Indexed OCR Text

Pages 21-32

الإكراه
خَبَالًا وَلَأَ وْضَعُواْ خِلَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِيْنَةَ
وَفِيَكُمْ سَمَّعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالَّلِينَ﴾
[التوبة: ٤٧].
((فالقلوب الحائرة تبث الخور والضعف
في الصفوف، والنفوس الخائنة خطر على
الجيوش؛ ولو خرج أولئك المنافقون ما
زادوا المسلمين قوة بخروجهم بل لزادوهم
اضطرابًا وفوضى، ولأسرعوا بينهم بالوقيعة
والفتنة والتفرقة والتخذيل، وفي المسلمين
من يسمع لهم في ذلك الحين)»(١).
وهذا يبين ويوضح حجم تلك الفتنة في
دين الله عز وجل من قبل هؤلاء المنافقين،
الذين ينصبون أنفسهم دعاة للحق والفضيلة
وهم في كينونتهم يمارسون التضليل
الممنهج، والفساد الكبير في إفسادهم
للمجتمع المسلم، ولهذا حذرنا القرآن
الكريم في مواطن شتى من المنافقين وبين
لنا صفاتهم في القرآن الكريم، وحذر من
اتباعهم، وبين عاقبتهم يوم القيامة.
الحالة الثانية: كراهة المنافقين أنفسهم
للحق أو نصر ته:
وهنا المشهد الثاني للمنافقين حيث
إن ذواتهم الخاوية من الإيمان، وطبائعهم
الغير سليمة، وقلوبهم المنحرفة، تجعلهم
يكرهون الحق وأهله، وحتى الحق -جل
وعلا - يكرهونه والعياذ بالله، يقول تعالى:
(١) المصدر السابق ٣٥/٤.
﴿لَقَدِ أَبْتَغَوْ اَلْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ
اَلْأُمُورَ حَقَّ جَآءَ اَلْحَقُّ وَهَرَ أَمْهُ اَللَّهِ وَهُمْ
كَرِهُونَ ﴾ [التوبة: ٤٨].
((لقد ابتغى هؤلاء المنافقون إيقاع
الشرور والمفاسد في صفوف المسلمين،
من قبل ما حدث منهم في غزوة تبوك، ومن
مظاهر ذلك أنهم ساءهم انتصاركم في غزوة
بدر، وامتنعوا عن مناصرتكم في غزوة أحد،
متبعین في ذلك زعیمهم عبد الله بن أبي بن
سلول، ثم واصلوا حربهم لكم سرًا وجهرًا
حتى كانت غزوة تبوك التي فضح الله فيها
أحوالهم»(٢).
وأكد ذلك قوله سبحانه وتعالى عن
فرحهم في التخلف عن نصرة الدين والحق،
وكراهتهم لبذل النفس والمال في سبيل
الله تعالى، واختلقوا أعذارًا وهمية لعدم
الخروج للجهاد.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿فَرِحَ
الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَفَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُواْ
أَنْ يُجَّهِدُواْ بِأَمْوَالِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُواْ
لَا تَنْفِرُواْ فِى الْحَرُّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّحَرَّاً لَّوْكَانُواْ
يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: ٨١].
ولذلك فقد بین الله سبحانه وتعالی بأن
المنافقين لو أنفقوا بالرضا أو الإكراه، لن
تقبل منهم لعلم الله المسبق بحقيقتهم، فقال
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ١٦٠،
التفسير الوسيط، طنطاوي ١/ ١٩٦٩.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الألف
تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّنْ يُنَقَبَّلَ
مِنْكُمْ إِنَّكُمْ ككُنتُمْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [التوبة:
٥٣].
ثانيًا: طلب الرياسة أو الإكراه عليها:
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن
طلب الإمارة والرياسة للنفس، لما لها من
تبعات ومساءلات في الدنيا والآخرة، فعبد
الرحمن بن سمرة قال: قال لي النبي صلى
الله عليه وسلم: (يا عبد الرحمن بن سمرة
لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها عن مسألة
وكلت إليها، وإن أوتيتها من غير مسألة
أُعِنْت عليها)(١).
