Indexed OCR Text

Pages 1-20

صَوْو ◌َرُ النَّفِة الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الأَمَّنَا
عناصر الموضوع
مفهوم الأمة
٣٤٦
الأمة في الاستعمال القرآني
٣٤٧
الألفاظ ذات الصلة
٣٤٨
الأمة الأولى
٣٥٠
الأمم والرسالة
٣٥٢
الاختلاف بين الأمم
٣٥٧
الأمة المحمدية
٣٦٤
آجال الأمم
٣٧٠
٣٧٣
الأمم يوم القيامة
المُجَلَدَ الرّابع

حرف الألف
مفهوم الأمة
أولًا: المعنى اللغوي:
الأمة مشتقة من (أم) وجذر هذه المادة، كما قال ابن فارس: ((الهمزة والمیم فأصل واحد،
يتفرع منه أربعة أبواب، وهي: الأصل والمرجع والجماعة والدين، وهذه الأربعة متقاربة،
وبعد ذلك أصول ثلاثة، وهي القامة والحين والقصد))(١)، والأمة في الأصل راجعة إلى
القصد، وهي: الجماعة التي تقصد الأمر بتضافر وتعاون (٢).
وقال ابن قتيبة: ((أصل الأمة: الصنف من الناس والجماعة))(٣).
وقال الكفوي: ((الأمة في الأصل: المقصود، كالعمدة والعدة في كونهما معمودًا ومعدًا،
وتسمى بها الجماعة من حيث تؤمها الفرق، كقوله تعالى: ﴿أَمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾
[القصص: ٢٣])) (٤).
وكل مشتقات هذه المادة ترجع إلى معنى القصد، ولا يخرج شيء منها عن ذلك(٥).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي
قال الراغب الأصفهاني: ((والأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما إما دين واحد، أو زمان
واحد، أو مكان واحد سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا))(٦).
وقال ابن عاشور: ((والأمة: اسم للجماعة الذين أمرهم واحد، مشتقة من الأم بفتح الهمزة
وهو القصد، أي: يؤمون غاية واحدة))(٧).
وقال سيد قطب رحمه الله: (((الأمة) عبارة عن طائفة من الناس، متوافقة فيما بينها،
اجتمعت وتألفت وامتازت من بين طوائف أخرى؛ لاشتراكها في بعض الأمور الجوهرية)) (٨).
((وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن، أو الدين، أو اللغة، أو في جميعها))(٩).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٢١/١.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، العسكري ص ٣١.
(٣) تأويل مشكل القرآن، ابن قتيبة ص ٢٤٨، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ١٤٢.
(٤) الكليات، الكفوي ص ١٨١.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٧/١٢.
(٦) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٦، وانظر: الكليات، الكفوي ص ١٧٦.
(٧) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٣٠٠.
(٨) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤٤٦/٣.
(٩) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢/ ٣٠٠.
فَضْو
مَوسُو ◌َ النَِّّ
القرآن الكريم
٣٤٦

الأمة
الأمة في الاستعمال القرآني
وردت (الأمة) في القرآن الكريم (٦٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
مفرد
٥١
كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]
١٣
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ اْأَرْضِ وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمَّم
أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨]
جمع
وجاءت (الأمة) في القرآن على أربعة أوجه (٢):
الأول: العصبة والقوم والجماعة: ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ
أُمَّةُّ ◌ُسْلِمَةٌ لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] يعني عصبة.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَكُونَ أُمَّةُ هِىَ أَرْبَ مِنْ أُمَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] يعني أن يكون قوم أكثر من
قوم.
الثاني: الملة: ومنه قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةً ﴾ [البقرة: ٢١٣] يعني ملة.
الثالث: المدة من الزمن: ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَيِنْ أَخَّنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ
لَيَقُولُتَ مَا يَحْيِسُهُ ﴾ [هود:٨] يعني سنين معدودة.
الرابع: الإمام في الخير: ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾
[النحل: ١٢٠] يعني إمامًا يقتدى به في الخير.
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٨٠.
(٢) انظر: الوجوه والنظائر، مقاتل بن سليمان ص ٤٧.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الجمع:
١
الجمع لغة :
ضم الشيء بتقريب بعضه من بعض، يقال: جمعته فاجتمع (١)، وجمعت الشيء: إذا جئت
به من هاهنا وهاهنا، وتجمع القوم: اجتمعوا أيضًا من هاهنا وهاهنا))(٢)،
الجمع اصطلاحًا:
قال ابن عاشور: ((والجمع: الجماعة من الناس))(٣).
الصلة بين الأمة والجمع:
هو أن الأمة هي الجماعة التي تقصد الأمر بتضافر وتعاون، لكن الجمع هو فقط الجماعة
من الناس، فالعلاقة بينهما أن لفظ الجمع أعم من لفظ الأمة.
الحزب:
٢
الحزب لغة:
قال الأزهري: ((والحزب: الصنف من الناس.
وقال ابن الأعرابي: الحزب: الجماعة من الناس))(٤)، وقد ورد لفظ (الحزب) في القرآن
الكريم بصيغة الإفراد والجمع دون التثنية؛ للدلالة على مفهوم الأمة.
الحزب اصطلاحًا:
((والحزب: الجماعة المجتمعون على أمر من اعتقاد أو عمل، أو المتفقون عليه))(٥).
الصلة بين الأمة والحزب:
بينهما عموم وخصوص؛ فلفظ الأمة أعم من لفظ الحزب، فكلاهما يدل على الصنف
والجماعة، إلا أن الحزب خاص بجماعة البشر، والأمة عامة في جماعة البشر وغيرها، كما
قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَاَ طَيْرٍ يَطِيُرُ بَجَنَا حَيْدٍ إِلَّ أُمَمّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨].
(١) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٩٦.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ٥٣/٨.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ١٨٢.
(٤) تهذيب اللغة، الأزهري ٤ /٢١٧.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٧٣/١٨.
٣٤٨
مُوسُوبَة التَّ
القرآن الكريمِ

الأمة
القوم:
٣
القوم لغة:
القاف والواو والميم: أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة ناسٍ، وربما استعير
في غيرهم، والآخر على انتصاب أو عزم(١).
القوم اصطلاحًا:
قال الراغب: ((والقوم: جماعة الرجال في الأصل دون النساء، ولذلك قال تعالى: ﴿لَا
يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، وفي عامة القرآن أريدوا به والنساء جميعًا))(٢).
