Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الأمثال عناصر الموضوع مفهوم الأمثال ٨ الأمثال في الاستعمال القرآني ٩ الألفاظ ذات الصلة ١٠ ١٢ أنواع الامثال ٢٢ ميادين ضرب الأمثال ٣٧ مقاصد ضرب المثل ٤٦ آثار ضرب الأمثال المُجَلَّدَ الخَامِسْ حرف الألف مفهوم الأمثال أولًا: المعنى اللغوي: (مثل): الميم والثاء واللام: أصلٌ صحيحٌ يدل على مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا: أي نظيره وشبيهه، والمثل: الشيء الذي يضرب لشيء مثلًا، فيجعل مثله، ويطلق على الصفة والعبرة والآية والأنموذج الذي يحتذى به(١). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: عرف الراغب الأصفهاني المثل بقوله: ((والمثل عبارة عن قول في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهة؛ ليبين أحدهما الآخر ويصوره))(٢). ونلاحظ مما سبق أن هناك ارتباطًا بين المعنى اللغوي والاصطلاحي في كون المثل يضرب في المشابهة في القول، ولكنه يتضمن معانٍ أخرى كالصفة والعبرة والآية. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١١/ ٦١٠. (٢) المفردات، ص ٧٥٩. ٨ جَوَسُوبَةُ النَّقِين القرآن الكريم الأمثال الأمثال في الاستعمال القرآني وردت مادة (مثل) في القرآن (١٦٧) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ١ أَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن ◌ِبْتُمْ إِلَّا ٢ ﴾ [طه: ١٠٤] ١٠٤) يَوْمَّاء صفة مشبهة ٧٥ إِذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الْرِّبَواْ﴾ [البقرة: ٢٧٥] اسم بمعنى الصفة ٨٨ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَّ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾﴾[آل عمران: ٥٩] اسم على وزن فعلات ١ ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ اَلْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَتُ ﴾ [الرعد: ٦] وجاءت الأمثال في القرآن على أربعة أوجه (٢): أحدها: السنن، ومنه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤]. يعني سنن الذين خلوا من قبلكم. الثاني: العبرة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ ﴾[الزخرف: ٥٦]. يعني: عبرة لمن بعدهم. الثالث: الصفة والشبه، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ﴾ [الفتح: ٢٩]. يعني: صفتهم. الرابع: العقوبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلَثُ﴾ [الرعد: ٦]. يعني: العقوبات. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٦٥٩- ٦٦١. (٢) انظر: الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٤١٥ - ٤١٦. www. modoee.com ١٩ ﴿فَأَتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِمَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَارُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرَا سَوِبًا ﴾ [مريم: ١٧] اسم التفضيل حرف الألف الألفاظ ذات الصلة ١ المثل : المِثْل لغة: فالمَثَل والمِثْل يدلان على معنى واحد، وهو كون شيء نظيرًا للشيء، وفي القاموس: ((المثل -بالكسر والتحريك - الشبه))(١). المثل اصطلاحًا: عرفه الإمام السيوطي بقوله: ((المساوي من كل وجه)) (٢). الصلة بين المَثَلِ المِثْل: المثل في دلالته اللغوية الأصلية يعني (المشابهة) بين شيء وشيء، ولكن لفظ (المثل) أوسع من لفظ (التشبيه) يقول الراغب الأصبهاني: ((المثل عبارة عن المشابهة لغيره في معنى من المعاني، أي معنىّ كان، وهو أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة)»(٣)، يعني أنه أعم من (المثل). الشبيه: ٢ الشبيه لغة: قال ابن منظور: ((الشبه والشبه والشبيه: المثل، والجمع أشباه، وأشبه الشيء الشيء: ماثله»(٤). الشبيه اصطلاحًا: قال محمد الغزي الشافعي: ((هو عبارة عن محاولة الإنسان أن يكون شبه المتشبه به، وعلی هیئته وحليته ونعته وصفته»(٥). الصلة بين المثل والشبيه: المثل أعم من الشبيه؛ لأن المثل ما تكافأ في الذات، أما الشبيه لا يستعمل إلا في المتجانسين، فالشبيه يأخذ بعض صفات الذات، أما المثل فيأخذ كل الصفات (٦). (١) القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ٤ / ٤٩. (٢) الحاوي للفتاوى، ٣/ ٤١٠. (٣) المفردات، ص٤٦٢. (٤) لسان العرب، ١٣ / ٥٠٣. (٥) الأعياد وأثرها على المسلمين، ص ٩٩. (٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص ١٥٣. مُوسُو ◌َة النفسية القرآن الكريم ١٠ الأمثال النظير: ٣ النظير لغة: المماثل والشبيه، يقال: فلان نظير فلان إذا كان مثله، وشبيهه (نظير) الشيء مثله (١). النظير اصطلاحًا: ما قابل نظيره في جنس أفعاله وهو متمكن منها (٢). الصلة بين المثل والنظير: المثل ما تكافأ في الذات على ما ذكرنا، والنظير ما قابل نظيره في جنس أفعاله وهو متمکن منها؛ کالنحوي نظیر النحوي وإن لم یکن له مثل كلامه في النحو أو کتبه فيه، ولا يقال: النحوي مثل النحوي؛ لأن التماثل يكون حقيقة في أخص الأوصاف، وهو الذات (٣). (١) انظر: مختار الصحاح، ص ٣١٣. (٢) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٤٨٠. (٣) انظر: المصدر السابق، ص ١٥٥. www. modoee.com حرف الألف أنواع الأمثال يعتمد المثل القرآني في بنيته الأسلوبية على لفظ (المثل) مفردًا أو مجموعًا، وهذا هو الشائع في صياغته. وقد يقدر تقديرًا، ويدل عليه حرف العطف، كقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآءِ ﴾ [البقرة: ١٩]. وقد يفهم من السياق، كقوله تعالى: ﴿وَأَلْبَلَدُ الطَّيْبُ يَخْرُجُ نَّبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَالَّذِى خَبُثَ لَا يَخْرُإِلَّا نَكِدًا﴾ [الأعراف: ٥٨]. وقد توسع الزرکشي في تقسیماته للمثل القرآني، فعد كل تشبيه في القرآن كقوله: ﴿كَمْثَلِ اَللَُّلُِّ الْمَكْتُونِ﴾ [الواقعة: ٢٣]، من قبيل الأمثال، فعنده (الأمثال الصريحة) المعتمدة على لفظ (المثل)، و(الأمثال الكامنة) التي تفهم من السياق من غير تصريح بلفظ (المثل). والأمثال الواردة في القران الكريم على أنواع، هي: الأمثال الحسية، والأمثال المعنوية، والأمثال الافتراضية العقلية. وتفصيلها فيما يأتي: أولًا: الأمثال الحسية: ضرب الله تعالى في القرآن الكريم الكثير من الأمثال الحسية التي تقرب المراد للعقل وتصوره بصورة المحسوس، يقول البيضاوي: ((فإن التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعنى الممثل له ورفع الحجاب عنه، وإبرازه في صورة المشاهد المحسوس؛ لیساعد فيه الوهم العقل ويصالحه عليه، فإن المعنى الصرف إنما يدركه العقل مع منازعة من الوهم؛ لأن من طبعه الميل إلى الحس وحب المحاكاة)»(١). وقال أبو السعود: ((فإن التمثيل ليس إلا إبراز المعنى المقصود في معرض الأمر المشهور، وتحلية المعقول بحلية المحسوس، وتصوير أوابد المعاني بهيئة المأنوس؛ لاستمالة الوهم، واستنزاله عن معارضته للعقل، واستعصائه عليه في إدراك الحقائق الخفية، وفهم الدقائق الأبية؛ کي يتابعه فیما يقتضيه، ويشایعه إلى ما لا يرتضيه؛ ولذلك شاعت الأمثال في الكتب الإلهية، والكلمات النبوية، وذاعت في عبارات البلغاء، وإشارات الحكماء ... ، فالتمثيل ألطف ذريعة إلى تسخير الوهم للعقل، واستنزاله من مقام الاستعصاء عليه، وأقوى وسيلة إلى تفهيم الجاهل الغبي، وقمع سورة الجامح الأبي، كيف لا وهو (١) أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٥٤/١. جَوَسُوع القرآن الكريم ١٢ الأمثال رفع الحجاب عن وجوه المعقولات الخفية، وإبرازه لها في معرض المحسوسات الجلية، وإبداء للمنكر في صورة المعروف، وإظهار الوحشي في هيئة المألوف)) (١). والمقصود أن في القرآن الكريم آيات كثيرة جاء التمثيل فيها بالأشياء الحسية؛ لإبراز المعاني المعقولة الخفية، وجعلها كالمشاهد المحسوس، ومن ذلك: ما ضربه الله مثلًا لحال المنفق رياء، حيث لا يحصل من إنفاقه على شيء من الثواب، قال تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ، كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ، وَابِلٌ فَتَكَهُ صَدْدًّا لَّاَ يَقْدِرُونَ عَلَى شَىْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٦٤]. ففي هذا الآية ضرب الله مثلا للمنفق رياءً والمتمسكون بها، بالماء الذي ينزل من بالصفوان، وهو شيء حسي، فالصفوان: اسم جنس جمعي، واحده: صفوانة، وهو الحجر الكبير الأملس .. ، و(الوابل): المطر الشديد، و(الصلد): هو الشيء الأجرد النقي من التراب الذي كان عليه. والمعنى: يا أيها المؤمنون لا تبطلوا (١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ١/ ٧٢. ولكن عليه قليل من التراب الموهم للناظر إليه أنه منتج، فنزل المطر الشديد، فأزال ما علیه من تراب، فانكشفت حقيقته، وتبین للناظر إليه أنه حجر أملس صلد، لا يصلح لإنبات أي شيء عليه(٢). ومن ذلك: ما ضربه الله مثلًا لحال الدنيا بالماء الذي ينزل من السماء -وهو شيء حسي-، فيختلط به نبات الأرض، فيصبح هشيمًا تذروه الرياح، فقال: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُ مَّثَلَ اْحَيَوَةِ الدُّنْيَا كَمَاءِ أَنْزَلْنَهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ، نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا نَدْرُوهُ الرَّحُ وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ مُقْنَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. يصور الله تعالى زوال الدنيا ونعيمها، وعدم خلودها كي لا يغتر بها المغترون السماء فيختلط بنبات الأرض فتنسفه الرياح و تطیره، وهذا مثل علی أن الدنیا زائلة، مثلما يزول النبات والمطر وغيرهما من مخلوقات الله في الأرض، مما لا يدع مجالًا للاغترار بشيء یزول بعد حین. ويشبه هذا المثل قوله تعالى في مثل صدقاتكم بالمن والأذى فيكون مثلكم كمثل آخر: ﴿أَعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَّوٌ المنافق الذي ينفق ماله من أجل الرياء، لا وَزِينَةٌ وَتَفَاخٌُ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَقَرَنُهُ من أجل رضا الله، وإن مثل هذا المنافق في انكشاف أمره، وعدم انتفاعه بما ينفقه رياء وحبًا للظهور مثل حجر أملس لا ینبت شيئًا، مُصْفَرًّا ثُمَ يَكُونُ حُطَمَاً وَفِ الْآَخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اَللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَّوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا (٢) التفسير الوسيط، طنطاوي ١ / ٦٠٨. www. modoee.com ١٣ حرف الألف [الحديد: ٢٠]. مَتَعُ الْغُرُورِ ٥ ما ضربه الله مثلًا لحال المؤمنين وتشبههم بالزرع - وهو شيء حسي - الذي يعجب الزراع؛ ليغيظ بهم الكفار، فقال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِ اَلْإِنجِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ سَطْتَهُ، فَزَرَهُ. فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزَُّّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. فهذا المثل المضروب لهم، يهدف إلى الثناء عليهم