلى الله عليه
وسلم: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ هُمْ وَشَاوِرْهُمْ
فِي الْأَّمِّ فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
اُلْمُتَوَكِلِينَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
يقول الإمام الطبري: ((اختلف أهل
التأويل في المعنى الذي من أجله أمر تعالى
ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم أن یشاورهم،
وما المعنى الذي أمره أن یشاورهم فيه؟
فقال بعضهم: أمر الله نبيه صلى الله
عليه وسلم بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِ اَلْأَمْرِ﴾
بمشاورة أصحابه في مكايد الحرب، وعند
لقاء العدو، تطييبًا منه بذلك أنفسهم، وتألفًا
لهم على دينهم؛ وليروا أنه يسمع منهم،
ويستعين بهم، وإن كان الله عز وجل قد
أغناه بتدبيره له أموره، وسياسته إياه وتقويمه
أسبابه عنهم، فأمر الله عز وجل نبيه صلى
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠٦/١٩، معالم
التنزيل، البغوي ٦/ ٥٧.
وقال آخرون: إنما أمره الله بمشاورة
أصحابه فیما أمره بمشاورتهم فیه، مع إغنائه
بتقويمه إياه، وتدبيره أسبابه عن آرائهم،
ليتبعه المؤمنون من بعده فيما حزبهم من أمر
دینهم، ويستنوا بسنته صلی الله عليه وسلم
في ذلك، ويحتذوا المثال الذي رأوه يفعله
في حياته من مشاورته في أموره - مع المنزلة
التي هو بها من الله- أصحابه وأتباعه في
الأمر ينزل بهم من أمر دينهم ودنياهم،
فيتشاوروا بينهم، ثم يصدروا عما اجتمع
عليه ملؤهم؛ لأن المؤمنين إذا تشاوروا في
أمور دينهم متبعین الحق في ذلك لم يخلهم
الله عز وجل من لطفه وتوفيقه للصواب من
الرأي والقول فيه، قالوا: وذلك نظير قوله عز
وجل الذي مدح به أهل الإيمان: ﴿وَأَمْرُهُمْ
شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨].
ثم قال: وأولى الأقوال بالصواب في
ذلك أن يقال: إن الله عز وجل أمر نبيه صلى
الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه
من أمر عدوه، ومكايد حربه، تألفًا منه بذلك
من لم تكن بصيرته بالإسلام البصيرة التي
(٢) جامع البيان ٣٤٤/٧.
www. modoee.com
٩٧

حرف الألف
يؤمن عليه معها فتنة الشيطان وتعريفًا منه أمته عليهم في الدنيا، بخلاف ما عليه أكثر الناس،
وقيل: كان يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح
والعبادة ليجعلهم قدوة لمن سواهم.
مأتی الأمور التي تحزبهم من بعده ومطلبها؛
ليقتدوا به في ذلك عند النوازل التي تنزل
بهم، فيتشاوروا فيما بينهم، كما كانوا يرونه
في حياته صلی الله عليه وسلم يفعله، فأما
النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله كان
يعرفه مطالب وجوه ما حزبه من الأمور
بوحیه، أو إلهامه إياه صواب ذلك، وأما أمته
فإنهم إذا تشاوروا مستنين بفعله في ذلك
على تصادقٍ وتأخٍ للحق، وإرادة جميعهم
للصواب، من غير میل إلی هوی، ولا حید
عن هدى، فالله مسددهم وموفقهم(١).
٦. الأمر بالصلاة والزكاة.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَوةِ
وَالزَّكَوَةِ وَكَانَ عِندَرَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: ٥٥].
يقول الإمام الرازي: ((قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ
أَهْلَهُ بِالصَّلَوْةِ وَالزَّكَوَةِ﴾ والأقرب في الأهل
أن المراد به من يلزمه أن يؤدي إليه الشرع،
فيدخل فيه كل أمته من حيث لزمه في
جميعهم ما يلزم المرء في أهله خاصة، هذا
إذا حمل الأمر على المفروض من الصلاة
والزكاة، فإن حمل على الندب فيهما كان
المراد أنه کما کان یتهجد بالليل يأمر أهله،
أي: من كان في داره في ذلك الوقت بذلك،
وكان نظره لهم في الدين يغلب على شفقته
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٤٤/٧، زاد
المسير، ابن الجوزي ٣٤١/١.
