Indexed OCR Text

Pages 21-40

الأكل
حُ إِنَّ اللَّهَ يَحَكُمُ مَا يُرِيدٌ﴾ [المائدة: ١].
وقوله تعالى في بيان الأصناف التي تجب
فيها الزكاة من الحيوان: ﴿ثَمَنِيَةَ أَزْوَجْ
مِّنَ الضَّأَنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِّ قُلّ
ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَّيَيْنِ أَمَّا أَشْتَمَلَتْ
عَلَيْهِ أَرْحَامُ الأُنثَيْنِ نَبِعُونِي پِآٍّ إِن كُنتُمْ
صَدِقِينَ ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ أَثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ
أَثْنَيْنُ قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَبَيْنِ أَمَّا
أَشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَبَيْنِ﴾ [الأنعام:
١٤٣ - ١٤٤].
وقوله جل شأنه: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ
وَيَذْكُرُواْ أَسْمَ اللَّهِ فِيَّ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ
عَلَى مَا رَزَقَّهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَّرِّ فَكُلُواْ مِنْهَا
وَأَطْعِمُواْ الْبَآيِسَ الْفَقِيَرَ ﴾ [الحج: ٢٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأَحِلَّتْ لَكُمُ
الْأَنْعَمُ إِلَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَأَجْتَنِبُواْ
الرَّجْسَ مِنَ الْأَوْثَنِ وَأَجْتَنِبُواْ قَوْلَـ
الزُّورِ ﴾ [الحج: ٣٠].
وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًاً
لِيَذْكُرُواْ اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ
اَلْأَنْعَمِّ فَإِلَ هُكُمْ إِلَهٌ وَحِدٌ فَلَهُ: أَسْلِمُواْ وَبَثِّرِ
الْمُخْبِتِينَ ﴾ [الحج: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم
مِمَا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعَكَمَا فَهُمْ لَهَا مَلِكُونَ
وَذَلَّلْنَهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُونَ() وَ
٧٣
فِيَهَا مَنَفِعُ وَمَشَارِبٌ أَفَلَا يَشْكُرُونَ
[يس: ٧١ - ٧٣].
هذا وقد ذكر بعض المفسرين أنه جرى
خلاف في الأنعام التي أحلها الله تعالى
بمقتضى قوله: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَمِ﴾،
هل هي على التعميم أم على التخصيص،
ويمكن إجمال خلافهم في ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن بهيمة الأنعام هي الثلاثة
المعروفة (الإبل والبقر والغنم) وهو مروي
عن الحسن البصري وقتادة والسدي والربيع
بن أنس والضحاك (١).
القول الثاني: أن بهيمة الأنعام هي أجنة
الأنعام التي توجد في بطون أمهاتها - إذا
نحرت أو ذبحت- ميتةً، وذكاتها ذكاة أمها
حينئذٍ، وهو مروي عن ابن عباس وابن
عمر (٢).
القول الثالث: أن بهيمة الأنعام هي
الوحشي منها، كالظباء وبقر الوحش والحمر
قاله الفراء(٣).
هذا ولا خلاف في أن جميع الأنعام
المباح أكلها إنما يشترط في حلها الذكاة
الشرعية المعروفة بشروطها، والتي هي ذبح
أو نحر أو عقر، بحسب کل نوع منها على ما
هو معروف في الفقه.
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٥٥، مفاتيح
الغيب، الرازي ١١/ ٢٧٧.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٩/ ٤٥٦، مفاتيح
الغيب، الرازي ٢٧٧/١١، معاني القرآن،
النحاس ٢٤٨/٢.
(٣) معاني القرآن، الفراء ٢٧٤/١.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الألف
رابعًا: صيد البر والبحر:
الصيد يكون بالحيوان أو الطير المعلم
كالكلب والصقر، وبالآلات الحادة مثل
الرماح، والنبال، وباليد، وبالشباك ونحوها
في الأسماك والطيور، والحيوان، وغير ذلك
من آلات الصيد المعروفة والتي تتطور عبر
الزمان، وتختلف من مكان لآخر.
وقد ورد ذكر الصيد وبعض آلاته في
القرآن الكريم في غير موضع منها قول الله
تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُم
الطَّيِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِِّينَ تُعَلُِّونَهُنَّ
يَا عَلََّكُمُ اللَّهُ فَكُواْ مِّ أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَأَذْكُرُواْ أَسْتَ
اللَّهِ عَلَيْهٌ وَأَنَّقُواْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
[المائدة: ٤].
وقوله جل شأنه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَبْلُوَكُمُ الَهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيَكُمْ
وَرِمَا حُكُمْ لِيَعْلَمَ اَللَّهُ مَن يَخَافُ بِالْغَيْبٍ فَمَنِ أَعْتَدَى بَعْدَ
ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: ٩٤].
وللصيد شروطه المعتبرة التي على
أساس توافرها يكون الحيوان حلال
الأكل، وهذه الشروط مطلوبة في الصائد،
والمصيد، وآلة الصيد على ما هو معروف
في مواضعه(١).
١ . صيد البر:
الحيوان البري: هو ما يعيش في البر
(١) انظر: الذبائح واللحوم بين الحلال والحرام
ص٣٠-٣٥.
کالغابات والصحاري والجبال، وينقسم إلى
قسمين: حيوان مقدور عليه، وحيوان غير
مقدور عليه، أو بلفظ آخر، حيوان أهلي،
وحيوان وحشي، فالحيوان الأهلي هو الذي
يألف البيوت ويربى فيها كالأنعام الثلاثة
التي تجب فيها الذكاة والدواجن التي تربى
في البيوت.
والوحشي: هو الذي يعيش في البر
مأخوذ من الوحشة وهي الخلوة، وذلك
مثل الظباء والنعام والطيور التي تعيش في
البراري (٢).
وباب الحلال والحرام من الأطعمة
الحيوانية باب كبير معروف في السنة النبوية
والفقه في جميع المذاهب على اختلاف
في تسميته في كل مذهب، ولو ذهبنا نتتبع
أصناف الحيوانات والطيور وما يحل
وما يحرم منها لخرجنا عن المقصود في
هذا البحث التفسيري، ولكن أكتفي بذكر
أشهرها على سبيل الاختصار:
أولًا: الحيوانات المجمع على حلها أو
متفق على حلها (ما عدا الأنعام الثلاثة):
الظبي، الغزال، النعام، الكركي،
الحباري، الطاووس، البط والأوز، القطا،
الحمام وما يلحق به، مثل: اليمام والقنبر
والدبس والفاخت والقمري والسمان،
(٢) انظر: الأطعمة وأحكام الصيد، الفوزان
ص٣٣.
١٩٦
مَوْسُور
القرآن الكريم

الأكل
والعصفور، والأرنب.
ثانيًا: الحيوانات المجمع على تحريمها
أو متفق على تحريمها:
المحرم من هذه الحيوانات نوعان:
النوع الأول: الحيوان المحرم لذاته
أو لعينه، وذلك مثل: الخنزير، والسباع
من الطيور والحيوانات ذوات الأربع،
والحيوانات ذوات الحافر، والحيوانات التي
تأكل الجيف والقاذورات، والحيوانات التي
ورد الأمر في السنة بقتلها في الحل والحرم،
وهي الفواسق (الحية والعقرب والفأرة
والكلب العقور والحدأة)، والحيوانات التي
تعافها النفوس السليمة، ولا تقبلها الفطرة،
مثل القرد وابن عرس .....
والنوع الثاني: الحيوان المحرم لعارض،
مثل الميتة، والأنعام التي لم تكتمل ذکاتها،
والجلالة(١).