ومدحهم، فكان التركيز فيه على صفاتهم الحسية والمعنوية، من صفات العبادة، والسجود البارزة في قسمات الوجه والنواصي، وصفات الخير المجسدة في سلوكهم وأفعالهم، ثم جاء مثلهم في الإنجيل معتمدًا على تشبيههم بالزرع النامي الملتف؛ لإبراز التفافهم حول الرسول صلی الله عليه وسلم، ومؤازرتهم له حتى قوي الإسلام، واشتد عوده، وتكاثرت الأمة، ونمت في کیانٍ موحد، کالزرع الذي أخرج شطأه فنمت أعواده الصغيرة على جانبيه، فتکاثرت وتآزرت حتى قوي الزرع، واستوى قائمًا شديدًا، وصورة هذا الزرع في مراحل نموه تشبه صورة المؤمنین، ومراحل نموهم من الضعف إلى القوة، ومن القلة إلى الكثرة حتى قوي وجوده واشتد متحدیًا العواصف والرياح، وهذا الوجود يعجب الزراع الذين أسهموا في نموه وحراسته، ويغيظ الكفار الذين لا يريدون للإسلام هذا الوجود القوي(١). وبعد بناء صورة هذا المثل، واستعراض عناصره، واستحضار صورة الممثل له في الذهن، جاء التعقيب بقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِم الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]. فكأن هذا التعقيب بيانٌ للغرض من التمثيل، وهذه هي الطريقة الأسلوبية المتبعة في الأمثال القرآنية، فبعد تصوير المثل بشكل تفصيلى، يعود التعبير من جديد إلى الممثل له ویتابع الكلام عنه. ما ضربه الله من مثل حسي لحال اليهود الذين كلفوا العمل بالتوراة ثم لم يعملوا بها، کشبه الحمار الذي يحمل کتبًا لا يدري ما فيها، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُواْ النَّوْرَينَةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَتِ اللَّهِ وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٥]. فضرب الله لهؤلاء مثلاً بحال حمار يحمل أسفارًا لا حظ له منها إلا الحمل دون علم ولا فهم؛ ذلك أن علماء اليهود أدخلوا في التوراة ما صيرها مخلوطًا بأخطاء وضلالات، ومتبعًا فيه هوی نفوسهم، وما لا یعدو نفعهم الدنیوي، ولم یتخلقوا بما تحتوي عليه من الهدى والدعاء إلى تزكية النفس، وقد كتموا ما في كتبهم من العهد (١) البنية الأسلوبية للأمثال القرآنية، عبد السلام الراغب ص٧. مُوسُو ◌َهُ الَّهـ القرآن الكريم ١٤ الأمثال باتباع النبي الذي يأتي لتخليصهم من ربقة إلى الإسلام بضيق الصدر الذي يحصل الضلال، فهذا وجه ارتباط هذه الآية بالآيات للمتسلق إلى الأعلى في الجبال؛ إذ تتناقص كمية الأكسجين اللازمة والكافية للتنفس، فضيق صدر المتسلق يكاد يخنقه، كذلك الكافر الذي تحجزه أهواؤه وبدعه و کفره عن انشراح صدره. التي قبلها، وبذلك كانت هي كالتتمة لما قبلها. قال في الكشاف عن بعضهم: «افتخر اليهود بأنهم أهل کتاب، والعرب لا کتاب لهم، فأبطل الله ذلك بشبههم بالحمار يحمل أسفارًا(١). «وهذا التمثيل مقصود منه تشنيع حالهم، وهو من تشبيه المعقول بالمحسوس المتعارف؛ ولذلك ذیل بذم حالهم: ﴿بئْس مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِعَايَتِ اَللَّهِ﴾ [الجمعة: ٥]. و(بئس) فعل ذم، أي: ساء حال الذين کذبوا بکتاب الله، فهم قد ضموا إلى جهلهم بمعاني التوراة تكذيبًا بآيات الله، وهي القرآن»(٢). ثانيًا: الأمثال المعنوية: الأمثال المعنوية هي الأمثال التي تتعلق بالأمور المعنوية، أو الغيبية، ومن أمثلتها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ. يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَمِّ وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَغَدُ فيِ السَّمَدْ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]. يمثل الله ضيق الصدر -وهو أمر معنوي- الذي یصیب الكفار حینما يدعون (١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٧ / ٥٩. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١٤/٢٨. ومن الأمثال المعنوية قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْئًا فَأَحْيَيْنَهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِى بِهِ، فِى النَّاسِ كَمَنْ مَّثَلُهُ فِ اَلْقُلُمَتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فالمثل في هذه الآية معنوي، وفيه تمثیل حال من أسلم وتخلص من الشرك بحال من کان ميتًا فأحيي، وتمثيل حال من هو باقٍ في الشرك بحال ميت باقٍ في قبره، ولقد جاء التشبيه بديعًا؛ إذ جعل حال المسلم بعد أن صار إلى الإسلام بحال من كان عدیم الخير عديم الإفادة كالميت، فإن الشرك يحول دون التمييز بين الحق والباطل، ويصرف صاحبه عن السعي إلى ما فيه خيره ونجاته، وهو في ظلمة لو أفاق لم يعرف أين ينصرف؟ فإذا هداه الله إلى الإسلام تغير حاله، فصار يميز بين الحق والباطل، ويعلم الصالح من الفاسد، فصار كالحي، وصار یسعی إلی ما فيه الصلاح، ویتنکب عن سبيل الفساد، فصار في نور يمشي به في الناس، وقد تبين بهذا التمثيل تفضيل أهل استقامة www. modoee.com ١٥ حرف الألف العقول على أضدادهم(١). ومن الأمثال المعنوية أيضًا: قوله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَآءِ فَتَخْطِفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِى بِهِ الْرِيِحُ فِ مَكَانٍ سَحِقٍ﴾ [الحج: ٣١]. فالشرك بالله أمر معنوي، والمشرك عندما يقترف شركه يسقط من المرتبة العالية التي وضعها الله للمؤمنين، فيعيش هذا المشرك في اضطراب وقلق وعدم طمأنينة، فيمثل الله لهذه الحالة بمن يخر من السماء فتخطفه الطير، وهو تصوير لحالة التمزق النفسي الذي يعتري المشرك، الذي هو أشبه بحال من يقع من السماء، فتخطفه الطير، أو تهوي