Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ ے الألوهية عناصر الموضوع مفهوم الألوهية ٢٥٨ الألوهية في الاستعمال القرآني ٢٥٩ الألفاظ ذات الصلة ٢٦٠ الألوهية أصل التوحيد ٢٦٢ أركان الألوهية ٢٦٩ نفي ألوهية غير الله ٢٧١ منهج القرآن في إثبات الألوهية ٢٧٧ ٢٨٣ حقوق الألوهية ٢٨٥ مدعو الألوهية في القرآن المُجَلَدَ الرّابع حرف الألف مفهوم الألوهية أولًا: المعنى اللغوي: الهمزة واللام والهاء أصل واحد، أله يأله من باب تعب إذا تحير؛ إذ العقول تتحير في معرفته، وقيل: من أله الفصيل إذا أولع بأمه؛ إذ العباد مولعون بالتضرع إلى الله، وأصله وله يوله، إلاهة وألوهة وألوهية، بضمهما، بمعنى عبد عبادة، وتأله تعبد، والإله المعبود وهو الله عز وجل، ثم استعاره المشركون لما عبدوه من دون الله تعالى من الأصنام وغيرهم؛ لاعتقادهم أن العبادة تحق لها، والتأليه: التعبيد، والتأله: التنسك والتعبد، وقيل: اشتقاقه من ألهت إليه: أي فزعت إليه. قال سيبويه: الإله أصل اسم اللاه تعالى، فحذفت الهمزة، وجعلت الألف واللام عوضًا لازمًا، فصار بذلك کالاسم العلم، والجمع آلهة وأله إلاهة بالکسر، ومنه قولنا: (الله) وأصله إلاه على فعال، بمعنى مفعول؛ لأنه مألوه، أي: معبود، كقولنا: إمام فعال بمعنى مفعول؛ لأنه مؤتم به(١). وأله فلانًا: اتخذه إلهًا، وتأله فلان: تنسك وتعبد، وادعى الألوهية، و(التأليه) القول بوجود إله مدبر للكون(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى اللغوي، فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((والإله المألوه الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الألوهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد))(٣). والإله الحق هو الذي تحق له العبادة وتجب دون غيره من المعبودات (٤). وتوحيد الألوهية: صرف جميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة لله تعالى، دون شرك أو رياء، كالخوف، والرجاء، والتوكل، والصلاة، والزكاة. (١) انظر: الصحاح، الجوهري ٢٢٢٣/٦، مختار الصحاح، الرازي، ص ٢١، المصباح المنير، الفيومي ١٩/١. (٢) انظر: القاموس الفقهي، سعدي أبو جيب، ص ٢٢، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١/ ٢٥. (٣) اقتضاء الصراط المستقيم ٨٤٦/٢. (٤) انظر: المخصص، ابن سيده ٢١٦/٥. ٢٥٨ القرآن الكريمِ الألوهية الألوهية في الاستعمال القرآني وردت مادة (أله) في القرآن (٢٨٥١) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحَّةٌ لَا إِلَهَ إِلَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ١٦٣ اسمًا مفردًا ١١١ [البقرة: ١٦٣] وَقَالَ اللَّهُ لَا نَتَّخِذُواْ إِلَهَيْنِ آَثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهُ وَحِدٌ [النحل: ٥١] فَإِنََّىَ فَأَرْهَبُونِ اسمًا مجموعًا ٣٤ لفظ الجلالة (الله) ٢٦٩٩ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾ [الإخلاص: ١] دَعْوَنُهُمْ فِيَهَا سُبْحَتَكَ اللَّهُمَّ وَتِيَّئُهُمْ فِيهَا سَلَمٌ E اللهم ٥ [يونس: ١٠] ويدور معنى الألوهية في القرآن الكريم حول العبادة واللجوء(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص٣٨ -٧٥، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، ص١٠٧. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٢/٢- ٣٠، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ١٠٥/١. www. modoee.com ٢٥٩ المثال اسمًا جمعًا ٢ ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان: ٣] حرف الألف الألفاظ ذات الصلة الربوبية: ١ الربوبية لغةً: الرب: هو الله عز وجل، هو رب كل شيء، أي: مالكه ومستحقه، وله الربوبية على جميع الخلق، لا شريك له، وهو رب الأرباب، ومالك الملوك والأملاك، والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبر، والمربي، والقيم، والمنعم، ولا يطلق غير مضاف إلا على الله عز وجل وإذا أطلق على غيره أضيف، فقيل: رب الدين ورب المال(١). الربوبية اصطلاحًا: أما الربوبية فهي مصدر صناعي، وهي صفة لله تعالى بكونه ربًا (٢). الصلة بين الألوهية والربوبية: والذي يظهر أن كلا منهما يستلزم الآخر، فالإله الحق يلزم أن يكون متصفًا بصفات الربوبية، واتصافه بصفات الربوبية يلزم منه أن يكون إلهًا. العبادة: ٢ العبادة لغةً: من الفعل عبد يعبد، عبادةً وعبوديةً، والمفعول: معبود، وعبد الله بمعنى وحده وأطاعه، وانقاد وخضع وذل له، والتزم شرائع دينه، وأدى فرائضه(٣). العبادة اصطلاحًا: قال المناوي: ((العبادة فعل المكلف على خلاف هوى نفسه؛ تعظيمًا لربه، وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التذلل والخضوع المتجاوز لتذلل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصت بالرب، وهي أخص من العبودية التي تعني مطلق التذلل))(٤). وقال الراغب: ((العبودية: إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٩٩/١، المصباح المنير، الفيومي ٢١٤/١. (٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٤٦٣/٢، معجم لغة الفقهاء، قلعجي وقنيبي، ص ٢١٩، المطلع على ألفاظ المقنع، البعلي، ص ٤٦٢. (٣) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة ١٤٤٨/٢. (٤) التوقيف، ص ٢٣٤. ٢٦٠ القرآن الكريم الألوهية يستحقها إلا من له غاية الإفضال وهو الله تعالى))(١). الصلة بين الألوهية والعبادة: إن بين الألوهية والعبادة علاقة وثيقة، فالإقرار