Indexed OCR Text
Pages 21-36
الافتراء
مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ مَنِ أُسْتَطَعْتُم مِّنِ دُونِ اللّهِ إِن كُ ﴿فَأْتُواْ بِسُورَوْمِثْلِهِ﴾؟
صَلِقِينَ﴾ [يونس: ٣٨].
أي: إن شككتم في أن هذا من عند وسلم كان رجلًا أميًا، لم يتعلم على أحد،
الله، وقلتم کذبًا: «إن هذا من عند محمد»،
فمحمد بشر مثلكم، وقد جاء فيما زعمتم
بهذا القرآن، فأتوا أنتم بسورة مثله، أي: من
جنس القرآن، واستعينوا علی ذلك بکل من
قدرتم عليه من إنس وجان، ولفظ سورةٍ هنا
يشمل القصيرة والطويلة.
وكذا في سورة البقرة تحداهم بسورة
منه، وأخبر أنهم لا يستطيعون ذلك أبدًا،
فقال: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا
فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَأَدْعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن
دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ، فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ
وَلَن تَفْعَلُواْ فَأَتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ
وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣-٢٤].
هذا وقد كانت الفصاحة من سجاياهم؛
وأشعارهم ومعلقاتهم إليها المنتهى في
هذا الباب، ولکن جاءهم من الله ما لا قبل
لأحد به، ولهذا آمن من آمن منهم بما عرف
من بلاغة هذا الكلام وحلاوته، وجزالته
وطلاوته، وإفادته وبراعته، فكانوا أعلم
الناس به، وأفهمهم له، وأتبعهم له وأشدهم
له انقيادًا(١).
وهنا تساؤل: لم قال في سورة البقرة:
﴿مِّن مِثْلِهِ﴾ وقال في سورة يونس:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٢٦٩.
والجواب: أن محمدًا صلى الله عليه
ولم يطالع كتابًا، فقال في سورة البقرة
﴿فَأَتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ ﴾ يعني: فليأت
إنسان يساوي محمدًا صلی الله عليه وسلم
في أمیته بسورة تساوي هذه السورة، وحيث
ظهر العجز ظهر المعجز.
فهذا لا يدل على أن السورة في نفسها
معجزة، ولكنه يدل على أن ظهور مثل هذه
السورة من إنسان مثل محمد صلى الله عليه
وسلم في أميته معجز، ثم إنه تعالى بين
في سورة يونس أن تلك السورة في نفسها
معجز، فإن الخلق وإن تعلموا وطالعوا
وتفكروا فإنه لا يمكنهم الإتيان بمعارضة
سورة واحدة من هذه السور، فلا جرم قال
تعالى في هذه الآية: ﴿فَأْتُواْ بِسُورَوِ مِثْلِهِ﴾
ولا شك أن هذا ترتيب عجيب في باب
التحدي وإظهار المعجز(٢).
وعن جهاده صلى الله عليه وسلم في
دحض افتراءات المفترين: قال الفضيل بن
عياض رحمه الله: فلم يزل يقرعهم النبي
صلى الله عليه وسلم أشد التقريع ويوبخهم
غاية التوبيخ ويسفه أحلامهم، ويحط
أعلامهم، وهم في کل هذا ناکصون عن
معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون
(٢) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٧ / ٢٥٤.
www. modoee.com
٨١
حرف الألف
أنفسهم بالتكذيب والإغراء بالافتراء(١).
ثالثًا: بيان تناقضهم في الاتهام
والأقوال:
أخبر سبحانه عن تناقض أقوال
المشركين، ولقن الرسول الكريم صلى
الله عليه وسلم بـ(قل) التلقينية، فقال: قل
لهؤلاء: هل حرم الله الذكرين من الغنم؟
فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا في ذلك؛ لأنهم
لا يحرمون كل ذكر من الضأن والمعز،
وقل لهم: هل حرم الله الأنثيين من الغنم؟
فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛ لأنهم لا
يحرمون كل أنثى من ولد الضأن والمعز.
وقل لهم: هل حرم الله ما اشتملت
عليه أرحام الأنثيين من الضأن والمعز من
الحمل؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا أيضًا؛
لأنهم لا يحرمون كل حمل من ذلك،
خبروني بعلم يدل على صحة ما ذهبتم إليه،
إن کنتم صادقین فیما تنسبونه إلى ربكم.
قال تعالى: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجٌ مِنَ الضَّأَنِ
آَثْنَيْنِ وَمِنَ اٌلْمَعْزِ أَثْنَيْنِّ قُلْ ءَالذَّكْرَيْنِ
حَرَّمَ أَمِ آلْأُنَيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ
الْأُنْتَيَيْنِّ نَبِّئُونِي بِعِلٍّ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ
١٤٣)
وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَغَّرِ أَثْنَيْنُ قُلّ
ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَبَيْنِ أَمَّا أُشْتَمَلَتْ
عَلَيْهِ أَرْحَامُ عَلَى الَّهِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ
(١) التحرير والتنوير ١/ ١٠٤.
موسوبر النفسية المضوي
القرآن الكريم
وَصَّنكُمُ اللَّهُ بِهَذَاً فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى
عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلَّهُّ إِنَّ اللَّهَ
لَا يَهْدِى اَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٣ -
١٤٤].