الريح به في مکان سحيق، وهي کنایة عن أن المؤمن يرفعه إيمانه إلى المكانة العالية في الجنة، بدل قعر جهنم السحيق المعد للكافرين. والمقصود أن القرآن قد يستخدم بعض العناصر غير الحسية التي لا توجد في بيئة الإنسان المخاطب أو الممثلات المعنوية المعروفة لدى الناس، لكنها لا تدرك بالحواس الخمس، وإنما بالشعور والوجدان، وهي في القرآن قليلة جدًا، ومنها ضرب المثل بالشيطان أو بصفاته، وقد تقرر في عقل كل إنسان بشاعة الشيطان ومظهره وصفاته؛ لذا فضرب المثل به، وإن كان لا يدرك بالحواس إلا أنه مما يمكن تخيل بشاعته، وهذا هو المراد، كما قال الله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْقَالَ لِلْإِسَنِ أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِى بَرِىٌّ مِّنْكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهُ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦]. ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ وكقوله تعالى: فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ ® طَلْعُهَا كَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤ - ٦٥]. وكقوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَفَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٧]. ثالثًا: الأمثال الافتراضية: ضرب الله العديد من الأمثلة الافتراضية -التقديرية- التي لم تقع، وإنما هي أمثلة افتراضية؛ لقصد التوضيح والتقريب، والغرض منها تقريب المراد للعقل، وتصويره بصورة المحسوس؛ ليحصل بها التذكر والاتعاظ. ومن هذه الأمثال الافتراضية: ١. ما ضربه الله مثلًا للمشرك والموحد. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَكَ رَّجُلًا فِيهِ شُرَّكَآءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمَّا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً اٌلْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. حيث ضرب الله هذا المثل الافتراضي؛ لبيان حال من يشرك بالله ومن يوحده، فشبه المشرك بمملوك بين جماعة من الشركاء، (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٥/٨. مُوسُو ◌َةُ الْبَقِيَة القرآن الكريم ١٦ الأمثال يتنازعون فيه، والمملوك بينهم في أسوأ حال، وشبه من يوحد الله بمملوك لرجل أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ﴾ [يوسف: ٣٩]. واحد(١). و(الشكس): السيئ الخلق، يقال: شركاء متشاكسون، أي: متشاجرون لشكاسة خلقهم، و(سلمًا) أي: خالصًا لا يملكه إلا شخص واحد ولا يخدم إلا إياه، وهذه الآية تمثل حالة الكافر والمؤمن، فهناك مشبه ومشبه به، أما المشبه به فهو عبارة عن عبد مملوك له شرکاء سیٹو الخلق، متنازعون فیه، فواحد یأمره، وآخر ینهاه، و کل يريد أن يتفرد بخدمته، في مقابل عبد مملوك لرجل يطيعه ويخدمه، ولا يشرك في خدمته شخصًا آخر، فهذان المملو کان لا يستويان. وأما المشبه فحال الكافر هو حال المملوك الذي فيه شرکاء متشاکسون، فهو يعبد آلهة مختلفة لکلٍ أمره ونهيه وخدمته، ولا يمكن الجمع بين الآراء والأهواء المختلفة بخلاف المؤمن، فإنه یأتمر بأمر الخالق الحكيم القادر الكريم. وهذا المثل وإن كان مثلًا واضحًا مفهومًا لعامة الناس، ولکن له معنی لا یقف علیه إلا أهل التدبر في القرآن، فهو سبحانه بصدد البرهنة على توحيده الذي أشار إليه في قوله: لَوْ كَانَ فِهِمَآ ءَاِهَةُ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا فَسُبْحَنَ اَللَّهِ رَبِّالْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٢]. (١) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٤٦٨/٢. وقال سبحانه: ﴿وَأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرُّ والمراد من المثل: تصوير استراحة الموحد وانجماعه على معبوده، وتعب المشرك وتشتيت باله، وخصوصًا مع فرض التعاكس من الشركاء، فيصير متحيرًا، وفي عنتٍ کبیر من الجمع بین أغراضهم، بل ربما يتعذر ذلك ويستحيل للتضاد في الأغراض والتناقض، مع فرض التخالف والتنازع بينهم، واعتبر ذلك بحال الوالدين، إذا اختلفا على الولد فإنه يعسر إرضاؤهما إلا بمشقة واحتيال، وكذلك عابد الأوثان فإنه معذب الفكر بها، وبحراسة حاله منها، ومتى توهم أنه أرضی واحدًا في زعمه تفكر فيما یصنع مع الآخر، فهو أبدًا في تعب وضلال، وكذلك هو المصانع للناس، الممتحن بخدمة الملوك(٢). وجعل الممثل به حالة رجل ليس للاحتراز عن امرأة أو طفل، ولكن لأن الرجل هو الذي يسبق إلى أذهان الناس في المخاطبات والحكايات؛ ولأن ما يراد من الرجال من الأعمال أكثر مما يراد من المرأة والصبي؛ ولأن الرجل أشد شعورًا بما هو فيه من الدعة أو الكد، وأما المرأة والصبي فقد يغفلان ويلهيان (٣) (٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٣١٦/٥. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤٠١/٢٣. www. modoee.com ١٧ حرف الألف ويتضح من هذا حال المشرك في تقسم عقله بين آلهة كثيرين، فهو في حيرة وشك من رضا بعضهم عنه، وغضب بعض، وفي تردد عبادته إن أرضى بها أحد آلهته لعله یغضب بها ضده، فرغباتهم مختلفة، وبعض القبائل أولى ببعض الأصنام من بعض، ويقابله تمثيل حال المسلم الموحد يقوم بما کلفه ربه، عارفًا بمرضاته، مؤملا رضاه وجزاءه، مستقر البال بحال العبد المملوك الخالص لمالك واحد، قد عرف مراد مولاه، وعلم ما أوجبه علیه، ففهمه واحد، وقلبه مجتمع، وكذلك الحال في كل متبع حق ومتبع باطل، فإن الحق هو الموافق لما في الوجود والواقع والباطل، مخالف لما في الواقع فمتبع الحق لا يعترضه ما یشوش عليه باله، ولا ما يثقل عليه أعماله، ومتبع الباطل يتعثر به في مزالق الخطى، ويتخبط في أعماله بين تناقص وخطأ(١). وهذا يعد من أبلغ الأمثال، فإن الخالص لمالك واحد يستحق من معونته وإحسانه والتفاته إليه، وقيامه بمصالحه، ما يستحق صاحب الشركاء المتشاكسين (٢). (١) المصدر السابق ٢٣/ ٤٠٢. (٢) التفسير القيم، ابن القيم ٢ / ١١٠. ٢. ما ضربه الله مثلًا له سبحانه ولمن يعبد من دونه. