Indexed OCR Text

Pages 41-54

الأمانة
إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو والشهداء.
شاة تیعر)(١).
وقد يتوصل الإنسان إلى الرشوة عن
طریق أهله وزوجته أو أبنائه، فهذا واحد من
عمال عمر رضي الله عنه أهدى إلى امرأة
عمر نمرقتین، فدخل عمر ووجد في البيت
سجادة، فقال: ((من أين هذه السجادة؟ هل
اشتریتها؟ قالت: بعث بها إلي فلان. قال:
قاتله الله؛ لما أراد حاجة فلم يستطعها من
قبلي أتاني من قبل أهلي، فجبذها جيدًا
شديدًا من تحت من كان جالسًا عليها،
وأخرجها من بيته، وفرقها بين امرأتين
فقيرتين من الأنصار))(٢).
ومن الأمانة في الأموال الأمانة في البيع
والشراء، وهذا أدب رفيع، وخلق اجتماعي،
يقرب الناس من بعضهم؛ لأنه يوجد الراحة
في النفوس، وللأمانة في البيع والشراء دورٌ
كبيرٌ في طمأنينة النفس، واستتباب الأمن؛
لأن صدق التعامل مع الناس وسيلة لزيادة
الحب والتآلف بينهم؛ لذلك أوصی صلى
الله عليه وسلم التجار بالتزام الصدق
والتقوى والأمانة؛ لينالوا درجة الصديقين
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الهبة
وفضلها، باب من لم يقبل الهدية لعلة،
٩١٧/٢، رقم ٢٤٥٧، ومسلم في صحيحه،
كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال،
١٤٦٣/٣، رقم ١٨٣٢.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ١٣٨،
رقم ٢٠٩٨١.
فعن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: (التاجر الصدوق
الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء)(٣).
ومن مجالات الأمانة في الأموال رد
الودائع إلى أهلها، وأداء الحقوق لأصحابها.
قال صلى الله عليه وسلم: (من أخذ
أموال الناس یرید أداءها أدی الله عنه، ومن
أخذ يريد إتلافها أتلفه الله) (٤).
وقد ورد أن الشهيد يسأل عنها يوم
القيامة، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله
عنه قال: «القتل في سبيل الله یکفر الذنوب
كلها إلا الأمانة.
قال: يؤتى بالعبد يوم القيامة - وإن قتل
في سبيل الله- فيقال: أد أمانتك، فيقول: أي
رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا
به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم
دفعت له، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها
حتى يدركها، فيحملها علی منکبیه، حتى إذا
ظن أنه خارج نزلت عن منکبیه، فهو يهوي
في أثرها أبد الآبدين، ثم قال: الصلاة أمانة،
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب البيوع، باب
ما جاء في التجار وتسمية النبي صلى الله عليه
وسلم إياهم، ٥١٥/٣، رقم ١٢٠٩.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب ١٦٢/٢، رقم ١٧٨٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الاستقراض، باب من أخذ أموال الناس يريد
أداءها أو إتلافها، ٢/ ٨٤١، رقم ٢٢٥٧.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الألف
والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة،
وأشياء عددها وأشد ذلك الودائع))(١).
والوديعة: أن يودع أحد الأشخاص عند
إنسان يثق به وديعة عينية من مال أو ذهب
أو أوراق نقدية أو متاع أو نحوه مما يسمى
أمانات، وحينئذٍ يجب على المسلم حفظ
هذه الوديعة حتى يرجعها إلى صاحبها.
والمقصود أن من مجالات الأمانة
الواسعة الأمانة في الأموال، فهي من
الأمانات التي نسأل عنها يوم القيامة، ولنا
الأسوة الحسنة في رسولنا الأمين صلى الله
عليه وسلم، حينما استخلف عند هجرته
ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛
ليسلم المشركين الأمانات والودائع التي
استحفظها، مع أن هؤلاء المشرکین کانوا قد
خططوا لقتله أو سجنه أو طرده من الديار،
وأرغموه على الهجرة من مكة المكرمة إلى
المدينة المنورة(٢).
(١) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، رقم
٥٢٦٦.
وحسنه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب ٢/ ١٥٧، رقم ١٧٦٣.
(٢) انظر: فقه السيرة، البوطي ص ١٧٨.
الآثار المترتبة على أداء الأمانات
بين الوحي الإلهي الآثار المترتبة على
أداء الأمانة في الدنيا والآخرة، وسوف نبينها
فیما یآتي:
أولًا: الآثار الدنيوية:
١ . الثقة بالأمين:
من أعظم آثار الأمانة الدنيوية أن الأمين
يصبح موضع ثقة الناس واحترامهم،
والخائن محط سخطهم وحقدهم؛ ولهذا
نجد أن الإسلام قد شدد في الأمانة والعهد؛
ليقيم المجتمع على أسس متينة من الخلق،
والثقة والطمأنينة، وجعل رعاية الأمانة
والعهد سمة النفس المؤمنة، كما جعل خيانة
الأمانة، وإخلاف العهد سمة النفس المنافقة
والكافرة.
