Indexed OCR Text
Pages 21-36
الأمر وفي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَّكَ﴾ . قال ابن عاشور: «وهذا دعاء ببقاء دينهما في ذريتهما، ﴿ومن﴾ في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَآَ﴾؛ للتبعيض، وإنما سألا ذلك لبعض الذرية؛ جمعًا بين الحرص على حصول الفضيلة للذرية وبين الأدب في الدعاء؛ لأن نبوءة إبراهيم تقتضي علمه بأنه ستكون ذريته أممًا كثيرة، وأن حكمة الله في هذا العالم جرت على أنه لا يخلو من اشتماله على الأخيار والأشرار، فدعا الله بالممكن عادة، وهذا من أدب الدعاء))(٢). وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم (٣). و کل قوم نسبوا إلى نبي فأضیفوا إلیه فهم أمته، وكل جيل من الناس أمة على حدة (٤)، ويقال: إنه لم يدع نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهیم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته لهذه الأمة(٥). وفي قوله تعالى: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاً إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. قال البيضاوي: ((﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَا﴾ (١) أنوار التنزيل، ١ / ١٠٦. (٢) التحرير والتنوير، ٧٢٠/١. (٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ١/ ١٠٦. (٤) الوسيط، الواحدي ١/ ٢١١. (٥) النكت والعيون، للماوردي ١/ ١٩١. الإخلاص والإذعان، أو الثبات عليه))(١)، متعبداتنا في الحج، أو مذابحنا، والنسك في الأصل غاية العبادة، وشاع في الحج لما فيه من الكلفة والبعد عن العادة، ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآَ﴾ استتابة لذريتهما، أو عما فرط منهما سهوًا، ولعلهما قالا هضمًا لأنفسهما وإرشاد لذريتهما ﴿إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ لمن تاب))(٦). وفائدة تكرير النداء بقوله: ﴿رَبَّنَا﴾؛ إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هاته الدعوات مقصودة بالذات، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى، فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء(٧). وقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُنَّةٌ مُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ يدل على أن الإسلام والإيمان سواء؛ إذ لم يسألا إلا أعلى الرتب وأشرف المنازل، وهو الإيمان الذي هو الإسلام(٨). وقال الطبري في تأويل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيِهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ﴾ وهذه دعوة إبراهيم وإسماعيل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهي الدعوة التي كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى (٦) أنوار التنزيل، ١/ ١٠٦. (٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧١٩/١. (٨) الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ٤٤٤/١. www. modoee.com ٣٦٥ حرف الألف عيسى))(١) (٢). ﴿مِّنْهُمْ﴾؛ ليكونوا أسكن إليه وأسهل (٣) عليهمُ وقد أجاب الله دعاءهما وکون منهم أمة كانت خير الأمم، سادت العالم وملكت المشارق والمغارب ردحًا من الزمان، و کان فيها رجال حفظ لهم التاريخ صادق بلائهم، وعظيم سياستهم للشعوب التي انضوت تحت لوائهم، بما لم تجارهم فيه أرقی الأمم مدنية في عصرنا، عصر الرقي والحضارة (٤). ثانيًا: وسطية الأمة المحمدية: شرف الله تعالى هذه الأمة وفضلها بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم. قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ◌ِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، والوسط في كلام العرب: الخيار، يقال منه: فلان وسط الحسب في قومه، أي: متوسط الحسب، إذا أرادوا بذلك الرفع في حسبه، وهو وسط في قومه وواسط(٥). (١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٧٩/٢٨، رقم ١٧١٥٠. وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة، ١٠٢/٥، رقم ٢٠٨٥. (٢) جامع البيان، الطبري ٣/ ٨٢. (٣) انظر: لطائف الإشارات، القشيري ١/ ١٢٦. (٤) انظر: تفسير المراغي ٢١٨/١. