Indexed OCR Text
Pages 21-34
الألوهية
منهج القرآن في إثبات الألوهية
لقد انتهج القرآن الكريم العديد من
المناهج لإثبات الألوهية، وجميع هذه
المناهج والأدلة يمكن فهمها واستيعابها
لجميع البشر وعلى جميع المستويات؛ لأنها
من لدن علیم خبیر، فلا یکون عذر لبشر بعد
إقامة الأدلة على وحدانية الله، في وجود
العقل، وتكوين الفطرة.
أولًا: المنهج الفطري:
يقرر القرآن الكريم حقيقةً كبيرةً، وهي أن
الإنسان قد خلقه الله على فطرة سليمة تتجه
إلى بارئها وتلجأ إليه، فقد جبلت النفوس
على معرفة خالقها سبحانه وتعالى، منذ أن
أخذ الله جل جلاله العهد والميثاق على
أبناء آدم يتضمن الاعتراف على أنفسهم أن
الله ربهم ومالكهم وأنه لا إله إلا الله، وذلك
حين خلق آدم وأخذ من ظهور ذريته ذريتهم
في عالم الذرة، حيث قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ
رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ◌َادَمَ مِن ظُهُوِرِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدْنَا
أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ
(٧٢)﴾ [الأعراف: ١٧٢](١).
وكل مولود في هذا الوجود يولد على
الفطرة؛ ولذلك يخاطب الله تعالى الإنسان
ويذكره بهذه الفطرة بأسلوب وجداني حي؛
(١) انظر: التفسير الوسيط، الزحيلي ٧٤٩/١.
ليوقظ إحساسه بالأمور الإيمانية والعقيدة،
وأهمها: توحيد الله تعالى وإفراده بالعبادة.
ولقد سلك القرآن الكريم المنهج
الفطري للتعرف على الله وإثبات ألوهيته،
يعرض القرآن الكريم قضية التوحيد، ويدعو
الناس لتوحيد الله ونبذ الشركاء والأنداد،
ويقيم الحجج والبراهين على وحدانية
الله تعالى، فقد دعا إلى النظر في ملكوت
السماوات والأرض، وجعل هذا النظر
والتفكر هو المنهج القويم لمن يريد أن
يعرف الله ويؤمن به من خلال المشاهدات
المحسوسة اليسيرة التي يتعامل معها الناس
جميعًا.
وآثار الله سبحانه وتعالى تتجلى لنا في
هذا الوجود الذي تعمل فيه حواسنا وعقولنا
دون أن تقع في مجال الحس والإدراك؛
ولهذا فرض الله سبحانه وتعالى معرفة ذاته
وأسمائه وصفاته وأفعاله على العباد من
خلال آثاره في الآفاق وفي أنفسهم؛ حتى
يتبين للناس جميعًا أنه الحق(٢).
فمن المشاهدات الأولية اليسيرة في حياة
الناس يكون التوصل إلى الإيمان بخالق
الكون ومدبره قيوم السماوات والأرض
بالنظر والتفكر والتدبر والتذكر، فلا نقرأ
الآيات إلا ونراها تعرض علينا الأكوان،
وتأمرنا بالنظر فيها واستخراج أسرارها؛ لذا
(٢) انظر: التوحید، عمر العرباوي، ص ٥٢.
www. modoee.com
٢٧٧
حرف الألف
كانت كل الأدلة ملموسة في حياتنا (١).
﴿أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ
قال تعالى:
كَيْفَ خُلِقَتْ ، وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ
١٨
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ﴿ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ
سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧ - ٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَأَنْتُ أَشَدُّ خَلْقَا أَمِ النَّمَاءُ بَنَهَا
أَرَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّنَهَا ( ٥) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ
٢٧
ضُعَنِهَا (١) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَتَهَا ( أَخْرَجَ
مِنْهَا مَآءَهَا وَمَرْعَنَهَا وَاَلْجِبَالَ أَرْسَهَا )
لَكُ وَلِأَتْعَمِكُمْ﴾﴾، [النازعات: ٢٧ -٣٣].
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَجَعَلِ الْأَرْضَ مِهَدًا لَ
٦
وَاَلْجِبَالَ أَوْتَادًا وَخَلَقْنَكُمْ أَزْوَجَاء ◌ِ وَجَعَلْنَا
نَوْمَّكُمْ سُبَانًا وَجَعَلْنَا اَلَيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا
التَّهَارَ مَعَاشًا وَبَنَّيْنَا قَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا
وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاَجَا وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَتِ
مََّ تَجَّاجً ا لِتُخْرِجَ بِهِ حَبًَّ وَبَبَاتًا { وَجَنَّتٍ
أَلْفَافًا﴾ [النبأ: ٦ - ١٦].
الفعال في إيجاد القناعات لديهم، وهي
الطريقة المثلى لتحريك كوامن الفطرة
السليمة، واستجاشتها عندهم)»(٢).