وكلما ازدادت الثقة بين أبناء المجتمع
كان ذلك دليلاً على توافر أمانتهم، وسمو
أخلاقهم، وشيوع الثقة والتعاون بينهم،
وهذا يساعد على تحقيق التكافل الذي هو
قاعدة المجتمع الإسلامي، وكذا الاحترام
المتبادل لجهود الآخرين، وما يقدمونه من
عطاء وإسهام يجعل المجتمع أمة واحدة.
والنفس البشرية تميل بالفطرة إلى
التعامل مع الأمين الصادق حتى غير
المسلمين يؤثرون الأمين، فقد ورد في قصة
٣٣٢
مُوسُوبَةُ التَّفِي
القرآن الكريمِ

الأمانة
أهل نجران لما وافقوا على دفع الجزية.
قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إنا الأبناء؛ لذلك حرص الإسلام على تعزيز
نعطيك ما سألتنا، فابعث معنا رجلًا أمينًا،
ولا تبعث معنا إلا أمينًا، فقال: (لأبعثن
معکم رجلا أمينًا حق أمین) فاستشرف لها
أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(قم يا أبا عبيدة بن الجراح) (١) فأرسله
معهم، وكان أمينًا لهذه الأمة.
ولولا وجود الأمانة لما حصلت الثقة بأي
أحد، ففي باب الرسالات لولا صفة الأمانة
في الرسل لما حصلت الثقة بما يبلغون عن
للناس.
وفي باب العلاقة الزوجية لولا وجود
الأمانة بين الزوجين لما حصل الثقة بينهما،
ولما أمن أحدهما الآخر، ولما عاشا في
سعادة وأمن؛ لهذا فالعلاقة بين الزوجين
ينبغي أن تقوم على أساس الأمانة المتبادلة
في حفظ الأعراض، والأسرار البيتية؛ لكي
يتولد الإخلاص والثقة بينهما في كل عمل
فيه مصلحة الأسرة، فإذا توفرت الأمانة
والإيمان تنشأ الثقة بين الطرفين، ويزول
الشك والريبة، ويصبح كل منهما عينًا ساهرة
على الأسرة ومصالحها، وإذا فقدت الأمانة،
ودخل مرض الشك والريبة بين الزوجين
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، باب قصة أهل نجران، ٤ / ١٥٩٢،
رقم ٤١١٩.
كان ذلك بداية دمار الأسرة، والتفريق بين
عنصر الأمانة بين أفرادها، فالزوجة التي
تحفظ زوجها في عرضها في غيابه، وترعى
الأمانة في ماله من الضياع والتبذير، وتحفظ
ولده وسائر شئون البيت تكون قد أدت
الأمانة، ورعت المسئولية، وقد قال صلى
الله عليه وسلم: (والمرأة راعية في بيت
زوجها، ومسؤولة عن رعيتها)(٢).
ولولا وجود الأمانة بين البائع والمشتري
لما حصلت الثقة بينهما، ولخاف کل منهما
ربهم، ولما اصطفاهم الله لحمل رسالاته من الآخر، وغش كل منهما الآخر؛ فلهذا
كان للأمانة في البيع والشراء دور كبير في
طمأنينة النفس، واستتباب الأمن؛ لأن صدق
التعامل مع الناس وسيلة لزيادة الحب
والتآلف بينهم؛ ولهذا أوصى النبي صلى الله
عليه وسلم التجار بالتزام الصدق والتقوى
والأمانة؛ لينالوا درجة الشهداء - كما سبق-
من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (التاجر
الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين
والشهداء)(٣).
وفي باب الشراكة لولا وجود الأمانة
بين الشريكين لما حصل الثقة بينهما؛ ولما
أمن أحدهما الآخر، ولضيع الشريك الأمانة
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب الجمعة في القرى والمدن، ٣٠٤/١،
رقم ٨٥٣.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الألف
وخان شريكه الذي ائتمنه، فسرق من مال بين الناس ضياع الأمانة حتى لا يكاد يثق
الناس بأحد، فعن حذيفة رضي الله عنه.
صاحبه، ولم يخبره بحقيقة البيع والشراء
والربح، وإذا فعل ذلك حلت العقوبة،
ومحقت البركة.
والمقصود أن بالأمانة توجد الثقة بين
الناس، وتشيع في المجتمع الطمأنينة على
الأرواح والأعراض والأموال، ومما لاشك
فیه أن الثقة روح العمران، وسر النجاح ولا
عجب؛ فإنه بالثقة تحسن المعاملة، وتحفظ
الحقوق، وتتبدد المطامع، وتكبح الشهوات،
وتتلاشى الفوضى، ويسود النظام، وهذه هي
ركائز النهوض، ووسائل التفوق، وأسس
التبريز في مجالات الحياة، وينعكس الأمر
إذا انعدمت الثقة بين الناس حيث تضطرب
الأمور، وتشيع الفوضى، ويختل الأمن،
ويفسد النظام، ويفقد الشخص أعز شيء
يرتكز عليه في حياته؛ فالتاجر يخبو شرفه،
وتبور تجارته، والصانع تنحط صناعته،
وتسوء سمعته، والموظف تختل موازينه،
وتهتز وظيفته، وبكل هذه السوءات تشقى
الأمة، ويذهب ريحها.