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤١/٣. قال أبو نخيلة (٦): وطلبا في ذلك الموقف أن يكون الرسول هم وسط يرضى الأنام بحكمهم إذا طرقت إحدى الليالي بمعظم وللمفسرين في هذه الآية معان عدة نذكر منها على سبيل المثال ما يلي: قال الإمام الطبري رحمه الله: ((ومعنى الوسط في هذا الموضع هو الوسط الذي بمعنى الجزء، الذي هو بين الطرفين، مثل: وسط الدار، وإنما وصفهم بذلك؛ لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، كغلو النصارى الذين غلوا بالترهب، وقولهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فیه، کتقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك؛ إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها)»(٧). وقال ابن كثير رحمه الله: ((والوسط هاهنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا، ولما جعل الله هذه الأمة وسطًا خصها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب. قال تعالى: ﴿هُوَ أَجْتَبَكُمْ وَمَا جَعَلَ (٦) البيان والتبيين، الجاحظ ٣/ ١٥٣. (٧) جامع البيان، ٣/ ١٤٢ بتصرف. ٣٦٦ مَوَسُولَةُ النَّية لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمة عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَّ قِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيدَّ هُوَ وسطًا في التصور والاعتقاد، أمة وسطًا في سَمَّنَكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٨]))(١). وقال السعدي رحمه الله: ((﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي: عدلًا خيارًا، ، فجعل الله هذه الأمة، وسطًا في كل أمور الدين، وسطًا في الأنبياء، بين من غلا فيهم کالنصارى، وبین من جفاهم کالیھود. وفي باب الطهارة والمطاعم، لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم و کنائسهم، ولا یطهرهم الماءمن النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا کالنصاری الذین لا ینجسون شيئًا، ولا يحرمون شيئًا، بل أباحوا ما دب ودرج، بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدین أکمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها)) (٢). وقال سيد قطب في تفسير هذه الآية: ((وإنها للأمة الوسط بكل معاني الوسط، سواء من الوساطة بمعنی: الحسن والفضل، أو من الوسط بمعنى: الاعتدال والقصد، أو من الوسط بمعناه المادي والحسي، أمة (١) تفسير القرآن العظيم، ١/ ٤٥٤ باختصار. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٠. التفكير والشعور، أمة وسطًا في التنظيم والتنسيق، أمة وسطًا في الارتباطات والعلاقات، أمة وسطًا في الزمان، أمة وسطًا في المكان ... وما يعوق هذه الأمة اليوم عن أن تأخذ مكانها هذا الذي وهبه الله لها، إلا أنها تخلت عن منهج الله الذي اختاره لها، واتخذت لها مناهج مختلفة، ليست هي التي اختارها الله لها))(٣). وسبب نزول هذه الآية كما قال ابن الجوزي: ((أن اليهود قالوا: قبلتنا قبلة الأنبياء، ونحن عدل بین الناس، فنزلت هذه الآية»(٤). وفي الآية دليل على أن إجماع هذه الأمة حجة قاطعة، وأنهم معصومون عن الخطأ؛ لإطلاق قوله: ﴿وَسَطًا﴾ فلو قدر اتفاقهم على الخطأ، لم يكونوا وسطًا، إلا في بعض الأمور، ولقوله: ﴿إِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ يقتضي أنهم إذا شهدوا على حكم أن الله أحله أو حرمه أو أوجبه، فإنها معصومة في ذلك، وفيها اشتراط العدالة في الحكم، والشهادة، والفتيا، ونحو ذلك(٥). ثالثًا: خيرية الأمة: وصف الله سبحانه وتعالى هذه الأمة (٣) في ظلال القرآن، ١/ ١٣١ - ١٣٢. (٤) زاد المسير، ١١٩/١. (٥) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧١. www. modoee.com ٣٦٧ حرف الألف بأنها خير الأمم، حيث قال جل شأنه: وإنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة؛ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى (٣). ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمَّ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ اُلْفَسِقُونَ ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم -ثم ذكر كلام السلف في قال الماتريدي: ((وقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمٍَّ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، یحتمل معناها وجوهًا: تأويل هذه الآية - بأن المعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال: ﴿تَأْمُرُونَ يحتمل: ﴿ گُنتُمْ﴾: أي: صرتم خير أمة أظهرت للناس؛ بما تدعون الخلق إلى النجاة والخير. بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ ◌ِاللَّهِ﴾ ... ثم قال: والصحيح أن هذه الآية ويحتمل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أَمَّةٍ﴾ في الكتب عامة في جميع الأمة، كل قرن بحسبه، وخير قرونهم الذين بعث فيهم رسول الله السالفة؛ بأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. صلى الله عليه وسلم، ثم الذين يلونهم، ويحتمل: تكونون خير أمة إن أمرتم ثم