بالألوهية ينتج عنها بالضرورة العبادة، فصفات الألوهية ومعانيها ليست موجودة بأحد من المخلوقات، ولا يستحقها إلا الله عز وجل، فإذا عرفنا ذلك واعترفنا به حقًا أفردناه بالعبادة كلها، الظاهرة، والباطنة، فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة: كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والقيام بحقوق الله، وحقوق خلقه، وغير ذلك من العبادات. (١) المفردات، ص ٣١٨. www. modoee.com ٢٦١ حرف الألف الألوهية أصل التوحيد لقد أقر المشركون بأن الله الخالق والرازق، ولكنهم أشركوا في توحيد الألوهية والعبادة. ﴿وَلَيِنْ سَأَلْتُهُم مَّنْ خَلَقَ قال تعالى: السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَّكُونَ ﴾ [العنكبوت: ٦١]. لذا كانت دعوة رسل الله جميعًا إلى توحيد الألوهية وعدم الإشراك في عبوديته أحدًا مما خلقه الله جل جلاله . أولا: حاجة العبد الفطرية إلی سبحانه وتعالى: الله إن شعور الإنسان بألوهية الله، وبوجود الله الواحد الأحد هو شعور فطري مستقر في أساس تكوينه، وعلاقته بخالقه هي علاقة المخلوق بخالقه الرحمن الرحيم، وهي علاقة لا يستطيع أي مخلوق دفعها، أو الحياد عنها، فشعور الإنسان بوجود الله خالقه، هو ضرورة من ضروراته التي لا يستطيع أن يتخلى عنها، فحاجة الإنسان إلى الإيمان بالله كحاجته إلى التنفس، وإلى الطعام والشراب، والراحة، فإذا كانت حاجاته هذه قانونًا من قوانين وجوده المادي، فإن إيمانه بالله الخالق، الرحمن، الرحيم، هو قانون من قوانين وجوده الروحي، وضرورة من ضروراته. لقد كرم الله عز وجل الإنسان بنور الفطرة التي يستطيع بها أن يعرف ربه، ويستدل بها على الصراط المستقيم الذي ارتضاه لنا وذلك من التدبر في آلائه ونعمه، وقضية الإيمان بخالق للإنسان والكون والحياة، قضية راسخة في الفطرة الإنسانية عميقة الجذور، عمق الشعور بالذات البشرية واحتياجاتها وعجزها وافتقارها إلى الملجأ والملاذ. فكما يشعر الإنسان بعمق غرائز الأبوة والأمومة وحب البقاء وحب التملك في كيانه، يشعر بالقلق والاضطراب في روحه أيضًا إن لم تشبع بالطريقة السليمة، وتوجيهها الوجهة السليمة للمعبود الحق(١). قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِيّ ءَادَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَلَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَىَّ شَهِدْنَاْ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٧٢]. الحديث هنا عن أقدم وأول ميثاق أخذه الله سبحانه وتعالى على كافة العباد، وهم لا يزالون في أصلاب آبائهم في عالم الذر، وهذا الميثاق هو ميثاق فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهو يتضمن في جوهره الإقرار بربوبية الله وبعبودية الإنسان، على أساس من التوحيد والإيمان، فما من إنسان إلا وولد على فطرته الأولى التي أرادها الله (١) انظر: التفسير الموضوعي، مسلم، ص٩٥. ٢٦٢ القرآن الكريم الألوهية قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى يُسَبِّكُ فِ اَلْبَّرِّ وَالْبَحْرِ جل جلاله، ولم تتعرض فطرته لعوامل التشويه والإفساد، إلا وهو مقر بألوهية الله " حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِيج طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحُ عَاصِفٌ وَجَاءَ هُمُ وربوبيته للعباد، ومعترف من أعماق قلبه بهذا الميثاق، وملتزم بجميع نتائجه وآثاره على الإطلاق، دون معارضة، ولا جحود أو تکېر، ودون أي حجج واهية (١). الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَهُمْ أُحِطَ يِهِمْ دَعَوَاللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَيِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ، لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّكِينَ ﴾ [يونس: ٢٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الشُّرُّ فِ الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيَّاهُ فَمَّا بَّنْكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَغْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٦٧]. قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهُّ ذَلِكَ الْدِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾[الروم: ٣٠]. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه، أو پمجسانه، کما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء). ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه: قال تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ اَلَّتِىِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] (٢). أنه يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى حين ييأس من كل شيء حوله، وحین یمسه الضر، وحين يفقد قوته. (١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٧/١٤، لباب التأويل، الخازن ٣٩١/٣. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات، هل يصلى عليه، وهل يعرض على الصبي الإسلام، ٢/ ٩٤، رقم ١٣٥٨. إن افتقار المخلوق إلى أن يكون عبدًا لله تبارك وتعالى هو افتقار ذاتي فطري، وهو حاجة ملحة لا يسدها حقًا إلا عبادة الله وحده لا شريك له، وهو الذي أودع في العبد هذه الحاجة الفطرية، والمشركون والملحدون يلجؤون إلى الله في أوقات الشدة؛ لأن في داخلهم افتقارًا لله سبحانه وتعالى، وهذا الافتقار الذاتي إلى عبادة الله من فطريته وضروريته في النفس الإنسانية، ومن أدلة حاجة العبد إلى ربه جل جلاله أنه لا يمكن أن ينكره منكر، ولا يكابر فيه مكابر، حتى الكفار الذين جحدوا آيات الله، وعاندوا أنبياء الله عز وجل، وردوا ما جاءوا به من أمر الله، واستكبروا على عبودية الله، فإنك في وقت الشدة تراهم يذعنون لله تبارك وتعالى بالعبودية، ويظهرون الافتقار والحاجة إليه، في وقت الضرورة الذي تنتفي فيه كل البهارج وكل ما يكون على www. modoee.com ٢٦٣ حرف الألف القلب من الكبر والعتو(١). قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ، أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ مُرَّهُ مَزَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرِّ مَّسَّةٌ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرُّ دَعَوْاْ بَّهُم مُّنِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِقٌ مِّنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم: ٣٣]. رَبَّهُ, مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةٌ مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوْاْ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَ عَن سَبِيلِهٍ، قُلْ تَمَثَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَبٍ النَّارِ﴾ [الزمر: ٨]. أن يتضرع الناس ويلجؤون وقت الشدة إلى الله، ويعترفون أنه لا ملجأ ولا منجىّ منه إلا إليه، وأنه هو الذي يغيث الملهوف، وينقذ المكروب ويكشف الغم هي فطرة، فطر الله سبحانه وتعالى عليها كل واحد. عن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال: (يقول الله تبارك وتعالى لأهون أهل النار عذابًا: لو کانت لك الدنيا وما فيها، أکنت مفتدیًا بها؟ فيقول: نعم، فيقول: قد أردت منك أهون من هذا وأنت في صلب آدم، أن لا تشرك -أحسبه قال: ولا أدخلك النار - فأبيت إلا الشرك)(٢). وقال ابن تيمية رحمه الله: ((إن أكثر الناس على أن الإقرار بالصانع ضروري فطري؛ وذلك أن اضطرار النفوس إلى ذلك أعظم من اضطرارها إلى ما لا تتعلق به حاجتها، ألا ترى أن الناس يعرفون من أحوال من تتعلق به منافعهم ومضارهم، كولاة أمورهم ومماليكهم وأصدقائهم وأعدائهم، مالا يعلمونه من أحوال من وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَنَ ضُرُّدَهَا لا يرجونه ولا يخافونه، ولا شيء أحوج إلى شيء من المخلوق إلى خالقه، فهم يحتاجون إليه من جهة ربوبيته؛ إذ كان هو الذي خلقهم، وهو الذي يأتيهم بالمنافع، ويدفع عنهم المضار))(٣). إن الإنسان متدين بالطبع وبالفطرة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلِدِينِ حَنِيفًاً فِظَرَتَ اَللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَاً لَا نَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِّ ذَلِكَ الْذِينُ الْقَيْهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٣٠]. ومهمة المربين من آباء ومعلمين ودعاة ومصلحين تربية فطرة المسلم على الإيمان الصحيح وخشية الله وعبادته، والتعليم والقدوة أساس الفضيلة والأخلاق؛ ولذلك كانت سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة القيامة والجنة والنار، باب طلب الكافر الفداء بملء الأرض ذهباً، ٢١٦٠/٤، رقم ٢٨٠٥. (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٠٤١/٥. (٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل ٣٤٧/٨. مَوَسُولَةُ الْبَّقِين القرآن الكريم ٢٦٤ الألوهية لها قيمة تربوية خلقية، وقد أمرنا الله جل جلاله بأن نتبع الرسول وأن نأخذ ما آتانا وبه وننتهي عما نهانا عنه. قال تعالى: ﴿وَمَآ ءَالَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَانتَهُواْ وَأَنَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الحشر: ٧]. والتدین فطرة في الإنسان، يسعد به من هداه الله، فیظهر علیه، ویعیش في رحابه، ويحيا على آدابه، ويخفيه ويقاومه من لم يهده الله، فلا يظهر عليه، ولا يعيش في رحابه، ولا يعرف آدابه، ولا ينطق به إلا وقت الشدائد، يوم لا ينفع نفسًا تدینها ولا إيمانها، ويصيرون كمن إذا أدركته المنية یقول آمنت، يوم لا ينفع الإيمان. ومما سبق يتضح أن بني آدم جميعًا يشعرون بحاجتهم وفقرهم، وهذا الشعور أمر ضروري فطري، فإذا ألمت بالإنسان -حتى المشرك- مصيبة قد تؤدي به إلى الهلاك فزع إلى خالقه سبحانه، والتجأ إلیه وحده، واستغنی به، ولم يستغن عنه، وأدرك أنه لا إله إلا هو، وشعور هذا الإنسان بحاجته وفقره إلى ربه تابع لشعوره بوجوده وإقراره، فرجوع الإنسان وإنابته إلى ربه عند الشدائد دليل على أنه يقر بفطرته بخالقه وربه سبحانه، وهكذا كل إنسان إذا رجع إلى نفسه أدنى رجوع عرف افتقاره إلى الباري سبحانه وتعالى في تکوینه في رحم أمه وحفظه له، وعرف كذلك افتقاره إليه في بقائه وتقلبه في أحواله کلها. والاعتراف بأن الله هو الخالق لا يتضمن مجرد الإقرار بذلك فقط بل إقرارًا يتبعه عبودية لله بالحب والتعظيم وإخلاص الدين له، وأصل الإيمان قول القلب وعمله، والقلب مفطور على ذلك، وإذا كان بعض الناس قد خرج عن الفطرة بما عرض له من المرض، إما بجهله وإما بظلمه، فجحد بآيات الله واستيقنتها نفسه ظلمًا وعلوّا، لم يمتنع أن يكون الخلق ولدوا على الفطرة. ثانيًا: الألوهية أصل دعوة الرسل، ومنهجهم في الدعوة إليها: إن الله عز وجل خلق الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، وأرسل