ولأجل هذا كله أمر القرآن الكريم بما
يحافظ على هذه الثقة في صفوف الناس
وهو الأمانة؛ حفظًا للنوع الإنساني من
التدهور، وصيانة للمجتمع الإسلامي من
التفكك.
وقد جاء في الحديث أن مما ينزع الثقة
قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم حديثين، رأيت أحدهما، وأنا أنتظر
الآخر، حدثنا: (أن الأمانة نزلت في جذر
قلوب الرجال، ثم علموا من القرآن، ثم
علموا من السنة).
وحدثنا عن رفعها قال: (ينام الرجل
النومة فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها
مثل أثر الوكت (١)، ثم ينام النومة فتقبض
فيبقى أثرها مثل المجل (٢)، كجمر دحرجته
على رجلك فنفط فتراه منتبرًا (٣)، وليس
فيه شيء، فیصبح الناس يتبایعون فلا يكاد
أحدهم يؤدي الأمانة، فيقال: إن في بني فلان
رجلًا أمينًا، ويقال للرجل: ما أعقله! وما
أظرفه! وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة
خردل من إيمان).
ولقد أتى علي زمان، وما أبالي أيكم
بایعت، لئن کان مسلمًا رده علي إسلامه،
وإن كان نصرانيًا رده علي ساعيه، فأما اليوم
(١) الوكت: أثر الشيء اليسير منه.
انظر: غريب الحديث، القاسم بن سلام
١١٨/٤.
(٢) المجل: أثر العمل في الكف إذا غلظ.
انظر: غريب الحديث، القاسم بن سلام
١١٨/٤.
(٣) منتبرًا: متنفطًا، وكل شيء رفع فقد نبر، ومنه:
سمي المنبر؛ لارتفاعه.
انظر: تفسير غريب ما في الصحيحين، الأزدي
ص ٧٦.
٣٣٤
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأمانة
فما كنت أبايع إلا فلانًا وفلانًا(١).
وهذا الحديث علم من أعلام النبوة؛
لأن فیه الإخبار عن فساد أدیان الناس، وقلة
أمانتهم في آخر الزمان، ولا سبيل إلى معرفة
ذلك قبل كونه إلا من طريق الوحي (٢).
وفي الحديث أيضًا دلالة أن هذه الأمانة
سوف تنزع من قلوب الرجال، فيصبح
الناس يتحدثون: إن في بني فلان رجلاً
أمينًا، يعني: أنك لا تكاد تجد في القبيلة
رجلًا واحدًا أمينًا، والباقي كلهم على خيانة
لم يؤدوا الأمانة، وواقع الناس الیوم یصدق
هذا الحدیث؛ فإنك تستعرض الناس رجلًا
رجلًا حتى تبلغ إلى حد المائة أو المئات
لا تجد الرجل الأمين الذي يؤدي الأمانة
كما ينبغي في حق الله وحق الناس، قد
تجد رجلا أمينًا في حق الله يؤدي الصلاة،
ويؤدي الزكاة، ويصوم، ويحج ويذكر الله
کثیرًا، لکنه في المال لیس أمینًا، إن و کل إلیه
عمل حكومي فرط وصار لا يأتي للدوام إلا
متأخرًا، ويخرج قبل انتهاء الوقت، ويضيع
الأيام الكثيرة في أشغاله الخاصة ولا يبالي،
مع أنك تجده في مقدمة الناس في المساجد،
وفي الصدقات، وفي الصيام، وفي الحج،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب رفع الأمانة، رقم ٢٣٨٢، ومسلم في
صحيحه، كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة
والإيمان من بعض القلوب، رقم ١٤٣.
(٢) شرح ابن بطال ٤٦/١٩.
لكنه ليس أمينًا من جهة أخرى (٣).
وقوله في الحديث: (يصبح الناس) أي:
يدخلون في الصباح أو يصيرون (يتبايعون)
أي: يجري بينهم التبايع، ويقع عندهم
التعاهد، ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة، بل
يظهر من كل أحد منهم الخيانة في المبايعة
والمواعدة والمعاهدة، ومن المعلوم أن
حفظ الأمانة أثر كمال الإيمان، فإذا نقصت
الأمانة نقص الإيمان، وبطل الإيقان، وزال
الإحسان، فيقال عند ذلك -بسبب قلة
الأمانة في الناس -: إن في بني فلان رجلًا
أمينًا، أي: كامل الإيمان، وكامل الأمانة،
ويقال -أي: في ذلك الزمان- للرجل أي:
من أرباب الدنيا، ممن له عقل في تحصيل
المال والجاه، وطبع في الشعر والنثر
وفصاحة وبلاغة وصباحة، وقوة بدنية،
وشجاعة وشوكة: (ما أعقله! وما أظرفه!
وما أجلده!) تعجبًا من کماله، واستغرابًا من
مقاله، واستبعادًا من جماله، وحاصله: أنهم
يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة،
ويتعجبون منه، ولا يمدحون أحدًا بكثرة
العلم النافع، والعمل الصالح (٤).
فهذه الثقة وهذه الطمأنينة ينالها الأمين،
أما فاقد الأمانة فيكفيه ما يلقاه في الدنيا من
(٣) انظر: شرح رياض الصالحين، ابن عثيمين
٢٣٦/١.