ويمكن إجمال حكمة تحريم هذه
الأصناف فيما يلي:
* أن بعض هذه الحيوانات یورث آكله
بغيًا وظلمًا وقسوة، كما هو الحال في
أكل السباع ونحوها، والمغتذي شبيه
بما يتغذى به، فالقوة السبعية التي
في هذه الحيوانات يمكن أن تسري
(١) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد،
ابن رشد ٣٤٠/١، المغني، ابن قدامة
٦٦/١١، الأطعمة وأحكام الصيد، الفوزان
ص٣٩.
إلى نفس آكلها، فيتشابه الإنسان مع
الحيوان.
أن بعض هذه الحيوانات خبيثة، مثل
الميتة، والجلالة والخنزير؛ ويترتب
علی أکلها ضرر بالجسم .
أن بعض هذه الحيوانات ذات صفات
٥
سيئة كالبلادة وعدم الغيرة، وشدة
الشهوة كما هو الحال في الخنزير، مما
يسري إلی نفس آکله، وإكسابه هذه
الصفات (٢).
ثالثًا: الحيوانات المختلف فيها المذاهب
الفقهية:
اختلف الفقهاء في أكل طائفة كبيرة من
الحيوانات، ما بين موسع ومضيق، سواء
كان الخلاف في داخل المذهب الواحد أو
بينه وبين المذاهب الأخرى، وأورد هنا طرفًا
مما اختلفوا فيه على سبيل الإيجاز:
# الضب: حلال عند جميع الفقهاء ما
عدا الحنفية (٣). وقصة أكل الضب أمام
النبي صلى الله عليه وسلم وإقراره
للصحابة على ذلك مشهورة، ولكن
النبي عليه السلام لم يأكله.
* الخيل: يباح أكلها عند محمد بن الحسن
(٢) انظر: الأطعمة وأحكام الصيد، الفوزان
ص٤٠.
(٣) أحكام القرآن، الجصاص ١٨٩/٤،
المبسوط، السرخسي ٤١٨/١١، المغني،
ابن قدامة ١١/ ٧٦.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الألف
وأبي يوسف من الحنفية، والشافعية،
والحنابلة، والظاهرية (١)، وروي ذلك
أيضًا عن عبد الله بن الزبير، وفضالة
بن عبيد، وأنس بن مالك، وأسماء بنت
أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة،
والأسود بن يزيد، وعطاء وشريح
القاضي، وسعيد بن جبير، والحسن
البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد
بن سلیمان، وإسحاق بن راهويه، وأبي
ثور، ویحرم أکلها عند ابن عباس وأبي
حنيفة، ولكن داخل المذهب المالكي
خلاف فيها يدور بين الكراهة والحل
والتحريم، وأشهر الأقوال فيها عندهم
التحريم(٢).
البغال: حرام عند جمهور الفقهاء،
وحلال عند الحسن البصري وابن
حزم(٣).
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٧٦/١٠، أحكام القرآن، الجصاص ٣/٥،
بدائع الصنائع، الكاساني ١٨/٥، مغني
المحتاج، الشربيني ٢٩١/٤، كشاف
القناع، البهوتي ٦/ ١٩٠، المحلى، ابن حزم
٤٠٦/٧.
(٢) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣/٥،
المنهاج شرح صحيح مسلم، النووي
٩٥/١٣، بدائع الصنائع، الكاساني ٣٩/٥،
مواهب الجليل، الخطاب ١/ ١٧٢.
(٣) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ٣/٥، الجامع
لأحكام القرآن، القرطبي ٧٨/١٠، الحاوي
الكبير، الماوردي ١٤٤/١٥، المحلى، ابن
حزم ٧/ ٤٠٨.
* الحمر الأهلية: حرام عند جمهور
العلماء، وحلال عند ابن عباس (٤).
الثعلب: مباح عند الشافعية، وأحمد
في رواية، وطاوس وقتادة وأبي ثور،
وحرام عند أبي حنيفة ومالك وأحمد
في الرواية الثانية، وابن حزم(٥)؛ لأنه
سبع فيدخل في عموم النهي.
الضبع: مباح عند الشافعية (٦)،
والظاهرية، ورويت إباحته عن علي بن
أبي طالب وإسحاق بن راهويه وأبي
ثور وخلائق من الصحابة والتابعين(٧).
٢. صيد البحر.
صيد البحر يقصد به كل ما صيد من
البحر من السمك ونحوه، فالمراد بالصيد
هنا هو المصيد، وإنما أضيف إلى البحر؛
لأنه مستخرج منه، وهو نوعان:
النوع الأول: ما لا يعيش إلا في الماء
(٤) انظر: أحكام القرآن، ابن العربي ٤٧٥/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٧٧.
(٥) انظر: المجموع، النووي ٢/٩، مغني
المحتاج، الشربيني ٢٩٩/٤، المغني، ابن
قدامة ٦٦/١١، المجموع، النووي ٩/٩،
بدائع الصنائع، الكاساني ١٩٨/٢، أحكام
القرآن، ابن العربي ١٥٨/٥، المحلى، ابن
حزم ٣٩٧/٧.
(٦) انظر: المجموع، النووي ٩/٩، وحكي عن
الشافعي قوله: ما زال الناس يأكلون الضبع
ويبيعونه بين الصفا والمروة.
(٧) انظر: المحلى، ابن حزم ٧/ ٣٩٧، المجموع،
النووي ٩/ ٩.
جَوَسُو ◌َرُ النَّفْسِيَةْ
القرآن الكريم
١٩٨

الأكل
بحيث إذا خرج منه يموت بعد فترة، وذلك من الصحابة رضوان الله عليهم(٤).
مثل جميع أنواع السمك.
والنوع الثاني: ما یمکنه العيش في البر
والبحر، أو الحيوانات البرمائية، وذلك مثل
السرطان والتمساح (١).
وهناك تقسيم آخر ذكره بعض المفسرين
أن صيد البحر قسمان: سمك وغيره،
فالسمك معروف، وغير السمك قسم یعیش
في البر کالضفدع والسرطان، فلا يحل أكله،
وقسم يعيش في الماء ولا يعيش في البر إلا
عيش المذبوح، وذلك مثل الجريث أو حية
البحر(٢).
المقصود بصيد البحر وطعامه:
تواترت الآثار الدالة على أن المقصود
بصید البحر هو کل ما صید منه، کما هو
مروي عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت
وقتادة وغيرهم، وروي عن ابن عباس رواية
أخرى وروي نحوه عن سعيد بن جبير
والسدي بأن صيد البحر هو الطري منه(٣).
أما طعام البحر فقد اختلف في المقصود
به علی أقوال:
القول الأول: أن طعام البحر هو ما قذفه
البحر بلا صيد من الإنسان، وهو مروي عن
عمر وابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وكثير
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٨/٦.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/ ١٠١.
(٣) جامع البيان، الطبري ١١ / ٥٧-٦٠.
القول الثاني: أن طعام البحر هو كل ما
نضب الماء عنه فأخذ بغير صيد ميتًا (٥).
القول الثالث: أن طعامه كل ما سقاه الماء
فأنبت من الأرض(٦).
القول الرابع: أن طعام البحر هو السمك
المملح أو المقدد منه، وهو مروي عن سعيد
بن جبير وعكرمة وسعيد بن المسيب وقتادة
والنخعي(٧).
حكم أكل صيد البحر وطعامه:
اختلف العلماء في أكل صيد البحر على
أربعة أقوال:
القول الأول: أن جميع حيوانات البحر
حلال، وهو مذهب المالكية، والشافعية
على الأصح(٨).
وهو قول ابن أبي ليلى، والأوزاعي،
والثوري في رواية الأشجعي عنه (٩).