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَعْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَمَن زَزَقْنَهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًّا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْرًاً هَلْ يَسْتَوُنَ اَلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعَلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]. ففى هذه الآية ضرب الله تعالى مثلين افتراضیین له ولمن یعبد من دونه، أحدهما عبد مملوك، أي: رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئًا، والثاني: حرِّ غنيٌ، قد رزقه الله منه رزقا حسنا، من جميع أصناف المال، وهو کریم، محب للإحسان، فهو ينفق منه سرا وجهرًا، هل يستوي هذا وذاك؟! لا يستويان مع أنهما مخلوقان غیر محال استواؤهما، فإذا کانا لا يستويان فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء؟! (٣). فيكون المثل في الآية: مضروبًا لله سبحانه وللأوثان، فالله سبحانه هو المالك لكل شيء، ینفق کیف یشاء على عبيده سرًا وجهرًا، وليلا ونهارًا، يمينه ملأی لا یغیضها نفقة، سحاء الليل والنهار، والأوثان مملوكة (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٤٤. ١٨ مَوَسُوبَةُ النَّسيد الْقُرآن الكَرِيْمِ الأمثال عاجزة، لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، شركاء لي، ويعبدونها من دوني، مع هذا فيحكيه قولًا(١). التفاوت العظيم، والفرق المبين. وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده، ثم رزقه منه رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه علی نفسه، وعلى غيره سرًا وجھرًا، والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء؛ لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟! والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ ) فَلَا تَضْرِبُواْلِلَّهِ اْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [النحل: ٧٣ - ٧٤]. ثم قال: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]. یکون المؤمن الموحد کمن رزقه منه رزقًا حسناً، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا ما نبه عليه المثل، وأرشد إلیه، فذكره ابن عباس منبهًا علی إرادته، لا أن الآية اختصت به فتأمله، فإنك تجده کثیرًا في کلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظان أن ووصف ﴿عَبْدًا﴾ هنا بقوله: ﴿مَّمْلُوكَا﴾ تأكيد للمعنى المقصود، وإشعارًا لما في لفظ عبد من معنى المملوكية المقتضية أنه لا يتصرف في عمله تصرف الحرية، وجملة: ﴿لَّا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ صفة ﴿عَبْدًا﴾ أي: عاجزًا عن كل ما يقدر عليه الناس، كأن یکون أعمی وزمنًا وأصم، بحيث يكون أقل العبيد فائدة (٢). والثاني وصف بالرزق الحسن، فهو ينفق منه سرًا وجهرًا، أي: كيف شاء، وهذا من تصرفات الأحرار؛ لأن العبيد لا يملكون رزقًا في عرف العرب. ﴿سِرَّاً وَجَهْرًا﴾ حالان من ضمير ﴿يَعْلَمُونَ﴾، وهما مصدران مؤولان بالصفة، أي: مسرًا وجاهرًا بإنفاقه، والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق كناية عن استقلال التصرف، وعدم الوقاية من ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن مانع إياه عن الإنفاق، وهذا مثل لغنى الله تعالى وجوده على الناس، وجملة ﴿هَلّ يَسْتَوُونَ﴾ بيان لجملة ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ فبين غرض التشبيه بأن المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين؛ ليستدل به على عدم مساواة أصحاب الحالة الأولى لصاحب (١) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ١٥/٢. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٢٤/١٤. www. modoee.com ١٩ حرف الألف الصفة المشبهة بالحالة الثانية، والاستفهام مستعمل في الإنكار، والمقصود من هذه الجملة أنه تبين من المثل اختصاص الله بالإنعام، فوجب أن يختص بالشكر، وأن أصنامهم لا تستحق أن تشکر (١). ثم ضرب مثلاً آخر لنفسه الكريمة والأصنام، فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا زَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبُّكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنْهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلٌّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]. وهذا مثال افتراضي ضربه الله تعالى لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل: للكافر والمؤمن، والأصوب: کون المثلين معًا في الله مع الأصنام؛ لتكون الآية من معنى ما قبلها، وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام، كذا قال ابن عجيبة (٢). وتقريره: أنه لما تقرر في العقول أن الأبكم العاجز لا يساوي في الفضل والشرف الناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشریة، فلأن يحكم بأن الجماد لا يكون مساويًا