(٤) انظر: مرقاة المفاتيح، الملا علي القاري
٠٣٣٨/١٥
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الألف
مهانة وصغار، حین ینکشف أمره، ویهتك
ستره، ويجد الأمانة التي ضيعها وخانها
متمثلة له يوم القيامة عند الصراط؛ لتهوي
به من فوق الصراط إلى قعر جهنم -والعياذ
بالله تعالى- جزاء ما ضيع منها، وفرط فيها،
كما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله
عليه وسلم قال في حديث الشفاعة العظمى:
(وترسل الأمانة والرحم فتقومان جنبتي
الصراط يمينًا وشمالًا) إلى أن قال: (ونبيكم
قائم على الصراط، يقول: رب سلم سلم)
قال: (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة،
مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناج،
ومکدوس في النار) قال أبو هريرة راوي
الحديث: «والذي نفس أبي هريرة بیده: إن
قعر جهنم لسبعون خريفًا))(١).
الصراط، ونجا من عذاب جهنم، والحسرة
والندامة على من تساهل فخان أمانته،
وضيع وسقط في الغدر، والشهوة العارضة،
أو الحقد الأعمى الذي يحمله على الخيانة
والغدر والنکث.
٢. انتشار الطمأنينة والسعادة في
المجتمع:
ومن آثار الأمانة في الدنيا استقامة أحوال
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١٦٨/١،
رقم ١٩٥.
المسلمين ما ثبتوا عليها، وتخلقوا بها، فإن
ضيعوها، ولم يؤدوها إلى أهلها، فسدت
حياتهم، وساءت معاملاتهم، وعاشوا حياة
الغدر والغش والخيانة، وعدم الطمأنينة.
والمجتمعات في ظل قيام أفرادها
بأداء أماناتهم يعم فيها السعادة والطمأنينة،
ويعيش الفرد فيها حياة طيبة، وحين تختفي
الأمانة من حياتهم تفسد حياتهم، وتسوء
معاملاتهم، ويعيشون حياة خالية من
الطمأنينة والسعادة، وراحة البال، وواقع
الناس اليوم خير دليل على ذلك، حيث عم
التعامل بالغدر والخيانة والغش والخداع
والكذب في سائر أحوالهم ومعاملاتهم إلا
من رحم الله.
ومن علامات سوء الزمان، وفساد
فهنيئاً لمن قام بحق الأمانة، فجرى على المجتمع، وخبث السرائر ضياع الأمانة،
والتفريط في الرعاية، والتهاون في
المسئولية، واتخاذ المصالح الخاصة
الهدف والغاية، ونبذ المصالح العامة من
أجل المصالح الخاصة، والمنافع الذاتية.
وتبرز آثار تضييع الأمانة في فساد أخلاق
المجتمع، وانقلاب الموازين الصحيحة،
وتزيين المحرمات، حتى تصبح بعض
المجتمعات المسلمة لا تعرف معروفًا،
ولا تنکر منکرًا، فیعم النفاق، ویکثر الزنا،
وتنتشر الخمور والمخدرات، وما يتبع
ذلك من ارتفاع أسافل الناس على خيارهم،
٣٣٦
صَوْسُوبَرُ النَّهِ
جوبير
القرآن الكريم

الأمانة
بسبب توسيد الأمور لغير أهلها.
ولهذا فأداء الأمانة هو من الواجبات
العظيمة على الفرد والمجتمع، والذي
به يسعد المجتمع، وينتشر فيه الخير
والطمأنينة، ومن أسباب المصائب
والعقوبات الخاصة والعامة في المجتمع
تضييع الأمانات، وعدم أدائها لأهلها، وكم
من إنسان قد ابتلي بأنواع من الأمراض
والأسقام والأوجاع بسبب تضييعه لما قد
اؤتمن علیه من حقوق الناس.
وقد اعتبر ضياع الأمانة وفشو الغدر
والخيانة من علامات الساعة وأشراطها؛
ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم من
إضاعتها، والتهاون فيها، وأشار إلى أن في
إضاعتها انحلال أمر المسلمين، فعن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: بينما كان النبي
صلی الله عليه وسلم یحدث إذ جاء أعرابي،
فقال: متى الساعة؟ قال: (إذا ضيعت
الأمانة فانتظر الساعة) قال: كيف إضاعتها؟
قال: (إذا وسد الأمر إلى غير أهله، فانتظر
الساعة)(١).
قال العلماء رحمهم الله في بيان معنى
هذا الحديث الشريف: معنى وسد الأمر إلى
غير أهله: أن الأئمة والحكام قد ائتمنهم الله
على عباده، وفرض عليهم النصيحة لهم،
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب من سئل علماً وهو مشتغل في حديثه،
٢١/١، رقم ٥٩.
فيجب عليهم تولية الأمناء أهل الكفاءة
والدين والأمانة والعلم، فإذا قلدوا غير
هؤلاء، وقدموا عليهم أهل الفسق والفجور
والجهالة فقد ضيعوا الأمانة التي حملهم
الله إياها.