وعن أبي ذر قال: قلت يا رسول الله: ألا
تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي،
ثم قال: (يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانة،
وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها
بحقها، وأدى الذي علیه فيها)(٢).
وطلب الرئاسة والإمارة مما يختلف
حكمه، بحسب نية صاحبه وغايته، فقد
يحمد وقد يذم، والله يعلم المفسد من
المصلح، وهذا لا يعني أن يزهد المصلحون
في الرياسة والسياسة ويتركوها للمفسدين،
ولقد بين ذلك ربنا سبحانه وتعالى في السياق
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأيمان
والنذور، باب من سأل الإمارة، ٢٦١٣/٦،
رقم ٦٦٢٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب كراهة الإمارة، ١٤٥٧/٣، رقم ١٨٢٥.
القرآني في قصة سيدنا يوسف عليه السلام،
حينما طلب سيدنا يوسف عليه السلام من
ملك مصر أن يوليه وزارة الاقتصاد، لما علم
في نفسه الأمانة والدراية.
يقول تعالى: ﴿قَالَ أَجْعَلْنِى عَلَى خَزَآپنِ
الْأَرْضِّ إِ حَفِيظُ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٥٥].
١. الإكراه على الرياسة من قبل
المفوض.
لربما تتحقق في مسلم ضوابط
ومواصفات تؤهله لتولي رياسة أمر من
أمور المسلمين في أي موقع كان، ويكره
عليها من قبل أولي الأمر أو أهل الشورى
والحل والعقد، وهذا المسلم الذي يمتلك
شروط الكفاءة التي تؤهله لخدمة المسلمين
في موقع رياسته واجبٌ عليه خدمة الناس؛
لأن تولية أهل الصلاح والاختصاص لأمور
المسلمين فيه صلاح الدين والدنيا، وهذا
مما تراعيه الشريعة الغراء.
يقول تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَّذِى جَعَلَكُمْ
خَلَيْفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ
لِيَبْلُوَكُمْ فِى مَآ ءَاتَنَكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ
وَإِنَُّ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٦٥].
فالله سبحانه وتعالى وحتى يتحقق
التوازن والتكامل في الحياة جعل بين الناس
اختلاف تنوع، فمن یجید شيئًا لا تجده عند
آخر، وهكذا دورة الحياة تكتمل، يقول
الإمام السعدي في تفسيره للآية الكريمة:
مُوسُوْ بَةُ النَِّ
القرآن الكريم
١٦٤

الإكراه
(يخلف بعضكم بعضًا، واستخلفكم الله أنهم قالوا: ﴿إِنََّءَ امَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَنَا وَمَاً
أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السّحْرِّ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه:
٧٣].
في الأرض، وسخر لكم جميع ما فيها،
وابتلاكم، لينظر كيف تعملون»(١).
فالإنسان خليفة الله في الأرض لعمارتها
و تعبید الإنسان لله تعالى، والمسلم المصلح
أحق الناس بهذه الرياسة والخلافة، وأن
یکره أهل الصلاح والاختصاص على رياسة
أمور المسلمين، فهذا مما فيه الخير للجميع.
٢. إكراه الناس للاستيلاء الدائم
على الرياسة والإمارة.
حذر النبي صلى الله عليه وسلم أيما
تحذير من طلب الإمارة والرياسة لهوى في
النفس أو غرض شخصي، وأنذر من عواقبها
الوخيمة، وبين أنها خزي وندامة في الدنيا
والآخرة، وهذا لمن طلبها لنفسه أو صدر
نفسه لهذا الأمر، فكيف بمن أكره الناس
وأجبرهم على تولي مقاليد أمورهم وهم
له كارهون، وأکره الناس على انتخابه، أو
الرضا به في موقع الرياسة والإمارة، أو حتى
طلب تفويض منهم، وجاء بقوة السلاح
والنار.
ولقد بين القرآن الكريم هذا الأمر في
حالتين:
الحالة الأولى: الظاهرة الفرعونية في
إكراه الناس للحفاظ على الرياسة.
أخبر الله عز وجل عن سحرة فرعون
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٢٨٢.