إن وراء خلق الكون قوة خارقة، وقد
عرفها العربي بفطرته فقال: البعرة تدل على
البعير، والقدم تدل على المسير، فسماء
ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل
كل ذلك على اللطيف الخبير؟ !! إنه دليل
فطري، يدلك على وجود القوة، إنها الطريقة
الفطرية في المحاجة والاستدلال، والقرآن
بدأ هذه البدايات الميسرة، وتوصل إلى
تلك النتائج الباهرة المقنعة من خلال إقامة
البراهين، هذه هي القضية التي يراد إثباتها
والاستدلال عليها، وهي قضية: تفرد الله
سبحانه وتعالى بالخلق والإيجاد، وعدم
وجود الشركاء له في ذلك(٣).
ويعرض القرآن الكريم موضوع الخلق
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة البيئة والموت والرزق بطريقة توقظ الفطرة،
وتحرك الوجدان لمعرفة الله تعالى،
ولمعرفة أنه سبحانه المتفرد بهذا الرزق
والعطاء، وأن الإنسان مهما بذل من جهد فهو
ويقول الدكتور صلاح الخالدي: ((إن لا ينشئها في الحقيقة، وإنما يعمل فيها بسنة
الله ومشيئته، ولكن المنشئ والخالق هو
الله سبحانه وتعالى، وهذه حجج وبراهين
على إمكان البعث، وإثبات أنه في مقدور
التي تبین عظمة الخالق وقدرته، والتي تدعو
إلى الرجوع للفطرة السليمة التي بها نعرف
الخالق العظيم.
مخاطبة الناس بما يدركون، والاستدلال
على القضايا بما يحسون، وضرب الأمثال
بما يفقهون، والاستدلال من خلالها على
ما يعقلون، هو الأسلوب الفطري المؤثر
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ١/ ٢٠٨.
(٢) مباحث في التفسير الموضوعي، ص ١٠٦.
(٣) انظر: تفسير الشعراوي، ١٩٦٣/٤.
٢٧٨
مَوَسُولَةُ الْبَة
القرآن الكريم
الألوهية
الله، بضرب الأمثلة والنظائر المشاهدة وتصورًا كاملًا لهذا الوجود.
المحسوسة التي لا يمكن إنكارها(١).
قال تعالى: ﴿فَحْنُ خَلَقْنَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ
(١٨) وَأَنْتُمْ تَمَلُّقُونَهُ: أَمْ
أَفَّهَ يْتُم مَّا تُمْنُونَ
نَحْنُ الْخَالِقُونَ ) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ
بِمَسْبُوقِينَ ) عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ أَمْثَلَكُمْ وَتُنَشِئَكُمْ
فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى
فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴿ أَفْرَءَيْتُمْ مَّا تَُّونَ (٣) ◌َأَنْتُمْ
لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ
تَزْرَعُونَهُ: أَمْ فَحْنُ الَّرِعُونَ ()
حُطَمَا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ﴿ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ
ا بَلَّ
١٦
◌َحْنُ مَحْرُوُمُونَ ( ٧) أَفَرَّهَ يْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
٦٨
◌َأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ، لَوْ
أفْرَء يتم
نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أَجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَّ
النَّارَ الَّتِى تُورُونَ (٦) ءَأَنتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ
نَحْنُ جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا
المُنشِئُونَ
لِلْمُقْوِينَ { فَسَبِّحْ ◌ِأَسْمِ رَبِّكَ اَلْعَظِيمِ﴾
[الواقعة: ٥٧-٧٤].
يقول سيد قطب في تفسيره لهذه الآيات:
وفيه تنجلي طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة
البشرية، وفي تناول الدلائل الإيمانية، وفي
التلطف إلى النفوس في بساطة ویسر، وهو
يتناول أكبر الحقائق في صورها القريبة
الميسورة، إن هذا القرآن يجعل من مألوفات
البشر وحوادثهم المكرورة قضايا كونية
كبرى، يكشف فيها عن النواميس الإلهية في
الوجود، وينشئ بها عقيدة ضخمة شاملة،
(١) انظر: التفسير الواضح، حجازي ٦٠١/٣.
إن طريقة القرآن في مخاطبة الفطرة
البشرية تدل بذاتها على مصدره، إنه
المصدر الذي صدر منه الكون، فطريقة
بنائه هي طريقة بناء الكون، المشاهدات
التي تدخل في تجارب كل إنسان: النسل،
والزرع، والماء، والنار، أي إنسان على ظهر
هذه الأرض لم تدخل هذه المشاهدات في
تجاربه؟ أي ساكن كهف لم يشهد نشأة حياة
جنينية، ونشأة نبتة، ومسقط ماء، وموقد نار.