وفي ضياع الأمانة أيضًا اختلال
الموازين، وفساد القيم، حيث تنقلب
الموازين، وتضطرب المقاييس، وتفسد
الأخلاق والقيم والتعاليم.
قال صلى الله عليه وسلم: (سيأتي
علی الناس سنوات خداعات، يصدق فيها
الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن
فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق
فيها الرويبضة في أمر العامة) قيل: وما
الرويبضة؟ قال: (الرجل التافه)(٢).
وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تقوم
الساعة حتى يخون الأمين، ويؤتمن
الخائن)(٣).
وفي هذا غاية في اختلال الموازين في
المجتمع، نسأل الله السلامة والعافية.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب
الصبر على البلاء، ١٣٣٩/٢، رقم ٤٠٣٦.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٣٦٥٠.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ١١/ ٤٥٧، رقم
٦٨٧٢.
وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة
٣٦٠/٥، رقم ٢٢٨٨.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الألف
الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله فئات منهم في الهزيمة النفسية الداخلية؛
عليه وسلم: (كيف بكم بزمان يوشك أن مما يسبب ذلك في تشويه صورة الإسلام
والمسلمين، وغلبة الكذب والخيانة،
والتناقض بين القول والعمل.
یأتي یغربل الناس فيه غربلة -يعني: يذهب
خيارهم ويبقى شرارهم-، ثم تبقى حثالة
من الناس، قد مرجت عهودهم وأمانتهم،
فاختلفوا هكذا -وشبك بين أصابعه-
فقالوا: کیف بنا یا رسول الله إذا كان ذلك؟
قال: تأخذون بما تعرفون، وتدعون ما
تنكرون، وتقبلون على خاصتکم، وتذرون
عوامكم)(١).
ويؤدي ضياع الأمانة في المجتمع إلى
تفكك العلاقات، فحينما تفتقد الثقة بين
أبناء المجتمع، وتتفشى منكرات القلوب
من الغل والبغضاء والتناحر تتفكك
العلاقات الاجتماعية، وتكثر مظاهر
الخيانة، وإساءة الظن، وإنكار الحقوق،
وغلبة الأنانية والفردية، وحب الأثرة، ویذا
تنحل قاعدة المجتمع، وتنفصم عراه، وتكثر
الإخفاقات، ويحدث التخلف الحضاري
للمجتمع، وغياب العزة الإسلامية، وغلبة
الذل على المسلمين، وتفرقهم، وتشتتهم
وضعفهم اقتصادیًا، وتخلفهم علميًا، ووقوع
وقد صارت الأمة الإسلامية منذ زمن
تعيش مسلسل السقوط والانحدار في
إقصاء الأمناء والنصحاء من الحياة، وتملأ
الفراغات في القيادات بالخائنين، وأصبح
الناس يرون بأم أعينهم في كثير من بقاع
العالم الإسلامي أن الأمور توسد إلى غير
أهلها، ويؤتمن الخائن، ويخون الأمين،
ويغدو الأمناء غرباء، نادرين يشار إليهم،
ومع ندرة هؤلاء الأمناء يستبعدون ويولى
غيرهم، وذلك من أسباب إضاعة الأمانة،
وظهور الخيانة، وهو من علامات الساعة.
والمقصود أن الأمانة رمز السعادة،
وعنوان الخير والمحبة؛ ولذا أمر الله بها
عباده، وحلى بها ملائکته، وهي من أخص
الفضائل والآداب التي يترتب عليها صيانة
الأموال والأعراض، وحفظ المجتمع
من غوائل الفوضى والفساد، فبين الأمانة
والإيمان تلازم، فحيث يكون الإيمان تكون
الأمانة، وحيث تكون الأمانة يكون الإيمان.
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم،
باب الأمر والنهي، ٢١٦/٤، رقم ٤٣٤٤،
وابن ماجه في سننه، كتاب الفتن، باب التثبت
في الفتنة ٢/ ١٣٠٧، رقم ٣٩٥٧.
وإن القيام بأداء الأمانات فيه حفظ
المجتمع من الزوال، وحفظ الأفراد من
حلول العذاب، وبه يسود السلام، ويعم
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم الأمن، وتنتشر الطمأنينة والسعادة في
٤٥٩٤.
٣٣٨
جَوَبُو بَرُ النَّقِبـ
القرآن الكريم

الأمانة
المجتمع، ولا يتسنى تعميق روح الأمانة
في أفراد المجتمع، والوقاية من الخيانة إلا
في ظل التقوى والإيمان، والالتزام الديني
والأخلاقي.
وإن التزام الجميع بخلق الأمانة علامة
على مكامن القوة في المجتمع، وإن تضييع
الأمانة، وتوسيد الأمر إلى غير أهله علامة
على مكامن الضعف والتفرقة وضياع
طاقات ومقدرات الأمة؛ ولهذا فنحن في
أمس الحاجة إلى التذکیر بها في مجتمعاتنا
المعاصرة.
٣. سعة الرزق ورغد العيش:
لاشك أن الصدق والأمانة في
المعاملات سبب لحصول الرزق وبر كته،
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ.
مَخْرَجَان وَيَرْزُقَّهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق
٢ - ٣].