يقول الإمام الألوسي في تفسيره للآية
الكريمة: ((أي: ويغفر لنا السحر الذي
تعملناه في معارضة موسى عليه السلام،
بإكراهك وحشرك إيانا من المدائن القاصية
خصُوه بالذكر مع اندراجه في خطاياهم
إظهارًا لغاية نفر تهم عنه ورغبتهم في مغفرته،
وذکر الإكراه للإيذان بأنه مما يجب أن يفرد
بالاستغفار مع صدوره عنهم بالإكراه، وفيه
نوع اعتذار لاستجلاب المغفرة، وقيل: إن
رؤساءهم كانوا اثنين وسبعين، اثنان منهم
من القبط والباقي من بني إسرائيل وكان
فرعون أكرههم على تعلم السحر))(٢).
فهذا فرعون لما أراد ان يحافظ على
سلطانه وعلى طغيانه، أكره أصحاب
الاختصاص من السحرة؛ لتعلم ما يسحر
أعين الناس ويبطل سحر موسى عليه السلام
على حد زعمه، ولكن الله سبحانه وتعالى
أبطل كيده، وكان قد هلك فرعون الأصل،
إلا أن هذه الظاهرة الفرعونية موجودة في
كل عصر وحين، حيث يستخدم الطغاة كل
وسائل الإكراه المادي والمعنوي، الترغيبي
والترهيبي؛ لإقناع الناس بسحرهم، إلا أن
الله سبحانه وتعالى سيبطله.
(٢) روح المعاني ١٢/ ٢٢١.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الألف
الحالة الثانية: استكبار أشراف قوم سيدنا من أرضهم، وصدق سبحانه وتعالى
حينما قال حكاية عن قوم سيدنا لوط عليه
السلام: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّ أَنْ
قَالُواْ أَخْرِجُواْ ءَالَ لُوطٍ مِّن قَرْبَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسُُّ
يَنَطَهَّرُونَ ﴾ [النمل: ٥٦].
شعيب عليه السلام على الدعوة وإكراههم
له.
يقول تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ
مِن قَوْمِ لَتُخْرِجَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن
قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَتِنَا قَالَ أَوَلَوْكُنَا كَثِمِينَ﴾
[الأعراف: ٨٨].
يقول الشيخ سيد طنطاوي في تفسيره
لهذه الآية: ((قال الأشراف المستكبرون
من قوم شعيب له ردًا على مواعظه لهم:
والله لنخرجنك يا شعيب أنت والذين
آمنوا معك من قريتنا بغضًا لكم، ودفعًا
لفتنتكم المترتبة على مساكنتنا ومجاورتنا،
أو لتعودن وترجعن إلی ملتنا وما نؤمن به
من تقاليد ورثناها عن آبائنا ومن المستحيل
علينا تركها، فعليك يا شعيب أنت ومن
معك أن تختاروا لأنفسكم أحد أمرين:
الإخراج من قريتنا أو العودة إلى ملتنا، هكذا
قال المترفون المغرورون لشعيب وأتباعه
باستعلاء وغلظة وغضب))(١).
وهذا ديدن المستكبرين المجرمين في
الأرض ينهبون ثروات الناس، ويسلبون
حقوقهم المعنوية والمادية، فيصادرون
الحريات ويكممون الأفواه، وإذا بعث الله
تعالى مخلصًا مصلحًا ليصلح البلاد والعباد،
تنادوا فيما بينهم ليحاربوه أو يخرجوه
فيعتمدون سياسة القهر والاستبداد
لكل من يتطهر ويتبنى فكرًا مخالفًا لفكرهم
المادي الدنيوي، ولكل من يريد أن يوقظ
ضمير الناس، ويستنهض همتهم للدين،
يبعدونه ويخرجونه ويسجنونه، آملين ألا
یسمح له صوتًا، ولا یری له تابع، وهذا كله
إكراه للناس والمصلحين؛ ليحافظوا على
سلطانهم ورياستهم، التي سرعان ما ستزول
منهم حالما يكتشف الناس حقيقتهم وما
سلبوه من شعوبهم، وما تسببوا به من آلام
لهذه الامة.