ومن هذه المشاهدات التى رآها أي
إنسان ينشئ القرآن العقيدة؛ لأنه يخاطب
كل إنسان في كل بيئة، وهذه المشاهدات
اليسيرة الساذجة هي بذاتها أضخم الحقائق
الكونية وأعظم الأسرار الربانية، فهي في
بساطتها تخاطب فطرة كل إنسان. وهي في
حقيقتها موضوع دراسة أعلم العلماء إلى
آخر الزمان (٢).
ويعرض لنا القرآن الكريم جانبًا منها
بطريقة تصويرية أخاذة، تبين كمال قدرة الله
جل جلاله الذي أنزل هذا الماء من السحاب
الرقيق اللطيف، وجعل فيه ماء غزيرًا منه
يشربون وتشرب مواشيهم، ويسقون منه
حروثهم؛ فتخرج لهم الثمرات الكثيرة
والنعم الغزيرة، فيرسم لها صورة شاملة
متكاملة، ثم يخلص إلى النتيجة والتوجيه
(٢) في ظلال القرآن: ٦/ ٣٤٦٦، باختصار.
www. modoee.com
٢٧٩
حرف الألف
والقناعة الوجدانية.
كما في قوله عز وجل: ﴿ هُوَ الَّذِىّ
أَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَاءٌ لَّكُمٌ مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ
شَجَرٌ فِيهِ ثُِيمُونَ ) يُنْبِتُ لَكُمْ
بِهِ الزََّعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَبَ
وَمِن كُلِّ الثَّمَرَتُّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّقَوْمٍ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠-١١](١).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ
السَمَآِ مَآءُ فَسَلَكُهُ يَنَبِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ
بِهَ زَرْعًا تُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ، ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَهُ مُصْفَرًّا
ثُمَّ يَجْعَلُهُ، حُطَمَاً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُوْلِىِ
الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ٢١](٢).
ثانيًا: المنهج العقلي:
لقد اهتم القرآن الكريم بالعقل كثيرًا،
حيث تواردت النصوص التي تحض على
التفكير، وتذم الذين يعطلون عقولهم
عما خلقت من أجله من تفكر سليم وعقل
صحيح، حيث قال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الذَّوَابِ
عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾
[الأنفال: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَلُ نَضْرِيُّهَا
لِلنَّاسِّ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَلِمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤٣].
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٤٣٦.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٤٩/٧.
فالإسلام ينوه تنويهًا كبيرًا بالعقل ويعلي
من مكانته وقيمته، ونجد شاهدًا على ذلك
في الآيات القرآنية التي تنزلت بشأنه، فالعقل
هو هبة الله جل جلاله للإنسان؛ ولذلك
جعله الله سبحانه وتعالى سببًا للتكليف،
ومناطًا للمسؤولية.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:
((فالاستدلال على الخالق بخلق الإنسان في
غاية الحسن والاستقامة، وهي طريقة عقلية
صحيحة، وهي شرعية، دل عليها القرآن
وهدى الناس إليها؛ فإن نفس كون الإنسان
حادثًا بعد أن لم يكن، ومخلوقًا من نطفة
ثم من علقة، فإن هذا يعلمه الناس كلهم
بعقولهم، فهو إذن عقليٌّ؛ لأنه بالعقل تعلم
صحته، وهو شرعيّ أيضًا))(٣).
ففي مجال الألوهية يعرض القرآن
الكريم جملة من آيات الله الكونية البارزة
في خلقه، ووصف طائفة من نعمه السابغة،
من آيات القدر والخلق، ومظاهر الموت
والحياة والزرع والماء والنار، هذه النعم
التي يتقلب فيها الإنسان ليل نهار، صباح
مساء دون أن يحسب لها حسابًا (٤)
فيقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَحْنُ
خَلَقْتَكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ ) أَفَرَّهَ يْتُ مَّا تُمْنُونَ (
ءَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ: أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ ) نَحْنُ قَدَّرْنَا
(٣) النبوات ٢٩٣/١.
(٤) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد
المكي ٦/ ١٥١.
٢٨٠
مَوَسُ بَرُ النَّقِّ
القرآن الكريم
الألوهية
بَيْنَكُ اَلْمَوْتَ وَمَا غَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَنْ تُبَدِّلَ
أَمْثَلَكُمْ وَتُنشِئَكُمْ فِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿ وَلَقَدْ
عَلِمْتُمُ اللَّشَأَةَ الْأُولَّى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴿ أَفَرَءَيْتُمْ
مَّا تَخْرُونَ ( ٢) ◌َ أَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ, أَمَّ ◌َحْنُ الزَّرِعُونَ
لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَهُ حُطَمًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ
٦٤
إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ) بَلّْ ◌َحْنُ مَحْرُوُمُونَ ( ٣) أَفَرَدَ يْتُمُ
٦٥
ءَأَنْتُمْ أَنْزَ لْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ
٦٨
اَلْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ
أَ تَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَهُ أُجَاجًا فَلَوْلًا
تَشْكُنَ
٧١
أَقْرَهَّيْتُمُ النَّارَ اَلَِّ تُورُونَ
ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ فَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ، فَحْنُ
جَعَلْنَهَا تَذْكِرَةً وَمَتَعًا لِّلْمُقْوِينَ ) فَسَيِّحْ يِأَسْمِ
رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٧ - ٧٤].