المعنى: قل لهم: إن كان حرم الذكور
فكل ذكر حرام؛ لئن كان حرم الإناث فكل
أنثى حرام، لئن كان حرم ما اشتملت عليه
أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز،
فکل مولود حرام، ذکرًا كان أو أنثى، وكلها
مولود فكلها إذًا حرام لوجود العلة فيها،
فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم(٢).
«ففي هاتين الآیتین کشف الله لهم عما
في معتقداتهم وتصوراتهم وتصرفاتهم من
وهن وسخف وهزال، وقد بين لهم أنها لا
تقوم على علم ولا بينة ولا أساس، وقدردهم
إلى نشأة الحرث والأنعام التي يتصرفون
فيها من عند أنفسهم، أو بوحي شياطينهم
وشركائهم، بينما هؤلاء لم يخلقوها لهم،
إنما الذي خلقها لهم هو الله، الذي یجب
أن تكون له وحده الحاكمية فيما خلق وفيما
رزق، وفيما أعطى من الأموال للعباد.
الآن يقرر لهم ما حرمه الله عليهم من هذا
کله، ما حرمه الله حقًا عن بينة ووحي، لا
عن ظن ووهم، والله هو صاحب الحاكمية
الشرعية، الذي إذا حرم الشيء فهو حرام،
وإذا أحله فهو حلال بلا تدخل من البشر،
(٢) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧ / ١١٥.
٨٢
الافتراء
ولا مشاركة ولا تعقيب في سلطان الحاكمية صلى الله عليه وسلم وكفار مكة (٣).
والتشريع»(١).
رابعًا: إرخاء العنان لهم في المجادلة
ثم إدانتهم:
الحق تبارك وتعالى يرخي للخصم
العنان؛ ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى
جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب وأمثلة
ذلك قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَنٌَّ قُلْ
فَأَنُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ، مُفْتَرَيَتٍ وَأَدْعُواْ مَنِ
أُسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ﴾
[هود: ١٣].
ومعنى ﴿مُفْتَرَيَتٍ﴾ أنها مفتريات
المعاني كما تزعمون على القرآن، أي بمثل
قصص أهل الجاهلية وتكذيبهم، وهذا من
إرخاء العنان والتسليم الجدلي، فالمماثلة
في قوله: ﴿مِثْلِهِ﴾ هي المماثلة في بلاغة
الكلام وفصاحته، لا في سداد معانيه(٢).
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَقْتَرَنٌَّ قُلْ
إِنِ أَفْتَرَّتُهُ، فَعَلَىَّ إِجْرَامِى وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تُحْرِمُونَ
٣٥°﴾ [هود: ٣٥].
وهذه الآية وإن اختلف المفسرون في
المراد منها، فقيل: إنها حكاية عن نوح صلى
الله عليه وسلم، وما قاله لقومه، وقيل: هي
حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٢٢٤/٣.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١١/ ٢١٩.
وعلى القول بأنها في النبي صلى الله
علیه وسلم فالمراد: أم يقول هؤلاء الكافرون
الجاحدون: افترى هذا وافتعله من عنده
محمد ﴿قُلٌّ إِنِ أَفْتَرِ يُّهُ فَعَلَىَّ إِجْرَامِ﴾ أي: فإثم
ذلك علي ﴿وَأَنَا بَرِىٌّ مِّمَّا تُجْرِمُونَ﴾ أي:
ليس ذلك مفتعلا ولا مفتری؛ لأني أعلم ما
عند الله من العقوبة لمن كذب عليه (٤).
وفي هذه الجملة توجیه بديع وهو إفادة
تبرئة نفسه من أن يفتري القرآن، فإن افتراء
القرآن دعوى باطلة ادعوها علیه فهي إجرام
منهم عليه، فيكون المعنى: وأنا بريء من
قولكم الذي تجرمونه علي باطلًا(٥).
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ أَفْتَرَةٌ قُلْ إِنِ
أَفْتَيْتُهُ، فَلَا تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اَلَّهِ شَيْئًاٌ هُوْ أَعْلَمُ
بِمَا نُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكٌُّ وَهُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [الأحقاف: ٨].
أي: لو كذبت عليه وزعمت أنه أرسلني
-وليس كذلك- لعاقبني أشد العقوبة، ولم
يقدر أحد من أهل الأرض، لا أنتم ولا
غيركم أن يجيرني منه، كقوله: ﴿قُلْ إِنِّ لَن
يُجِيرَنِ مِنَ اَللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِ مُلْتَحَدًّا
٢٢
إِلَّا بَلَغَا مِنَ اللَّهِ وَرِسَلَتِهِ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ
لَهُ نَارَجَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن: ٢٢-
٢٣].
(٣) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٤٥/٣.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣١٨/٤.
(٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٥٤/١١.
www. modoee.com
٨٣
حرف الألف
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ نَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ
(١) الَخَذْ نَاِنَّهُ بِآلْيَمِينِ ، ثُمَ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ )
فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍعَنْهُ حَجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧ - ٤٤].
ولهذا قال ها هنا: ﴿قُلْ إِنِ أَفْتَّرَيْتُهُ، فَلاَ
تَمْلِكُونَ لِى مِنَ اللَّهِ شَيْئًاٌ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا نُفِيضُونَ فِيهِ
" كَفَ بِهِ، شَهِيدًا بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ﴾ هذا تهديد لهم،
ووعید أكید، وترهیب شدید(١).