ودليلهم من القرآن عموم قول الله
(٤) انظر: معاني القرآن، النحاس ٢/ ٣٦٤، تفسير
السمر قندي ١ / ٤٤، الجامع لأحكام القرآن،
القرطبي ٣١٨/٦.
(٥) انظر: تفسير السمر قندي ١ / ٤٤١.
(٦) انظر: المصدر السابق.
(٧) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٠٠/٣،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٨/٦،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٨٩/٣.
(٨) انظر: الشرح الكبير، الدردير ١١٥/٢،
الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٩/٦،
مغني المحتاج، الشربيني ٤/ ٢٢٧.
(٩) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٩/٦.
www. modoee.com
١٩٩

حرف الألف
تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدٌ أَلْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾
[المائدة: ٩٦].
وسبق بيان القول في المقصود بالصيد
والطعام.
ودليلهم من السنة حديث أبي هريرة
رضي الله عنه جاء رجلٌ إلى رسول الله
صلی الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله
إِنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من
الماء فإن توضأنا به عطشنا أفنتوضأ به؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو
الطهور ماؤه الحل ميتته)(١)
القول الثاني: أن جمیع حيوانات البحر
حلال عدا الحية والتمساح والضفدع، وهو
مذهب الحنابلة (٢).
ودليلهم عموم الآية السابقة، وأما استثناء
الضفدع والتمساح والحية، فلأن الضفدع
منھي عن قتله، وهو يدل على تحريمه،
والتمساح حيوان مفترس، والحيات من
المستخبئات (٣)
(١) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوضوء،
باب الوضوء بماء البحر، رقم ٨٣، والترمذي
في سننه، أبواب الطهارة، باب ما جاء في ماء
البحر أنه طهور، رقم ٦٩، والنسائي في سننه،
كتاب الطهارة، باب ماء البحر، رقم ٥٩، وابن
ماجه في سننه، كتاب الوضوء، باب الوضوء
بماء البحر، رقم ٣٨٦.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) انظر: المغني، ابن قدامة ٨٣/١١، شرح
منتهى الإرادات، البهوتي ٣/ ٤١١.
(٣) انظر: شرح منتهى الإرادات، البهوتي
القول الثالث: أن الحلال من حيوانات
البحر هو السمك فقط، وما عداه لا يحل،
وكذا لا يحل السمك الذي وجد طافيًا على
سطح البحر، والمقصود السمك الذي
یموت في الماء حتف أنفه بغير سبب حادث
منه سواء علا على وجه الماء أو لم يعل بعد
أن مات في الماء حتف أنفه من غير سبب
حادث.
وهو مذهب الحنفية (٤)، ووجه عند
الشافعية(٥)، وهو قول الثوري في رواية أبي
إسحاق الفزاري عنه (٦).
القول الرابع: أن السمك حلال الأكل،
وما سوى السمك من حيوانات البحر ينظر،
فإن كان له نظير يؤكل في البر، فحيوان
البحر كذلك، وإن كان نظيره من حيوان البر
لا یؤکل فکذلك حکم حیوان البحر، وذلك
مثل: خنزير البحر وكلب البحر. وهو وجه
عند الشافعية (٧)، وقول عند الحنابلة.
ودليله القياس على حيوان البر المحرم
كالخنزير والكلب ونحوهما(٨).
٤١١/٣، الأطعمة وأحكام الصيد، الفوزان
ص٨٧.
(٤) انظر: أحكام القرآن، الجصاص ١٣٣/١،
بدائع الصنائع، الكاساني ٣٦/٥.
(٥) مغني المحتاج، الشربيني ٢٩٧/٤.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣١٨/٦.
(٧) انظر: الحاوي الكبير، الماوردي ٦٣/١٥،
المجموع، النووي ٩/ ٣٢.
(٨) انظر: مغني المحتاج، الشربيني ٢٩٩/٤.
مَوَسُور النفسية العضوي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٠٠

الأكل
الرأي المختار: الذي تطمئن النفس
إلى اختياره هو القول الأول الذي یری حل
جميع ما صيد من البحر، وذلك نظرًا لقوة
أدلته وسلامة مدركه، لأن الأقوال الأخرى
لم تسلم من المناقشة، مما لا يتسع المقام
لذكره، إلا أنه ينبغي أن يوضع في الاعتبار
مع هذا أمور أخرى، مثل: كون الحيوان
البحري خاليًا من السموم والأضرار التي
تترتب على أكله، كما هو الحال في بعض
الأسماك السامة.
المخلوقات والأكل
تحدث القرآن الكريم عن أصناف من
المخلوقات منها ما يأكل ومنها ما لا يأكل
نبينها فيما يأتي:
أولًا: الملائكة والأكل:
الملائكة صنف من خلق الله تعالى خلقوا
من نور، ولهم وظائف شتى، وهم يختلفون
عن الإنس والجن في أنهم لا يأكلون ولا
يشربون ولا يتزوجون ولا يتناسلون، ولا
يملون عن عبادة الله تعالى، ولا يفترون،
ولا يتعبون، وقد اتفق المحققون من أهل
العلم على ذلك (١).
قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ
وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْيُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا
يُسَبِّحُونَ أَلَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا
يَسْتَحْسِرُونَ ﴿
يَفْتُّرُونَ ﴾ [الأنبياء: ١٩ -٢٠].
ولهذا لما وفدت الملائكة على سيدنا
إبراهيم عليه السلام في صورة أناس من
بني بشر، قدم لهم طعام الضيافة فرفضوا
أن يأكلوا، ولم تمتد أيديهم إلى الطعام،
فأوجس منهم خيفة؛ فلما كشفوا له عن
حقيقتهم زال خوفه و تعجبه.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَآَتْ رُسُلْنَاْ إِنْزَهِيمَ
بِالْبُشْرَىْ قَالُواْسَلَمَّا قَالَ سَلَمّ فَمَا لَيْثَ أَنْ جَآءَ
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/١، لوامع
الأنوار البهية، السفاريني ١ / ٤٤٧.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الألف
بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ﴿ فَلَمَّارَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ
نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَخَفْ إِنَّاَ
أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ ﴾ [هود: ٦٩ -٧٠].
وقال جل شأنه: ﴿هَلْ أَنَكَ حَدِيثُ ضَيْفٍ
إِبْهِيمَ الْمُكَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَّاً
قَالَ سَلَمٌ قَوْمٌ مُنكَرُونَ ﴿ فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ
بِعِبْلٍ سَمِينٍ (٦) فَقَرَُّهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُونَ
(٢) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لَا تَّخَفْ وَبَشَّرُوهُ
﴾ [الذاريات: ٢٤-٢٨].
٢٨
بِغُلَمٍ عَلِيمٍ (
وقد أخرج عبد الرزاق عن قتادة في
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّارَءَآ أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ
نَكِرَهُمْ﴾ قال: (( كانوا إذا نزل لهم ضيف
فلم یأکل من طعامهم ظنوا أنه لم يأت بخير
وأنه يحدث نفسه بشر. قال: ثم حدثوه عند
ذلك))(١).
ثانيًا: الرسل والأكل:
الرسل والأنبياء صفوة خلق الله تعالى
من البشر، وهم المبلغون لشرائع الله تعالى
للأمم من خلال الوحي الذي نزل عليهم،
والكتب السماوية التي نزلت عليهم، وقد
شاءت حكمة الله تعالى أن يصطفيهم من
البشر لا من الملائكة ليكونوا أنسب لتبليغ
العباد مراد رب العباد منهم.
ولهذا أودع الله تعالى فيهم خصائص
البشر من تناول الطعام والشراب، والنوم
واليقظة، والمرض والصحة، والتزاوج
والتناسل ونحو ذلك من صفات البشر
الجبلية.