الرسل لبیان هذه الحكمة والدعوة إليها، وبيان تفصيلها وبيان ما يضادها، هكذا جاءت الكتب السماوية، فجميع الرسل عليهم السلام دعوا إلى توحيد الله عز وجل وإخلاص العبادة له. كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِ كُلِ أُمَّذِ رَّسُولًا أَنْ أَعْبُدُواْ اللّهَ وَأَجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَلَةُ فَسِيرُوا فِ اَلْأَرْضِ فَأَنْظُرُواْ كَيْفَ [النحل: كَانَ عَقِبَةُ الْمُكَذِّيِنَ ٣٦]. وقال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن www. modoee.com ٢٦٥ حرف الألف رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِيّ إِلَيْهِأَنَّهُ لَآ إِلَإِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ [الأنبياء: ٢٥]. والعبادة حق الله على عباده، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قال: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا یشر کوا به شيئًا. وحق العباد على الله: أن لا يعذب من لا یشرك به شيئًا)(١). ولقد وردت آيات كثيرة تبين حال الرسل ومنهجهم مع أقوامهم فيقولون لهم: ﴿أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقد تكررت هذه الآية في القرآن الكريم کثیرًا؛ لأن هذا هو هدف الدعوة إلى الله، عبادة الله وحده. فبعث الله سيدنا محمدًا صلى الله علیه وسلم لیجدد لهم دین أبيهم إبراهيم؛ حيث إنهم أشركوا في الألوهية بحجة أن معبوداتهم تقربهم إلى الله سبحانه وتعالى، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق الله عز وجل، لا يصلح منه شيء لأي أحد، وإلا فهؤلاء المشركون يشهدون أن الله جل جلاله هو الخالق وحده لا شريك (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي، صلى الله عليه وسلم، أمته إلىّ توحيد الله، تبارك وتعالى، ٩/ ١١٤، رقم ٠٧٣٧٣ له، وأنه لا يخلق ولا يرزق إلا هو، ولا يحيي ولا يميت إلا هو، وأن جميع السماوات السبع ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فیھن کلهم عبيده وتحت تصرفه وقهره(٢). قال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَآَ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٨ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَوَتِ السَّيْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ ﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ ثَوْءٍ وَهُوَ هُجِبِرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٥) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩]. فهذا يوسف عليه السلام وهو الذي كان يعيش في قصر الملك، ولاقى الأذى والسجن ظلمًا من الملك وزوجته، ولكن كل ذلك لم يمنعه من الدعوة إلى عبادة الله وحده، سائرًا على منهج الأنبياء الرباني في الدعوة إلى التوحید. قال تعالى: ﴿يَصَحِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُتَغَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ اَلْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّ أَسْمَآءَ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُم مَّ أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ " إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِّ أَمَرَ أَلََّ تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ اُلِدِينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: ٣٩-٤٠]. ٤٠ وقد بذل الرسل في سبيل دعوة الناس (٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢٧٥/٣. موسوعة النفسية القرآن الكريم ٢٦٦ الألوهية إلى الله جهودًا عظيمة، وفي هذه الآية نرى دعوة الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وقصر العبادة له وحده، وترك ما عدا ذلك، الجهد الذي بذله نوح عليه السلام على مدار تسعمائة وخمسين عامًا، فقد دعاهم ليلاً من شرك وضلال، يوضح الله سبحانه وتعالى هذه الحقيقة في آيات متعددة. ونهارًا، سرا وعلانية، واستعمل أساليب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وحاول أن يفتح عقولهم، وأن يوجهها إلى ما في الكون من آيات(١). قال تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ إِ لَكُنَذِيرٌ مُِّينُ )) أَنِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ وَأَتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: ٢-٣]. ولكنهم أعرضوا، ورفضوا الدعوة، ووقفوا منها موقفًا سلبيًا، وواجهوا نوحًا بعدد من المواقف، فقد أنكروا الدعوة، واتهموه بالضلال، والجنون، والسفاهة (٢). قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّ دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلًا وَنَهَارًا ◌َ فَمْ يَزِدْهُمْ دُعَلِّىَ إِلَّا فِرَارًا وَإِ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَِعَهُمْ فِيَّ مَاذَائِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ فِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَأُسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَارًا [نوح: ٥-٧]. وقال تعالى: ﴿قَالَ نُحُ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِ وَأَتَّبَعُواْ مَن لَّرْ يَزِدَّهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا وَمَكَرُواْ مَكْرًا كُبَّارًا وَقَالُواْ لَا نَذَرُنَّ ءَ الِهَتَّكُ وَلَا نَذَرُنَّ وَدَّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢) وَقَدْ أَضَلُوا كَثِيرًا وَلَا نَزِدِالظَِّينَ إِلَّ ضَلَلًا﴾ [نوح: ٢١-٢٤]. لقد قامت دعوة نوح عليه السلام على (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/٢٠. (٢) انظر: تفسير السمر قندي ٣/ ٥٠٠. قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ. فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّ أَغَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِ. فَقَالَ يَقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُرُ مِّنْ إِلَّهِ غَيْرُهُ، أَقْلَا نَتَّقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٣]. وهود عليه السلام دعا قومه، وطلب منهم تصحيح العقيدة، أساس الإيمان، وبين لهم أن العقيدة السليمة تحتاج إلى توحيد الله تعالى في ألوهيته وربوبيته، وهذا يقتضي منهم أن تكون عبادتهم، وتوجههم لله فقط، وترك عبادة الأصنام والأوثان؛ لأن عبادة غير الله صرفٌ للعمل في غير وجهه، وإضاعة للوقت، والوقوع في الكفر والضلال، وذكرهم بنعم الله فيهم(٣). قال تعالى: ﴿وَ إِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَنْقَوْمِ أَعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُمْ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ ل يَقَوْمِ لَّ أَسْتَلُكُمُ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى الَّذِى فَطَرَنَّ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ وَيَقَوْمِ أَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ (٣) انظر: تفسير المراغي ٤٦/١٢. www. modoee.com ٢٦٧ حرف الألف مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا نَنَوَلُوا يجوز في دين الله عز وجل. مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٠ - ٥٢] ولكنهم أبوا إلا العناد والكفر. قال تعالى: ﴿قَالُواْيَهُودُ مَاجِئْتَنَا بِبَيْنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِيّ ءَالِهَيْنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ ﴿ إِن نَّقُولُ إِلَّا أَعْتَرَئِكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوْءٌ﴾ [هود: ٥٣-٥٤]. ووصية الأنبياء عليهم السلام عند وفاتهم التوحید. قال تعالى: ﴿وَوَضَّى بِهَآ إِبْرَاهِعُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَضْطَفَى لَكُمُ الذِينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُمْ مُسْلِمُونَ (٦) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآَبِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَشَحْنُ لَهُ، مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ -١٣٣]. إننا بحاجة إلى الرسل وتعاليمهم لصلاح قلوبنا، وإنارة نفوسنا، وهداية عقولنا، ونحن بحاجة إلى الرسل كي نعرف وجهتنا في الحياة، وعلاقتنا بالحياة وخالق الحياة، وكيلا ننحرف أو نزيغ فنقع في مستنقع الضلال. مما سبق يتبين أن جميع الرسل عليهم السلام دعوا الناس إلى توحيد الله سبحانه وتعالى، وترك تأليه ما سواه، ورأينا أن الدعوة إلى عبادة الله جاءت ملازمة للدعوة إلى التوحيد؛ لأن التوحيد بلا عبادة عبث لا وكان لكل رسول منهجه في القيام للدعوة إلى الله جل جلاله، وقد عانی رسل الله الويلات من أقوامهم ليطمسوا دعوة التوحید، لکن اللہ یابی إلا أن یتم نوره. ٢٦٨ مَوَ سُور القرآن الكريم الألوهية أركان الألوهية الألوهية صفة استحقاق، أي: أن الله عز وجل مستحق للألوهية، ومستحق للعبودية، والإله معناه المعبود کما ذكرنا سابقًا، وهذا مجمع عليه عند أهل اللغة، وأجمع السلف الصالح على أن الإله بمعنى المعبود وحده سبحانه وتعالى، ولهذا فإن (لا إله إلا الله) معناها: لا معبود بحق إلا الله. وقد بين الطبري معنى قوله تعالى: ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ لَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣ أن الذي يستحق الطاعة، ويستوجب منا العبادة معبود واحد ورب واحد، لا رب للعالمين غيره، ولا يستوجب على العباد عبادة سواه، وأن كل ما سواه فهم خلقه، والواجب على جميعهم طاعته، والانقياد لأمره، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والآلهة، وهجر الأوثان والأصنام؛ لأن جميع ذلك خلقه وعلى جميعهم الإقرار له بالوحدانية والألوهية، ولا تنبغي الألوهية إلا له، فلا يصح عبادة غيره ولا الشرك معه سواه، فإن من يشركونه مع الله عبادٌ لله مثلهم، وإلهكم إله واحد لا مثل له ولا نظير، ومعنى وحدانية الله نفي الأشباه والأمثال عنه(١). (١) انظر: جامع البيان ٢/ ٧٤٥. وإن من خواص الألوهية علم السر والعلن، والحياة الدائمة، مما يدل على أن العبادة لا تليق إلا بالمنعم الأعظم، ويدل على إيطال عبادة غير الله تعالى (٢). قال سبحانه وتعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُخْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ ١٨ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًاوَهُمْ يُخْلَقُونَ ن أَمْوَتُّ غَيْرٌ أَخْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ قَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُم ◌ُنكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْرُونَ ٢ لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَهُ مَا يُسِرُونَ وَمَا