الذين يلونهم ... وإنما حازت هذه الأمة بالمعروف، ونھیتم عن المنكر. ﴿ گُنتُمْ﴾: صرتم خير أمة، وكانوا كذلك هم خير ممن تقدمهم من الأمم؛ بما بذلوا مهجهم لله في نصر دينه، وإظهار كلمته، والإشفاق على رسوله، حتى كان أحب إليهم من أنفسهم؛ ويرونه أولى بهم)»(١). وأصل الخطاب في قوله تعالى: ﴿ گُنتُم خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعم سائر أمته(٢)، (١) تأويلات أهل السنة، ٢/ ٤٥٠ - ٤٥١ بتصرف يسير. (٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١ / ٤٥٦. قصب السبق إلى الخيرات بنبيها محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أشرف خلق الله وأكرم الرسل على الله، وبعثه الله بشرع كامل عظيم لم يعطه نبيًا قبله ولا رسولًا من الرسل، فالعمل على منهاجه وسبيله، يقوم القليل منه ما لا يقوم العمل الكثير من أعمال غيرهم مقامه (٤). ولكن هذه الخيرية التى فرضها الله لهذه الأمة إنما يأخذ بحظه منها من عمل هذه الشروط من الأمر بالمعروف والنهي عن (٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبى ١٧١/٤. (٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ٩٣/٢-٩٤. ٣٦٨ موس القرآن الكريم الأمة المنكر والإيمان بالله (١). فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح لهم، كما قال قتادة: ((بلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حجة حجها رأی من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ثم قال: من سره أن یکون من تلك الأمة فلیؤد شرط الله فيها))(٢). وقد ذكر أن سبب نزول هذه الآية: ((أن مالك بن الصيف ووهب بن يهودا اليهوديين قالا لعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى حذيفة: نحن أفضل منکم وديننا خیر من دینکم الذي تدعوننا إليه فأنزل الله هذه الآية)) (٣)، والخلاصة: إن هذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية. والآية تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه، ولهذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان مقدم على كل الطاعات، ولأنهما كذلك (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٨٩/١. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره ١٠٢/٧. (٣) لباب التأويل، الخازن ٢٨٤/١. سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمهما في الذكر موافقًا للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدمًا عليه (٤). وقد استدل بهذه الآية على أن إجماع هذه الأمة حجة؛ لأنها لو لم تحكم بالحق، لم تكن خيرًا من المبطل؛ ولأن اللام في ﴿يَاَلْمَعْرُوفِ﴾ وفي ﴿الْمُنكَرِ﴾؛ للاستغراق فيقتضي كونهم آمرين بكل معروف وناهين عن كل منكر، فيكون إجماعهم حقًا (٥). (٤) انظر: تفسير المراغي ٤/ ٣٠، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٢٣٢٠/٥. (٥) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٢٣٤/٢. www. modoee.com ٣٦٩ حرف الألف آجال الأمم قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيْتِنَ مُبَشِّرِينَ وَهُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ اَلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَقُواْ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، هذه هي سنة الله تعالى في إرسال رسله للبشرية؛ ليهدوهم إلى صراط مستقيم الذي يجمع كلمتهم ویوحد صفهم، وقد وعد الله تعالى بالنعيم المقيم لكل أمة استجابت لرسولها وآمنت به، وتوعد كل أمة كذبت رسولها بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، فكانت هذه هي آجال الأمم المرسومة في كتاب الله تعالى، وهذا ما سنوضحه بشيء من التفصيل فيما يأتي: أولًا: لكل أمة أجل: ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم بأن لكل أمة أجلًا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا یتأخر عنه. قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّ أَجَلٌّ فَإِذَا جَآَةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَغْدِمُونَ ﴾ [الأعراف: ٣٤]. قال الخازن في هذه الآية: ((قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمٍَّّ أَجَلٌ﴾ الأجل: الوقت المؤقت لانقضاء وقت المهلة، ثم في هذا الأجل المذكور في الآية قولان: أن لكل أمة كذبت رسله وقتًا معينًا، وأجلّاً مسمى أمهلهم الله إلى ذلك الوقت ﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ يعني: إذا حل وقت عذابهم ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ يعني: فلا يؤخرون ولا