وقد ورد في القرآن آيات تتعلق بحالة
الرسل والأنبياء مع الطعام والشراب، بیانها
على النحو الآتي:
١. إرسال الله تعالى الرسل بشرًا
يأكلون الطعام.
الرسل بشر كسائر الناس في الخلق
والتكوين والصفات الجبلية، إلا أنهم
يختلفون عن بقية الناس في الصفات
الخلقية التي أودعها الله تعالى فيهم لتحمل
الرسالة التي يبلغونها للناس.
ومن الأمور الجبلية التي يشترك فيها
جميع الناس بمن فيهم الأنبياء والرسل:
الأكل والشرب، اللذان بهما قوام الحياة
ونمو البدن وسلامته، ولذلك ذكر الله تعالى
في كتابه العزيز في موضعين أن هذا من
صفات الرسل شأنهم شأن بقية الناس.
الموضع الأول: في قوله تعالى ﴿وَقَالُواْ
مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِى في
الْأَّوَاقِّ لَوْلًا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَهُ,
نَذِيرًا (٢﴾ [الفرقان: ٧].
وهذا جاء على سبيل الاستنكار من
المشركين على نحو ما سيأتي في موضعه.
الموضع الثاني: في قوله تعالى: ﴿وَمَّاً
أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ
(١) تفسير عبد الرزاق الصنعاني ٣٠٥/١.
مَوَسُو ◌َرَ النفسية المضوي
القرآن الكريمِ
٢٠٢

الأكل
لَيَأْكُونَ الطَّعَامَ وَيَسْشُونَ فِ الْأَسْوَائِ
وَحَعَلْنَا بَعْضَّكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَُ
وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ [الفرقان: ٢٠].
وهو بمثابة الإجابة على السؤال السابق كما
ذكره بعض المفسرين (١).
٢. أمر الرسل بأكل الطيبات.
أمر الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله بأن
يأكلوا من الطيبات التي أفاء الله عليهم بها،
وأن يعملوا صالحًا، والأمر للرسل ولأتباع
الرسل قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ
الطَّيِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًاً إِى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌّ
[المؤمنون: ٥١].
٥١
٣. اعتراض المشركين على أن
الرسل بشر يأكلون الطعام.
أنکر المشرکون علی الرسل أنهم مثل
سائر البشر في تناول الأطعمة والسعي
في الأسواق، وزعموا أنه -أي: النبي عليه
الصلاة والسلام - إذا كان مثلهم يأكل الطعام
ويمشى في الأسواق، فلا يجوز أن يمتاز
عنهم بالنبوة، وكانوا يقولون: أنت لست
بملَك ولا ملِك؛ فلست بملَك لأنك تأكل
الطعام، ولست بملك لأنك تتسوق وتتبذل،
والملوك لا يتسوقون ولا يتبذلون، وهذا
الذي قالوه كله فاسد؛ وذلك لأن أكله الطعام
لا ينافي النبوة، ولا مشيه في الأسواق، فإن
(١) تفسير القرآن، السمعاني ٤/ ١٢.
أكله الطعام يدل على أنه آدمي محتاج،
ومشيه في الأسواق يدل على أنه متواضع
غير متكبر، وأما اختصاصه بفضلة النبوة من
بین الناس فجائز؛ لأن الله تعالی لم یسو بین
الناس، بل فاضل بينهم(٢).
قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ
يَأْكُلُ الَّعَامَ وَيَمْشِىِ فِي الْأَسْوَاقٌ لَوْلَاً
أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكُ فَيَكُونَ مَعَدُ نَذِيرًا
[الفرقان: ٧].
قال السلمي: ((عيروا الرسل بالتواضع
والانبساط، ولم يعلموا أن ذلك أتم لهيبتهم
وأشد في باب الاحترام لهم، وذلك أنهم لم
يشاهدوا منهم إلا ظاهر الخلق ولو شاهدوا
منهم خصائص الاختصاص لألهاهم
ذلك من قولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ
اُلِّعَامَ وَيَمْشِى فِي الْأَسْوَاقِ﴾))(٣).
وعليه فإن إن المشركين لم يدركوا
حكمة الله تعالی في إرسال الرسل، حيث
اختارهم من جنس بني البشر يشتركون مع
سائر الناس في العادات والصفات البدنية
ونحوها، حتى يستطيعوا أن يبلغوا دعوتهم
للناس.
ولكن على الرغم من هذا التشابه
والاشتراك إلا أن الرسل هم صفوة الناس
بما أودع الله تعالى فيهم من صفات خلقية؛
(٢) تفسير القرآن، السمعاني ٤ / ٧.
(٣) حقائق التفسير ٥٩/٢.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الألف
كالصدق والأمانة وقربهم لله عز وجل مما ◌ِيُبْدِىَ لَهُمَا مَا ؤُورِىَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَ تِهِمَا وَقَالَ مَا
نَهَنَكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ
يجعلهم متميزين عن غيرهم.
كذلك ما أودعه الله تعالى فيهم من
الذكاء والفطنة، وهذه الصفات وإن كانت
موجودة في الكثير من الناس إلا أن الرسل
قد حازوها على أكمل وجه وأحسنه.
وَقَاسَمَهُمَاً إِ لَّكُمَا لَمِنَ
٢٠
أَوْ تَكُوْنَا مِنَ الْخَلِدِينَ
النَّصِحِينَ * فَدَلَّهُمَا بِغُرُورٍ قَلَمَّا ذَاقًا الشَّجَرَةَ
بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن
وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَنْهُمَا رَبُّهُمَا أَلَوْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا
الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَاْ إِنَّ الشَّيْطِنَ لكُمَا عَدُوِّمُّبِينٌ )
[الأعراف: ١٩- ٢٢].
٤. ابتلاء سيدنا آدم عليه السلام
بالأكل من الشجرة.
وردت قصة سيدنا آدم عليه السلام في
غير موضع في کتاب الله عز وجل، وقد أمر
الله تعالى آدم بأن يأكل من الجنة رغدًا حيث
شاء، باستثناء شجرة معينة، اختلف العلماء
في حقيقتها اختلافًا كبيرًا لا يتسع المقام
لذكره، فوسوس الشيطان لآدم وظل يغويه
حتى أكل من الشجرة المنهي عنها، فعوقب
بسبب ذلك بالإخراج من الجنة والنزول إلى
الأرض التي قدر الله تعالى له أن يسكنها
ویعمرها هو وذريته.
قال تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَادَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
اَلْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا نَقْرَيَا
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ ﴿ فَأَزَلَّهُمَا
الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيَةٍ وَقُلْنَا أُهِْطُواْ
بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌ وَلَكُمْ فِ الْأَرْضِ مُسْنَقَرٌّ وَمَتَحُّ إِلَى
[البقرة: ٣٥-٣٦].
چینٍ
وقال جل شأنه: ﴿وَيَدَمُ أَسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ
الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ يِشِئْتُمَا وَلَا نَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ
فَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ
والرغد في الآية المقصود به الواسع من
العيش، الهنيء الذي لا يعني صاحبه، يقال:
أرغد فلان: إذا أصاب واسعًا من العيش
الهنيء، كما قال امرؤ القيس (١):
بينما المرء تراه ناعمًا
یأمن الأحداث في عیش رغد
هذا وقد ترتب على أكل سيدنا آدم عليه
السلام من الشجرة المنهي عنها ثلاثة أمور
كما يستنبط من القصة القرآنية:
الأول: ظهور عورتھما، ولم یکن لهما
سابق علم بها، حيث لم يكونا بحاجة إلى
الإخراج.
الثاني: عتاب الله تعالى لسيدنا آدم عليه
السلام على ما فعل، وتذكيره بالنهي الذي
نهاه ولم يمتثل له نسيانًا منه، وإغواء من
الشيطان.