لرب العالمين في المعبودية أولى (٣). فالأصنام التي لا تسمع ولا تنطق ولا تعقل هي کلٌ علی عابدها، یحتاج الصنم إلى (١) انظر: التحرير والتنوير ٢٢٥/١٤. (٢) انظر: البحر المديد ٣ / ٢٨٦. (٣) اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٠/ ١٦٨. أن يحمله عابده، ويضعه ويقيمه ویخدمه، فكيف يسوونه في العادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد، وهو قادر متكلم غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهدّى، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم یذکر کثیر من المفسرين غيره، ومن ذكر غيره قدمه على الأقوال، ثم حكاها بعده، كما فعل البغوي، فإنه جزم به، وجعله تفسير الآية. وقيل: إن المثل مضروب لمعبود الكفار، ومعبود الأبرار، والقولان متلازمان، فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مراد من الآية، وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر (٤). وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء، ثم فصل في آخر الكلام، مع ذكر عدم التسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز؛ إذ حذف من صدر التمثيل ذكر الرجل الثاني؛ للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفنًا في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقه الذي في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اَللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل: ٧٥]. ومثل هذا التفنن من مقاصد البلغاء كراهية التكرير؛ لأن تكرير الأسلوب بمنزلة (٤) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ١٦. جَوُوبَةُ النَّقِبُ القرآن الكريمِ ٢٠ الأمثال تكرير الألفاظ (١). وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين؛ لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله تعالى الخلاق العليم، الرزاق الكريم، وبين تلك المعبودات الباطلة التي أشركها الضالون في العبادة مع الله عز وجل. والمقصود من قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطِ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] أن الرب سبحانه على صراط مستقيم، وذلك بمنزلة قوله: ﴿قَيِمًا بِاَلْقِسْطِ﴾ [آل عمران: ١٨]. فإن الاستقامة والاعتدال متلازمان، فمن کان قوله وعمله بالقسط كان مستقيمًا، ومن كان قوله وعمله مستقيمًا كان قائمًا بالقسط (٢). ومن الأمثال القرآنية ما هو مختلف فيها هل هي حقيقية أم افتراضية؟ ومنها: قوله تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمْ مَّثَلًا تَّجْلَيْنٍ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنََّيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَفْتَهَا يِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا﴾﴾ [الكهف: ٣٢]. يقول الشيخ ابن عثيمين في تفسير قصة (صاحب الجنتين) في سورة الكهف: ((إن هذا المثل الذي ضربه الله في هذه الآيات هل هو مثل حقيقي أو تقديري؟ يعني هل هذا الشيء واقع أو إنه شيء مقدر؟ والجواب: (١) التحرير والتنوير ٢٢٧/١٤. (٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية التفسير ٢/ ٤٩٥. من العلماء من قال: إنه مثل تقديري، كقوله تبارك وتعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلُّ عَلَى مَوْلَنُهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلٌّ وَهُوَ عَلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]. وكقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمَّا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًاً اٌلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. وما شابه ذلك، فيكون هذا مثلًا تقديريًا وليس واقعيًا، ولكن السياق وما فيه من المحاورة والأخذ والرد يدل على أنه مثل حقيقي واقع، فهما رجلان أحدهما أنعم الله عليه، والثاني لم يكن مثله))(٣). (٣) تفسير القرآن الكريم، ابن عثيمين ٦/ ٦٠. www. modoee.com ٢١ حرف الألف ميادين ضرب الأمثال تنوعت ميادين ضرب الأمثال في القرآن والتي منها: مجال العقيدة، ومجال الأعمال، ومجال الأخلاق، وهذا ما سنبينه فيما يأتي: أولًا: ميدان العقيدة: من المجالات المهمة التي تناولتها الأمثال القرآنية مجال العقيدة؛ فقد كانت أمور العقيدة والإيمان والغيبيات التي مثل الله لها في القرآن صعبة الإدراك على الجاهليين، بل كان كثير من المسلمين الأوائل يستصعبون إدراك تلك العقائد؛ لانغماس معظمهم -قبل إسلامهم- في عبادات مادية محسوسة، تمثلت في عبادة الأصنام والأوثان من صخور وخشب وغيرها مما يدركونه بحواسهم؛ فلذلك كانوا بحاجة إلى أمثال تبين لهم المعتقدات البعيدة عن حيز إدراكهم الحسي، كالإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر ونعيم الجنة وعذاب النار؛ لذا كانت أغلب الأمثال القرآنية في العقائد والغيبيات، فالأمثال تلعب دورًا مهمًا في تحويل الغيبيات إلى مشاهد حاضرة أمام العيان، حتى لا يشرد الخيال بعيدًا في إدراك الحقائق كما هي، وكما يقال: بالمثال يتضح المقال، ومعلوم أن كلام الله واضح، ولكن سياق المثل يستثير في الإنسان نوعًا من التفكر وتدبر العبرة والعظة؛ لتغيير المسار الخاطئ، والاتجاه إلى الطريق الصحيح، وهذا كثير في القرآن الكريم. وأبرز الأمثلة على ضرب الأمثال في العقيدة: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَكَيَّفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ كَشَجَرَوْ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَّعُهَا فِى السَّمَآِ﴾ [إبراهيم: ٢٤]. هذا مثل ضربه الله لكلمة (الإيمان) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، فمثلها بالشجرة الطيبة، والشجرة الطيبة المقصود بها (المؤمن) ... ، فإنه كالشجرة من النخل، لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت، وصباح ومساء(١). فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي: شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة. .. ، والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن، فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًا، التي لا (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٩١. صَوْسُورَةُ النَّهـ القرآن الكريم ٢٢ الأمثال تزال تؤتي ثمرتها كل حين، وإذا تأملت وَاُلْعَمَلُ الصَّلِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠](١). هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة الصاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها فى القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها، فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله، ویشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفی تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالکة سبل ربه ذللا، غیر ناکبة عنها، ولا باغية سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلب سوی معبوده الحق بدلًا، فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلامًا كثيرًا طيبًا يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح إلى الكلم الطيب. كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الَّيِّبُ ومثل الله الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، فقال: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ أَجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴾ [إبراهيم: ٢٦]. فهذا مثل کفر الكافر، فإنه لا أصل له ولا ثبات، وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان (٢). والكلمة الخبيثة هي الكلمة التي تنبعث من خبث النفس أو ضلال الفكر والمعتقد، فهي على نقيض الكلمة الطيبة؛ لأنها لا تنبعث من إخلاص لله ولرسوله، ولا تكون طيبة في واقعها، ولا في نتائجها، وما يترتب عليها، وأوضحها الكذب. والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض، أي: أنها ليس لها جذور ممتدة في باطن الأرض، بل هي على السطح، كبعض أنواع النباتات، التي ليس لها جذر تغوص في أعماق الأرض. ولهذا قال: ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي: استقرار وثبات في باطن الأرض. ومما يدخل في الكلمة الخبيثة دخولًا أوليًا كلمة الشرك والضلال، وكل ما يؤذي الناس في عقيدتهم الصحيحة، وفي شريعة العدل، وفي حياتهم الطيبة، فهي كشجرة (١) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص٥٠٠. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٩٣/٤. www. modoee.com ٢٣ حرف الألف خبيثة لا قرار لها ولا ثمار ولا ظلال ولا وقت، والكلمة السيئة هي الشرك، والأعمال السيئة ثمارها. أغصان، سوى الشوك الذي يؤذي؛ ولذلك فهي سهلة الاجتثاث مثل الشرك والكفر والضلال، لا یثبت، ولا يستمر، ولا يستند إلى الحق، يتهاوى في أي لحظة، ولم يتوهم المشركون والضالون أنهم أقوياء، بينما كلمة التوحيد تخاطب العقل السليم، والنفس اليقظة، والوجدان الواعي، فلا يستطيع أحد مهما أوتى من قوة وسلطان أن يحرفها؛ لأنها الحق من عند الله. والمؤدى من هذا التشبيه أن الكلمة الخبيثة لا تدوم في الوجود، بل إنها تنتهي بانتهاء زمانها، كالسعاية والنميمة والكذب والخديعة والغيبة، ليس لها وجود إلا بمقدار زمانها، وقد تضر، لكن عاقبتها وخيمة، وطعامها موبئ، ولا تبقى إلا الكلمة الطيبة، وما یکون لله، وللحق وحده(١). وختم الله هذا المثل بقوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [إبراهيم: ٢٥]. أي: الأمور المتشابهة بین بعضها البعض، فيبين المعنوي بالحسي حتى يصير كأنه محسوس مرئي، ویبین الله سبحانه وتعالى ذلك البیان عسی أن یتذكروا ویعتبروا. والمقصود أن الكلمة الطيبة هي التوحيد وهو كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل ومن ضرب المثل القرآني في مجال العقيدة: أن الله تعالى ضرب مثلًا لنوره في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ مَثَلُ نُورِهِ، كَمِشْكَوْمٍ فِهَا مِصْبَاحٌ أَلْمِصْبَاحُ فِ نُجَاجَةِ الزُّجَاجَةُ كَنَّهَا كَوَّكَبُ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَقِ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسَّهُ نَارٌّ نُورٌ عَ نُورِّ يَهْدِى اللّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللّهُ الْأَمْثَلَ لِلنَّاسُِ وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [:٣٥]. والضمير في قوله: ﴿ثُورِهِ﴾ عائد إلى اسم الجلالة، أي: مثل نور الله، أو الدين الذي اختاره، أي: مثله في إنارة عقول المهتدين، فالكلام تمثيل لهيئة إرشاد الله المؤمنين بهيئة المصباح الذي حفت به وسائل قوة الإشراق، وإنما أوثر تشبيهه بالمصباح الموصوف بما معه من الصفات دون أن يشبه نوره بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل؛ لقصد إكمال مشابهة الهيئة المشبه بها بأنها حالة ظهور نور يبدو في خلال ظلمة، فتنقشع به تلك