قال الرازي: «القوم: اسم يقع على جمع من الرجال ولا يقع على النساء ولا على الأطفال،
والقائم بالأمور هم الرجال؛ فعلى هذا الأقوام الرجال لا النساء))(٣).
الصلة بين الأمة والقوم:
لفظ الأمة أعم من لفظ القوم، فكل أمة قوم، وليس كل قوم أمة.
٤
الثلة:
الثلة لغة:
الثاء واللام أصلان متباينان: أحدهما التجمع، والآخر السقوط والهدم والذل، والثلة:
الجماعة من الناس.
قال الله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ ) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآَخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٣٩-٤٠] (٤).
الثلة اصطلاحًا:
قال القاسمي: ((أي: جماعة وأمة))(٥).
وقال السعدي: ((أي: جماعة كثيرون))(٦).
الصلة بين الأمة والثلة:
أن الثلة جزءٌ من الأمة، فكل أمة ثلة وليس كل ثلة أمة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ٤٣/٥.
(٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٦٩٣.
(٣) مفاتيح الغيب، ١٠٨/٢٨ بتصرف يسير.
(٤) مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٦٨/١.
(٥) محاسن التأويل ٩/ ١٢٣.
(٦) تيسير الكريم الرحمن، ص ٨٣٢.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الألف
الأمة الأولى
كان الناس أمة واحدة على دين واحد
وملة واحدة، واستمروا على ذلك فترة من
الزمن فاختلفوا، فبعث الله الرسل مبشرين
ومنذرين.
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنَزَلَ مَعَهُمُ
اَلْكِنَبَ بِالْحَقْ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أُخْتَلَفُواْ
فِيهِ ﴾ [البقرة: ٢١٣].
اختلف أهل التأويل في معنى (الأمة)
الذين وصفهم الله بأنهم: كانوا أمة واحدة.
فقال بعضهم: هم الذين كانوا بين آدم
ونوح، وهم عشرة قرون، كلهم كانوا على
شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك.
قاله: ابن عباس وقتادة.
وقال آخرون: بل تأويل ذلك كان آدم
على الحق إمامًا لذريته، فبعث الله النبيين
في ولده، ووجهوا معنى (الأمة) إلى طاعة
لله، والدعاء إلى توحيده واتباع أمره، من
قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً
قَانِتًّا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [سورة النحل: ١٢٠]، يعني
بقوله: ﴿أَمَّةً﴾: إمامًا في الخير يقتدى به،
ويتبع عليه. قاله مجاهد.
وقال آخرون: معنى ذلك كان الناس أمة
واحدة علی دین واحد یوم استخرج ذرية آدم
من صلبه، فعرضهم على آدم.
قاله أبي بن کعب وابن زید.
وقال آخرون بخلاف ذلك کله في ذلك.
وقالوا: إنما معنى قوله: ﴿ كَانَ النَّاسُ أَمَّةً
وَاحِدَةً ﴾، علی دین واحد، فبعث الله النبيين.
قاله ابن عباس.
وأولى التأويلات في هذه الآية بالصواب
أن يقال: إن الله عز وجل أخبر عباده أن
الناس كانوا ﴿أُمَّةُ وَحِدَةً﴾ على دين واحد
وملة واحدة، وكان الدين الذي كانوا عليه
دين الحق، فاختلفوا في دينهم، ﴿فَبَعَثَ
اللَّهُ﴾ عند اختلافهم في دينهم ﴿النَّبِيْنَ
مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾.
فإن دليل القرآن واضحٌ على أن الذين
أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما
كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق
دون الكفر بالله والشرك به، وذلك أن
الله جل وعز قال: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلََّ
أُنَةً وَحِدَةٌ فَلَخْتَلَقُواْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّيِّكَ لَقُضِىَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ
يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
فتوعد جل ذكره على الاختلاف لا على
الاجتماع، ولا علی کونھم أمة واحدة، ولو
كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على
الکفر ثم کان الاختلاف بعد ذلك، لم یکن
إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان
ذلك کذلك لکان الوعد أولی بحکمته جل
ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد؛ لأنها حال
مَوَسُو ◌َرَ النَشكِ المضوي
القرآن الكريم
٣٥٠

الأمة
إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعد على هذا قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ النَّاسُ
في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال إِلَّ أَمَّةُ وَحِدَةٌ﴾ [يونس: ١٩]، أي: على
اجتماع الجميع على الكفر والشرك (١).
وفي هذه الآية: اختار ابن كثير رواية ابن
عباس: کان بین نوح وآدم عشرة قرون، کلھم
على شريعة من الحق، فاختلفوا، ﴿فَعَثَ اللَّهُ
النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾؛ لأنها أصح
سندًا ومعنى؛ ولأن الناس كانوا على ملة آدم
حتی عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا
علیه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى
أهل الأرض (٢).
وقال ابن كثير عند قوله تعالى: ﴿ وَمَا
كَانَ النَّاسُ إِلَّ أُمَّةً وَحِدَةً فَأَخْتَلَفُواْ ﴾
[يونس: ١٩]، ((ثم أخبر الله تعالى أن هذا
الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم
یکن، وأن الناس کلهم کانوا علی دین واحد،
وهو الإسلام))(٣).
الصحيح في الآية)» (٤).
وبنحوه قال الشنقيطي: ((أن آدم أرسلإلى
ذريته وهم على الفطرة لم يصدر منهم کفر
فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم
كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى،
ويأمرهم بإخلاص العبادة له وحده، ويدل
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٥/٤ - ٢٨٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ١/ ٥٦٩.
(٣) المصدر السابق ٢٥٧/٤.
(٤) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٠٤.
الدين الحنيف، أي: حتى كفر قوم نوح،
وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ
النَّبِيِّئْنَ ... الآية﴾ [ البقرة: ٢١٣]، والله تعالى
أعلم))(٥)، وهو قول الجمهور (٦).
ويقول سيد قطب في تفسير هذه الآية:
((وهذه هي قصة الاختلاف بين الناس في
التصورات والعقائد، والموازين والقيم ...
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً ﴾ على نهج واحد وتصور
واحد، وقد تكون هذه إشارة إلى حالة
المجموعة البشرية الأولى الصغيرة من
أسرة آدم وحواء وذراريهم قبل اختلاف
التصورات والاعتقادات، فالقرآن يقرر أن
الناس من أصل واحد، وهم أبناء الأسرة
الأولى: أسرة آدم وحواء.