وهذه الأمثلة من باب إرخاء العنان
للخصم ليدخل في المقصود بألطف
موعود.
خامسًا: التهديد والوعيد لهم بسوء
المصير:
أقسم سبحانه وتعالى بذاته العلية أنه
سوف يسأل المفترين يوم القيامة عن
افتراءاتهم، وسيجازيهم عليها، كما قال
تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا
رَزَقْتَهُمْ تَللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾
[النحل: ٥٦].
أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم
عن ذلك الذي افتروه، وانتفکوه، ولیقابلنهم
عليه، وليجازينهم أوفر الجزاء في نار
جهنم (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
اللَّهِ اَلْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةُ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ
عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [يونس:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ / ٢٧٦.
(٢) المصدر السابق ٤ / ٥٧٧.
٦٠].
أن يفعل الله بهم من النكال، ويحل بهم
من العقاب، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ اُلْقِيَامَةِ
تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم ◌ُسْوَدَّةُ
ج
أَلَيْسَ فِ جَهَنَّمَ مَثْوَى لِلْمُتَكَِّنَ
٦٠
[الزمر: ٦٠].
والمراد منه تعظيم وعيد من يفتري على
الله.
ثم قال سبحانه وتعالى للرسول صلى
الله عليه وسلم: دعهم وافتراءهم، فأنا
من ورائهم قادر على أخذهم ومدخر لهم
جزاءهم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا
لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَطِينَ الْإِنسِ وَاَلْجِنِّ يُوحِى
بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورَاً وَلَوْ شَآءَ
رَبُّكَ مَا فَعَلُوهٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ {
[الأنعام: ١١٢].
وكما ابتليناك - أيها الرسول- بأعدائك
من المشركين ابتلينا جميع الأنبياء عليهم
السلام بأعداء من مردة قومهم، وأعداء من
مردة الجن، يلقي بعضهم إلى بعض القول
الذي زینوه بالباطل؛ ليغتر به سامعه، فيضل
عن سبيل الله، ولو أراد ربك جل جلاله
لحال بينهم وبين تلك العداوة، ولكنه
الابتلاء من الله، فدعهم وما يختلقون من
کذب وزور.
٨٤
مَوَسُوبَةُ النَِّي
القرآن الكريم
الافتراء
أسباب الافتراء
للافتراء أسباب، منها:
١. الكفر.
أخبر تعالى أن الذين يفترون الكذب
على الله وعلى رسوله شرار الخلق من
الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب
عند الناس، كما قال تعالى:
يفترى
إنَّمَا
اَلْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِشَايَتِ اللَّهِ وَأَوْلَئِكَ
هُمُ الْكَذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥].
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم
أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علمًا وعملًا
وإيمانًا وإيقانًا، معروفًا بالصدق في قومه،
لا یشك في ذلك أحد منهم بحیث لا يدعی
بينهم إلا بالأمين محمد (١).
ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا لا ينبغي للعاقل أن يلفت إليه نظره، أو يبلغ
سفيان عن تلك المسائل التي سألها من
صفة رسول الله صلی الله عليه وسلم، كان
فيما قال له: وسألتك: هل كنتم تتهمونه
بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا،
فعرفت أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس،
ویکذب على الله(٢).
٢. العناد.
أخبر تعالی أن العناد والظلم کان سببًا
(١) المصدر السابق ٤ /٦٠٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله
صلی الله عليه وسلم؟، رقم ٧.
لافتراء المفترین، كما قال تعالى: ﴿اقْتَرَى عَلَى
اللَّهِ كَذِّبًا أَمْ بِه ◌ِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآلْآَخِرَةِفِى
اَلْعَذَابِ وَالضَّلَلِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: ٨].
فهذا الرجل الذي يأتي بذلك، هل
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللّهِ گَذِبًا﴾ فتجرأ علیه، وقال ما
قال؟ ﴿أُم پهِە چِنهُ﴾﴾؟ فلا يستغرب منه، فإن
الجنون فنون.
وكل هذا منهم، على وجه العناد
والظلم، ولقد علموا أنه أصدق خلق الله
وأعقلهم، ومن علمهم أنهم أبدوا وأعادوا
في معاداتهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في
صد الناس عنه.
فلو کان کاذبًا مجنونًا لم ینبغ لکم -یا
أهل العقول غير الزاكية- أن تصغوا لما
قال، ولا أن تحتفلوا بدعوته، فإن المجنون
قوله منه کل مبلغ، ولولا عنادكم وظلمكم
لبادرتم لإجابته، ولبيتم دعوته(٣).
ولكن ﴿وَمَا تُغْنِ اَلْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْرِلَّا
يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١].
٣. الجهل.
أخبر تعالى أن الجهل سبب افتراء
المشركين، ومن على شاكلتهم، كما قال
تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِّمَّا
رَزَقْنَهُمْ تَللَّهِ لَتُشْتَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَفْتَرُونَ﴾
[النحل: ٥٦].