والقرآن الكريم يخاطب العقل، ويقنع
الإنسان بالمنطق السهل المؤثر في النفس،
بأسلوب حي جذاب؛ حيث يوجه نظره إلى
آيات الله في الكون والرزق والحياة والموت
والأحداث الجارية - كما سبق الحديث
عنها- في المنهج الفطري الوجداني، ولكنه
مرة أخرى يعرض لها؛ لما فيها من أسلوب
منطقي يتصف بالحيوية؛ لما فيها من الأسئلة
الموجهة إلى المخاطب والإجابة عنها، إلى
أن يصل إلى النتيجة المطلوبة بأسلوب
ومنهج عقلي يؤدي في النهاية إلى الغاية
ذاتها، وهي إدراك حقيقة الألوهية، وما يتفرع
عنها من حقائق وقضايا الإيمان والعقيدة(١).
(١) انظر: التفسير الوسيط، نخبة من علماء الأزهر
٠١٢٦١/٩
ولو تأمل الإنسان بعقله وفكره آيات الله
الباهرة المبثوثة في الأرض والسماء وفي
النفس والآفاق، لأیقن بأن وراء هذه الآيات
قدرة الله سبحانه وتعالى، وأنها دليل على
الإله الأوحد الذي تجب طاعته، والالتزام
بأمره ونهيه، وخلع ما يعبد من دونه من
الأنداد والشركاء، فهو المتفرد بالألوهية،
فليست نفوسكم مخلوقة بالصدفة ولا
بالطبيعة، وإنما خالقها الله القادر على كل
شيء، وعلى البعث وإعادة الحياة(٢).
قال تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ ءَايَتُ لِلْمُوقِنِينَ
وَفِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾ [الذاريات: ٢٠-٢١].
وبالأسلوب العقلي المنطقي تأتي أدلة
الوحدانية، فتأتي الآيات القرآنية تباعًا لتبين
أنه لو كان للكون خالقان لكان لا يجري
تدبيرهما على نظام، ولا يتسق على إحكام
واحد، ولكان العجز يلحق أحدهما؛ لتنازع
الإرادتين بين سلب وإيجاب، وذلك لو
أراد أحدهما مثلًا إحياء جسم، وأراد الآخر
إماتته، فإما أن تنفذ إرادتهما فتتناقض؛
لاستحالة تجزؤ الفعل إن فرض الاتفاق،
أو الامتناع اجتماع الضدين إن فرض
الاختلاف، وإما لا تنفذ إرادتهما فيؤدي إلى
عجزهما، أو لا تنفذ إرادة أحدهما فيؤدي
إلی عجزه، والإله لا يكون عاجزًا ويسمى
هذا الدليل دليل التمانع، أي: امتنعت الثنوية
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٩/٢٧.
www. modoee.com
٢٨١
حرف الألف
لامتناع الفساد، فكانت الوحدانية (١).
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ كَانَ مَعَدُدْ ءَاِهَةٌ كُمَا يَقُولُونَ
قال تعالى: ﴿مَا أَّخَذَ اَللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا إِذَا لَّأَ بْنَغَوْاْ إِلَى ذِى الْعَرْشِ سَبِيلًا (٢) سُبْحَتَهُ، وَتَعَلَى
عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوَّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤٢- ٤٣].
كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهَّ إِذَا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهِ بِمَا
خَلَقَ وَلَعَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضَِّ سُبْحَنَ اَللَّهِ عَمَّا
يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: ٩١].
باستنكار وتعجب یکذبهم الله عز وجل
فيما يدعون من الشريك والولد، و﴿ مَاأَّخَذَ
اللهُ مِن وَلٍَوَمَاكَانَمَعَدُ،مِنْإِلَاءٍ﴾، فلو كان
هناك شريك لانفرد كل واحد من الآلهة
بخلقه الذي خلقه، ولم یرض أن يضاف
خلقه وإنعامہ إلی غیره، ومنع کل إله الآخر
عن الاستيلاء على ما خلقه هو، وطلب
بعضهم مغالبة بعض، كما يفعل ملوك الدنيا
فيما بينهم، ولغلب القوي منهم الضعيف،
فتعدد الآلهة يلزمه التنازع والتغالب بينهم،
فيختل النظام لهذا الكون، ويضطرب الأمر،
ويعم الفساد في هذا العالم، والضعيف لا
یمکن أن یکون إلهًا.
ولما كان المشاهد غير ذلك؛ إذ كل شيء
في هذا الکون یسیر بنظام محکم دقیق، دل
الأمر على أن لهذا الكون كله إلهًا واحدًا
قادرًا، وإذا كان كذلك فعلم عقلًا أنه إله
واحد، بيده ملكوت كل شيء، ويقدر على
كل شيء، فسبحان الله ما أبلغها من حجة
وأوجزها لمن عقل وتدبر.