يمهلون قدر ساعة ولا أقل من ساعة، وإنما ذكرت الساعة؛ لأنها أقل أسماء الوقت في العرف، وهذا حين سألوا نزول العذاب، فأخبرهم الله تعالى أن لهم وقتًا إذا جاء ذلك الوقت هو وقت إهلاكهم واستئصالهم، فلا يؤخرون عنه ساعة ولا يستقدمون. والقول الثاني: أن المراد بهذا الأجل هو أجل الحياة والعمر، فإذا انقضى ذلك الأجل وحضر الموت، فلا يؤخر ساعة ولا يقدم ساعة، وعلى هذا القول يلزم أن يكون لكل واحد أجل لا يقع فيه تقدیم ولا تأخير، وإنما قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ لتقارب أعمار أهل كل عصر، فكأنهم كالواحد في مقدار العمر))(١). وأما ابن عاشور فقال في هذه الآية: ((وليس المراد في الآية، بأجل الأمة، أجل أفرادها، وهو مدة حياة كل واحد منها؛ لأنه لا علاقة له بالسياق، ولأن إسناده إلى الأمة یعین أنه أجل مجموعها لا أفرادها، ولو أريد آجال الأفراد لقال: لكل أحد أو لكل حي أحدهما: أنه أجل العذاب، والمعنى: (١) لباب التأويل، الخازن ١٩٦/٢. مَوَسُولَةُ الَّفِيَّة القرآن الكريم ٣٧٠ الأمة أجل))(١). والأجل يطلق على مدة الإمهال، ويطلق على الوقت المحدد به انتهاء الإمهال، ولا شك أنه وضع في الآية لأحد الأمرين، ثم استعمل في الآخرة على تأويل منتهى المدة، أو تأخير المنتهى، وشاع الاستعمالان. فعلى الأول: يقال: قضى الأجل، أي: المدة، كما قال تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨]. وعلى الثاني: يقال: دنا أجل فلان. وقوله تعالى: ﴿وَبَلَغْنَاْ أَجَلَنَا الَّذِىّ أَجَّلْتَ أَنَا﴾ [الأنعام: ١٢٨]، والواقع في هذه الآية يصح للاستعمالين بأن يكون المراد بالأجل الأول المدة، وبالثاني الوقت المحدد لفعل ما(٢)، والغرض من ذكر الأجل هو التخويف؛ ليتشدد المرء في القيام بالتكاليف كما ينبغي(٣). وذکر عموم الأمم في هذا الوعيد، مع أن المقصودهم المشركون من العرب الذين لم يؤمنوا، إنما هو مبالغة في الإنذار والوعيد بتقريب حصوله كما حصل لغيرهم من الأمم على طريقة الاستشهاد بشواهد التاريخ في قياس الحاضر على الماضي، فيكون الوعيد خبرًا معضودًا بالدليل والحجة، كما قال تعالى في آيات كثيرة منها: ﴿قَدْخَلَتْ مِن (١) التحرير والتنوير، ١٠٤/٨- ١٠٥. (٢) المصدر السابق ٨/ ١٠٣-١٠٤. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٤/١٤. قَبْلِكُمْ سُنَنٌّ فَسِيرُواْ فِي الْأَرْضِ فَأَنْظُواْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ اٌلْتُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٧] (٤). وخلاصة معنى الآية: إن لكل أمة أجلًا لا يتأخرون عنه إذا جاء، ولا يتقدمون عليه أيضًا ، فيهلكوا قبل مجيئه، وبنحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَصْفِرُونَ﴾ [الحجر: ٥]. ثانيًا: نهاية الأمم: ذكر الله تعالى في كتابه الكريم ما حل بالأمم السابقة من العذاب بسبب تكذيبهم رسلهم، وكفرانهم نعمه جل وعلا، وهذه من سنن الله الثابتة في هلاك الظالمين. وقد ذكر الله جل وعلا نوعين من العذاب، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِن قَرْبَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيمَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِ الْكِنَبِ مَسْطُورًا﴾ [الإسراء: ٥٨]. فهذه الآية بينت نوعين من العذاب: فالنوع الأول: الهلاك، ويقصد به الفناء والاستئصال (٥). والنوع الثاني: العذاب الشديد، ويقصد به القتل بالسيف أو الزلازل أو الأمراض أو الخوف أو غير ذلك(٦). وهذا ما يسمى بنهاية العطاء الحضاري. (٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٠٣/٨. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ /٤٧٥. (٦) انظر: تفسير السمر قندي ٣١٧/٢. www. modoee.com ٣٧١ حرف الألف وسوف نبين هذين النوعين بشيء من التفصيل فيما يأتي: ١. نهاية العطاء الحضاري. وهو ذهاب الأمة برمتها بحيث يهلك وهو العذاب الذي لا يؤدي إلى زوال أفرادها بعذاب ما، ولا يبقى منهم أحد، كما حدث لقوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، ولكن يبقى من هؤلاء الصالحون. الأمة، كالنقص في الأموال والأنفس والشدة والقحط وغير ذلك. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَآَ إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَهُم بِالْبَأْسَآِ وَالضَّرِِّ لَعَلَّهُمْ بَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢]. قال القاسمي في تفسير هذه الآية: (﴿وَلَقَدْ أَرْ سَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّنِ قَبْلِكَ﴾ أي: رسلًا، فكذبوهم ولم يبالوا؛ لكونهم في الرخاء، ﴿فَأَخَذْ نَهُم بِالْبَأْسَكِ﴾ أي: الشدة والقحط، ﴿وَالضَّرِّ﴾ أي: المرض ونقصان الأنفس والأموال ﴿لَعَلَّهُمْ بَصَرَّعُونَ﴾ أي: يتذللون ویتخشعون لربهم ویتوبون إليه من کفرهم ومعاصيهم، فالنفوس تتخشع عند نزول الشدائد»(١). فأخذهم بالبأساء والضراء، أخذ ابتلاء واختبار، وذلك مفيد لهم؛ لأن سنة الله قد جرت بأنهم في مثل هذه الحال يتضرعون ويجأرون بالدعاء إلى ربهم، فالشدائد تربي النفوس وتهذب الأخلاق، فترجع المغرورين عن غرورهم، وتكف الفجار عن فجورهم(٢). (١) محاسن التأويل، ٣٥٩/٤. (٢) انظر: تفسير المراغي ١٢٣/٧ -١٢٤. وهذا رحمة من الله تعالى بهم(٣). ٢. نهاية استئصال. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوُجِ وَالْأَخْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌ وَهَمَّتْ كُلُّ أُنَِّ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الْحَقِّ فَأَخَذْتُهُمَّفَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٥]. قال المراغي في تفسير هذه الآية: ((كذبت قوم نوح والأمم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب، فحلت بهم نقمتنا بعد بلوغ أمدهم، كما هي سنتنا في أمثالهم من المكذبين، کعاد وثمود ومن بعدهم، وكانوا في جدلهم على مثل الذي عليه قومك، فأهلكتهم واستأصلت شأفتهم، فلم أبق منهم دیارًا ولا نافخ نار، وصاروا كأمس الدابر، وإنکم لتمرون علی دیارهم مصبحین وممسين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَنَهُرُونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ (٦) وَبِأَلَيْلُّ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [الصافات: ١٣٧-١٣٨]، وهكذا سأفعل بقومك إن هم أصروا على الكفر والجدل في آيات الله. وفي الآية تسلية لرسوله علی تکذیب من (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٥٦. ٣٧٢ مُوسوبر المقدمة القرآن الكْرِيْمِ الأمر كذبه من قومه، وبأن له أسوة في سلفه من الأنبياء، فإن أقوامهم كذبوهم وما آمن منهم إلا قليل))(١)، وتهديد لمن جادل في آيات الله؛ ليبطلها، كما فعل من قبله من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق؛ ليبطلوه، وعلى الباطل؛ لينصروه(٢). (١) انظر: تفسير المراغي ٤٥/٢٤. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٣٢. الأمم يوم القيامة جعل الله تعالى دار الدنيا دار عمل ومسابقة ومنافسة على طاعة الله تعالى، وأمهل فيها كل أمة مهلة كافية؛ لتؤمن فيها برسولها، وترى دلائل ربوبية الله تعالى وألوهيته، وصدق رسله ماثلة مبثوثة في آياته الكونية والشرعية، ثم جعل الله تعالى الحياة الآخرة دارًا يحاسب فيها كل أمة بعملها، ویقیم علی کل أمة شهودًا علی أن کل رسول قد أقام الحجة على أمته. قال تعالى: ﴿لِثَلَا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥]. أولًا: لكل أمة شهيد: أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن للأمم شهداء عليهم يوم القيامة، وشهداء الأمم أنبيائهم، وسوف یشهدون عليهم بما عملوا. قال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٤١]. قال البغوي: ((وقوله تعالى: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِ أُمَِّ بِشَهِيدٍ﴾، أي: فكيف الحال وكيف يصنعون إذا جئنا من كل أمة بشهيد، يعني: نبيها يشهد عليهم بما عملوا، ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ شاهدًا www. modoee.com ٣٧٣ حرف الألف يشهد على جميع الأمة على من رآه ومن لم قال: (نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري) يره)(١). وهذه الشهادة عبارة عن عرض أعمال الأمم على أنبيائهم، لا فرق بين اليهود والنصارى والمسلمين ومقابلة عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم بعقائد الأنبياء وأعمالهم وأخلاقهم، فمن شهد لهم نبيهم بأنهم على ما جاء به وما أمر الناس بالعمل به فهم ناجون ومن تبرأ منهم أنبياؤهم؛ لمخالفة أعمالهم وعقائدهم لما جاءوا به فأولئك هم الخاسرون، وإن ادعوا اتباعهم والانتماء إليهم(٢). فجعل الله شهادة الرسل الذين جعلهم الله الحجة على الخلق؛ لتكون الحجة على المسيء أبلغ، والتبكيت له أعظم، وحسرته أشد، ويكون سرور من قبل ذلك من الرسول، وأظهر الطاعة أعظم، ويكون هذا وعيدًا للكفار الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّقٍ﴾ [النساء: ٤٠]، ووعدًا للمطيعين الذين قال الله فيهم ﴿وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَعِفْهَا﴾ [النساء: ٤٠](٣). وجاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي) قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ (١) معالم التنزيل، ٦٢٤/١. (٢) تفسير المراغي ٥/ ٤٣. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ١٠/ ٨٣. فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّتِم بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: (حسبك الآن) فإذا عيناه تذرفان (٤). وبكاء النبي صلى الله عليه وسلم إنما كان لعظيم ما تضمنته هذه الآية من هول المطلع وشدة الأمر؛ إذ يؤتى بالأنبياء شهداء علی أممهم بالتصديق والتكذيب، ويؤتی به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة شهيدًا(٥). قال ابن عاشور: ((لا فعل أجمع دلالة على مجموع الشعور عند هذه الحالة من بكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه دلالة على شعور مجتمع فيه دلائل عظيمة: وهي المسرة بتشريف الله إياه في ذلك المشهد العظيم، وتصديق المؤمنين إياه في التبليغ، ورؤية الخيرات التي أنجزت لهم بواسطته، والأسف على ما لحق بقية أمته من العذاب على تكذيبه، ومشاهدة ندمهم على معصيته، والبكاء ترجمان رحمة ومسرة وأسف وبهجة)) (٦). والخلاصة في معنى الآية: أن الله يأتي بالأنبياء شهداء على أممهم بما عملوا، (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب قول المقرئ للقارئ حسبك، ١٩٦/٦، رقم ٥٠٥٠. (٥) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩٧/٥. (٦) التحرير والتنوير، ٥٨/٥. ٣٧٤ صَوَسُورَةُ التَّقِـ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأمر ويؤتى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الأمم بأن رسلهم أبلغوا إليهم رسالات شهيدًا على أمته. ثانيًا: شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة: لقد بینا فيما سبق، أن الله سبحانه وتعالى شرف هذه الأمة بأن جعلها أمة وسطًا بين الأمم، وذكرنا كلام المفسرين في معنى هذه الوسطية، وسوف نذكر - فيما يأتي - العلة من ذلك، كما أخبر الله سبحانه وتعالى في کتابه. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. قال السعدي: ((فإن شك شاك في فضل هذه الأمة، وطلب مزكيًا لها، فهو أكمل الخلق، نبيهم صلى الله عليه وسلم ، فلهذا قال تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ ومن شهادة هذه الأمة على غيرهم، أنه إذا كان يوم القيامة، وسأل الله المرسلين عن تبليغهم، والأمم المكذبة عن ذلك، وأنكروا أن الأنبياء بلغتهم استشهدت الأنبياء بهذه الأمة، وزكاها نبيها)) (١). وقال ابن عاشور: ((وأما شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، فهي شهادة بصدق المسلمين في شهادتهم على (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٠-٧١ بتصرف يسير. ربهم» (٢). ومما يؤكد على شهادة الرسول صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة، ما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعدیك یا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال لأمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، فذلك قوله جل ذكره: ﴿وَكَذَلِكَ جَمَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطَّا لِنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣])(٣). وفي الآية ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ﴾ دليل على قبول شهادة أهل الإسلام على أهل الكفر، ورد شهادتهم علينا؛ لأنه لو قبلت شهادتنا علیهم على التبليغ، ثم شهد أولئك بأنهم لم يبلغوا، لكان فيه تناقض، فدل أن شهادتنا تقبل عليهم، ولا تقبل شهادتهم علينا. والله أعلم (٤). (٢) التحرير والتنوير، ٢٧٣/٢٩. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً)، رقم ٤٤٨٧. (٤) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ١/ ٥٨٤. www. modoee.com ٣٧٥ حرف الألف صلى الله عليه وسلم وأمته على الأمم السابقة بتزكيته وتصديقه لأمته بما شهدت للأنبياء على أممهم بتبليغ الرسالة. والله أعلم. وفي هذه الآية دلالة واضحة على فضل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأمة على غيرها من الأمم. ثالثًا: لا تحاسب أمة بذنب غيرها: أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أن كل أمة مؤاخذة بعملها، ولا تحاسب أمة بذنب غيرها. قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتَّ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمّْ وَلَا تُشْتَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. قال السعدي: ((﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿لَهَامَا كَسَبَتْ وَلَّكُمْ مَّاكَسَبْتُمْ، أي: کل له عمله، وكل سيجازی بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إیمانه وتقواه، فاشتغالکم بهم وادعاؤكم، أنكم على ملتهم، والرضا بمجرد القول، أمر فارغ لا حقيقة له، بل الواجب عليكم، أن تنظروا حالتكم التي أنتم عليها، هل تصلح للنجاة أم لا؟))