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٧٥.
www. modoee.com
٨٥
حرف الألف
وافترائهم على الله الكذب، وأنهم يجعلون
لأصنامهم التي لا تعلم ولا تنفع ولا تضر
نصيبًا مما رزقهم الله، وأنعم به عليهم،
فاستعانوا برزقهعلى الشرك به، وتقربوا به إلى
أصنام منحوتة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْلِلَّهِ
مِمَا ذَرَاً مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَمِ نَصِيبًا
فَقَالُواْ هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَّكَآَيْنَا
فَمَا كَانَ لِشُرَكَآيِهِمْ فَلاَ يَصِلُ
إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى
شُرَكَآيِهِمُ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[الأنعام: ١٣٦](١).
يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم عجلًا يسميه ((عجل السيد البدوي)» يأكل
من حيث يشاء لا يمنعه أحد، ولا ينتفع به
أحد، حتى يذبح على اسم السيد البدوي
لا على اسم الله! وما يزال بعضهم ينذرون
للأولیاء ذبائح يخرجونها من ذمتهم لا لله،
ولا باسم الله، ولكن باسم ذلك الولي، على
ما كان أهل الجاهلية يجعلون لما لا يعلمون
نصیبًا مما رزقهم الله، وهو حرام نذره علی
هذا الوجه، حرام لحمه، ولو سمي اسم الله
عليه))(٣).
قال أبو حيان رحمه الله: ((قبح تعالى
فعلهم ذلك، وهو أن يفردوا نصيبًا مما أنعم
به تعالی علیھم لجماداتٍ لا تضر ولا تنفع،
ولا تنتفع هي بجعل ذلك النصيب لها، ثم
أقسم تعالى على أنه يسألهم عن افترائهم
واختلاقهم في إشراكهم مع الله آلهةً،
وأنها أهلٌ للتقرب إليها بجعل النصيب لها،
والسؤال في الآخرة، أو عند عذاب القبر، أو
عند القرب من الموت»(٢).
ويقول سيد قطب رحمه الله: ((ما يزال
أناس بعد أن جاءت عقيدة التوحيد وتقررت،
یجعلون نصيبًا من رزق الله لهم موقوفًا على
ما يشبه آلهة الجاهلية، ما يزال بعضهم يطلق
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٢٨.
(٢) البحر المحيط ٦/ ٥٤٧.
(٣) في ظلال القرآن ٤ / ٢١٧٧.
٨٦
مَوَسُور
القرآن الكريم
الافتراء
آثار الافتراء
أولًا: آثار الافتراء على الفرد:
١. المفتري على الله سبحانه وتعالى
أعظم الظالمين والمجرمين. قال
تعالى: ﴿فَمَنِ اُفْتَى عَلَ اُللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ
بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [آل
عمران: ٩٤].
٢. الافتراء سمة كل كافر. قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِى الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ بِثَايَتِ اَللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ
اَلْكَذِبُونَ﴾ [النحل: ١٠٥].
٣. يؤدي الافتراء إلى الوقوع في الشرك
والبدع. قال ابن تيمية رحمه الله:
((الشرك وسائر البدع مبناها على
الكذب والافتراء، ولهذا كل من كان
عن التوحيد والسنة أبعد كان إلى
الشرك والابتداع والافتراء أقرب،
كالرافضة الذين هم أكذب طوائف
أهل الأهواء، وأعظمهم شركًا، فلا
يوجد في أهل الأهواء أكذب منهم،
ولا أبعد عن التوحيد منهم، حتى
إنهم يخربون مساجد الله التي یذکر
فيها اسمه، فيعطلونها عن الجماعات
والجمعات، ويعمرون المشاهد التي
على القبور، التي نهى الله ورسوله عن
اتخاذها))(١).
٤. سبب في الحرمان من الهداية. قال
تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ
كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلَُّّ إِنَّ اللَّهَ لَا
يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [الأنعام: ١٤٤].
٥. سبب في عدم الفلاح. قال تعالى:
﴿قَدْ خَسِرَ أَلَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلَدَهُمْ
سَفَهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ
أَفْتِرَآءُ عَلَى اللَّهَّ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ
مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. وقال
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى
اللَّهِ اَلْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ [يونس: ٦٩].
٦. يؤدي الافتراء إلى الذل والمهانة.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَتَّخَذُواْ الْعِجْلَ
سَيَنَاهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ
اْحَيّوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾
[الأعراف: ١٥٢]. قال السعدي:
((وكذلك نجزي المفترين فكل مفترٍ
على الله، كاذب على شرعه، متقول
عليه ما لم يقل، فإن له نصيبًا من
الغضب من الله، والذل في الحياة
الدنيا)»(٢).
٧. الافتراء سبب في وقوع العذاب في
الدنيا. قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُم ◌ُوسَى
وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُم
(١) اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية ٢/ ٢٨١.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٠٣.
www. modoee.com
٨٧
حرف الألف
بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ آَفْتَرَى﴾ [طه: ٦١].
٨. الافتراء سبب في شدة سكرات
الموت والعذاب الأليم يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَ عَلَىَ
اللَّهِ كَذِّبًا أَوْ قَالَ أُوْحِىَ إِلَىَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ
وَمَنْ قَالَ سَأَنْزِلُّ مِثْلَ مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِ
الظَّالِمُونَ فِى غَمَرَتِ الْمُوَّتِ وَالْمَلِكَةُ
بَاسِطُواْ أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوْ أَنْفُسَكُمٌّ
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ
تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ أَلَْقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام ٩٣].