ل تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ
الْأَقْرَينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
﴿وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه:
١٣٢].
﴿قُواْ أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْنَارًا﴾ [التحريم: ٦].
وأيضًا فهم أحق أن يتصدق عليهم،
فوجب أن يكونوا بالإحسان الديني أولى،
فأما الزكاة فعن ابن عباس رضي الله عنه أنها
طاعة الله تعالى والإخلاص، فكأنه تأوله
على ما يزكو به الفاعل عند ربه، والظاهر
أنه إذا قرنت الزكاة إلى الصلاة أن يراد بها
الصدقات الواجبة، وكان يعرف من خاصة
أهله أن يلزمهم الزكاة، فیأمرهم بذلك، أو
يأمرهم أن يتبرعوا بالصدقات على الفقراء،
ورابعها: قوله: ﴿وَكَانَ عِندَرَيِّهِ، مَرْضِيًّا﴾ وهو
في نهاية المدح؛ لأن المرضي عند الله هو
الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات))(٢).
ثانيًا: أوامر المؤمنين:
لاشك أن أوامر المؤمنين ستكون متفقة
مع المنهج النبوي الذي يحقق السعادة
لمتبعها في الدنيا والآخرة، ويمكن إيضاح
أوامر المؤمنين كما يلي:
(٢) مفاتيح الغيب ٢١/ ٥٥٠.
٩٨
مَوَسُولَةُ الْمَشيده
القرآن الكريم

الأمن
١. الأمر بالمعروف.
قال تعالى متحدثًا عن صفات المؤمنين:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضِْ
يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَيُقِيمُونَ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوَةَ
وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، أَوْلَيْكَ سَيَّرْحَمُهُمُ اللَّهُ
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ [التوبة: ٧١].
يذكر الحق سبحانه أوصاف المؤمنين
وأعمالهم الحسنة، وما أعد لهم من
أنواع الكرامات والخيرات في الدنيا
والآخرة، فمن أوصافهم: أنهم يأمرون
بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقال
تعالى: ﴿يَأْمُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ المُنگرِ﴾ أي: يأمرون الناس بكل خير
وجميلٍ يرضي الله، وينهونهم على كل قبيح
يسخط الله، فهم على عكس المنافقين الذين
يأمرون بالمنکر، وینهون عن المعروف(١).
وهذا ما أمر به لقمان ابنه بقوله: ﴿ يَبُنَىَّ
أَقِمِ الصَلَوَةَ وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَ عَنِ الْمُنكَرِ
وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ﴾
[لقمان: ١٧].
فالمؤمن الحقيقي يتخذ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر أساسًا ومنهجًا له بضوابط
وأصول الشرع.
٢-٣. الصدقة والإصلاح بين
الناس.
(١) صفوة التفاسير، الصابوني ١/ ٥٠٩.
قال الحق سبحانه وتعالى: ﴿لَاخَيْرَ فِی
كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ
مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَحِ بَيِّنَ النَّاسِ﴾ [النساء:
١١٤].
فقوله تعالى: ﴿لَّ خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِّن
نَّجْوَئُهُمْ﴾ قيل المراد بهم: قوم طعمة،
وقال مجاهد: الآية عامة في حق جميع
الناس، والنجوى: هي الإسرار في التدبير،
وقيل: النجوی ما ینفرد بتدبيره قوم سرًا كان
أو جهرًا، فمعنى الآية: لا خير في کثیر مما
يدبرونه بينهم، والله تعالى جعل النجوى
مظنة الإثم والشر غالبًا، فقال: ﴿يَأَيُّهَا
اَلَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَاتَنَجَُّمْ فَلاَ تَنَتَجَوْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَنِ
وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَوْ بِأَلِّ وَالنَّقْوَىّ وَأَّقُواْ اللّهَ
الَّذِىَّ إِلَيْهِ مُحْشَرُونَ﴾ [المجادلة: ٩].