(١). و﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إشارة إلى الأمة (١) تيسير الكريم الرحمن، ص ٦٧. والخلاصة في القول: أن شهادة الرسول المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون(٢)، وسبب نزول هذه الآية أن اليهود والنصارى كانوا يقولون: نحن على دينهم، فقال لهم تبارك وتعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾، أي: لا تقدرون عليهم فيشهدوا لكم، فلهم ما عملوا وإنما لكم ما تعملون، وإنما ينظر اليوم إلى أعمالكم، ولا ينفعكم من أعمالهم شيء(٣). وقد ذكرت هذه الآية في موضع آخر في السورة نفسها. قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتّ ◌َمَا مَا كُسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُهٌ وَلَا تُسْئَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤١]. وتكرارها كما قال القرطبي: «لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي: إذا كان أولئك الأنبياء على إمامتهم وفضلهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، فوجب التأکید، فلذلك كررها)» (٤). وقال البيضاوي: ((وتكريرها؛ للمبالغة في التحذير والزجر عما استحكم في الطباع من الافتخار بالآباء والاتكال عليهم، وفي الآية تحذيرٌ لنا عن الاقتداء بهم)) (٥). وفي الآية سواء كانت الأولى أو الثانية دليل على أن العبد يضاف إليه أعمال (٢) مدارك التنزيل، النسفي ١/ ١٣٣. (٣) انظر: تفسير السمر قندي ١/ ٩٦. (٤) الجامع لأحكام القرآن، ١٤٧/٢. (٥) انظر: أنوار التنزيل، ١/ ١١٠. ٣٧٦ مُوسْو ◌َرُ الْتَشكِ وضوي جوبين عبر القرآن الكريم الأمة وأکساب، فالعبد مکتسب لأفعاله، وإن كان الله تعالى أقدره على ذلك، فإن كان خيرًا فبفضله وإن کان شرًا فبعدله، وهذا مذهب أهل السنة (١). والخلاصة في القول: إن كل أمة تسأل عن عملها لا عن عمل غيرها، وكل يجازى بما فعله، لا يؤخذ أحد بذنب أحد، ولا ينفع أحدًا إلا إيمانه وتقواه، وأن الاعتماد على أعمال الآباء، والافتخار بهم، والاتكال علیهم لا يجدي شيئًا. رابعًا: دعوة الأمم لأخذ كتب أعمالها: ذكر الله سبحانه وتعالى حال الأمم وهي تدعى إلى كتب أعمالها، حيث قال تعالى: ﴿وَتَ كُلَّ أَثَِّ جَائِيَةٌ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِنَبِهَا الْيَوْمَ تُمْزَوَّنَ مَاكُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. قال ابن كثير: ((﴿وَرَّ كُلَّ أُمَِّ جَائِيَةً ﴾ أي: على ركبها من الشدة والعظمة ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَ إِلَى كِنَبِهَا﴾ يعني: كتاب أعمالها، كقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَبُ وَجِّهَ بِالنَّبْنَ وَالشُّهَدَآءِ﴾ [الزمر: ٦٩]؛ ولهذا قال: ﴿اَلْيَوْمَ تُجْزَوَّنَ مَاكُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله تعالى: ﴿يُّوا الْإِنَنُ یومینِبِمَا قَدَّمَ وَأَخََّ ا بَلِ الْإِنْسَنُ عَلَى نَفْسِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾﴾ [القيامة: ١٣-١٥]))(٢). (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٩/٢. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٧/ ٢٧١ باختصار. وقال المراغي: ((بين الله تعالى حال الأمم في ذلك اليوم، وما تلاقيه من الشدائد؛ انتظارالفصل القضاء، فقال تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُنَِّ جَائِيَةً ﴾ على ر کبها؛ لشدة الهول والرعب، واستعدادًا لما تؤمر بها حين فصل القضاء ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىَ إِلَى كِتَبِهَا﴾ الذي أنزل عليها لتعبد ربها بهديه، وكتابها الذي نسخته الحفظة من أعمالها؛ ليطبق أحدهما على الآخر، فمن وافق کتابه ما أمر به من کتاب ربه نجا، ومن خالفه هلك وكان من الأخسرين أعمالًا، ثم ذكر أنهم ينذرون ويبشرون بما سيبنى عليه حكم القضاء، فقال تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ تُمْزَوَّنَ مَاكُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ أي: ويقال لهم حال دعائهم: اليوم تجازون بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا خيرها وشرها))(٣). فكل أمة مدعوة إلى كتابها، الذي تحاسب به، على حسب شريعتها