وقد شاء الله أن يجعل البشر جميعًا
وقال ابن القيم: ((وهذا هو القول نتاج أسرة واحدة صغيرة؛ ليقرر مبدأ الأسرة
في حياتهم، وليجعلها هي اللبنة الأولى،
وقد غبر عليهم عهد كانوا فيه في مستوى
واحد واتجاه واحد وتصور واحد فى نطاق
الأسرة الأولى، حتى نمت وتعددت وکثر
أفرادها، وتفرقوا في المكان، وتطورت
معايشهم، وبرزت فيهم الاستعدادات
المكنونة المختلفة التي فطرهم عليها؛
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ١٥٥.
(٦) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٢٤٦/٢.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الألف
لحكمة يعلمها، ويعلم ما وراءها من خير
للحياة في التنوع والاستعدادات والطاقات
والاتجاهات، عندئذ اختلفت التصورات،
وتباينت وجهات النظر، وتعددت المناهج،
وتنوعت المعتقدات ... وعندئذ بعث الله
النبيين مبشرين ومنذرين))(١).
الأمم والرسالة
قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا
﴾ [فاطر: ٢٤]، اقتضت حكمة الله تعالى
نَذِيرُ
في الأمم قبل هذه الأمة أن يرسل في كل أمة
نذیرًا، وهذه سنة الله مع الأمم.
ثم أخبر الله تعالى أن كل أمة انقسمت
مع رسولها إلى قسمين.
قال تعالى: ﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللّهُ
وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الصَّلَلَةُ﴾ [النحل:
٣٦]، وسنتحدث في هاتين النقطتين بشيء
من التفصيل في السطور القادمة:
أولًا: إرسال الرسل إلى الأمم سنة
إلهية:
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه
العزيز، أن حجته قامت على جميع الأمم،
وأنه ما من أمة متقدمة أو متأخرة إلا وبعث
فيها رسولًا، وكلهم متفقون على دعوة
واحدة ودين واحد، وهو عبادة الله وحده لا
شريك له، وبين أن بعثة الرسل أمر جرت به
السنة الإلهية في الأمم كلها.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِّ أُمٍَّ
رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَّ
فَمِنْهُم مَنْ هَدَى اَللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ الْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ
كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦].
قال الرازي في هذه الآية: ((فبین تعالی ان
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٢١٥/١.
مَوَسُولَهُ النَِّي
القرآن الكريم
٣٥٢

الأمر
بعبادة الله ونهيهم عن عبادة الطاغوت»(١).
وفي هذه الآية التصريح بأن الله أمر
جميع عباده بعبادته، واجتناب الشيطان و کل
ما يدعو إلى الضلال، وأنهم بعد ذلك فريقان
﴿فَمِنْهُم مَنْ هَدَى وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ
الضلالة﴾، فکان في ذلك دليل على أن أمر
الله سبحانه لا يستلزم موافقة إرادته فإنه یأمر
الكل بالإيمان، ولا يريد الهداية إلا للبعض؛
إذ لو أرادها للكل لم يكفر أحد(٢).
وقال ابن كثير بنحو ما ذكره الشوكاني
ردًا على المشركين في هذه الآية: ((فكيف
يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَآءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن
دُونِهِ مِنْ شَىْءٍ﴾ [النحل: ٣٥]، فمشيئته
تعالى الشرعية منتفية؛ لأنه نهاهم عن ذلك
على ألسنة رسله، وأما مشيئته الكونية، وهي
تمکینھم من ذلك قدرًا، فلا حجة لهم فيها؛
لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين
والكفرة، وهو لا يرضى لعباده الكفر، وله
في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة، ثم إنه
تعالى قد أخبر أنه عير عليهم، وأنكر عليهم
بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل)) (٣).
وقال البيضاوي في هذه الآية: ((بین الله
تعالى أن البعثة أمر جرت به السنة الإلهية
(١) مفاتيح الغيب، ٢٠/ ٢٠٤.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ١٩٤/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٤/ ٥٧٠.
سنته في عبيده إرسال الرسل إليهم، وأمرهم في الأمم كلها سببًا لهدى من أراد اهتداءه
وزيادة لضلال من أراد ضلاله، كالغذاء
الصالح فإنه ينفع المزاج السوي ويقويه،
ويضر المنحرف ويفنيه)» (٤)
وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أَنَّةٍ رَسُولٌّ فَإِذَا
جَآءُ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا
يُظْلَمُونَ ﴾ [يونس: ٤٧].
قال أبو حيان: ((لما بين حال الرسول
صلی الله عليه وسلم في قومه بين حال
الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- مع
أقوامهم؛ تسلية له وتطمينًا لقلبه، ودلت
الآية على أنه تعالى ما أهمل أمة، بل بعث
إليها رسولًا(٥).
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَكَ بِالْحَقِ بَشِيرًا
وَنَذِيرَاً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلََّّ خَلَا فِيَهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر:
٢٤].
قال الرازي في هذه الآية: «لما قال: ﴿إِنْ
أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ بين أنه ليس نذيرًا من تلقاء
نفسه إنما هو نذير بإذن الله وإرساله، ثم
قال تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلََّّ خَلَا فِيَهَا نَذِيرٌ﴾
تقریرًا لأمرين؛ أحدهما: لتسلية قلبه حيث
يعلم أن غيره كان مثله محتملًا لتأذي القوم.
وثانيهما: إلزام القوم قبوله، فإنه ليس بدعًا
من الرسل، وإنما هو مثل غيره يدعي ما
ادعاه الرسل ويقرره)»(٦).
(٤) أنوار التنزيل، ٢٢٦/٣ بتصرف يسير.
(٥) البحر المحيط، ٦/ ٦٦.
(٦) مفاتيح الغيب، ٢٣٤/٢٦.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الألف
وقال ابن عاشور: ((وفيه دفع توهم أن صلى الله عليه وسلم في أكثر من آية موقف
يكون قصره على النذارة قصرًا حقيقًا؛ لتبين الأمم السابقة من رسلهم، حيث وجد
الرسول صلى الله عليه وسلم من يكذب به
وبرسالته، فبين الله تعالى أن الأمم السابقة
قد حدث فيها هذا أيضًا ، وهي سنة أمثالهم
من كفرة الأمم بالله من قبلهم وتكذيبهم
رسل الله التي أرسلها إليهم.