قال ابن العباس رضي الله تعالى عنهما:
(الطلبوا مع الله منازعة وقتالًا كما تفعل
ملوك الدنيا بعضهم ببعض)).
وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه:
((المعنى إذًا لطلبوا طريقًا إلى الوصول إليه
ليزيلوا ملكه؛ لأنهم شركاؤه)» (٢).
فالنتيجة النهائية لهذا المنطق أن الله
واحد لا شريك له، له وحده تجب العبادة
والخشية والخضوع.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ اللهُ لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ
أَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَحِدٌ فَإِنَّنَىَ فَأَرْهَبُونِ﴾ [النحل:
٥١].
فالآيات القرآنية قد جاءت متضمنة الأدلة
العقلية، صافية من كل كدر، فما على العقل
إلا فهمها وإدراكها، وعدم التکبر والعناد.
(١) انظر: المعجزة الكبرى القرآن، أبو زهرة، ص
٢٧٢.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٦٥/١٠.
٢٨٢
مَوَسُوبَةُ النَّسيد
القرآن الكريم
الألوهية
حقوق الألوهية
إن للألوهية حقوقًا واجبة على العباد،
وإن من أهم حقوق الألوهية ما يلي:
أولًا: التوحيد:
وهو الإقرار بوحدانية الله سبحانه
وتعالى وعدم الإشراك به، وذلك بالاعتقاد
الراسخ بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
والعمل بمقتضاه (١).
وقد بين الله عز وجل كفر الذين أشركوا
بالله ولو يوحدوه، فذم الله النصارى
الذين زعموا أن الإلهية ثلاثة مشتركة، الله
والمسيح ومريم فكفروا بذلك(٢).
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ
إِنَ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةُ وَمَا مِنْ إِلَءٍ إِلَّ إِلَهٌ
وَحِدٌّ وَإِن لَّمْ يَنْتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة:
٧٣].
واتخذ اليهود والنصارى علماءهم
وقراءهم وأحبارهم ورهبانهم أربابًا، فهم
لم يعبدوهم مباشرة، بل إنهم أطاعوهم في
معصية الله، عز وجل واستحلوا ما أحلوا،
وحرموا ما حرموا، فاتخذوهم كالأرباب،
وكذلك اتخذوا المسيح ابن مريم عليه
السلام، إلهًا ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُوا
(١) انظر: التوحيد، عمر الحملاوي، ص ١٥.
(٢) انظر: الوسيط، الواحدي ٢١٣/٢.
إِلَهَا وَحِدَّالَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ سُبْحَنَّهُ
عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣١](٣).
عن معاذ رضي الله عنه قال: كنت ردف
النبي صلى الله عليه وسلم على حمار يقال
له عفیر، فقال: (یا معاذ، هل تدري حق الله
على عباده، وما حق العباد على الله؟)، قلت:
الله ورسوله أعلم. قال: (فإن حق الله على
العباد أن يعبدوه ولا یشر کوا به شيئًا، وحق
العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك
به شيئًا)، فقلت: يا رسول الله أفلا أبشر به
الناس؟ قال: (لا تبشرهم، فيتكلوا) (٤).
ثانيًا: العبادة:
ومن حق الألوهية أيضًا القيام لها
بالعبادة، والعبادة اسم جامع لكل ما يحبه
الله ويرضاه من الأقوال والأفعال الظاهرة
والباطنة، سواءٌ أعمال القلوب أو أعمال
الجوارح، كلها يجب أن تكون على وفق
الشرع، وأن تكون خالصة لله، وأن يكون
التأله لله وحده، وإذا حصل تأله لغير الله
فإن هذا هو الشرك، ويجب أن يكون الحب
والخضوع والذل والتعظيم في أداء العبادات
لله وحده(٥).
فما خلقهم الله تعالى إلا لذلك.
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣٣٩/٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب اسم الفرس والحمار، ٢٩/٤،
رقم ٢٨٥٦.
(٥) انظر: شرح فتح المجيد، الغنيمان ١٠/٢٧.
www. modoee.com
٢٨٣
حرف الألف
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
إن الله جل جلاله أرسل رسله، وأنزل
كتبه، وخلق السماوات والأرض؛ ليعرف
ویعبد ويوحد، ويكون الدين كله له،
والطاعة كلها له، هذا الذي من أجله خلق
الله تبارك وتعالى الثقلين، فالعبادة لله هي
الغاية المحبوبة المرضية له عز وجل (١).
قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ الله
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةٌ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥].