الثالث: الهبوط من الجنة إلى الأرض
(١) جامع البيان، الطبري ١/ ٥١٥، المحرر
الوجيز، ابن عطية ١/ ١١٠.
مُوسُوْبَرُ النَّبِالوَصوي
جوسى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٠٤

الأكل
للعیش علیھا.
رابعًا: سائر المخلوقات والأكل:
١. أکل الإنس.
كل ما ورد ذكره في القرآن الكريم أمرًا
بالأکل إنما هو للإنسان، إلا ما ورد بشأن
الحیوان على نحو ما سيأتي في موضعه،
وأمر الله عز وجل للإنسان بالأكل جاء في
معارض كثيرة، فجاء مرة في معرض تعداد
النعم على بني إسرائيل، ومرة في معرض
أمر المؤمنين بأكل الطيبات، ومرة في
معرض أمر الناس بالأكل مما في الأرض
من رزق الله تعالى، وهكذا، وهذه المواضع
كلها جاء ذكرها في أماكنها من هذا البحث
بما يغني عن إعادتها هنا.
إلا أن الذي أكتفي بالإشارة إليه من أکل
الإنس هنا هو بضعة مواضع فيها بعض العبر
والنكات التفسيرية وهي:
أولًا: أكل الفقير بالمعروف من مال
اليتيم صيانة لنفسه.
حث الله سبحانه وتعالى عباده على
الاقتصاد في الطعام والشراب وسائر وجوه
النفقة، وفي حالة كون المرء قيمًا على مال
يتيم، فقد حثه الشارع على أن يراعي حاله
من حيث الغنى والفقر، بحيث يتعامل مع
مال اليتيم بالحذر.
فإن كان القيم على مال اليتيم غنيًا،
فلیتعفف عن أن ینال منه شيئًا، وإن كان
فقيرًا فليكن تناوله منه بالمعروف حفاظًا
على مال اليتيم، وذلك عملًا بقاعدة (ما أبيح
للضررورة يقدر بقدرها)(١).
قال تعالى: ﴿وَأْثَلُواْ الْيَثَمَ حَقَّى إِذَا بَلَغُواْ
النِّكَاحَ فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَدْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَمَّ
وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبُرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا
فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَن كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِلّهِ
حَسِيبًا ﴾ [النساء: ٦].
وفي معنى ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا
أَنْ يَكْبِرُوا﴾ أنهم لا يأكلون أموالهم على
سبيل الإسراف والإتلاف، أو يبادرون بأكل
أموالهم خشية أن يكبروا - أي اليتامى-
فيتسلمون أموالهم من القائمين عليها.
أو كما عبر بعض المفسرين بقوله:
(«مسرفين ومبادرين كبرهم؛ أو الإسرافكم
ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها
وتقولون ننفق كما نشتهي قبل أن يكبر
اليتامى فينتزعوها من أيدينا))(٢).
روي عن ابن عباس رضي الله عنهما في
قوله: ﴿إِسْرَافًا وَيِدَارًا﴾ يعني: أكل مال اليتيم
مبادرًا أن يبلغ، فيحول بينه وبين ماله))(٣).
وقد روي نحو هذا المعنى عن معمر
(١) انظر: الأشباه والنظائر، السيوطي ص ٨٤،
الأشباه والنظائر، ابن نجيم ص٨٦.
(٢) الكشاف، الزمخشري ١/ ٥٠٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٨٠.
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الألف
وقتادة والحسن والسدي(١).
وفي معنى ﴿فَلْيَأْكُلّ ◌ِالْمَعْرُوفِ﴾ أقوال
کثيرة للسلف منها:
ما روي عن مجاهد قوله: ((﴿وَمَن كَانَ
فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلٌ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ من مال اليتيم، بغير
إسراف ولا قضاء عليه فيما أكل منه))(٢).
ومن بلاغة الآية الكريمة استنبط منها
بعض التابعين أن المقصود ليس أكل الفقير
من مال اليتيم، بل أكل الفقير من مال نفسه
بالمعروف، فقد روي عن مجاهد قال: ((لا
تقرب مال اليتيم إلا للتجارة ولا تستقرض.
قال: فأما قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا
فَلْيَأْكُلُّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، فإنما معناه فليأكل من
ماله بالمعروف يعني من مال نفسه)) (٣).
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما
أنه -أي: الفقیر- یأکل بأطراف أصابعه (٤).
وروي عن عطاء وعكرمة أنه يأكل
بأطراف أصابعه، ولا یسرف ولا يكتسي
منه، ولا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما
سد الجوعة ووارى العورة.
وروي عن الحسن وجماعة أنه یأکل من
ثمر نخيله ولبن مواشیه بالمعروف ولا قضاء
عليه، فأما الذهب والفضة فلا؛ فإن أخذ شيئًا
(١) انظر: تفسير القرآن، عبد الرزاق الصنعاني
١٤٦/١، جامع البيان، الطبري ٧/ ٥٨٠.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٧ / ٥٨٦.
(٣) معاني القرآن، النحاس ١٥٣/٤.
(٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٧/ ٥٨٦.
منه رده.
وقال الكلبي: ((المعروف ركوب الدابة
وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله
شيئًا))(٥).
ثانيًا: النهي عن أكل الإنسان مال اليتيم.
ورد في القرآن التحذير من أكل أموال
اليتامى بدون وجه حق في صورة شديدة
تبين قبح الفعل وسوء العاقبة، وذلك في
قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ [النساء: ١٠].
وليس المراد بالأكل هنا الأكل تناول
الطعام، بل المراد الإتلاف أو نهب المال
أو أخذه بدون وجه حق، أو كما قال الإمام
القرطبي: ((ليس المقصود في الآية صورة
الأكل أو نفس الأكل، وإنما المراد به
الاستباحة بأي طريق كان؛ إلا أن الأكل
لما كان أوفى أنواع التمتع بالمال عبر عن
التصرفات بالأكل»(٦).
ولما نزلت هذه الآية اشتد الأمر على
بعض الناس ممن يتولون أموال اليتامى،
فعزلوا طعامهم وشرابهم عن طعام وشراب
اليتامى حتى فسد الطعام وصار حرج كبير
بسبب ذلك، فنزلت آية أخرى ترفع الحرج
(٥) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي ٢٥٩/٣،
معالم التنزيل، البغوي ١٦٨/٢، لباب
التأويل، الخازن ١ / ٤٨١.
(٦) الجامع لأحكام القرآن، ٢٦/٥ بتصرف.
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
٢٠٦

الأكل
عنهم.
روي عن ابن عباس قال: ((لما نزلت:
﴿وَلَا نَقْرَبُواْ مَالَ أَلْيَنِيِ إِلَّا بِلَتِى هِىَ أَحْسَنُ﴾
[الأنعام: ١٥٢]. و﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
اَلْيَتَمَى كُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ تَارًا
وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]، انطلق
من کان عنده یتیمٌ فعزل طعامه من طعامه،
وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء
من طعامه فیحبس له حتی یأکله أو يفسد؛
فاشتد ذلك علیهم، فذكروا ذلك لرسول الله
صلی الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل:
﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْبَتَّىَّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌّ وَإِن
﴾ [البقرة: ٢٢٠]. فخلطوا
تَخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانَكُمْ
طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم)) (١).