أن قصره على النذارة بالنسبة للمشركين
الذين شابه حالهم حال أصحاب القبور، أي:
إن رسالتك تجمع بشارة ونذارة، فالبشارة
لمن قبل الهدى، والنذارة لمن أعرض عنه،
وكل ذلك حق؛ لأن الجزاء على حسب
قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ
الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيْنَتِ
وَ بِالزُّبْرِ وَبِالْكِتَبِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر: ٢٥].
القبول، فهي رسالة ملابسة للحق ووضع
الأشياء مواضعها ... ، وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّدٍ
إِلََّ خَلَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ إبطال لاستبعاد المشركين
قال المراغي في هذه الآية: ((وإن يكذبك
أيها الرسول مشرکو قومك فلا تبتئس بما
يفعلون، فقد كذب الذين من قبلهم من
الأمم رسلهم الذين جاءوهم بالمعجزات
الباهرة، والأدلة القاطعة، وبالكتب الواضحة
كالتوراة والإنجيل وصحف إبراهيم وزبور
داود»(٢).
أن يرسل الله إلى الناس بشرًا منهم، فإن
تلك الشبهة كانت من أعظم ما صدهم عن
التصديق به، فلذلك أتبعت دلائل الرسالة
بإبطال الشبهة الحاجبة على حد قوله تعالى:
﴿قُلّ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٩]،
وأيضًا في ذلك تسفيه لأحلامهم إذ رضوا
أن یکونوا دون غيرهم من الأمم التي شرفت
فكانت تلك الآيات تعزية وتسلية لنبينا
محمد صلی الله عليه وسلم حتى يثبت في
دعوته.
بالرسالة، ووجه الاقتصار على وصف النذير
هنا دون الجمع بینه وبین وصف البشير هو
مراعاة العموم الذي في قوله: ﴿وَإِن مِّنْ
أُمَّةٍ إِلَّ خَلَا فِيَهَا نَذِيرٌ﴾، فإن من الأمم من
لم تحصل لها بشارة؛ لأنها لم يؤمن منها
أحد))(١).
ثانيًا: موقف الأمم من الرسل:
أخبر الله سبحانه وتعالى نبيه محمدًا
(١) التحرير والتنوير، ٢٩٦/٢٢-٢٩٧.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ
كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ ) وَقَوْمُ
إِزْهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ ) وَأَصْحَبُ مَدْيَنٌَ وَكُذِّبَ
مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمَّ فَكَيْفَ
كَانَ تَكِيرِ﴾ [الحج: ٤٢-٤٤].
قال الطبري في هذه الآية: ((يقول تعالى
(٢) تفسير المراغي ١٢٤/٢٢.
٣٥٤
مُوسُوبة النفسية
القرآن الكريم

الأمة
ذكره مسليًا نبيه محمدًا صلى الله عليه
وسلم عما يناله من أذى المشركين بالله،
وحاضًا له على الصبر على ما يلحقه منهم
من السب والتكذيب: وإن یکذبك یا محمد
هؤلاء المشركون بالله على ما آتیتهم به من
الحق والبرهان، وما تعدهم من العذاب على
كفرهم بالله، فذلك سنة إخوانهم من الأمم
الخالية المكذبة رسل الله المشركة بالله
ومنهاجهم من قبلهم، فلا يصدنك ذلك،
فإن العذاب المهين من ورائهم ونصري إياك
وأتباعك علیھم آتیھم من وراء ذلك، كما
أتى عذابي على أسلافهم من الأمم الذين
من قبلهم بعد الإمهال إلى بلوغ الآجال)) (١).
ولم يكتف هؤلاء المشركون بالسب
والتكذيب بل جادلوا رسلهم بالباطل،
وهموا بقتلهم.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ
نُوُجِ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمٌّ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَِّ
بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهٌ وَجَدَلُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ
بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمّ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابٍ﴾ [غافر: ٥].
قال السعدي في هذه الآية: «ثم هدد من
جادل بآيات الله ليبطلها، كما فعل من قبله
من الأمم من قوم نوح وعاد والأحزاب من
بعدهم، الذين تحزبوا وتجمعوا على الحق؛
ليبطلوه، وعلى الباطل؛ لينصروه، وأنه
بلغت بهم الحال، وآل بهم التحزب إلى أنه
(١) جامع البيان، ٦٥٢/١٨.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُثَّةِ﴾ من الأمم ﴿يَرَسُولِمْ
لِيَأْخُذُوهُ﴾ أي: يقتلوه.
وهذا أبلغ ما يكون الرسل الذين هم قادة
أهل الخير الذين معهم الحق الصرف الذي
لا شك فيه ولا اشتباه، هموا بقتلهم، فهل
بعد هذا البغي والضلال والشقاء إلا العذاب
العظيم الذي لا يخرجون منه؟ ولهذا قال في
عقوبتهم الدنيوية والأخروية: ﴿فَأَخَذْتُهُمَّ
أي: بسبب تكذيبهم وتحزبهم ﴿فَكَفَ كَانَ
عِقَابٍ﴾؟! كان أشد العقاب وأفظعه، ما هو
إلا صيحة أو حاصب ينزل عليهم أو يأمر
الأرض أن تأخذهم، أو البحر أن يغرقهم
فإذا هم خامدون»(٢).
وقد بين الله سبحانه وتعالى لنبيه أنه
لا حجة بأيدي هؤلاء الكفار سوى تقليد
آبائهم الضالين، وهذا من أباطيلهم وشبههم
الزائفة، وأخبره أن غير هؤلاء من الكفار من
الأمم الماضية قد سبقهم إلى هذه المقالة.
قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُواْ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا
عَلَىْ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَ ءَاثَزِهِم ◌ُهْتَدُونَ () وَكَذَلِكَ
مَآ أَرْ سَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَاً
إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَةَنَا عَلَى أُنَّةٍ وَإِنَّا عَلَىْ ءَاتَرِهِم
مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢-٢٣].
قال الرازي: «لو لم یکن في کتاب الله إلا
هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد؛
وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم
(٢) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٣٢.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الألف
يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق ﴿مُقْتَدُونَ﴾؛ لأن الأول وقع في محاجتهم
النبي صلى الله عليه وسلم وادعائهم
عقلي ولا بدلیل نقلي، ثم بین أنهم إنما
ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف،
وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض
الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول
بالتقليد باطل ...
أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون
كآبائهم، فناسبه ﴿مُهْتَدُونَ﴾ والثاني وقع
حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون
الاهتداء، فناسبه ﴿مُقْتَدُونَ﴾، وفى هذا
تسلية لرسوله صلی الله عليه وسلم ودلالة
علی أن التقليد في نحو ذلك ضلال قدیم،
وتخصيص المترفين بالذكر؛ للإشعار بأن
الترف هو الذي أوجب البطر وصرفهم عن
النظر إلى التقليد(٣).
ثم بين الله سبحانه وتعالى أن الداعي
إلى القول بالتقليد والحامل عليه، إنما
هو حب التنعم في طيبات الدنيا وحب
الكسل والبطالة، وبغض تحمل مشاق
النظر والاستدلال؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَالَ
مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَ ابَلْءَنَا عَلَى أُمَِّ﴾ والمترفون:
هم الذين أترفتهم النعمة أي: أبطرتهم فلا
يحبون إلا الشهوات والملاهي ويبغضون
تحمل المشاق في طلب الحق، وإذا عرفت
هذا علمت أن رأس جميع الآفات حب
الدنيا واللذات الجسمانية، ورأس جميع
الخيرات هو حب الله والدار الآخرة))(١).
وهذا الاحتجاج من هؤلاء المشركين
الضالين، بتقليدهم لآبائهم الضالين، ليس
المقصود به اتباع الحق والهدى، وإنما هو
تعصب محض، يراد به نصرة ما معهم من
الباطل، ولهذا كل رسول يقول لمن عارضه
بهذه الشبهة الباطلة (٢).
وإنما قال أولًا ﴿مُهْتَدُونَ﴾، وثانيًا:
(١) انظر: مفاتيح الغيب، ٦٢٧/٢٧ - ٦٢٨.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٦٤.
(٣) تفسير المراغي ٢٥/ ٨٠.
مُوسُوبَةُ النَّفِيد
جوسى
القرآن الكريم
٣٥٦

الأمة
الاختلاف بين الأمم
من سنن الله تعالى في خلقه أن جعلهم
مختلفين في ألوانهم وصورهم وألسنتهم،
وكذلك أيضًا جعلهم مختلفين في عقائدهم
وأفكارهم وتصوراتهم، وعن هذا النوع
الأخير من الاختلاف سيكون حديثنا في
النقاط الآتية:
أولًا: سنة الاختلاف بين الأمم:
لقد خلق الله تعالى البشر مختلفين
في الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية،
متفاوتين في العقول، مختلفين في التفكير
تتصادم مصالحهم وتتنازع رغباتهم، وهذا
الاختلاف بين في المشارب والأهواء، سنة
من سنن الله في الخلق والتكوين.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَعَلَ النَّاسَ
أُنَّةً وَحِدَةٌ وَلَا يَزَالُونَ تُخْتَلِفِينَ (١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ
رَبُّكَّ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٨-١١٩].
قال ابن كثير في هذه الآية: ((يخبر تعالى
أنه قادر على جعل الناس كلهم أمة واحدة،
من إيمان أو كفران، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ
شَآءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِ الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾
[يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ
﴿ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾، أي: ولا يزال
الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات
مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم» (١).
(١) تفسير القرآن العظيم، ٣٦١/٤.
وقال السعدي: ((يخبر تعالى أنه لو شاء
لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الدين
الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا
يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته،
أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط
المستقيم، كل يرى الحق، فيما قاله،
والضلال في قول غيره، وقوله: ﴿وَلِذَالِكَ
خَلَقَهُمْ﴾ أي: اقتضت حكمته، أنه خلقهم،
ليكون منهم السعداء والأشقياء، والمتفقون
والمختلفون، والفريق الذين هدى الله،
والفريق الذين حقت عليهم الضلالة؛ ليتبين
للعباد، عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في
الطباع البشرية من الخير والشر، ولتقوم
سوق الجهاد والعبادات التي لا تتم ولا
تستقيم إلا بالامتحان والابتلاء)»(٢).
وقد بين الله سبحانه وتعالى الحكمة
من ذلك، حيث قال جل شأنه: ﴿وَلَوْ شَآءُ
اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةٌ وَلَيْكِن لِيَبْلُوَّكُمْ فِي مَّا
ءَاتَنَكُمْ﴾ [المائدة: ٤٨].
قال الخازن في هذه الآية: ((﴿وَلَوْ شَآءَ
اُللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ ﴾ يعني: جماعة
متفقة على شريعة واحدة ودين واحد لا
اختلاف فيه ﴿وَلَكِن ◌ِّيَبْلُوَكُمْ﴾ يعني: ولكن
أراد أن يختبركم ﴿فِي مَآ ءَاتَمَكُمْ﴾ يعني: من
الشرائع المختلفة هل تعملون بها أم لا؟
فيتبين بذلك المطيع من العاصي والموافق
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص ٣٩٢.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الألف
من المخالف))(١)، وقد سلى الله تعالى كقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى
رواية
نبينا محمدًا صلی الله عليه وسلم على ما
کان یناله من قومه، حیث كان حريصًا على
هداهم، فبين الله تعالى له الحكمة في ذلك،
حيث قال جل شأنه: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً
وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِ رَحْمَيْهِ، وَالظَّالِمُونَ
مَا لَهُمْ مِّن وَإِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [الشورى: ٨].
رسوله على ما كان يناله من الغم والهم بتولي
قومه عنه، و عدم استجابة دعوته، وأعلمه أن
أمور عباده بيده، وأنه الهادي إلى الحق من
يشاء، والمضل من أراد فقال: ﴿وَلَوْ شَآءَ
اللَّهُ لَعَلَهُمْ أُمَّةً وَحِدَةٌ وَلَكِن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِى
رَحْمَيْدٍ وَالظَّالِمُونَ مَالَهُ مِّن وَلِيٍّ وَلَّا نَصِيرٍ﴾ أي:
ولو شاء الله لجعل الجميع مؤمنين كما تريد
وتحرص عليه.
ولكن حكمته اقتضت أن يكون بعضهم
مؤمنين كما تحب، وبعضهم كفارًا وهم
الذين اتخذوا من دون الله أولياء؛ لأنه
سبحانه شاء أن يكون الإيمان مبنيًّا على
التكليف والاختيار ...
ولو شاء لجعل الإيمان بالقسر والإلجاء،
فكان الناس جميعًا أمة واحدة، ولكن له
الحجة البالغة، والمثل الأعلى، لم يشأ ذلك،
فلا تأس على عدم إيمان قومك ...
وقد جاء هذا المعنى في غير آية ... منها
(١) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥١.
وَلَوْ شِئْنَا لَأَتِنَا كُلّ
[الأنعام: ٣٥]، وقوله:
نَفْسِ هَدْنَهَا ﴾ [السجدة: ١٣])(٢).
وقال ابن عاشور في هذه الآية: ((أي:
ولكن شاء مشيئة أخرى جرت على وفق
حكمته، وهي أن خلقهم قابلين للهدى
والضلال بتصاريف عقولهم وأميالهم،
قال المراغي في هذه الآية: ((ثم سلى ومكنهم من كسب أفعالهم وأوضح لهم
طريق الخير وطريق الشر بالتكليف، فكان
منهم المهتدون وهم الذین شاء الله إدخالهم
في رحمته، ومنهم الظالمون الذين ﴿مَا لَهُمُ
مِن وَلِيٍ وَلَا نَصِيرٍ﴾ ...
وهذا مسوق؛ لتسلية الرسول صلى الله
علیه وسلم والمؤمنین علی تمنيهم أن يكون
الناس كلهم مهتدين، ويكون جميعهم في
الجنة))(٣).
وقد جاء في الحديث ما يؤكد على هذا
الاختلاف، فعن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين
وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق
أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) (٤).
(٢) تفسير المراغي ١٨/٢٥-١٩.
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٩/٢٥.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب
شرح السنة، رقم ٤٥٩٦، والترمذي في سننه،
باب ما جاء في افتراق هذه الأمة، رقم ٢٦٤٠.
قال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)).
٣٥٨
مُوسُوبَةُ الْبَقِيَة
القرآن الكريم

الأمة
١. الاختلاف العقدي.
قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيِنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ
اُلْكِنَبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيَةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا
جَآءَ تْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيّاً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اَللّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ، وَاللَّهُ
يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة:
٢١٣]
قال الرازي في قوله تعالى: ((﴿وَمَا
أُخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾ أي: وما اختلف
في الحق إلا الذين أوتوا الكتاب.
وقال أكثر المفسرين: المراد بهؤلاء:
اليهود والنصارى، والله تعالى كثيرًا ما
يذكرهم في القرآن))(١).
والمراد بالاختلاف الذي بعث الله
النبيين؛ ليحكموا فيه بين الناس: هو
الاختلاف في الآراء والنحل والأديان
والمعتقدات المتعلقة بما يسعد الإنسان به
أو يشقى في الآخرة والدنيا، والاختلاف
الواقع بینھم علی أوجه منها:
الاختلاف في أصل النحلة، وهو قول
جماعة من المفسرين (٢).
قال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ
مُخْتَلِفِينَ (٣٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨]،
(١) مفاتيح الغيب، ٦/ ٣٧٦ بتصرف يسير.
(٢) انظر: الاعتصام، الشاطبي ٢/ ٦٧١.
((اليهود والنصارى والمجوس، والحنيفية،
وهم الذين رحم ربك))(٣).
وأصل هذا الاختلاف هو في التوحيد
والتوجه للواحد الحق سبحانه ، فإن الناس
في عامة الأمر لم يختلفوا في أن لهم مدبرًا
يدبرهم وخالقًا أوجدهم، إلا أنهم اختلفوا
في تعيينه على آراء مختلفة، من قائل
بالاثنين وبالخمسة، وبالطبيعة أو الدهر، أو
بالكواكب، إلى أن قالوا: بالآدميين والشجر
والحجارة وما ينحتون بأيديهم، ومنهم من
أقر بواجب الوجود الحق لكن على آراء
مختلفة أيضًا، إلى أن بعث الله الأنبياء مبينين
لأممهم حق ما اختلفوا فيه من باطله، فعرفوا
بالحق على ما ينبغي، ونزهوا رب الأرباب
عما لا يليق بجلاله من نسبة الشركاء
والأنداد، وإضافة الصاحبة والأولاد، فأقر
بذلك من أقر به، وهم الداخلون تحت
مقتضى قوله تعالى: ﴿إِلَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾
[هود: ١١٩] (٤).
وفي وقوله تعالى: ﴿فَهَدَى اَللَّهُ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة:
٢١٣].
قال زيد بن أسلم: ((اختلفوا في
يوم الجمعة؛ فاتخذ اليهود يوم السبت
والنصارى يوم الأحد، فهدى الله أمة محمد
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٦/ ٢٠٩٤.
(٤) الاعتصام، الشاطبي ٦٧١/٢ - ٦٧٢.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الألف
﴾ [التوبة: ٣٠].
يُؤْفَكُونَ
ليوم الجمعة، واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت
النصارى الشرق واليهود بيت المقدس،
وهدى الله أمة محمد للقبلة، واختلفوا في
الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم
من يسجد ولا يركع ومنهم من يصلي وهو
یتکلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدی
الله أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا
في الصيام فمنهم من يصوم النهار، ومنهم
من يصوم من بعض الطعام، فهدى الله
أمة محمد للحق من ذلك، واختلفوا في
إبراهيم، فقالت اليهود: كان يهوديًا.
وقالت النصارى: کان نصرانيا، وجعله
الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد،
للحق من ذلك، واختلفوا في عيسى،
فكذبت به اليهود وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا،
وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله
روحه و کلمته، فهدی الله أمة محمد للحق
من ذلك»(١).
وقد ذكر الله تعالى أمثلة على اختلاف
أهل الكتاب وغيرهم من أهل الشرك فيما
وَقَالَتِ
يعتقدونه، حيث قال تعالى:
اَلْيَهُودُ عُزَيْرُ أَبْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَرَى
الْمَسِيحُ أَبْنُ اللَّهِّ ذَلِكَ قَوْلُهُم
بِأَفْوَهِهِمْ يُضَهِفُونَ قَوَّلَ الَّذِينَ
كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى
قال السعدي: ((﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ
أَبْنُ اللَّهِ﴾ وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة
لعامتهم فقد قالها فرقة منهم، فیدل ذلك على
أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم
إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرءوا فيها
علی الله، وتنقصوا عظمته وجلاله، وقد
قيل: إن سبب ادعائهم في ﴿عُزَيْرٌ﴾ أنه
ابن الله، أنه لما سلط الله الملوك على بني
إسرائيل، ومزقوهم كل ممزق، وقتلوا حملة
التوراة، وجدوا عزيرًا بعد ذلك حافظًا لها
أو لأكثرها، فأملاها عليهم من حفظه،
واستنسخوها، فادعوا فيه هذه الدعوى
الشنيعة. ﴿وَقَالَتِ النَّصَرَى الْمَسِيحُ﴾
عيسى ابن مريم ﴿أَبْنُ اللَّهِ﴾))(٢).