يُعْلِنُونَّ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِنَ﴾ [النحل: ١٧- ٢٣]. ومما سبق يتضح أن للألوهية أركانًا تقوم عليها، وأركان الألوهية هي: الأول: النفي: وهو المراد بقولنا: (لا إله) نفي ما یعبد من دون الله جل جلاله. والثاني: الإثبات: وهو المراد بقولنا: (إلا الله) إثبات أن الله سبحانه وتعالى هو فقط المستحق للعبادة. إذن مدلول كلمة الشهادة: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله)، فلا عبادة ولا طاعة إلا لله، ولا طريق لذلك إلا رسول الله صلی الله عليه وسلم، و کل (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ١٤ / ١٠٥. www. modoee.com ٢٦٩ حرف الألف طریق غيره فإنه لا يوصل إلى المطلوب(١). فمن اجتمعت له هذه الأرکان نال كل کمال وسعادة وفلاح، ولا ينقص کمال العبد إلا بنقص واحد من هذه الأشياء، فمن اعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة مع الله، أو يستحق أن يصرف له أي نوع من أنواع العبادة فهو مشرك في الألوهية. ١. الإخلاص، فلا يكون للمرء مراد إلا الله جل جلاله . ٢. الصدق ببذل كل الطاقة لعبادة الله. ٣. المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم. فليس هناك رب معطٍ رازق إلا الله جل جلاله، وأنه لا إله غيره، ولا رب سواه، ولكن هناك من لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة أخرى، هذا من أشقى خلق الله؛ لأنه لم يسخر نفسه لله فقط. قال العلامة القنوجي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُواْ إِلَّ إِيَّهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. أنه تقرر أن العبادة لا تجوز إلا لله، وأنه هو المستحق لها، فكل ما يسمى في الشرع عبادة ويصدق عليه مسماها فإن الله يستحقه، ولا استحقاق لغيره فیها، ومن أشرك فيها أحدًا من دون الله فقد جاء بالشرك(٢). ويظهر لنا مما سبق بأن من لوازم الاعتراف بالألوهية أن تكون قائمة على أركان ثلاثة، وهي: (١) انظر: الجواهر المضية، محمد بن عبدالوهاب، ص ٤. (٢) انظر: فتح البيان، القنوجي ٣٧٤/٧. موسوعة النفسية الموضو جويق القرآن الكريم ٢٧٠ الألوهية نفي ألوهية غير الله لقد أصر عدد كبير جدًا من السفهاء على عبادة غير الله جل جلاله على مر العصور، وكان الله سبحانه وتعالى يرسل أنبياءه لدعوتهم لتوحيد العبودية له جل جلاله، فنبهوا ووعظوا وأنذروا، وقد جاء في الكتاب الحكيم الكثير من الآيات القرآنية التي بينت فساد ما یعبدون بعدة طرق. إن المشركين بالله يعبدون من دونه آلهة أولًا: نفي النفع والضر عن المعبودات أحجارًا صماء لا تضر ولا تنفع، ويتركون من دون الله: إن العبادة أعظم أنواع التعظيم، فلا تليق إلا بالله الواحد الأحد، خالق كل شيء وملیکه، الذي يضر وينفع، يحيي ويميت، وهذه الأصنام التي عبدوها جماد وحجارة، لا تضر ولا تنفع، وفي هذه الآية توبيخ وتقريع وتبكيت لهؤلاء المشركين الذين يعبدون أصنامًا، لا تضرهم إن عصوها وتركوا عبادتها، ولا تنفعهم إن عبدوها وأطاعوها؛ لأنها حجارة وجماد لا تضر ولا تنفع، والمعبود ينبغي أن يكون مثيبًا ومعاقبًا؛ حتى تعود عبادته بجلب نفع أو دفع ضر(١). قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اَللَّهِمَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءَ شُفَعَتُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَُّونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِي الْأَرْضَِّ سُبْحَنَهُ. (١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٤٣٤/٢. وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨]. وكانت حجتهم في عبادتها أنها تشفع لهم عند الله عز وجل، افتروا على الله بدعواهم هذه، فعند الله علم السماوات والأرض لا لأحد غيره. قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُوُنٍ اُللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ، ظَهِيْرًا﴾ [الفرقان: ٥٥]. عبادة من أنعم عليهم بالكثير من النعم التي لا تعد ولا تحصى، وهذه الآية تنعى على المشركين خفة أحلامهم وسفه عقولهم في إعراضهم عن توحيد الله، وإنكار الوهيته، وتندد باتخاذهم آلهة من دون الله يصنعونها بأيديهم ثم يعظمونها، ويقدمون لها القرابين من نعم الله وما أفاءه عليهم، وهي من الضعف والهوان بحيث لا تستطيع أن تجلب لهم نفعًا، ولا أن تدفع عنهم ضرّا، بل هي من المهانة بحيث لا تستطيع أن تجلب لنفسها نفعًا ولا تدفع عنها شرّا، بل کان إن جاع أحدهم أكله، وهم بذلك معينين للشيطان على ربهم، مظاهرين له على معصيته (٢). قال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنَكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦]. (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٨٤/١٩. www. modoee.com ٢٧١ حرف الألف قال ابن عباس: ((إن ناسًا من خزاعة کانوا یعبدون الجن، وهم يرون أنهم هم الملائكة»، وقال مجاهد: «هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزیرًا))(١). وانصرف النصارى إلى عبادة المسيح دون الله سبحانه وتعالى فأشرکوا، كما عبد المشركون البشر والملائكة والأصنام، فكانوا سواء في الكفر والضلال، فأمر الله رسوله أن يخاطبهم متعجبًا منكرًا: ﴿قُلّ أَتَقَّبُّدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَ نَفْعَاْ وَاللّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦]. والمسیح لا يملك من الضر والنفع شيئًا مما يقدر عليه الله عز