ثالثًا: طلب المال:
قد بين الله تعالى أن المال قوام الحياة،
وأن معايش الناس، وقيامهم بالمال، فقال
تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُواْ السُّفَهَآَ أَمْوَلَكُمْ أَلَِّ جَعَلَ
اللّهُ لَكُمْقِيَهًا وَأَزْزُقُوهُمْ فِيَهَا وَأَكْسُوهُمْ وَقُولُوْ لَرْ قَوْلًا
[ النساء: ٥].
ولقد حذر الإسلام من مغبة الانجرار
وراء زخرف المال، وأن يصبح هدفًا في
حياة الإنسان، وحدد طرق مشروعة لجلب
المال والرزق، وبين كيفيات صرف هذه
(١) التفسير الوسيط ١٦٤٨/١.
مَوَسُورُ النَّقِين
القرآن الكريم
١٦٦

الإكراه
الأموال بما يجعله ذخرًا للمرء في الدنيا أن المال ما هو إلا وسيلة في الدنيا لا ترتقي
والآخرة، ونهى سبحانه وتعالى عن طلب
المال من طرق غير مشروعة.
لأن تصبح غایةً وهدفًا، ولذلك خص ربنا
سبحانه وتعالى المال في الآخرة بسؤالين
من أين اكتسب؟ وفيم أنفق؟
فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ
لَا يَجِدُونَ فِكَامًاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَالَّذِينَ
يَنَغُونَ الْكِتَبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ فَكَاِبُهُمْ
إِنْ عَلِّمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَءَاتُّوهُم ◌ِن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىّ
ءَاتَمُكُمْ وَلَا تُكْرِهُواْ فَنَتِكُمْ عَلَى الْبِغَآِ إِنْ أَرَدْنَ
تَحْصُّنَّا لِبَنَغُواْ عَرَضَ أَلْخَيَّةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ
اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [النور:
٣٣].
فعن أبي برزة الاسلمي قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزول قدما
عبد يوم القيامة حتى يسئل عن عمره فيم
أفناه؟ وعن علمه فيم فعل؟ وعن ماله من
أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم
أبلاه؟)(٢).
وبهذا يكون الشرع قد بين للناس وظيفة
(لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنا المال في الدنيا، وأهمية أن يكون هذا المال
عرض الحياة الدنيا، وذلك ما تعرض لهم طيبًا حلالًا، لصلاح الدين والدنيا للناس.
إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها))(١)،
لقد كان من فعل الجاهلية وصدر الإسلام
أن يسترزق بأبضاع الإيماء والجواري،
فيطلب المال بالبغاء والزنا والعياذ بالله،
وهذه طريق غير مشروع في كسب المال
نھی ربنا سبحانه وتعالى عنه، فکان یطلب
المال بالإكراه منهن وهذا مما لا شك ينفي
عنهن الاختيار في ذلك.
فعقب سبحانه وتعالى على ذلك بقوله:
﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ
رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
لقد حدد الإسلام الحنيف ضوابط
للمال جلبه وصرفه، وبين القرآن الكريم
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ١٤٧.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب صفة القيامة،
باب في القيامة، ٤ /٦١٢، رقم ٢٤١٧.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
١٢٢٠/٢، رقم ٧٢٩٩.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الألف
الإكراه القدري
الإكراه الذي قدره الله تعالى في علمه،
وقضاه في حكمه، ومن ذلك إكراه الخلق
على الشدائد من العبادات وغيرها، والإكراه
بالانقياد له جل جلاله . سنتناوله من خلال
النقاط التالية:
أولًا: الإكراه على الشدائد:
إن الخلق جميعًا سواء أكانوا في
السماوات السبع، أم في الأرضين السبع
مأمورون أن يستسلموا لربهم طوعًا وکرهًا.
قال تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ
وَلَهُ: أَسْلَمَ مَن فِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوَعًا
وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ [آل عمران:
٨٣].
تبين هذه الآية الكريمة على وجه الإنكار
والتهديد عطفًا على ما دل عليه السياق من
خلال تساؤلٍ، وهو قوله: أتولى هؤلاء
الفاسقون، فتسبب عن ذلك أنهم على غير
دين الله تعالى، مع أن الحال أن كل من
في السماوات والأرض من مخلوقات،
تخضع وتنقاد لربها، وتجري تحت مراده
وقضائه، ولا تقدر على مغالبة قدرته بوجهٍ
من الوجوه.