فرتب على التقوى التي أساسها الصدق
وأداء الأمانة في المعاملة التيسير، والخروج
من كل ما ضاق على الناس، وفتح أبواب
الرزق، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا،
فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن
كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)(١).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع،
باب السهولة والسماحة في الشراء والبيع
ومن طلب حقًّا فليطلبه في عفاف، ٧٣٢/٢،
رقم ١٩٧٣، ومسلم في صحيحه، كتاب
وإنما كان الصدق والبيان وأداء الأمانة
في جميع المعاملات سببًا للبركة وتيسير
أبواب الرزق لأمرین مهمین:
أحدهما: وعد الله ووعد رسوله، والله
لا يخلف الميعاد، أن من سلك الطرق التي
أمر بها، وتجنب ما نهى عنه، بارك الله له في
سعیه، ورزقه من حيث لا يحتسب، وفتح له
من خزائن جوده وكرمه، ما لا يناله الناس
بسعيهم وجدهم وحذقهم، وهذا أمر رباني،
وجزاء إلهي، مشاهد معلوم بالتجربة.
والثاني: أن من عامل الناس، وعرفوا منه
الصدق والنصح، اطمأنوا إلیه، ورکنوا إلى
معاملته، ورغبوا في الأخذ منه وإعطائه؛ لأن
قلوبهم إليه مطمئنة، ونفوسهم إلى أمانته
منقادة واثقة، وحاز الاعتبار والشرف اللذين
عليهما أسست المعاملات النزيهة الطيبة.
وكذلك العلاقة بين الشركاء إذا بنيت
على الصدق والأمانة، أفادت أهلها خيرًا
كثيرًا، فإنه من كان الله معه أيده بعونه
وتوفيقه وتسديده؛ وكانت حركاته مقرونة
بالنجاح مع ما في اتفاق الشريكين على
مصالحهما، واجتماع رأيهما، وحصول
التشاور الذي هو مدار الأعمال، مع ما يقترن
بذلك من التعاون البدني، والسعي المشترك
من المنافع، ودفع ما يخشی ضرره، کل هذه
البيوع، باب الصدق في البيع والبيان، رقم
١٥٣٢.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الألف
الأمور أسباب ومفاتيح لحصول الرزق ما تحت يده من أشياء هي أموال عامة تخص
وبر کته ونمائه.
وضد ذلك إذا بنيت المعاملات
والشركات على الكذب، وعدم النصح،
وحصول الغش والخيانة، فإن الله ينزع
برکته، ويحل المحق بدل ذلك، وتتأخر
المعاملة، وتنحط بالخيانة والكذب، وهذا
کله مشاهد مجرب(١).
وكذلك فالأمانة في العمل سبب في
الاستمرار فيه، ومن ثم استمرار الرزق الذي
يأتي منه، فبدون الأمانة لا يمكن للإنسان
أن یستمر في عمله، وینجح فيه؛ ولهذا فکل
عامل یجب أن یکون أمينًا على مصالح ومال
من يستخدمه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خانه) بذلك (خرجت من بينهما) يعني:
(والخادم في مال سيده راعٍ، وهو مسئول عن
رعيته)(٢).
فالراعي هو الحافظ المؤتمن الملتزم
صلاح ما اؤتمن على حفظه، فهو مطلوب
بالعدل فيه، والقيام بمصالحه، فمن الأمانة
ألا يستخدم ما تحت يده من أشياء تخص
العمل في أغراضه الشخصية إلا بعد
استئذان صاحب العمل، ويكون الأمر أشد
فيما لو كان العامل موظفًا لدى الدولة؛ لأن
(١) الرياض الناضرة، السعدي ص٢١٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة،
باب الجمعة في القرى والمدن، ٣٠٤/١،
رقم ٨٥٣.
بيت مال المسلمين، ولا يجوز التصرف فيها
إلا بالحق.
فلا يخفى إذن ما في الأمانة من فوائد
للشخص نفسه من استمراره في العمل،
وزيادة أجره، ورفع مرتبته، وزيادة الثقة فيه؛
لأن الجزاء من جنس العمل.
وإذا ضيع الشخص الأمانة محقت البركة
منه، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (يقول
الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما
صاحبه، فإذا خان خرجت من بينهما)(٣).
قال المناوي: «بالمعونة، وحصول البركة
والنماء، (ما لم يخن أحدهما صاحبه) بترك
أداء الأمانة، وعدم التحرز من الخيانة (فإذا
نزعت البركة من مالهما)» (٤).
فشركة الله لهما استعارة؛ كأنه جعل
البركة بمنزلة المال المخلوط، فسمى ذاته
ثالثًا لهما.
وقوله: (خرجت) ترشيح للاستعارة،
وفيه ندب الشركة، وأن فيها البركة، بشرط
الأمانة؛ وذلك لأن كلا منهما يسعى في نفع
صاحبه، والله في عون العبد ما دام العبد في
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب البيوع، باب
في الشركة ٢٦٤/٣، رقم ٣٣٨٥.
وضعفه الألباني في إرواء الغليل، ٢٨٨/٥،
رقم ١٤٦٨.
(٤) فيض القدير ٢/ ٣٩٠.
صَوْن ◌ُوبَةُ النَّفـ
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ
٣٤٠

الأمانة
عون أخيه.