تبين الآية أن الملة القيمة والدين المنجي
من العذاب المحقق للإسعاد والكمال ما قام
على أساس عبادة الله وحده، وإقام الصلاة،
وإيتاء الزكاة، وامتثال الأوامر، واجتناب
النواهي، والمسارعة إلى فعل الخيرات،
والميل عن كل دين إلى هذا الدين، فحق الله
عز وجل علينا أن نعبده، ونخلص له العبادة
شكرًا لله على النعم التي منحنا إياها (٢).
کما قال رسول الله صلی اللهعليه وسلم:
(أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا
إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا
الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك
عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها،
وحسابهم على الله تبارك وتعالى)(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢١/ ٥٥٥.
(٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٦٠١/٥.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
إن تشريع الأحكام حق لله عز وجل
وحده، ولا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله؛
لأنه إخلال بالألوهية، فإن طاعة البشر في
التشريعات والأحكام المخالفة لحكم الله
شرك في الألوهية.
قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَتُؤْاْ شَرَعُواْ
لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنَّ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:
٢١].
إن التشريع حق من حقوق الله سبحانه
وتعالى، من ادعاه فقد ادعى الألوهية،
ومن ادعى الألوهية فقد كفر، وهذا ما
يعرفه الكثير الكثير من علماء السلطان
الذين يلوون أعناق الآيات؛ لتماشي هوى
السلطان فيما لا يرضي الله عز وجل، فقد
فضلوا الدنيا على الآخرة، وجعلوا من
سلاطين الدنيا آلهة لهم، لها حق التشريع
والحكم، وضربوا بعرض الحائط كل
الأحكام والقوانين الإلهية، ومن الناس من
جعل أندادًا مع الله في الحاكمية، يغتصبون
حقوق الألوهية وخصائصها، ويزاولونها
في حياة الناس، وعن هذا يقول سيد قطب
رحمه الله: «و کم من عالم دين رأيناه يعلم
حقیقة دین الله ثم یزيغ عنها، ويعلن غيرها،
ويستخدم علمه في التحريفات المقصودة،
والفتاوى المطلوبة لسلطان الأرض الزائل!
باب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة)، ١٤/١، رقم
٢٥.
٢٨٤
مَوسُو ◌َرُ الْبَشِد
القرآن الكريمِ
الألوهية
يحاول أن يثبت بها هذا السلطان
المعتدي على سلطان الله وحرماته في
الأرض جميعًا! لقد رأينا من هؤلاء من
يعلم ويقول: إن التشريع حق من حقوق الله
سبحانه من ادعاه فقد ادعى الألوهية.
ومن ادعى الألوهية فقد كفر، ومن أقر له
بتلك الفرية وتابعه عليها، فقد كفر أيضًا.
فقد يصل الكفر في مرحلة من مراحله
لدرجة أن يدعي أناسٌ الألوهية من دون
الله، وقد يكون هذا الادعاء قولًا ولفظًا،
مثلما قال فرعون ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَأَيُّهَا الْمَلَأُ
مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى ﴾ [القصص:
٣٨].
وقد يكون حكمًا وواقعًا، فإذا كان هناك
أناس يشرعون للناس من دون الله عز وجل،
فهذا ادعاءٌ للألوهية من دون الله سبحانه
وتعالى بالفعل، قد لا يكون واضحًا بالقول،
ولكنه على أية حال منازعة لله عز وجل في
حقٍ عظيمٍ من حقوق الألوهية وهو التشريع،
مثل القوانين الوضعية التي يتحاكم عليها
الناس تارکین شرع رب الأرباب.
مدعو الألوهية في القرآن
إن ادعاء الألوهية جريمة كبرى في حق
الله تعالى، ولا شك أن للشيطان والهوى
الأمارة بالسوء دورًا فاعلًا في هذا الادعاء
الباطل، ولا شك أن مصير هؤلاء المدعين
ومتبعيهم إلى سخط الله وعذابه في الدنيا
والآخرة، وبيان ذلك فيما يلي:
أولًا: مدعو الألوهية:
١. نمرود بن كنعان ملك بابل أول
ملك في الأرض(١).
قال سبحانه وتعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى
حَبَّ إَِهِمَ فِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ
قَالَ إِبْرَهِمُ بَنِىَ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُخِ، وَأُمِيتٌُ قَالَ إِبْرَهُمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُّهِتَ الَّذِى
كَفَرَ وَاللهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ()
[البقرة: ٢٥٨].
قال الإمام ابن كثير رحمه الله في
تفسيره: ((وقوله تعالى:
حَاجَّ إِبْرَهِكْمَ فِي
رَبِّهِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
أي: وجود ربه، وذلك أنه أنكر أن يكون
ثم إله غيره))(٢).