وجل، فهم قد عدلوا عن إفراد الله السميع لأقوال عباده في السر والعلن، العليم بكل شيء، إلى عبادة مخلوق خلقه الله، لا يستطيع أن يضرهم بمثل ما يضرهم الله به من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال، ولا يقدر أن ينفعهم بمثل ما ينفعهم الله به من صحة الأبدان وسعة الأرزاق، فإن الضار والنافع هو الله سبحانه وتعالى، لا من یعبدون من دونه، ومن لم يقدر على النفع والضر لا یکون إلهًا، والله وحده هو السميع العليم(٢). قال ابن عباس: «إن أهل مكة قالوا: یا محمد، ألا يخبرك ربك بالسعر الرخيص قبل أن يغلو فتشتري به فتربح فيه عند الغلاء، وبالأرض التي يريد أن تجدب فترحل عنها إلى ما قد أخصبت)) فأنزل الله عز وجل: ﴿قُل لََّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرَّا إِلَّ مَا شَآءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَأَسْتَكْثَرْتُ مِنَ اَلْخَيْرِ وَمَا مَسَّفِىَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٨]. فهذا أمر إلهي لتعليم وتلقين جميع المؤمنين، ولإزالة كل شك أو ريب، في أن الله وحده هو النافع الضار، والمنفرد بالتصرف المطلق في خلقه دون غيره، ولو كان هذا الغير رسولًا فهو أضعف من ذلك، فالرسول لا يملك حتى لنفسه نفعًا ولا ضرًا، رغمًا عن کونه خاتم المرسلين، وخير من وطئت قدمه الثرى، وفي أعلى درجات القرب من الله عز وجل والحصول على رضاه، فيعترف الرسول صلى الله عليه وسلم ببشريته وضعفه أمام قدرة الله جل جلاله، فيقر بأنه لا يقدر على اجتلاب نفع إلی نفسه، ولا دفع ضر یحل بھا، ولو کان یعلم ما هو كائن مما لم یکن بعد لأعد الکثیر من الخير(٣). فعلى الإنسان بعد ذلك كله أن يخضع (١) الهداية الى بلوغ النهاية، مكي بن أبي طالب ويسلم أمره لله وحده، فليس هناك ضار أو ٤٢٢٧/٦. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٩/٣. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٢/١٣. مُوسوبر البشعة لِلْقُرآن الكَرِيمِ ٢٧٢ الألوهية نافع إلا الله فأمورنا كلها بيده؛ حياتنا، رزقنا، تسفيه لمعتقدات المشركين وإقامة الحجة عليهم (١). سعادتنا، فلا يضير المرء بعد ذلك قوله الحق، والسطوع به في وجه كل طاغية متجبر يظن أنه إله هذا الكون، ونسي أنه مخلوق ضعيف، لا يملك لنفسه فضلًا عن غيره ضرًا أو نفعًا، فلنكن جميعًا عبيدًا للواحد القهار النافع الضار، ولسنا عبيد مصالح ومناصب. ثانيًا: نفي الاستجابة: من طرق القرآن الكريم لإثبات الألوهية لله وحده ونفيها عمن سواه التطرق إلى عجزها عن مناصرة من يعبدها وعدم الاستجابة لهم، وهنا بيان لعجز من يدعى من دون الله إما لعدم قدرته على السماع أصلًا، أو لعدم استجابته إن سمع الدعاء، وهذا يدل بلا أدنى شك على عدم استحقاقها للعبادة من دون الله. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]. والأمر هنا للتحدي أو للتعجيز، وليس للطلب أو الإباحة، فلقد تحداهم الله عز وجل أن يدعوهم، فإن استجابوا لكم فصدقت دعواكم لهم بالألوهية، ولكن هيهات أن تجيبهم صخور صماء، ولو سمعوا ما استجابوا لهم، وما أجابوهم، ويوم القيامة یتبرؤون منهم ومن عبادتهم لها، فهنا ويذكر الله تعالى أن التعجيز يقع في الآخرة أيضًا. فمن ذلك قول الله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآِىَّ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢]. لقد وصف كتاب الله موقف المشركين الحرج يوم القيامة، ممن كانوا يزعمون أنهم شركاء لله، عندما يأمر الله المشركين به أن ینادوا ما كانوا يعبدون من دونه عز وجل ليشفعوا فيهم، وينقذوهم من العذاب الشديد، ثم يدعونهم فلا يستجيبون لهم ولا يلبون نداءهم، بل يتجاهلونهم بالمرة، كأنهم لا يعرفونهم، أو كأن بينهم عداوة متأصلة من قديم، فجعل بين الداعين من المشركين والمدعوين من الشياطين، مهلكًا مشتركًا وهو النار التي يصلونها جميعًا(٢). ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ أُدْعُواْ شُرَكَتَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابِّ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُواْ يَهْنَدُونَ ﴾ [القصص: ٦٤]. فقد طلب الله عز وجل من الكفار تقريعًا لهم، وتهكمًا وتوبيخًا وتشهيرًا بهم على (١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٦٩١/٣، زهرة التفاسير، أبو زهرة ٦/ ٣٠٣٥. (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢/١١. www. modoee.com ٢٧٣ حرف الألف رؤوس الأشهاد بدعاء ما عبدوا في الدنيا من دون الله لتنصرهم، وتدفع عنهم الأذى، من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالخلق والإيجاد، فهو الذي يعبد، وعبادة غيره محال(٢). مثلما كانوا يفعلون ذلك في الدنيا، فاستغاثوا بهم، فلم يجيبوهم ولم ينصروهم، فيتمنوا وقتها لو أنهم كانوا مؤمنين بالله جل جلاله . فعدم قدرتهم على الاستجابة والنصرة دليل عجزهم الواضح، ولكنها العقول الضالة التي تأبى إلا العناد والكفر، فلو كانوا يهتدون بهدي الله سبحانه وتعالى، وهدي رسوله صلی الله علیه وسلم، ویرون العذاب الذي أنذرهم به حقيقة وواقعًا لا يتخلفون عنه لما حدث لهم هذا، ولما واجهوا هذه العاقبة الأليمة (١). ومن الآيات الجامعة قول الله تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْءٍ وَمَا لَهُمِنْهُم ◌ِّن ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢]. فهو خطاب توبيخ وتقريع المشركين لدعوة