وقد ذكر الذهبي قصة تدل على فضل
الأمانة، وما يجلب الله بها من أرزاق، حیث
قال: ((وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي:
حکی ابن عقيل عن نفسه.
قال: حججت، فالتقطت عقد لؤلؤ، في
خيط أحمر، فإذا شيخ أعمی ینشده، ويبذل
لملتقطه مائة دينار، فرددته علیه، فقال: خذ
الدنانير، فامتنعت، وخرجت إلى الشام،
وزرت القدس، وقصدت بغداد، فأويت
بحلب إلى مسجد، وأنا بردان جائع،
فقدموني، فصليت بهم، فأطعموني، وكان
أول رمضان، فقالوا: إمامنا توفي فصل بنا
هذا الشهر، ففعلت، فقالوا: لإمامنا بنت،
فتزوجت بها، فأقمت معها سنة، وأولدتها
ولدًا ذكرًا، فمرضت في نفاسها، فتأملتها
يومًا، فإذا في عنقها العقد بعينه، بخيطه
الأحمر، فقلت لها: لھذا قصة! وحکیت لها،
فیکت، وقالت: أنت هو والله، لقد كان أبي
بیکي، ويقول: اللهم ارزق بنتي مثل الذي
رد العقد علي، وقد استجاب الله منه، ثم
ماتت، فأخذت العقد والميراث، وعدت
إلى بغداد))(١).
ثانيًا: الآثار الأخروية للأمانة:
من آثار أداء الأمانة الحصول على رحمة
(١) انظر: مرآة الزمان، سبط ابن الجوزي ٥٢/٨،
سير أعلام النبلاء، الذهبي ٤٤٩/١٩.
الله ومغفرته للأفراد والجماعات، فالعقبى
الحميدة، والنهاية الرشيدة لمن يوفي الأمانة
حقها، ويرعى لها مكانتها، فمن أدى الأمانة
استحق من الله الرحمة والغفران، والثواب
الجزيل، ومن لم يؤدها بل خانها استحق
العقاب الوبيل، وصار خائنًا لله وللرسول
ولأمانته، منقصًا لنفسه بكونها اتصفت
بأخس الصفات، وأقبح السمات وهي
الخيانة، مفوتًا لها أكمل الصفات وأتمها،
وهي الأمانة.
وقد رتب الله على أداء الأمانات، والقيام
بحقوقها أعظم الثواب، فقال: ﴿وَالَّذِينَ
هُمْ لِأَمَنَتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَعُونَ ﴿ وَالَّذِينَ
هُمْ عَلَى صَلَوَتِهِمْ يُحَافِقُونَ ) أَوْلَكَ هُمُ
اٌلْوَرِثُونَ ( الَّذِينَ يَرِقُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا
خَلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٨-١١].
فذكر الله في هذه الآيات صفات
المؤمنين، الذين يرثون الفردوس، وهي
أعلى منازل الجنة، ومن هذه الصفات
أنهم يؤدون الأمانة، ويوفون بالعهد، فبين
جزاءهم بقوله: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَرِثُونَ
الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ وهذا الجزاء
بسبب ما اتصفوا من هذه الصفات.
وذكر في بداية هذه السورة أن هؤلاء
الموصوفين بهذه الصفات التي منها حفظ
الأمانة مفلحون، فقال: ﴿قَدْأَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ
[المؤمنون: ١].
www. modoee.com
٣٤١

حرف الألف
وغاية ما يطلبه المؤمنون هو الفلاح في
الدنيا والآخرة، وليس بعدها غاية تمتد إليها
عين أو خيال.
وفي هذا تنويه من الله بذكر عباده
المؤمنين، وذکر فلاحهم وسعادتهم، وبأي
شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك
الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب
فيها، فليزن العبد نفسه وغيره على هذه
الآيات، يعرف بذلك ما معه، وما مع غيره
من الإيمان، زيادة ونقصًا، كثرة وقلة.
ثم قال: ﴿أُوْلَيكَ﴾ أي: الموصوفون
بتلك الصفات ﴿هُمُ الْوَرِثُونَ { الَّذِينَ
يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ الذي هو أعلى الجنة
ووسطها وأفضلها؛ لأنهم حلوا من صفات
الخير أعلاها وذروتها، أو المراد بذلك:
جميع الجنة؛ ليدخل بذلك عموم المؤمنين
على درجاتهم ومراتبهم، كل بحسب حاله
﴿هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ﴾ لا يظعنون عنها، ولا
يبغون عنها حولًا؛ لاشتمالها على أكمل
النعيم وأفضله وأتمه، من غیر مكدر ولا
منغص.
والمقصود أن جزاء الأمانة عند الله عز
وجل في الآخرة النعيم المقيم، والنجاة من
العذاب الأليم.
وفي موضع آخر أخبر الله تبارك وتعالى
أن الملتزمين بالأمانة في جنات مكرمون،
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمْتَئِمْ وَعَهْدِ زَعُونَ﴾
فقال:
[المعارج: ٣٢].
﴿أُوْلَكَ فِ جَنَّتٍ مُكْرَمُونَ﴾
ثم قال:
[المعارج: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا
يَنَقُضُونَ الْمِيثَقَ﴾ [الرعد: ٢٠].