لطيفة في ذكر الأكل والبطون:
لم ذكر الأكل والبطون في هذه الآية
مع أنه معروف أن الأكل لا يكون إلا في
البطون؟
والجواب من وجهين:
الوجه الأول: أن القرآن قد ذكر الأکل إلا
أن المراد منه کل أنواع الإتلافات فإن ضرر
الیتیم لا یختلف بأن یکون إتلاف ماله بالأكل
أو بطريق آخر، وإنما ذکر الأكل وأراد به کل
التصرفات المتلفة لوجوه:
أحدها: أن عامة مال اليتيم في ذلك
الوقت هو الأنعام التي يأكل لحومها ويشرب
(١) جامع البيان، الطبري ٤/ ٣٥٠.
ألبانها فخرج الكلام على عادتهم.
وثانيها: أنه جرت العادة فيمن أنفق ماله
في وجوه مراداته خيرًا كانت أو شرًا أنه
يقال: إنه أكل ماله.
وثالثها: أن الأكل هو المعظم فيما يبتغي
من التصرفات (٢).
الوجه الثاني: أن ذكر البطون ورد مورد
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ يِأَفْوَهِهِم مَّا لَيْسَ فِى
قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧].
والقول لا یکون إلا بالفهم، وقال:
﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ أَلَّى فِ الصُّدُورِ﴾ [الحج:
٤٦].
والقلب لا يكون إلا في الصدر، وقال:
﴿وَلَا طَبِرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]؟
والطيران لا يكون إلا بالجناح، والغرض من
كل ذلك التأكيد والمبالغة (٣).
ثالثًا: النهي عن أكل أموال الناس
بالباطل.
ورد النهي عن أكل أموال الناس بالباطل
في مواطن عدة، منها قوله تعالى:
﴿ وَلَا
تَأْكُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِلْبَطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى
اُْكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَلِ النَّاسِ
بِلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقوله جل شأنه: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٩/ ١٦٣.
(٣) المصدر السابق.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الألف
إِلَّ أَنْ تَكُونَ تَجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنَكُمْ وَلَا والهلاك، وكذلك الكافر(١).
نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا )﴾
[النساء: ٢٩].
﴿وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَّكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ وَتُدْلُواْ
بِهَا إِلَى الْمُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِنْ أَمْوَلِ
النَّاسِ بِآلْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقد سبق ذكر ذلك في مبحث الاستعمال
القرآني للأكل.
رابعًا: ذم حياة الكفار وتشبيه أكلهم بأكل
الأنعام.
ذم الله سبحانه وتعالى حياة الكفار
وشبهها بحياة الأنعام، بجامع أن کلیهما لا
يشغله إلا الطعام والشراب فقال جل شأنه:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ
جَنَّاتٍ تَجْرِى مِنْ تَمْهَا الْأَنْهَرِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ
وَبَأْكُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ وَالنَّارُ مَنْوَىِ لَّمْ )﴾
[محمد: ١٢].
والمعنى كما ذكره بعض المفسرين
یحتمل ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن الأنعام یهمها الأکل لا
غير والكافر كذلك، والمؤمن يأكل ليعمل
صالحًا ويقوى عليه.
الوجه الثاني: أن الأنعام لا تستدل
بالمأكول على خالقها والكافر كذلك.
الوجه الثالث: أن الأنعام تعلف لتسمن
وهي غافلة عن الأمر، لا تعلم أنها كلما
كانت أسمن كانت أقرب إلى الذبح
وقيل: إن المراد بالآية أن الأنعام تأكل
وتشرب ولا تدري ما في الغد، وكذلك
حال الكفار، لا يلتفتون إلى الآخرة والمثوى
والمنزل (٢).
ويؤيد هذا التشبيه ما أكدته آية أخرى
من تشبيه الكفار بالأنعام بل وصفهم
بأنهم أسوأ من الأنعام، وذلك في قول الله
تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ
اَلْجِنّ وَالْإِنسِّ لَمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنٌ
لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَانَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَاْ أُوْلَكَ
كَالْأَنْغَرِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ
[الأعراف: ١٧٩].
١٧٩
وقوله جل شأنه: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ
يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَّ إِنْ هُمْ إِلََّكَالْأَنْعَمِّ بَلْ هُمْ
أَصَلُّ سَبِيلًا ﴾ [الفرقان: ٤٤].
خامسًا: تعدد أصناف النبات لتكون
طعامًا للإنسان.
ذكر القرآن الكريم طائفة من النعم التي
بثها الله تعالى في الأرض من أصناف النبات
والزروع، مما يتخذ قوتًا للإنسان من الخضر
والفاكهة، وقوتًا للحيوان أخضر ويابسًا(٣).
قال تعالى: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ
مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيَهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَآءِ
مَآءُ فَأَخْرَحْنَا بِ أَزْوَجًا مِّن نَّبَاتٍ شَقََّ كُواْ
(١) انظر: المصدر السابق ٣٣/٢٨.
(٢) زاد المسير، ابن الجوزي ٧/ ٤٠٠.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٩/٥.
٢٠٨
القرآن الكريم

الأكل
وَأَرْعَوْ أَنْعَمَكُمْ إِنَّ فِىِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِّأُوْلِى النُّهَىَ
[طه: ٥٣ - ٥٤].
وذكر الإمام الرازي أن ما في الأرض من
النبات المختلف ألوانه وأنواعه ومنافعه،
وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْج
بَهِيج﴾ [ق:٧]؛ فاختلاف ألوانها دلالة،
واختلاف طعومها دلالة، واختلاف روائحها
دلالة، فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم،
كما قال: ﴿كُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾ [طه٥٤].
أما مطعوم البشر، فمنها الطعام، ومنها
الإدام، ومنها الدواء، ومنها الفاكهة (١).
سادسًا: إباحة أكل الإنسان من بيوت
معينة لما فيه من القرابة بينه وبين صاحب
البيت.
أباح القرآن للإنسان أن یأکل من بيوت
أشخاص بعينهم؛ نظرًا لما بينه وبينهم من
القرابة والمودة، فقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَ
اْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَ عَلَى
الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ
بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْ بُتِ
أُمَّهَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
أَخَوَتَكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
عَنَّتِكُمْ أَوْ بُتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
خَلَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُ:
أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْبَ عَلَيْكُمْ جُنَاعُ أَنْ
تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاناً﴾ [النور: ٦١].
(١) انظر: مفاتيح الغيب، ١/ ٢٦٠.
وحكى الطبري عن الزهري عن عبيد
الله بن عبد الله أن أظهر معاني الآية أنه لا
حرج على هؤلاء الذين سموا في هذه الآية
أن یأکلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على
ما أباح لهم من الأكل منها (٢).
وقد روي في سبب نزول الآية أقوال
أشهرها قولان:
القول الاول: أن الآية نزلت في بني بكر
من كنانة، وكان لا يأكل أحد منهم وحده
حتى يجد ضيفًا يأكل معه، وإذا لم يجد
وأجهده الجوع نصب خشبة ولف عليها
ثوبًا وأكل عندها؛ ليظن الناس أنه إنسان
یأکل معه، وروي أن واحدًا منهم نزل بلقاحه
واديًا، فجاع فحلب لقحة منها، ونادى في
الوادي: من كان ها هنا فليحضر ليأكل،
وکان في الوادي رجل فاختفى ولم یجب،
وأجهده الجوع، فجلس يأكل وحده، فخرج
الرجل، وقال له: يا رضيع، أتأكل وحدك؟
فأخذ الرجل سيفه وعدی علیه وقتله مخافة
أن ينشر في الناس ذلك الفعل منه، فأنزل
الله تعالى هذه الآية، وأباح للقوم أن يأكلوا
منفردين وجماعة (٣).
القول الثاني: أن سبب النزول أن
الأنصار كان يتحرجون من الأكل مع هؤلاء
إذا دعوا إلى طعام، ويقولون: الأعمى لا
(٢) انظر: جامع البيان، ٢٢٢/١٩.