فزعم أنه يفعل کما یفعل الله عز وجل،
فقال إبراهيم: ربي هو المنفرد بأنواع
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٥/ ٤٣١.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١ / ٦٨٦.
www. modoee.com
٢٨٥
حرف الألف
التصرف، وخص بالذكر الإحياء والإماتة
لكونهما أعظم أنواع التدابير، ولأن الإحياء
مبدأ الحياة الدنيا، والإماتة مبدأ ما يكون في
الآخرة، فقال النمرود: ﴿أَنَا أُحِّيءٌ وَأُمِيتُ ﴾
فزعم أنه يقتل شخصًا فيكون قد أماته،
ویستبقي علی حیاة آخر فيكون قد أحياه،
واطرد سيدنا إبراهيم معه في الدليل فقال
إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ ◌ِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
فَأَتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ وهذا أمر يقر به كل
أحد حتى ذلك الكافر، فلما قال له أمرًا لا
قوة له في شبهة تشوش دليله، ولا قادحًا
يقدح في سبيله، ﴿فَبُهِتَ الَّذِى كَفَرَّ﴾ تحير
فلم يرجع إليه جوابًا، وانقطعت حجته،
وسقطت شبهته.
قال تعالى: ﴿وَاَللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ
الظَّالِمِينَ﴾، بل بيقيهم على كفرهم
وضلالهم، وهم الذين اختاروا لأنفسهم
ذلك (١).
٢. فرعون مصر.
قال الله عنه: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَتَأَيُّهَا
اَلْمَلَأُ مَا عَلِّمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِى فَأَوْقِّدْ
لِ يَهَمَنُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِ صَرْحًا لَّعَلِّ
أَطَّلِعُ إِلَ إِلَّهِ مُوسَى وَ إِ لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَذِبِينَ
[القصص: ٣٨].
(٣٨
وقال لموسى عليه السلام: ﴿قَالَ لَيْنِ
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٠١١١
أَّخَذْتَ إِلَهَا غَيْرِى لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾
[الشعراء: ٢٩].
وقال تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِ قَوْمِهِ،
قَالَ يَنْقَوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ
تَجّرِى مِن تَحْتِىّ أَفَلا تُبْصِرُونَ (*)﴾[الزخرف:
٥١].
ثانيًا: أسباب دعاواهم:
قال تعالى: ﴿أَنْ ءَاتَنَهُ اللهُ الْمُلْكَ﴾
[البقرة: ٢٥٨].
فإيتاء الملك العظيم لهذا النمرود أبطره
وأورثه الكبر. وبدلًا من شكر الله على النعم
العظيمة التي منحه الله عز وجل إياها حاج
إبراهيم عليه السلام في ربه، والمحاجة
هي أقبح وجوه الكفر، وادعى لنفسه مقام
الألوهية عنادًا ومكابرة، ويوهم أنه الفاعل
لذلك، وأنه هو الذي يحيي ويميت، كما
اقتدى به فرعون في قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ
لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨](٢).
أما فرعون فقد كان مثالًا للطاغية
المتجبر، المتجاوز لحد الظلم والتجبر
والاستبداد والمعصية، وكان قومه صورة
للأقوام التي خضعت وتابعت هذا الطاغية،
ووصل الأمر بفرعون إلى ادعاء الألوهية،
والاستخفاف بعقول الناس وإرادتهم
ومصالحهم، وكلما أنس منهم السكوت
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ١٩٦/٢،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦٨٦/١.
٢٨٦
مَنُوابَةُ النَِّيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الألوهية
على ظلمه، والخضوع لبغيه وعدوانه ازداد رأوه ملقى على الساحل، وكذلك ليكون
لمن يأتي بعد ذلك من القرون التي ستسمع
صلفًا وتجبرًا وتمردًا، حتى يصل إلى التأله،
والإعراض عن كل الآيات التي جاءته من
الله حتی أهلکه الله و قومه.
بأمره عبرة ونكالًا للطغيان، أو حجة تدلهم
على أن الإنسان على ما كان عليه من عظيم
الشأن وكبرياء الملك مملوك مقهور، بعيد
عن مظان الألوهية(٢).
قال تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَادَى ) فَقَالَ أَنَاْ
رَبِّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٣-٢٤].
فكان هذا هو السبب في ادعاء فرعون
للألوهية.
ثالثًا: مصيرهم:
١. النمرود:
(بعث الله عز وجل عليه بعوضة
فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة
يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم الناس به
من جمع یدیه ثم ضرب بهما رأسه، وكان
جبارًا أربعمائة سنة، فعذبه الله أربعمائة
سنة کملکه، ثم أماته الله، وهو الذي كان
بنى صرحًا إلى السماء، فأتى الله بنيانه من
القواعد))(١).
٢. فرعون:
كان مصير هذا الفرعون الطاغي أن
أغرقه الله في قاع البحر، وبقيت جثته على
الماء؛ ولم يصدق بنو إسرائيل بهذا؛ لأن
بني إسرائيل كان في نفوسهم من عظمته
وجبروته ما خیل إلیهم أنه لن يهلك، حتى
كذبوا موسى حين أخبرهم بغرقه، إلى أن
(١) فتح القدير، الشوكاني ٣١٩/١.