إلى أن قال: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ عُقْبىَ الدَّارِ
جَثَتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ ءَابَآْبِهِمْ وَأَزْوَجِهِمْ
وَذُرِّيَّتِهِمْ وَالْمَلَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَِّم مِّنِ كُلِّ بَابٍ﴾
[الرعد: ٢٢ - ٢٣].
فالله تبارك وتعالى هنا عدد صفات
المؤمنين، وذكر من ضمنها الوفاء بالعهد،
والمحافظة على الميثاق، والعهد والميثاق
من الأمانات، والعهد يفهم منه أن الإنسان
لن یکون مؤمنًا حق الإیمان ولن ینال الأجر
الكبير، ولن يدخل جنات النعيم، ويكرم
معه أهله حتی یکون أمينًا، ملتزمًا بشرع الله
التزامًا شاملًا، من دون نقصان.
فالذين تحملوا الأمانة، وقاموا بها
وجدوا واجتهدوا في تحقيقها هم أهل
الإيمان، وأهل كرامة الله تبارك وتعالى في
الدنيا والآخرة.
وقد بين سبحانه وتعالى بعد ذكر
الأمانة جزاء هذه الأقسام تجاه الأمانة،
فقال: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ وَالْمُنَفِقَتِ
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
[الأحزاب: ٧٣].
مُوسُوبَةُ التَفيِ الوَصوديـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٤٢

الأمانة
فالأمين بلا ريب سيجد أثر هذا الخلق
النبيل في يوم القيامة، وقد جاء عن حذيفة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (وترسل الأمانة والرحم،
فتقومان جنبتي الصراط يميناً وشمالًا)(١)
وخص الأمانة والرحم بالذكر لعظم
أمرهما، وكثير موقعهما؛ حيث يصورهما
الله على الصفة التي يريدها سبحانه وتعالى،
فتقومان تطالبان بحقهما كل من يريد الجواز
على الصراط؛ لذلك كان لا بد من التواصي
بين المسلمين بحفظ أمانات الدين، وتبليغه
للناس، وحفظ أمانة الأموال، والوفاء في
الديون والحقوق، وكتمان أسرار المجالس،
وغيرها من الأمانات.
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلی الله عليه وسلم: (خمس
من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة، من حافظ
على الصلوات الخمس على وضوئهن
وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وصام
رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً،
وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه، وأدى الأمانة)
قالوا: يا أبا الدرداء، وما أداء الأمانة؟ قال:
((الغسل من الجنابة))(٢).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، ١٨٦/١،
رقم ١٩٥.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة،
باب في المحافظة على وقت الصلوات، رقم
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اضمنوا لي
ستًا أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم،
وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم،
واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم،
وكفوا أيديكم)(٣).
فالأمانة تعدل الدنيا وما فيها، فمن رزقه
الله الأمانة هانت عنده الدنيا، ومتاعها
الزائل، فلا يبيع أمانته بعرض من أعراضها.
فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع
إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا:
حفظ أمانة، وصدق حدیث، وحسن خليقة،
وعفة في طهر) (٤).
کما أن الأمانة سبیل الفلاح، ويبدو ذلك
جليًا في قصة نبي الله يوسف عليه السلام،
فقد كان أمة ومثالاً للأمانة والعفاف، ثم
کان له بعد ذلك التمکین والفلاح، فبعد أن
ذكرت امرأة العزيز براءته التي بلغت حاكم
مصر.
٤٢٩.
وحسنه الألباني في صحيح أبي داود ١/ ٤٢٩.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤١٧/٣٧، رقم
٢٢٧٥٧.
وصححه الألباني في صحيح الترغيب
والترهيب ٨٦/٣، رقم ٢٩٩٣.
(٤) أخرجه أحمد في مسنده، ٢٣٣/١١، رقم
٦٦٥٢.
وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم
٨٧٣.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الألف
قال: جیٹوني به أجعله مقربًا لدي، ومن
خلصائي، وأهل مشورتي.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ اثْتُونِي ◌ِّ أَسْتَخْلِصْهُ
لِنَفْسِىٌ﴾ [يوسف: ٥٤].
فأتوه به مکرمًا محترمًا، فلما جاء يوسف
وكلمه الملك أعجبه كلامه، وعرف براءته،
وعظيم أمانته، وحسن خلقه، وزاد موقعه
عنده: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ أَلْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينُ
أَمِينَ﴾ [يوسف: ٥٤].
أي: إنك اليوم عندنا عظيم المكانة، أمين
على الأسرار، ومؤتمن على كل شيء، فأراد
یوسف أن ينفع العباد، ویقیم العدل بينهم،
فقال للملك: ﴿أَجْعَلْنِ عَلَى خَزَآبْنِ الْأَرْضِّ إِّ
عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٥٥].
أي: إني خازن أمين، ذو علم وبصيرة بما
أتولاه، كما أن سلامة يوسف عليه السلام
من الفاحشة مما يؤكد علاقة الأمانة بالدين.
والله أعلم.
موضوعات ذات صلة:
الخيانة، والوفاء
٣٤٤
مُوسو
القرآن الكريم