(٣) انظر: أسباب النزول، الواحدي ص٢٤٨،
تفسير القرآن، السمعاني ٥٥٣/٣.
www. modoee.com
٢٠٩

حرف الألف
يبصر أطيب الطعام، والأعرج لا يقدر على
الزحام عند الطعام، والمريض يضغف عن
مشاركة الصحيح في الطعام، فكانوا يعزلون
طعامهم، ويرون أنه أفضل من مشاركتهم(١).
سابعًا: بيان آداب الأكل في بيت النبي
عليه الصلاة والسلام.
النبي صلى الله عليه وسلم أولى الناس
بالمؤمنین، رءوف رحيم بهم، آخذ بحجز
أمته عن النار، ناصح لهم الحريص عليهم،
وزوجاته الطاهرات الطيبات هن أمهات
المؤمنين، بنص القرآن الكريم، فيحرم على
الأمة إيذاء النبي عليه السلام أو إيذاء أهل
بیته بقول أو فعل.
قال تعالى: ﴿النَِّىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ
أَنْفُسِهِمٌ وَأَزْوَجُرَأَمَّهَنَّهُمْ﴾﴾ [الأحزاب: ٦].
وقال جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ
تُؤْذُواْ رَسُولَ اللَّهِ وَلَّ أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ.
مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدًاْ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا
[الأحزاب: ٥٣].
٥٣
وقد أباح الله تعالى للمؤمنين دخول
بيوت النبي عليه الصلاة والسلام بالاستئذان،
وأباح لهم أكل الطعام في بيت النبي عليه
السلام إذا دعوا إلى الطعام، ولكن ﴿غير
نَظِرِينَ إِنَنْهُ﴾.
فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى
(١) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٢٢/٤.
طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِذَنَّهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُواْ
فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَعْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ
ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحِيء مِنكُمٌّ
وَاَللَّهُ لَا يَسْتَحِىءٌ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣].
وفي معنى قول الله تعالى: ﴿غَيْرَ نَظِرِينَ
إِنَّنَهُ﴾ أقوال السلف والمفسرين.
فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
المقصود غير ناظرين للطعام أن يصنع (٢).
وروي عن مجاهد وقتادة أن المقصود
غير متحينين لنضج الطعام واستوائه(٣).
وقيل: إن المقصود - كما ذكره الطبري-
غير منتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدر
من قولهم: قد أنی هذا الشيء يأتي إنی وأنيا
وإناء.
قال الشاعر (٤):
و آنیت العشاء إلی سهيل
أو الشعرى فطال بي الأناء
والمعروف أن سبب نزول الآية كما في
الصحيحين أن أنس بن مالك قال: (أنا أعلم
الناس بهذه الآية آية الحجاب، لما أهديت
زینب إلی رسول الله صلی الله عليه وسلم
كانت معه في البيت، صنع طعامًا، ودعا
(٢) جامع البيان، الطبري ٢٠/ ٣٠٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٠٦/٢٠، معاني
القرآن، النحاس ٣٧١/٥.
(٤) جامع البيان، الطبري ٣٠٥/٢٠.
والبيت للحطيئة.
انظر: رسالة الملائكة، المعري ص٢٤٢.
٢١٠
مَوَسُ رُ النَقِيقِ الوضوء
القرآن الكريم

الأكل
القوم، فقعدوا يتحدثون، فجعل النبي صلى
الله عليه وسلم يخرج، ثم يرجع، وهم قعودٌ
يتحدثون، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ
لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَّنَهُ﴾ إلى قوله:
﴿مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ فضرب الحجاب، وقام
القوم)(١).
٢. أكل الجن.
الجن صنف من خلق الله عز وجل خلقوا
من النار، ولهم مواصفات خاصة معروفة
في الكتاب العزيز والسنة النبوية، وطبيعتهم
تختلف عن طبيعة البشر والملائكة، وقد
ورد ذكر جنس الجن في القرآن الكريم في
بضعة وعشرين موضعًا، وورد ذكر الشيطان
في حوالي ثمانية وسبعين موضعًا.
وقد اختلف العلماء في طعام الجن،
أي: هل يأكلون أم لا يأكلون، وحاصل
هذا الخلاف ثلاثة أقوال كما ذكرها بعض
العلماء:
القول الأول: أن جميع الجن يأكلون
ويشربون، وأن طعامهم العظم وروث
الحيوانات ونحو ذلك(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب (لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن
لكم)، رقم ٤٧٩٢، ومسلم في صحيحه،
كتاب النكاح، باب زواج زينب بنت جحش
ونزول الحجاب، رقم ٣٥٧٨.
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ /٣٩٧، مفاتيح
وأصحاب هذا القول انقسموا في طبيعة
أكل الجن إلى فريقين:
الفريق الأول: يرى أن أكلهم وشربهم
مضغ وبلع، وهذا القول هو الذي تشهد له
الأحاديث الصحيحة والعمومات الصريحة.
وهذه أبرز الأدلة من السنة على أكل
الجن، وعلى أن أكلهم مضغ وبلع:
١. ما رواه مسلم عن عامرٍ قال: سألت
علقمة هل كان ابن مسعودٍ شهد مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال
فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعودٍ فقلت:
هل شهد أحدٌ منكم مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم ليلة الجن؟ قال: لا، ولكنا
کنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات
ليلةٍ ففقدناه فالتمسناه فى الأودية والشعاب
فقلنا: استطير أو اغتيل. قال: فبتنا بشر ليلةٍ
بات بها قومٌ. فلما أصبحنا إذا هو جاءٍ من
قبل حراء. قال: فقلنا: يا رسول الله، فقدناك
فطلبناك فلم نجدك، فبتنا بشر ليلةٍ بات بها
قومٌّ. فقال: ((أتاني داعي الجن فذهبت معه
فقرأت عليهم القرآن)). قال: فانطلق بنا
فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم، وسألوه الزاد
فقال: «لکم کل عظم ذکر اسم الله علیه یقع
فى أيديكم أوفر ما يُكون لحمًا، وكل بعرةٍ
علفٌ لدوابکم)). فقال رسول الله صلى الله
الغيب، الرازي ٢٨/١، الجامع لأحكام
القرآن، القرطبي ٦/١٩.
www. modoee.com
٢١١

حرف الألف
عليه وسلم: ((فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام الطعام، وأن طعامهم العظم والروث ونحوه
مما ذكر في الحدیث.
إخوانكم)) (١).
٢. ما رواه البخاري بسنده عن أبي
هريرة رضي الله عنه: (أنه كان يحمل مع
النبي صلى الله عليه وسلم إداوةً لوضوئه
وحاجته، فبينما هو يتبعه بها فقال: ((من
هذا)). فقال: أنا أبو هريرة. فقال: ((ابغنى
أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظم ولا
بروثةٍ)). فأتيته بأحجارٍ أحملها فى طّرف
ثوپي حتی وضعت إلى جنبه ثم انصرفت،
حتى إذا فرغ مشيت، فقلت: ما بال العظم
والروثة؟ قال: ((هما من طعام الجن، وإنه
أتاني وفد جن نصیبین ونعم الجن، فسألوني
الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظمٍ ولا
بروثةٍ إلا وجدوا عليها طعامًا)))(٢).
وليلة الجن هي ليلة نصيبين الشهيرة التي
نزل بشأنها قول الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَقْنَا إِلَيْكَ
نَفَرََّ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ
قَالُوَاْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِم ◌ُنذِرِينَ
(٢) قَالُوا يَقَوْمَنَآ إِنَّا سَمِعْنَا كِتَبَا أُنزِلَ مِنْ
بَعْدٍ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِىّ إِلَى الْحَقِّ
وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [الأحقاف: ٢٩ -٣٠].