قال تعالى: ﴿وَجَوَزْنَا بِبَنِىّ إِسْرَهِيِلَ الْبَحْرَ
فَنْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّىَ إِذَا
أَدْرَكَهُ الْغَرَقُّ قَالَ ءَامَنْتُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا الَّذِىّ
٩٠
ءَامَنَتْ بِهِ بَنُواْ إِسْرَوِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
ءَالْثَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَّكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
فَالْيَوْمَ تُنَِّجِيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ
ءَايَةٌ وَ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَئِنَا لَغَفِلُونَ﴾
[يونس: ٩٠- ٩٢].
رابعًا: مصير متبعيهم:
مصیر أتباع النمرود: «بعث الله عز وجل
إلی ذلك الملك الجبار ملگا یأمره بالإيمان
بالله جل جلاله، فأبى عليه ثم دعاه الثانية
فأبى، ثم الثالثة فأبى وقال: اجمع جموعك
وأجمع جموعي، فجمع النمرود جيشه
وجنوده وقت طلوع الشمس، وأرسل الله
عليهم بابًا من البعوض بحيث لم يروا عين
الشمس، وسلطها الله عز وجل عليهم،
فأكلت لحومهم ودماءهم، وتركتهم عظامًا
بادية»(٣).
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٢ / ٤٩٦.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٦٨٧،
www. modoee.com
٢٨٧
حرف الألف
مصیر أتباع فرعون: أخذ الله عز وجل
أتباع فرعون من الجنود الذین کانوا عونًا
له في الظلم والاستبداد فنبذهم وطرحھم
في البحر، ورماهم فيه رمي البقايا التالفة
والمخلفات التي لا قيمة لها، وفي ذلك
فخامة وتعظيم لشأن الآخذ، واستحقار
شدید للمأخوذین، و کأنه أخذهم مع کثر تهم
وطرحهم في اليم كما يأخذ الإنسان شيئًا
عديم القيمة فيرمیه.
وكذلك أتبعهم في هذه الدنيا التي فتنتهم
وصرفتهم عن اتباع الهدى والحق المنير،
لعنة وطردًا وإبعادًا عن الرحمة، يلعنهم
الناس والملائكة إلى يوم الدين، وهم يوم
القيامة من المطرودين المبعدين عن رحمة
الله عز وجل(١).
﴿فَأَخَذْنَهُ وَجُنُودَهُ.
قال تعالى:
فَنَبَذِّنَهُمْ فِ الْبَرِّ فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ
عَقِبَةُ الظَّالِمِينَ ، وَجَعَلْنَهُمْ أَبِمَّةٌ
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِّ وَيَوْمَ اَلْقِيَامَةِ لَا
وَأَتْبَعْنَهُمْ فِى هَذِهِ الدُّنْيَا
يُصَرُونَ (٥)
لَقْنَةٌ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾
[القصص: ٤٠ - ٤٢].
فَأَنتَقَمنَا مِنْهم
ونظير ذلك قوله تعالى:
فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ
عَنْهَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
فتح القدير، الشوكاني ٣١٩/١.
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤١٦/٣.
وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِءَلِ فِرْعَوْنٌَ
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَايَتِ رَبِهِمْ فَأَهْلَكْنَهُم
بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَّ وَّكُلُّ كَانُواْ
ظَالِمِينَ﴾ [الأنفال: ٥٤].
وقال تعالى: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ
إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴿ فَلَمَّآ ءَاسَفُونَا
أَنْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ أَجْمَعِينَ
فَجَعَلْنَهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآَخِرِينَ.
[الزخرف: ٥٤-٥٦].
وفي سورة غافر يبين الله جل جلاله
نوعًا آخر لعذاب متبعي فرعون غير الغرق
في الدنيا، فهم إلى يوم القيامة يعرضون على
نار جهنم صباحًا ومساء.
يقول عز وجل: ﴿وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ
الْعَذَابِ ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّاً
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ خِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ
اَلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥ -٤٦](٢).
وهناك العديد من الآيات التي تبين شدة
العقاب الواقع عليهم في الدنيا والآخرة،
وهذا يدل على عظم جريمة أتباع الظلمة
والمفسدين، ومناصرتهم، وتأييدهم للظلم
والمساعدة فيه.
قال تعالى: ﴿كَدَأْبِءَالٍ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمَّ كَذَّبُواْ بِثَايَتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُّنُرِمٌّ وَاللّهُ
شَدِيدُ أَلْمِقَابِ﴾ [آل عمران: ١١].
وقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنٌ
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٧٥/٤.
٢٨٨
مَوَسو ◌َة النفسي
القرآن الكريم
الألوهية
وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُّ كَفَرُوا بِكَايَتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ
◌ِذُنُوبِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال:
٥٢].
موضوعات ذات صلة:
أسماء الله، الإيمان، التوحيد، الشرك،
صفات الله
www. modoee.com
٢٨٩