الظلمة في مساحة يراد تنويرها، ودون أن يشبه بهيئة بزوغ القمر في خلال ظلمة الأفق؛ لقصد إكمال المشابهة؛ لأن القمر يبدو ويغيب في بعض الليلة بخلاف المصباح الموصوف، وبعد هذا فلأن المقصود ذكر ما حف بالمصباح من (١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٤٠٢٠/٨. مَوَسُوبَةُ الْبَقِنَّة لِلْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٤ الأمثال الأدوات؛ ليتسنى كمال التمثيل بقبوله تفريق التشبيهات وذلك لا يتأتى في القمر. وقوله: ﴿كَمِشْكَوْمٌ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾[: ٣٥]. المقصود: كمصباح في مشكاة، وإنما لأن الضوء فيه أزهر؛ لأنه جسم شفاف، ﴿اَلُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوَّكَبْ دُرِىٌّ﴾ [: ٣٥]. قدم (المشكاة) في الذکر؛ لأن المشبه به هو مجموع الهيئة؛ فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدئ بقوله: ﴿كَمِشْكَوْ﴾ والمنتهي بقوله: ﴿وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾[:٣٥]. فلذلك کان دخول کاف الشبه على كلمة (مشكاة) دون لفظ (مصباح) لا يقتضي أصالة لفظ (مشكاة) في الهيئة المشبه بها دون لفظ (مصباح) بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني، في تصور هذه الهيئة لمتخيله حين يلمح الناظر إلى انبثاق ، ثم ينظر إلى مصدره، فیری مشکاة، ثم يبدو له مصباح في زجاجة (١). والمشكاة هي الكوة غير النافذة تكون في الحائط، ویکون المصباح فيها شدید الإضاءة، وقيل: المشكاة العمود الذي يكون المصباح على رأسه، والأول أصح وأشهر، والمعنى صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح على أعظم ما يتصوره البشر من الإضاءة والإنارة، وإنما شبه بالمشكاة -وإن كان نور الله أعظم-؛ لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار، (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٥/١٨. فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه (٢) وقوله: ﴿اُلْنِصْبَاُ فِ زُجَاجَةٍ﴾[: ٣٥]. المعنى أنه في قنديل من زجاج؛ شبه الزجاجة في إنارتها بکوکب دري؛ وذلك يحتمل معنيين: إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها، وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء؛ لصفائها ورقة جوهرها، وهذا أبلغ لاجتماع نورها مع نور المصباح. ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُّبَرَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [: ٣٥] المعنى: توقد من زيت شجرة مباركة، ووصفها بالبركة؛ لكثرة منافعها، أو لأنها تنبت في الأرض المباركة وهي الشام، ﴿لا شَرْفِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةِ﴾ [:٣٥]. قيل: يعني أنها بالشام، فليست من شرق الأرض ولا من غربها، وأجود الزيتون زيتون الشام، أو يكون المراد أنها منكشفة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصة للشرق، فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي غربية شرقية؛ لأن الشمس تستدير عليها من الشرق والغرب، أو المراد: أنها في وسط دوحة لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في جهة الغرب، أو أنها من شجرة الجنة، ولو كانت في الدنيا لكانت (٢) التسهيل لعلوم التنزيل، ابن جزي ٢٦٣/٢. www. modoee.com ٢٥ حرف الألف شرقية أو غربية. وقوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىّءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾[:٣٥]. مبالغة في وصف صفاته وحسنه ور عَلَى نُورٍ﴾[: ٣٥]. يعني: اجتماع نور المصباح وحسن الزجاجة وطيب الزيت، والمراد بذلك كمال الممثل به، وقوله: ﴿يَهْدِى اَللَّهُ لِنُورِهِ. مَن يَشَآءُ﴾[:٣٥]. أي: يوفق الله من يشاء لإصابة الحق(١). ومن ضرب الأمثلة القرآنية في مجال العقيدة: أن الله تعالى ضرب ببيت العنكبوت مثلًا لضعف آلهة الكفار ووهنها، وهو من أحسن الأمثال، وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده، فقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اَخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اَلْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١]. فهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتقوي والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا يقيها من الحر والبرد والآفات ﴿وَإِنَّ أَوَّهَنَ اَلْبُيُوتِ ﴾: أضعفها وأوهاها ﴿لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾، فالعنكبوت من (١) المصدر السابق ٢٦٤/٢. فَضْو مَوَسُولَة المصير القرآن الكريم الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، کذلك هؤلاء الذین یتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفًا إلى ضعفهم، ووهنا إلى وهنهم. فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل، فلو كانوا يعلمون -حقيقة العلم - حالهم، وحال من اتخذوهم لم يتخذوهم، ولتبرءوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله (٢). ومن أبلغ الأمثال التي تبين أن المشرك قد تشتت شمله واحتار في أمره: ما بينه تعالى بقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًّا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًاً اْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٢٩]. فهذا مثل ضربه الله تعالى للمشرك والموحد، فالمشرك لما كان يعبد آلهة شتى (٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٣١. ٢٦