التي دعت إليها، فلكل أمة شريعة، ولكل أمة حسابها على هذه الشريعة من حيث اتباعها والاستقامة عليها، أو تضييعها والخروج عنها (٤). والخلاصة في المعنى: إن كل أمة تدعى؛ لتعرض أعمالها على ما أمرت به في كتابها المنزل عليها من ربها، فإن وافق عملها کتاب ربها نجت، وإن خالف عملها کتاب ربها هلكت. والله أعلم. (٣) تفسير المراغي ١٦٢/٢٥ - ١٦٣ باختصار. (٤) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٢٥٢/١٣-٢٥٣. www. modoee.com ٣٧٧ حرف الألف خامسًا: تلاعن الأمم في النار: أخبر الله جل ثناؤه عن تلاعن الأمم من أهل الملل الكافرة في النار يوم القيامة. قال تعالى: ﴿قَالَ آَدْخُلُواْ فِىَ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ آلْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُنَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْنَهَا حَتَّى إِذَا أَدَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ لِأُولَئُهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّوْنَا فَشَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلِّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا نَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨]. قال البغوي: ((يقول الله تعالى لهم يوم القيامة: ﴿أَدْ خُلُواْ فِىَ أُمَمٍ﴾ أي: مع جماعات ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت ﴿مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ﴾ يعني: كفار الأمم الخالية، ﴿كَلَّمَا دَ خَلَتْ أُنَّةٌ لَّمَنَتْ أُخْتَهَا﴾ يريد: أختها في الدين لا في النسب، فتلعن اليهود اليهود والنصارى النصارى، وكل فرقة تلعن أختها، ويلعن الأتباع القادة، ولم يقل: أخاها؛ لأنه عنى الأمة والجماعة، إِذَا أَذَّارَكُواْ فِيهَا﴾ أي: تداركوا وتلاحقوا واجتمعوا في النار، ﴿جميعًا قَالَتْ أُخْرَهُمْ﴾ أي: آخرهم دخولًا النار وهم الأتباع ﴿وَلِأُولَهُمْ﴾، أي: لأولاهم دخولًا وهم القادة؛ لأن القادة يدخلون النار أولًا، ﴿رَبَّنَا مَؤُلَاءٍ أَضَلُونَا﴾ عن الهدى، يعني: القادة ﴿فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ أي: ضعف عليهم العذاب. القادة والأتباع ضعف من العذاب ﴿وَلَكِن لَّا نَعْلَمُونَ﴾ ما لكل فريق منكم من العذاب»(١). وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ أَدْخُلُواْ فِ أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِ النَّارِ﴾ دليل أن الكفار من الجن يعذبون، كما يعذب الكفار من الإنس (٢). وفیھا کذلك إيماء إلى أنه تعالی لا یسوق الكفار بأجمعهم إلى النار دفعة واحدة، بل يدخلهم أفواجًا، فيكون منهم سابق ومسبوق، ويشاهد الداخل من الأمة في النار من سبقه (٣). وفي قوله تعالى: ﴿كَمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ يقول الماتريدي: ((وسبب لعن الأتباع للمتبوعين؛ لما دعوهم إليه وصرفوهم عن دين الله، كقولهم: ﴿إِذْتَأْمُرُونَنَا أَنْ تَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، ولعن المتبوعين للأتباع؛ لما يزداد لهم العذاب بكثرة الأتباع ويقدرهم؛ فيلعن بعضهم بعضًا، وفيها دليل على أن أهل الكفر -وإن اختلفوا في مذاهبهم - فهم إخوة وأخوات بعضهم لبعض، كالمؤمنين بعضهم إخوة وأخوات لبعض)) (٤). وقال ابن عاشور في قوله تعالى: ﴿رَبّناً (١) انظر: معالم التنزيل، ٢/ ١٩١. (٢) انظر: تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٤١٨/٤. (٣) انظر: تفسير المراغي ١٤٨/٨. قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ ضِعْفٌ﴾، يعني: (٤) تأويلات أهل السنة، ٤١٨/٤. ٣٧٨ مُوسُو ◌َرُ الْتَسْكِلالعضوي جوبيبو العَرآن الكَرِيْمِ الأمر هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَيَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ مبينًا السبب في مطالبة الأتباع مضاعفة العذاب للمتبوعين: «لأنهم علموا أن الضلال سبب العذاب، فعلموا أن الذين شرعوا الضلال هم أولى بعقوبة أشد من عقوبة الذين تقلدوه واتبعوهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِقُواْ لِلَّذِينَ أُسْتَكْبَرُواْ لَوْلاً أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ: ٣١])(١). والخلاصة في القول: أن الأمم الكافرة من أهل النار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا، ويعادي بعضهم بعضًا؛ لأنهم ضل بعضهم باتباع بعض. موضوعات ذات صلة: الاختلاف، العلاقات الاجتماع، الاجتماعية، الوحدة (١) التحرير والتنوير، ١٢٢/٨-١٢٣. www. modoee.com ٣٧٩