٩. الافتراء سبب في استحقاق لعنة
الله وغضبه. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَهُ
مِمَّنِ اُفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ
يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَدُ
هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِزَّ أَلَا
لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُمَّخَذُواْ الْمِجْلَ
سَيَنَالُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَزِلَّةٌ فِ
الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾
[الأعراف: ١٥٢].
١٠. الافتراء سبب في مناقشة الحساب
يوم القيامة. قال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ
أَنْقَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَنْقَالِهِمٌّ وَلَيُسْئَلُنَّ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾
[العنكبوت: ١٣].
ثانيًا: آثار الافتراء على المجتمع:
١. الافتراء من أشد أنواع الخطر العظيم،
والضرر البالغ الذي لا يقتصر على
من فعله، بل يتعداه إلى سائر طبقات
المجتمع وعموم جهاته، وما يجلبه من
سخط الجبار، وعذاب النار، والخزي
والذلة والعار.
٢. الكذب يؤدي بالمجتمع إلى التفكك،
ويجعل أفراده المستهترين الممارسين
الافتراء يفسدون في الأرض،
ويمارسون كل أنواع الرذيلة؛ لأنهم لم
يخافوا الله عز وجل .
٣. المجالس التي يعرض فيها الكذب
وغيرها، وتمارس فيه من قبل بعض
الحاضرين هي حقيقة مواطن عدوى،
ومصادر فتنة، وخلايا فساد، ومعاول
هدم بما تنشره من شرور تؤدى إلى
هدم المجتمع المسلم.
٤. الافتراء أعظم خطرًا على المجتمع،
حيث يؤدي إلى عدم تحقق مقصد
من مقاصد الشريعة، وهو حفظ الأمة،
والذي يعني بث الثقة والأمان بين
أفرادها، وطرح ما من شأنه إدخال
الشك؛ لأنه إذا فتح هذا الباب عسر
سده، و کما یتهم المتهم غيره یتهم من
اتهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على
ضعفاء الإيمان المروق؛ إذ قد أصبحت
التهمة تظل الصادق والمنافق.
٨٨
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الافتراء
٥. أسوأ آثار الكذب على العاملين
الشرفاء: أنها تشغلهم عن المضي
في رسالتهم بالدفاع عن أنفسهم؛
إثباتًا لبراءتهم تجاه جمهور لا يملك
من الوعي ما يمحص به الحقائق من
الأباطيل بسرعة وبدقة.
٦. فشو الافتراء وعدم تصدي العلماء
له يؤدي إلى إصابة المجتمع بالذلة
والمهانة في عيون أعدائه؛ لأن قريشًا
لما جاءهم الرسول صلى الله عليه
وسلم بالهدى واستمروا على الافتراء
عاقبهم الله بالذلة، فأزال مهابتهم من
قلوب العرب، واستأصلهم قتلًا وأسرًا،
وسلب ديارهم، فلما أسلم منهم من
أسلم صاروا أعزة بالإسلام.
عاقبة الافتراء
للافتراء عواقب وخيمة في الدنيا
والآخرة نتناولها فيما يأتي:
أولًا: عواقب الافتراء في الدنيا:
١. الخيبة والخزي.
أخبر الله عن كليمه موسى عليه السلام
أنه حذر سحرة فرعون من الافتراء على الله،
ووعدهم بعذاب من عند الله، وأنه سيخيب
سعیهم، فلا يحققون النصر الذي يرجون،
كما قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُمْ قُوسَى وَيْلَكُمْ
لَا تَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَّكُم بِعَذَابٍ وَقَدْ
خَابَ مَنِ آَفْتَرَى﴾ [طه: ٦١].
أي: «لا تنصروا ما أنتم عليه من الباطل
بسحركم، وتغالبون الحق، وتفترون على
الله الكذب، فیستأصلکم بعذاب من عنده،
ویخیب سعیکم وافتراؤكم، فلا تدركون ما
تطلبون من النصر والجاه عند فرعون وملئه،
ولا تسلمون من عذاب الله))(١).
وكانت لهذه الكلمات الأثر الكبير في
زعزعة عقيدة سحرة فرعون الباطلة، وانتقلوا
بفضل الله، ثم بفضل هذه الكلمات الصادقة
من الكفر إلى الإيمان، وفي هذا المعنى قال
سيد قطب رحمه الله: ((وهكذا تنزل الكلمة
الصادقة الواحدة الصادرة عن عقيدة،
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٥٠٨.
www. modoee.com
٨٩
حرف الألف
كالقذيفة في معسكر المبطلين وصفوفهم،
فتزعزع اعتقادهم في أنفسهم وفي قدرتهم،
وفي ما هم عليه من عقيدة وفكرة)) (١).
٢. استحقاق الوصف بالظلم.
أخبر تعالى أن المفترين على الله
ورسوله هم المستحقون للوصف بالظلم،
« كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلَا
كما قال تعالى:
لِبَنِىّ ◌ِإِسْرَِّيلَ إلَّا مَاحَرَّمَ إِسْرَءِ يلُ عَلَى نَفْسِهِ، مِن
قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَنَةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَيَّةِ فَأَتْلُوهَا
إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَمَنِ اُفْتَرَىُ عَلَ اَللَّهِ
اُلْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ النَّالِمُونَ
[آل عمران: ٩٣ -٩٤].