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: إلا في نجوى
من أمر بصدقة، فالنجوى تكون فعلًا،
وقيل: هذا استثناء منقطع، يعني: لكن من
أمر بصدقة، وقيل: النجوى ها هنا الرجال
المتناجون، كما قال الله تعالى:
تَجْوَى﴾ [الإسراء: ٤٧].
﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ أي: حث عليها
﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ أي: بطاعة الله وما يعرفه
الشرع، وأعمال البر كلها معروف؛ لأن
العقول تعرفها.
فينبغي لمن يقدر على إسداء المعروف
أن یعجله حذار فواته، ویبادر به خيفة عجزه؛
www. modoee.com
٩٩

حرف الألف
وليعلم أنه من فرض زمانه، وغنائم إمكانه، أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة
والصلاة؟) قال: قلنا: بلى، قال: (إصلاح
ولا يهمله ثقة بالقدرة علیه، فکم من واثق
بالقدرة، ففاتت، فأعقبت ندمًا.
ذات البين، وفسادذات البين هي الحالقة)(٢).
ويقول الإمام الرازي: وإنما ذكر الله هذه
الأقسام الثلاثة، وذلك لأن عمل الخير إما
أن يكون بإيصال المنفعة، أو بدفع المضرة،
أما إيصال الخير، فإما أن يكون من الخيرات
الجسمانية، وهو إعطاء المال، وإليه الإشارة
بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ وإما أن يكون
من الخيرات الروحانية، وهو عبارة عن
تكميل القوة النظرية بالعلوم، أو تكميل
القوة العملية بالأفعال الحسنة، ومجموعهما
عبارة عن الأمر بالمعروف، وإليه الإشارة
بقوله: ﴿أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ وأما إزالة الضرر،
فإليها الإشارة بقوله: ﴿أَوْ إِصْلَحِ بَيْنَ
النَّاسِ﴾ فثبت أن مجامع الخيرات مذكورة
في هذه الآية(١).
فلقد حض القرآن على الإصلاح بين
الناس سواء أكانوا جماعات أم أفرادًا؛
لأن التخاصم والتنازع يؤدي إلى انتشار
العداوات والمفاسد بين الناس، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُنْ
وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ٢١].
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٨٦/٢، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢١٨/١١.
٤. ثمرة الشورى.
﴿وَالَّذِينَ أَسْتَجَابُوْ لِرَيْهِمْ وَأَقَامُوا
قال:
الصَّلَوَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْتَهُمْ يُنفِقُونَ﴾
[الشورى: ٣٨].
يقول الإمام ابن عاشور: ((فإذ قد كانت
الشورى مفضية إلى الرشد والصواب، وكان
من أفضل آثارها أن اهتدى بسببها الأنصار
إلى الإسلام؛ أثنى الله بها على الإطلاق
دون تقیید بالشورى الخاصة التي تشاور بها
الأنصار في الإيمان، وأي أمر أعظم من أمر
الإيمان))(٣).
فمن ثمرة أمرهم بالشورى: أنه لا يستبد
أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة
بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعًا عن اجتماعهم
وتوالفهم وتواددهم وتحابيهم، وكمال
عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرًا من الأمور التي
تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها اجتمعوا
لها، وتشاوروا، وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت
(٢) أخرجه أحمد ٤٥/ ٥٠٠، رقم ٢٧٥٠٨، و أبو
داود في سننه، كتاب الأدب، باب في إصلاح
ذات البين، ٤ /٢٨٠، رقم ٤٩١٩، والترمذي
في سننه، أبواب صفة القيامة، باب سوء ذات
البین، ٤ / ٢٤٤، رقم ٢٥٠٩، وصححه.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٥٠٦/١، رقم ٢٥٩٥.
(٣) التحرير والتنوير ٢٥/ ١١٢.
١٠٠
مُوَسوبر السيد
القرآن الكريم