وكل هذا يكون طوعًا بالإيمان، أو بما
وافق أغراضهم، ويكون أيضًا كرهًا بالتسليم
لقهره في إسلامهم، وإن كثرت أعوانهم وعز
سلطانهم، وتأتي الفاصلة القرآنية؛ لتبين أن
کل هذه المخلوقات سوف ترجع إلى ربها
بالحشر، ومن ثم الانتقال إلى الثواب أو
العقاب (١)، ويجوز أن يكون الإكراه هنا
بمعنى كل ما فيه من مشقة، كمن أسلم مخافة
القتل، فيكون إسلامه استسلامًا منه(٢).
وقد تناولت آية أخرى نفس المقصد من
بيان أن جميع المخلوقات في السماوات
والأرض تسجد طوعًا وكرها، وظلالهم
بالغدو والآصال.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدٌ مَنْ فِىِ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهَا وَظِلَلُهُمْ بِلْغُدُوِّ وَالْأَصَالِ﴾
[الرعد: ١٥].
فإن المؤمن المخلص یسجد لله طائعًا،
وأما الكافر المنافق فيسجد لله كرها بقدر الله
تعالى؛ بل تسجد ظلال جميع المخلوقات
بدوران تلك الظلال، وهذا یکون أول النهار
وآخره(٣).
ثانيًا: الانقياد لله تعالى:
إن الله تعالى قد بين في كتابه العزيز أن
المخلوقات تأتي إلى ربها، وتنقاد لأمره،
طوعًا أو كرهًا، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَسْتَوَى إِلَى
السَّمَلِ وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوَعًا أَوْ
كَرْهَا قَالَتَا أَنْنَا طَآَيِعِينَ﴾[فصلت: ١١].
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي ٤ / ٤٧٢.
(٢) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٢٧٦/٢.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي ٢/ ٢٢٢.
١٦٨
مَوَسُوبَةُ النَّفيده
القرآن الكريمِ

الإكراه
وإن هذه الآية جاءت فى سياق الخطاب
القرآني للنبي صلی الله عليه وسلم حتى
يقول الكفار: أئنکم لتكفرون بالله تعالى،
الذي قدر وجود الأرض في یومین،
ذلك.
تخالف إرادتك (١).
وهذا تمثيل لسرعة الانقياد، وتصوير
لكون وجودهما كما هما عليه جاريًا
على مقتضى الحكمة البالغة، والإرادة
وتجعلون له الند والشريك، وهو منزه عن السامية (٢).
فالله تعالى أسماؤه رب العالمين، رب
كل من السماوات والأرضين، الذي جعل
فوق الأرض الجبال الرواسي الشامخات،
وبارك فيها، وبين كميتها وأقدارها، التي
تتناسب مع سكانها وأبنائها، وكل ذلك
حصل في أربعة أيام استوت استواءً بلا
نقصان ولا زيادة، يومان في خلق الأرض،
ويومان في جعل الرواسي، وتقدير
الأقوات، فتلك أربعة كاملة، ثم يومان
آخران السماوات السبع، فتلك ستة أیام،
كما نطقت الآيات.
وتبين هذه الآية التي هي شاهد الكلام
أن الله تعالى استوى إلى السماء وقصد
إليها بعد خلقها وخلق الأرض، وحال
السماء سعة الاستواء إليها من الله تعالى
كانت دخانًا بما لا يعلم كنهه وحقيقته إلا
الله تعالى، فقال عند ذلك رب العالمين
السماء والأرض: انقادا لأمري مختارتین أو
مجبرتین علی وجهٍ معین، وفي وقت مقدر،
فقالتا: أتينا مذعنين لك، ليس لنا إرادة
(١) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص ٤٧٧.