٩٤
والمعنى: وأي ظلم أعظم من ظلم من
یدعی إلی تحکیم کتابه فیمتنع من ذلك عنادًا
وتكبرًا وتجبرًا(٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ أَفْتَىُ عَلَى اللّهِ
كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْجِىَ إِلَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَىْءٌ وَمَن قَالَ
سَأُنزِلُ مِثْلَ مَآ أَنَزَّلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَىّ إِ الظَّالِمُونَ فِىِ
غَمَرَتِ الْمُوْتِ وَالْمَلَتِكَةُ بَاسِطُوْ أَبْدِيهِمْ أَخْرِجُوّا
أَنْفُسَكُمْ أَلْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ أَلْهُونِ بِمَا
كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ أَلَْقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ ءَايَيْهِ،
تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
نزلت في كذاب اليمامة والأسود العبسي
وسجاح زوج مسيلمة؛ كلهم تنبأ وزعم أن
الله قد أوحى إليه.
(١) في ظلال القرآن ٢٣٤١/٤.
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ١٣٨.
قال القرطبي رحمه الله: ((ومن هذا النمط
من أعرض عن الفقه والسنن وما كان عليه
السلف من السنن يقول: وقع في خاطري
كذا، أو أخبرني قلبي بكذا؛ فيحكمون
بما يقع في قلوبهم، ويغلب عليهم من
خواطرهم، ويزعمون أن ذلك لصفائها من
الأكدار، وخلوها من الأغيار، فتتجلى لهم
العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون
على أسرار الكليات، ويعلمون أحكام
الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع
الكليات، ويقولون: هذه الأحكام الشرعية
العامة إنما يحكم بها على الأغبياء والعامة،
وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون
لتلك النصوص.
وقد جاء فيما ينقلون: (استفت قلبك
وإن أفتاك المفتون)) ويستدلون على هذا
بالخضر؛ وأنه استغنى بما تجلى له من تلك
العلوم، عما كان عند موسى عليه السلام من
تلك الفهوم، وهذا القول زندقة و كفر، يقتل
قائله ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال
ولا جواب؛ فإنه يلزم منه هد الأحكام وإثبات
أنبياء بعد نبينا صلى الله عليه وسلم))(٣).
٣. عدم الفلاح.
أخبر سبحانه وتعالى أن المفترين لا
يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَتَّخَذَ اَللَّهُ وَلَدَّأَ
(٣) الجامع لأحكام القرآن، ٧/ ٣٩.
٩٠
مُؤَنُوابَرُ الْبَقِدُ
جوسيس
القرآن الكَرِيْمِ
الافتراء
سُبْحَنَةٌ هُوَ أَلْفَنِىٌّ لَهُ مَا فِى السَّمَوَتِ
وَمَا فِى الْأَرْضِّ إِنْ عِندَكُمْ مِّن سُلْطَانٍ
٦٨
◌ِهَذَاْ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَالَا تَعْلَمُونَ
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا
يُفْلِحُونَ آ مَتَغْ فِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا
مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا
كَانُوايَكْفُرُونَ﴾ [يونس: ٦٨ -٧٠].
توعد تعالى المفترين ممن زعم أن له
ولدًا، بأنهم لا يفلحون في الدنيا ولا في
الآخرة، فلا یتالون مطلوبهم، ولا يحصل
لهم مقصودهم، وإنما يتمتعون في كفرهم
وكذبهم في الدنیا قليلا، ثم ينتقلون إلى الله،
ويرجعون إليه، فيذيقهم العذاب الشديد
المؤلم بسبب كفرهم.
وجملة: ﴿مَتَعُّ فِ الدُّنْيَا﴾ استئناف
بياني؛ لأن القضاء عليه بعدم الفلاح يتوجه
عليه أن يسأل سائل: كيف نراهم في عزة
وقدرة على أذى المسلمين وصد الناس عن
اتباع الرسول صلی الله عليه وسلم؟
فيجاب السائل بأن ذلك: متاع في الدنيا
لا يعبأ به، وإنما عدم الفلاح مظهره الآخرة،
فـ((متاعٌ)) خبر مبتدأ محذوف يعلم من
الجملة السابقة، أي: أمرهم متاع، والمتاع:
المنفعة القليلة في الدنیا؛ إذ یقیمون بکذبهم
سيادتهم وعزتهم بين قومهم، ثم يزول
ذلك(١).
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٣٦/١١.
٤. الغضب والذلة.
أخبر سبحانه وتعالى أن جزاء المفترين
الغضب والذلة، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
أَّخَذُواْ الْمِجْلَ سَيِّنَاهُمْ غَضَبٌّ مِّن رَّبِّهِمْ
وَزِلَّةٌ فِى الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾
[الأعراف: ١٥٢].
أما الغضب الذي نال بني إسرائيل في
عبادة العجل، فهو أن الله تعالى لم يقبل لهم
توبة، حتى قتل بعضهم بعضًا، كما قال تعالی
في سورة البقرة: ﴿فَتُوبُواْ إِلَى بَارِيَكُمْ فَاقْتُلُواْ
أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِنْدَ بَارِيَكُمْ فَنَابَ عَلَيْكُمّ
إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٥٤].
وأما الذلة فأعقبهم ذلك ذلًا وصغارًا في
الحياة الدنيا.
وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِى الْمُفْتَرِينَ﴾ نائلة
لكل من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة
الرسالة متصلة من قلبه على كتفيه، كما قال
الحسن البصري رحمه الله: ((إن ذل البدعة
على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغلات،
وطقطقت بهم البراذين»(٢).