فدل الحديثان على أن الجن يأكلون
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة،
باب الجهر بالقراءة في الصبح والقراءة على
الجن، رقم ١٠٣٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الأنصار، باب ذكر الجن، رقم ٣٨٦٠.
٣. ما رواه أبو داود عن أمية بن مخشي
-وكان من أصحاب رسول الله صلى الله
علیه وسلم- قال: (کان رسول الله صلى
الله عليه وسلم جالسًا ورجلٌ يأكل فلم يسم
حتى لم يبق من طعامه إلا لقمةٌ فلما رفعها
إلی فيه قال: بسم الله أوله وآخره فضحك
النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ((ما زال
الشيطان يأكل معه فلما ذكر اسم الله عز
وجل استقاء ما في بطنه)))(٣).
والحديث دليل على أن أكل الجن إنما
هو مضغ وبلع مثل الإنس.
الفريق الثاني: يرى أن أكلهم وشربهم
تشمم واسترواح لا مضغ وبلع (٤).
القول الثاني: أن صنفًا منهم يأكلون
ويشربون، وصنفًا لا يأكلون ولا يشربون(٥).
ويشهد لهذا القول أثر مروي عن وهب،
فقد أخرج الطبري عن عبد الصمد بن معقل.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة باب
التسمية على الطعام، رقم ٣٧٧٠، وأخرجه
الطبراني في الكبير، ٢٩٢/١، رقم ٨٥٥،
والحاكم في المستدرك، ١٢١/٤، رقم
٧٠٨٩.
وصححه الحاكم، وضعفه الألباني في إرواء
الغليل، ٢٦/٧، لأن في إسناده راويًّا مجهولًا.
(٤) آكام المرجان في أحكام الجان، الشبيلي
ص٣٣.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٠٠/١٧،
المحرر الوجيز، ابن عطية ٣٥٦/٣.
٢١٢
القرآن الكريم

الأكل
قال: سمعت وهب بن منبه، وسئل عن
الجن ما هم، وهل یأکلون أو يشربون، أو
يموتون، أو یتناکحون؟ قال: هم أجناس،
فأما خالص الجن فهم ريح لا يأكلون ولا
یشربون ولا یموتون ولا یتوالدون، ومنهم
أجناس يأكلون ويشربون ويتناكحون
ويموتون، وهي هذه التي منها السعالي
والغول وأشباه ذلك (١)
القول الثالث: أن جمیع الجن لا يأكلون
ولا يشربون، وهذا قول محکي عن بعض
الأطباء والفلاسفة، وقد وصفه بعض
العلماء بأنه قول ساقط(٢).
٣. أكل الحيوانات.
لم يرد في القرآن الكريم ذكر أكل
الحيوانات كثيرًا، إلا في مواضع قليلة على
الرغم من ورود ذكر حيوانات متعددة في
القرآن الكريم، وبيان ذلك على النحو التالي:
أولًا: الوحي إلى النحل بالأكل من كل
الثمرات.
من نعم الله تعالى وإعجازه في خلق
النحل أنه أوحى إليه باتخاذ مساكنه من
الجبال والشجر ومما صنعه الناس من
عرائش، وأباح له جل شأنه أن یأکل من کل
الثمرات التي خلقها الله عز وجل، لينتج
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ١٠٠.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٦/١٩.
شراب العسل الذي هو غذاء ودواء، فقال
جل شأنه: ﴿ وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ أَّخِذِى مِنَ
الْبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ
٦٨
مِن كُلِّ الثَّمَرَتِ فَاسْلُكِ سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ
مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَنُهُ فِيهِ شِفَآءُ
لِلنَّاسِنَّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَةً لِّقَوْمٍ يَنَفَكَّرُونَ ﴾
[النحل: ٦٨ - ٦٩].
ولفظة (من) في الآية حملها بعض
المفسرين على التبعيض، وحملها بعض
آخر على ابتداء الغاية (٣).
ولفظة (كل) في الآية يرى أكثر المفسرين
على أنها ليست للعموم، وقيل: المقصود
إباحة الأكل لها من أي ثمرة تشتهيها (٤).
قال الرازي: ((لفظة (من) ههنا للتبعيض
أو لابتداء الغاية ... ألهم الله تعالى هذا
النحل حتى أنها تلتقط تلك الذرات من
الأزهار وأوراق الأشجار بأفواهها وتأكلها
وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت بأفواهها
مرة أخرى شيئًا من تلك الأجزاء وذهبت بها
إلى بيوتها ووضعتها هناك؛ لأنها تحاول أن
تدخر لنفسها غذاءها، فإذا اجتمع في بيوتها
من تلك الأجزاء الطلبة شيء كثير فذاك هو
العسل، ومن الناس من يقول: إن النحل
تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق المعطرة
(٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٠٨/٣،
مفاتيح الغيب، الرازي ٢٣٨/٢٠.
(٤) انظر: الكشف والبيان، النيسابوري ٢٨/٦،
البحر المحيط، أبو حيان ٥/ ٤٩٦.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الألف
داخل بدنها عسلًا، ثم إنها تقيء مرة أخرى
فذاك هو العسل، والقول الأول أقرب إلى
العقل وأشد مناسبة إلى الاستقراء))(١).
ثانيًا: من نعم إنبات الزرع والثمار أنها الأكل.
طعام للحيوان:
ذكر الله سبحانه وتعالى صورًا من النعم
التي أنعم بها على الإنسان والحيوان، منها
إنبات أصناف مختلفة من الزروع والثمار
لیأکل منها الإنسان، ویرعی أنعامه، فقال جل
شأنه: ﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ
لَكُمْ فِيهَا سُبُّلًا وَأَنَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْرَحْنَا بِهِ
كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ
٥٣
أَزْوَجًا مِن نَّبَاتٍ شَقَّ
إِنَّ فِى ذَلِكَ لََّيَتِ لِّأُوْلِ النُّعَى كُلَّهَا﴾ [طه:٥٣-
٥٤].
وقد سبق ذكر جامع الشبه بين الكفار
وبين الأنعام في الحياة المجردة عن
الأهداف والغايات، والتي هي فقط مجرد
حياة أكل وشرب.
وقد ذكر الإمام الرازي رحمه الله طرفًا
من فوائد الأرض ما فيها من النبات المختلف
ألوانه وأنواعه ومنافعه، وإليه الإشارة بقوله:
﴿وَأَنْبَتْنَا فِيَهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧].
فاختلاف ألوانها دلالة، واختلاف
طعومها دلالة، واختلاف روائحها دلالة؛
فمنها قوت البشر، ومنها قوت البهائم، كما
قال: ﴿كُلُواْ وَأَرْعَوْاْ أَنْعَمَكُمْ﴾(٢).
وأکل الحیوان للنبات قد یکون جافًا وقد
يكون أخضر، وقد أشار ابن كثير رحمه الله
(١) مفاتيح الغيب ٢٣٨/٢٠.
(٢) المصدر السابق ٣١٩/٣.
(٣) تفسير القرآن العظيم ٢٩٩/٥.
٢١٤
مَسُو
القرآن الكريم
أشياء، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في إلى ذلك بقوله: ﴿أَزْوَجَا مِّن نَّبَاتٍ شَقَّ﴾ أي:
شيء لطعامكم وفاكهتكم، وشيء الأنعامكم
لأقواتها خضرًا ويابسًا(٣).
ثالثًا: تشبيه حياة الكفار بحياة الأنعام في
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعِلُواْ الصَّالِحَتِ جَنَّاتٍ تَجْرِ مِن ◌َّمْنِهَا الْأَنْهَزْ
وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يَتَمَنَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَمُ
وَالنَّارُ مَثْوَّى لَُّمْ﴾ [محمد: ١٢].