واختلف في سبب قولهم لذلك على
قولين:
أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من
البشر قالوا: إنه ابن الله! تعالى الله عن ذلك.
الثاني: أنهم قالوا ذلك؛ لأجل من أحياه
من الموتى وأبرأه من المرضى (٣).
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ القول الذي
قالوه ﴿قَوْلُهُم بِأَفْوَهِهِمْ﴾ لم يقيموا
علیه حجة ولا برهانًا، ومن كان لا يبالي بما
يقول، لا يستغرب عليه أي قولٍ يقوله، فإنه
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن أبي حاتم
٣٧٨/٢.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٤.
(٣) النكت والعيون، الماوردي ٣٥٣/٢.
٣٦٠
جويق
القرآن الكْرِيْمِ

الأمة
لا دین ولا عقل یحجزه عما یرید من الكلام،
ولهذا قال: ﴿يُضهُونَ ﴾ أي: يشابهون
في قولهم هذا ﴿قَوَّلَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ
قَبْلُ﴾ أي: قول المشركين الذين يقولون:
(الملائكة بنات الله) ﴿تَشَبَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
[البقرة: ١١٨]، فتشابهت أقوالهم في البطلان،
﴿قَنَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
أي: كيف يصرفون على الحق، الصرف
الواضح المبين، إلى القول الباطل المبين(١).
والخلاصة في القول: إن الاختلاف بين
الأمم من أهل الكتاب وغيرهم قد يكون في
المعتقدات، وفي أصل التوحيد.
٢. الاختلاف في الشرعة والمنهاج.
ذكر الله جل وعلا في كتابه الكريم أنه
جعل لكل أهل ملة من الأمم شريعة ومنهجًا
واضحًا.
قال تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً
وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: ٤٨].
اختلف أهل التأويل في معنى قوله
تعالى: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَامِنكُمْ ﴾ إلى قولین.
قال ابن الجوزي: ((وللمفسرين فيها
قولان:
أحدهما: أن المعنى: لكل ملة جعلنا
شرعةً ومنهاجًا، فلأهل التوراة شريعة،
ولأهل الإنجيل شريعة، ولأهل القرآن
شريعة، هذا قول الأكثرین.
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٣٣٤.
والثاني: أن المعنى: لكل من دخل في
دين محمد جعلنا القرآن شرعةً ومنها جًا))(٢).
والشرعة والشريعة في الأصل: الطريقة
الظاهرة، ثم استعملت فيما شرعه الله لعباده
من الدين، والمنهاج: الطريق المستقيم (٣)،
وبينهما فرق لطيف، وهو أن الشريعة: هي
التي أمر الله بها عباده، والمنهاج: الطريق
الواضح المؤدي إلى تلك الشريعة (٤).
وفي الآية إخبار عن الأمم المختلفة
الأديان، باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام
من الشرائع المختلفة في الأحكام، المتفقة
في التوحيد، وأما الشرائع فمختلفة في
الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه
الشريعة حرامًا ثم يحل في الشريعة الأخرى،
وبالعكس، وخفيفًا فيزاد في الشدة في هذه
دون هذه، وذلك لما له تعالى في ذلك من
الحكمة البالغة، والحجة الدامغة (٥).
وهذا يدل على عدم التعلق بشرائع
الأولين(٦)، لذلك احتج بهذه الآية من قال
من العلماء بأن شرع من قبلنا لا يلزمنا؛ لأن
قوله: ﴿لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾
يدل على أن كل رسول جاء بشريعة خاصة
(٢) زاد المسير، ٥٥٥/١ بتصرف واختصار.
(٣) انظر: تفسير الراغب الأصفهاني ٣٧٠/٤.
(٤) لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥١.
(٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٢٩/٣.
(٦) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢١١/٦.
www. modoee.com
٣٦١

حرف الألف
فلا يلزم أمة رسول الاقتداء بشريعة رسول
آخر (١).
قال تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّتِ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ
وقال أبو زهرة في هذه الآية: ((الخطاب نَاسِكُوهٌ فَلَا يُنَزِعُنَّكَ فِ آلْأَمْيْ وَأَدْعُ إِلَى رَبِّكَ
إِنَّكَ لَعَلَى هُدَّى مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٦٧].
اليهود والنصارى والمسلمين وغيرهم من
الذين أوتوا كتابًا نزل بشريعة من عند الله
تعالى.
والمعنى على هذا: أن لكل نبي من
الأنبياء السابقين شرعة يسير نحوها، ويتجه
إليها، ومنهاجًا واضحًا بينًا يسير في طريقه،
ولا یخرج منه، والذین یعاصرونه -أي: النبي
صلى الله عليه وسلم - هم الذين يخاطبون
بشرعته، ويسيرون في منهاجه، فالذين نزل
فيهم القرآن مخاطبون بما جاء في القرآن،
وشرعته ومنهاجه لهم؛ لأن شرعة الأنبياء
السابقین ومنها جهم قد انتهیا بمبعث محمد
صلى الله عليه وسلم، وبقي من شرائعهم ما
يقره القرآن، وما جاء النص بإقراره))(٢).
والخلاصة في القول: إن لكل أهل ملة من
الأمم السابقة جعل الله لها شريعة ومنهجًا
واضحًا يبينه، وأن أصل الدين المتفق عليه
بين الرسل هو التوحيد، وأن الشرائع السابقة
قد انتهت بمبعث نبينا محمد صلى الله عليه
وسلم، وأن الشرعة: هي الشريعة التي أمر
الله بها عباده، والمنهاج: هو الطريق الواضح
المؤدي إلى تلك الشريعة. والله أعلم.
٣. الاختلاف بالنسك.