وعن أبي قلابة الجرمي رحمه الله أنه قرأ
هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْرِى الْمُفْتَرِينَ ﴾ قال:
(«هي -والله -لكل مفتر إلى يوم القيامة»،
وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: ((كل
صاحب بدعة ذليل))(٣)
٠
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٤٧٨.
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
٩١
حرف الألف
وقال مالك بن أنس رحمه الله: ((ما من على طغيان اليهود! لتحقق وعيد الله لهم،
وتردهم إلى الذلة التي كتبها الله عليهم،
فإن لم تصح البشرية فسيصحوا أخلاف
المسلمين، هذا عندنا يقين)) (٢).
مبتدع إلا ویجد فوق رأسه ذلة، وذلك؛ لأن
المبتدع مفتر في دين الله))(١).
«فهو جزاء متکرر كلما تكررت جريمة
الافتراء على الله، ووعد الله صادق لا
محالة، وقد كتب على الذين اتخذوا العجل
الغضب والذلة، وكان آخر ما كتب الله
عليهم أن يبعث عليهم إلى يوم القيامة من
يسومهم سوء العذاب.
فإذا بدا في فترة من فترات التاريخ أنهم
يطغون في الأرض، ويستعلون بنفوذهم،
وأنهم يملكون سلطان المال، وسلطان
أجهزة الإعلام، وأنهم يقيمون الأوضاع
الحاکمة التي تنفذ لهم ما یریدون، وأنهم
يستذلون بعض عباد الله، ويطردونهم من
أرضهم وديارهم في وحشية، والدول
الضالة تساندهم وتؤيدهم إلى آخر ما نراه
في هذا الزمان.
فليس هذا بناقض لوعيد الله لهم،
ولا لما كتبه عليهم، فهم بصفاتهم هذه
وأفعالهم يختزنون النقمة في قلوب البشر،
ويهيئون الرصيد الذي يدمرهم من السخط
والغضب، وستجيء الصحوة من هذه
الغيبوبة، وسيفيء أخلاف المسلمين إلى
سلاح أسلافهم المسلمین.
ومن يدري فقد تصحو البشرية کلها يومًا
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٥/ ٣٧٣.
مَؤُوابَرُ الْبَّفِيد
القرآن الكْرِيْمِ
وقد رأی سید قطب رحمه الله هؤلاء
الذين كانوا فى خياله من أخلاف المسلمين
وجدهم حقيقة في بيت المقدس وأكناف
بيت المقدس، فقال لهم: ((إلى الفتية الذين
كنت ألمحهم بعين الخيال قادمين، فوجدتهم
في واقع الحياة قائمین، یجاهدون في سبيل
الله بأموالهم وأنفسهم، مؤمنين في قرارة
نفوسهم، إن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين،
إن أمامكم كفاحًا مريرًا شاقًا طويلًا، يجب
أن تستعدوا له استعدادًا كبيرًا، بأن نرتفع
إلى مستوى هذا الدين، نرتفع إلى مستواه
في حقيقة إيماننا بالله، وفي حقيقة معرفتنا
به فإننا لن نؤمن حق الإيمان حتى نعرفه
حق المعرفة، ونرتفع إلى مستواه في عبادتنا
لله، فإننا لن نعرف الله حق المعرفة إلا إذا
عبدناه حق العبادة، ونرتفع إلى مستواه في
وعینا لما حولنا، ومعرفتنا لأساليب عصرنا،
ورحم الله رجلا عرف زمانه، فاستقامت
طريقته))(٣).
وصدق الرسول الكريم صلى الله عليه
وسلم فيما رواه مسلم بسنده عن ثوبان قال:
(٢) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٣٧٦.
(٣) العدالة الاجتماعية في الإسلام، سيد قطب
ص٥.
٩٢
الافتراء
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا العذاب.
تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا
یضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله، وهم
کذلك»(١).
ثانيًا: عواقب الافتراء في الآخرة:
١. حرمان الشفاعة والنصرة.
«أخبر سبحانه وتعالى أن جزاء المفترين
في الآخرة أن ما يعبدون من دونه لا يشفعون
لهم، ولا يدفعون عنهم العذاب، كما قال
تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ
أَشْرَكُواْ مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرْكَاؤُكُمْ فَزَّلْنَا بَيْنَهُمّ
فَكَفَى
وَقَالَ شُرَّكَاؤُهُمْ مَّا كُمْ إِنَّانَا تَعْبُدُونَ )
بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ
◌َغَفِلِينَ ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ
وَرُدُّواْ إِلَى اللَّهِ مَوْلَمُهُمُ الْحَقِّ وَضَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ﴾ [يونس: ٢٨ - ٣٠].
أي: في موقف الحساب يوم القيامة
تختبر كل نفس، وتعلم ما أسلفت من عملها
من خير وشر، ورجعت الأمور كلها إلى
الله الحكم العدل، ففصلها، وأدخل أهل
الجنة الجنة، وأهل النار النار، وذهب عن
المشركين ما كانوا يعبدون من دون الله
افتراء عليه))(٢)، فلا تنفعهم ولا تدفع عنهم
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق)، رقم ٥٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٦٦/٤.