ما زعموا أنها آلهة لهم من دون الله سبحانه وتعالی لتنفعهم وتذب عنهم، ولكنهم لا يملكون دفع ضر في أي أمر من الأمور، أو حتى جلب منفعة، وليس لهم قدرة على خير ولا شر، فليس للآلهة في السماوات والأرض مشاركة لا بالخلق ولا (١) انظر: الکشاف، الزمخشري ٣/ ٤٢٧، تفسیر الشعراوي، ١٠٩٨٨/١٨. بالملك ولا بالتصرف، فما لله من هؤلاء وما نراه اليوم من فعل بني جلدتنا ممن يدعون أنهم مسلمون من التضرع القبور الأولياء والصاحين، والتمسح بقبورهم، ودعائهم من دون الله لجلب منفعة أو دفع ضر، ليس إلا صورة من صور الشرك بالله فهذه القبور لا تستجيب لهم، ولا تملك لنفسها فضلاً عن غيرها الشر أو الخير، تمسكوا بعادات وتقاليد آبائهم الفاسدة الضالة؛ فضلوا وأضلوا من بعدهم. ثالثًا: المعبودات من دون الله عبيد لله تعالى: إن مقياس الألوهية هو الخلق والتكوين، فإن كان الله هو الخالق المكون فهو المالك لما خلق وكون، وهو وحده المستحق للعبادة سبحانه وتعالى، والله عز وجل مالك السماوات والأرض وخالقهما، وخالق الإنسان فكيف يعبد غيره؟!؛ ولذا قال جل جلاله مستنكرًا ما عليه الضالون ممن أشركوا بالله عز وجل غيره من المخلوقات أو الجمادات. قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٩٥/١٤. ٢٧٤ مَوَسُوبَةُ اللَّهـ القرآن الكريم الألوهية يُخْلَقُونَ( ) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ (١٩١ يَنصُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩١ - ١٩٢]. وهنا استنكار وتجهیل على المشرکین، أيشركون به سبحانه وتعالى وهو الخالق لهم ولكل شيء، ما لا يخلق شيئًا من الأشياء مهما يكن صغيرًا أو حقيرًا؟! إن هذه الأصنام التي تعبد من دون الله مخلوقة ومصنوعة، فکیف یليق بذي العقل السليم التنازل عن عقولهم، وجعل المخلوق العاجز الذي لا يملك لنفسه أي مقومات الحياة شريكًا لله سبحانه وتعالى الخالق القادر المصور؟!(١) ففي الآية تدرج ومراحل للوصول إلى الحقيقة، ويتحدث عن ذلك الشيخ الشعراوي قائلًا: ((فأول مرحلة عرفهم أن الأصنام لا تخلق، وثاني مرحلة عرفهم أنهم هم أنفسهم مخلوقون، والأصنام لا تقدر على نصرهم، إذن فهم معطلون من كل ناحية؛ لأنهم لا يخلقون، وهذا أول عجز، ومن ناحية أخرى أنهم يخلقون وهذا عجز آخر، لكن بعد هذا العجز الأول والعجز الثاني فهل هم قادرون على نصر غیرهم؟»(٢). (١) انظر: تفسير الشعراوي ٤٥١٩/٨. (٢) المصدر السابق ٨/ ٤٥٢١. قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اَللَّهِ عِبَادُ أَمْثَالُكُمْ فَأَدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٤]. فهذه الأصنام ليست لها أدنى قدرة إن جاءها من يحطمها، أو یکسرها، أو يسرقها، فهي أضعف من عابديها، والمعبود يجب أن يكون أعلی منکم؛ لتسجدوا له، فکیف تعبدون مثلكم؟! ولماذا تختارونه للعبادة وهو على أكثر تقدير له مثلكم لا فرق بينكم وبينهم؟! فكلكم عبيد لله مملوكون (٣). قال تعالى: ﴿وَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةٌ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣]. وفي هذه الآية أيضًا تقريع للمشركين بعبادتهم ما دون الله، وتنبيه لهم على موضع خطأ فعلهم، ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة، ومع ذلك فھي لا تملك دفع ضر عن نفسها ولا جلب منفعة إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء، ولا بعثًا ولا نشورا، فهذه هي صفتها، فهي لا تستحق العبادة، فكيف يليق بالإنسان أن يعبد مع ربه أحدًا من خلقه، ويتخذ أندادًا يعبدهم من وتكون النتيجة النهائية لهذه المراحل أن دون الله، ويحبهم كما يحبه، وهم مخلوقون مثله، لا يملكون مثقال ذرة في السماء ولا ما يعبد السفهاء عباد مثلهم. (٣) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٣٠٣٤/٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٣١٢. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الألف في الأرض؟!(١). فهذا من أعجب العجب، وأسفه السفه أن يعطي الله عز وجل للإنسان عقلًا مفكرًا ودلائل ساطعة على أنه الإله الخالق، ويعلم أن الله جل جلاله هو الرازق الخالق المدبر، ثم يشرك به غيره، ویعبد معه آلهة أخرى، لا تملك لنفسها ولا لغيرها نفعًا ولا ضرًا. وصاحب الدعوة إلى الله يلجأ إلى الله ويلوذ إليه وهو مدرك أنه لن يؤذيه شيء إلا بإذن ربه، ولکن قد يؤذی المرء کثیرًا وهو سائر في طريق الله، ليس عقابًا أو عجزًا عن حمايته ولا تخليًا منه سبحانه وتعالى عن نصرة أوليائه، ولكن ابتلاء لعباده الصالحين للتربية والتمحيص والتدريب، واستدراجًا لعباده الطالحين للإعذار والإمهال والكيد المتین. لقد كان أبو بكر رضي الله عنه يتناوله المشركون بالأذى، ويضربون وجهه الكريم بالنعال المخصوفة يحرفونها إلى عينيه ووجهه، حتى تركوه وما يعرف له فم من عين، فما كان منه إلا أن يردد طوال هذا الاعتداء ((رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! رب ما أحلمك !... ))(٢) فقد كان يعرف في قرارة نفسه ما وراء هذا الأذى من حلم ربه، لقد كان واثقًا أن ربه لا يعجز عن تدمير (١) انظر: موسوعة فقه القلوب، محمد التويجري ١٦٣/١. (٢) البداية والنهاية، ابن كثير ٣/ ٩٥. أعدائه، کما کان واثقًا أن ربه لا يتخلى عن أوليائه الصاحين!(٣). (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ١٤١٦/٣. ٢٧٦ مَوَسُوبَةُ التَّقِد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