قال الطبري: ((وقوله: ﴿لَكُلِّ أُمَّتِ جَمَلْنَا
مَنسَكًا﴾ يقول: لكل جماعة قوم خلت من
قبلك يا محمد، جعلنا مألفًا يألفونه، ومكانًا
يعتادونه لعبادتي فيه، وقضاء فرائضي،
وعملًا يلزمونه، وأصل المنسك في كلام
العرب الموضع المعتاد الذي يعتاده الرجل
ویألفه لخير أو شر، يقال: إن لفلان منسكًا
يعتاده: يراد مكانًا يغشاه ويألفه لخير أو شر،
وإنما سميت مناسك الحج بذلك؛ لتردد
الناس إلى الأماكن التي تعمل فيها أعمال
الحج والعمرة)»(٣).
وقال السعدي في هذه الآية ﴿لَكُلِّ
أُمَّدٍ جَعَلْنَا مَنَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾: ((يخبر
تعالى أنه جعل لكل أمة ﴿مَنَكًا﴾ أي:
معبدًا وعبادة، قد تختلف في بعض الأمور،
مع اتفاقها على العدل والحكمة، ﴿هُمْ
نَاسِكُوهُ﴾ أي: عاملون عليه بحسب
أحوالهم، فلا اعتراض على شريعة من
الشرائع، خصوصًا من الأميين، أهل الشرك
والجهل المبين» (٤).
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَا يُزِعُنَّكَفِ
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٥١.
(٢) زهرة التفاسير، ٢٢٢٦/٤-٢٢٢٧ بتصرف (٣) جامع البيان، ٦٧٨/١٨-٦٧٩ بتصرف يسير.
واختصار.
(٤) تیسیر الکریم الرحمن، ص ٥٤٥ باختصار.
٣٦٢
مَوَسُولَةُ الْتَّخِـ
جوبيبو
القرآن الكريم

الأمة
الْأَمْىِّ﴾ .
قال القاسمي: ((أي: في ذلك الجعل
والوضع والحوار في تنوعه في كل أمة،
وعدم وحدته، أو في أمر ما جئتهم به؛ لأنهم
جاهلون بحکمته سبحانه وتعالى في تکوین
الأمم وتربيتها بالشرائع المناسبة لزمنها
ومكانها، وحياتها ومنشئها))(١).
فلكل زمان ما يليق به من الشرائع التي
تناسب من فيه في تلك الحقبة.
وقال تعالى: ﴿وَلِكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا
مَنْسَكَا فِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ
بَهِيمَةِ الْأَنْعَمِّ فَإِلَ هُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ
وَشْرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج: ٣٤].
قال النيسابوري في قوله تعالى:
﴿وَلِكُلِّ أُنَِّ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ أي:
(موضعًا أو وقتًا يذبح فيه النسائك أي:
الذبائح لوجهه على جهة التقرب، وجعل
الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على
نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه
بذلك قائلًا: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾))(٢)، أي:
فإن معبودكم واحد، وإن اختلفت العبادات
بحسب الأزمنة والأمكنة، ونسخ بعضها
بعضًا، فما المقصد منها جميعًا إلا عبادة الله
وحده لا شريك له(٣).
وإنما اختلفت التكاليف باختلاف
(١) محاسن التأويل، ٧/ ٢٧٣ بتصرف واختصار.
(٢) غرائب القرآن، ٨١/٥ بتصرف واختصار.
(٣) تفسير المراغي ١٧/ ١١٣.
الأزمنة والأشخاص؛ لاختلاف المصالح،
لا لتعدد الإله (٤).
والخلاصة في القول: أن النسك يختلف
باختلاف الشرائع والأمم، فلكل أمة منسكًا
هم ناسکوه.
(٤) انظر: غرائب القرآن، النيسابوري ٨١/٥.
www. modoee.com
٣٦٣

حرف الألف
الأمة المحمدية
من سنة الله في خلقه سنة التفاضل،
فقد خلق سبع سماوات ثم اختار سابعها،
وخلق الملائكة واصطفی منهم جبريل،
وخلق الأرض وكرم منها مكة، وخلق البشر
واصطفى منهم الرسل، وكذلك خلق الأمم
واصطفى منهم أمة محمد صلى الله عليه
وسلم.
وسيتم الحديث عن اصطفاء الله لهذه
الأمة من خلال النقاط الآتية:
أولًا: دعوة إبراهيم وإسماعيل عليهما
السلام:
أخبر الله عز وجل عن إبراهيم وإسماعيل
عليهما السلام، وما كانا يفعلان في بناء
البيت، وما كانا يقولان وهما يبنيان، حيث
قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَّهِعُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ
اَلْعَلِيمُ (١) رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآَ
أُكَّةَّ ◌ُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَّاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ
التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿ رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيِهِمْ رَسُولًا
مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ
وَاُلْحِكْمَةَ وَيُزَكِِّمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[البقرة: ١٢٧-١٢٩].
قال المراغي: ((﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إَِّهِمُ الْقَوَاعِدَ
مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ﴾ أي: واذكروا إذ
يرفع إبراهيم قواعد البيت وأساسه، وهذا
نص في أنهما هما اللذان بنياه لعبادة الله
في تلك البلاد الوثنية ... ﴿رَبِّنَا فَقَبَّلْ مِنََّ ﴾
أي: إن إبراهيم وإسماعيل كانا يقولان في
رَبَّنَا
دعائهما وهما يرفعان قواعد البيت:
نَقَبَّلْ مِنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ أي: ربنا
أنت السميع لدعائنا، العليم بنياتنا في جميع
أعمالنا))(١).
وفي الآية دلیل: أن الإنسان إذا عمل خيرًا
ينبغي أن يدعو الله بالقبول، ويقال: ينبغي أن
يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد
الفراغ أشد من شغله بالعمل، لأن الله تعالى
قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة:
٢٧] (٢) .
وفي الآية كذلك تذكير للعرب بأن
الذي بنى البيت هو أبوهم إبراهيم بمعونة
ابنه إسماعيل؛ ليجذبهم بذلك إلى الاقتداء
بسلفهم الصالح الذي ينتمون إليه ویفاخرون
به، وقد كانت قريش تنتسب إلى إبراهيم
وإسماعيل، وتدعى أنها على ملة إبراهيم،
وسائر العرب في ذلك تبع لقريش (٣).
وقال البيضاوي في قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا
وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي: ((مخلصين لك، من
أسلم وجهه، أو مستسلمين من أسلم، إذا
استسلم وانقاد، والمراد: طلب الزيادة في
(١) تفسير المراغي ٢١٥/١ باختصار.
(٢) تفسير السمر قندي ١/ ٩٣.
(٣) انظر: تفسير المراغي ٢١٥/١.
٣٦٤
مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