((وقال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ أَّخَذُواْ
مِن دُونِ اللَّهِ قُرْ بَانَا ءَ إِمَةَّ بَ ضَلُواْ عَنْهُمَّ وَذَلِكَ
إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف: ٢٨].
فهو إفك، وهو افتراء؛ وذلك مآله،
وتلك حقيقته، الهلاك والتدمير، فماذا ينتظر
المشرکون الذین یتخذون من دون الله آلهة
بدعوى أنها تقربهم من الله زلفى؟ وهذه هي
العاقبة وهذا هو المصير))(٣).
((وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَءَا الَّذِينَ أَشْرَكُواْ
شُرَكَآءَ هُمْ قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَآؤُنَا
الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُواْ مِن دُونِكٌ فَأَلْقَوْاْ إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ
﴿ وَأَلْقَوْاْ إِلَى اللّهِ
إِنَّكُمْ لَكَذِبُونَ
يَوْمَيِذٍ السَّلَّ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾
[النحل: ٨٦-٨٧].
أي: ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه
افتراء على الله، فلا ناصر لهم، ولا معین ولا
مجیز))(٤).
٢. الفضيحة على رؤوس الأشهاد.
أخبر سبحانه وتعالى عن حال المفترين
وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس
الخلائق، فقال: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيِهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ
شُرَكَآءِىَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ )
وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُواْ
بُرْهَنَكُمْ فَعَلِّمُواْ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٢٦٨/٦.
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ / ٥٩٣.
www. modoee.com
٩٣
حرف الألف
يَفْتَرُونَ﴾ [القصص: ٧٤ -٧٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِثْنَهُمْ بِكِنَبٍ فَصَّلْنَهُ
عَلَى عِلٍْ هُدَى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْ مِنُونَ ( هَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَةٌ، يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ
نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَيْنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا
مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَّا أَوْ نُرَدُ فَتَعْمَلَ غَيْرُ الَّذِى كُنَّاً
نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يَفْتَرُونَ ﴾ [الأعراف: ٥٢ - ٥٣].
وكما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اُفْتَرَى
عَلَى اللَّهِ كَذِبْ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى
رَيِّهِمْ وَيَقُولُ اَلْأَشْهَدُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ
عَلَى رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ [هود:
١٨].
يبين تعالى حال المفترين عليه،
وفضيحتهم في الدار الآخرة على رؤوس
الخلائق؛ من الملائكة والرسل والأنبياء
وسائر البشر والجان (١).
ويفسر ذلك ما رواه الإمام أحمد بسنده
عن صفوان بن محرز قال: کنت آخذًا بید ابن
عمر؛ إذ عرض له رجلٌ، فقال: كيف سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: في
النجوى يوم القيامة؟ فقال: سمعت رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز
وجل يدني المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره
من الناس، ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف
ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب
كذا، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه
أنه قد هلك. قال: فإني قد سترتها عليك
في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم، ثم يعطى
كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون،
فيقول الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى
رَبِّهِمَّ أَلَا لَعْنَةُ اَللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾(٢).
﴿ أُوْلَكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ حيث
فوتوها أعظم الثواب، واستحقوا أشد العذاب
﴿وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ أي:
اضمحل دینھم الذي يدعون إليه ویحسنونه،
ولم تغن عنهم آلهتهم التي یعبدون من دون
الله؛ لما جاء أمر ربك ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًا
وصدقًا ﴿أَنَّهُمْ فِ اْأَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ
حصر الخسار فيهم، بل جعل لهم منه أشده
لشدة حسرتهم وحرمانهم، وما يعانون من
المشقة والعذاب (٣).
((إنه التشهير والتشنيع بالإشارة ((هؤلاء))
﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ﴾ وعلى من؟ ﴿عَلَى
رَبِّهِمْ ﴾ لا علی أحد آخر!
إن جو الفضيحة هو الذي يرتسم في
هذا المشهد، تعقبها اللعنة المناسبة لشناعة
الجريمة ﴿أَلَا لَعَنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾
يقولها الأشهاد كذلك، فهو الخزي والتشهير
-إذن- في ساحة العرض الحاشدة! أو هو
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من
الصحابة، ٢/ ٧٤، رقم ٥٤٣٦.
وصححه الألباني في ظلال الجنة ص ٦٠٤.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٣٧٩.
(١) المصدر السابق ٣١٤/٤.
مَوَسوبر التفسير
القرآن الكريم
٩٤
الافتراء
قرار الله سبحانه في شأنهم إلى جانب ذلك
الخزي والتشهير على رءوس الأشهاد)»(١).
إن جزاء اختلاق الكذب والتشهير
والتشنيع بالمؤمنين الصادقين التشهير
والتشنيع في الآخرة، والجزاء من جنس
العمل.
٣. الاصطلاء في النار:
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُم مَّا أَنزَلَ اَللَّهُ لَكُمْ
مِّن رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَلَا قُلْ ءَاللَّهُ
أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ ) وَمَا ظَنُّ
الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ اَلْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَمَةِ
إِنَّ اللَّهُ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا
يَشْكُرُونَ﴾ [يونس: ٥٩- ٦٠].
أيحسبون أنه یصفح عنهم ويغفر؟ کلا بل
يصليهم في النار.
موضوعات ذات صلة:
الحرام، الحلال، الزور، الكذب، النبوة
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٨٦٨/٤.
www. modoee.com
٩٥