(٢) انظر: التفسير الواضح، الحجازي ٣٢٩/٣.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الألف
أثر الإكراه في الأحكام الشرعية
إن مصطلح الإكراه قد أخذ مساحةً لا
بأس بها في الأحكام الشرعية، التي وردت
في الخطاب القرآني، ومن ثم فإن الحديث
الآتي عن أثر ذلك المصطلح في هذه
الأحكام، من خلال دراسة أمثلة من هذه
الآثار، وذلك فيما يأتي:
أولًا: الأثر الشرعي المترتب على
الإكراه في الإيمان:
إن الإسلام دينٌ يحترم العقل، وینسجم
مع الفطرة السليمة؛ ولذلك فهو يرفض
المنهج الإكراهي والإجباري في اعتناقه،
وفي مسألة الإيمان والدين لا يعتبر الإكراه
لا شرعًا ولا عرفًا بأدلة واضحة من كتابه
سبحانه وتعالى، بل إن الله سبحانه وتعالى
استنكر على نبيه صلى الله عليه وسلم
إصراره على إكراه المصرين على الكفر
والعناد للدخول في الإيمان، فقال تعالى:
﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾
[يونس: ٩٩].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلا يصح
كفر المكره بغير حق، ولا إيمان المكره بغير
حق؛ کالذمي الموفي بذمته، كما قال تعالى
فيه: ﴿لَّ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِّ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ
اَلْغَيْ﴾ [البقرة: ٢٥٦].
بخلاف المكره بحق، كالمقاتلين من
أهل الحرب، حتى يسلموا إن كان قتالهم
إلى الإسلام، أو إعطاء الجزية، إن كان
القتال على أحدهما))(١).
وقال ابن قدامة: ((وإذا أكره على الإسلام
من لا يجوز إكراهه كالذمي والمستأمن،
فأسلم: لم يثبت له حكم الإسلام حتى يوجد
منه ما يدل على إسلامه طوع)»(٢).
وأختم هذه المسألة بما قاله الدكتور
محمد الغزالي: ((الإكراه على الفضيلة لا
يصنع الإنسان الفاضل، كما أن الإكراه
على الإيمان لا يصنع الإنسان المؤمن؟
فالحرية النفسية والعقلية أساس المسئولية،
والإسلام يقدر هذه الحقيقة ويحترمها، وهو
يبنى صرح الأخلاق))(٣).
ثانيًا: الأثر الشرعي المترتب على
الإكراه في البيوع:
إن شرط التراضي بين المتعاقدين في
البيوع يكتسب أهمية عظيمة، وعليه فقد
ذهب الشافعية والحنابلة والظاهرية (٤)،
إلى إبطال بيع المكره؛ لانعدام الرضا وهو
الشرط الأساسي لأي تصرف، واستدلوا
بذلك من القرآن الكريم بقوله تعالى:
(١) الاستقامة ٢ / ٣٢٠.
(٢) المغني ١٠ / ٩٦.
(٣) خلق المسلم ١/ ١٩.
(٤) انظر: المحلى، ابن حزم ٣٣١/٨، نهاية
المحتاج، الرملي ٣٨٧/٣، شرح منتهى
الإرادات، البهوتي ١٢٥/٣.
١٧٠
القرآن الكريم

الإكراه
﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ
أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَطِلِ إِلَّ أَنْ تَكُونَ
تَجَرَةً عَن تَرَاضِ مِّنكُمْ وَلَا نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء: ٢٩].
ومن السنة النبوية الشريفة قول النبي
صلى الله عليه وسلم: (إنما البيع عن
تراض)(١).
وهذا يكفينا ويعطينا دلالة واضحة على
أن الإكراه في البيوع غير جائز شرعًا وعرفًا،
ولا تنبني عليه أية أحكام في الدنيا والآخرة.
الإكراه في النكاح:
إن السحر والسحرة شديدو الخطر، وإذا
كان السحر جريمة وكبيرة يترتب عليها آثار
شرعية في الدنيا والآخرة تصل لحد خروج
مرتكب هذه الكبيرة من ملة الإسلام،
والسحر من أعظم الذنوب جرمًا وأشدها
حرمة، وقد ثنى به النبي صلى الله عليه
وسلم بعد الشرك بالله تعالى، فعن أبى هريرة
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(اجتنبوا السبع الموبقات). قيل يا رسول
الله وما هن قال: (الشرك بالله، والسحر،
(١) أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب الإجارات،
باب بيع الخيار، ٢/ ٧٣٧، رقم ٢١٨٥.
وصححه الألباني في إرواء الغليل، ١٢٥/٥،
رقم ١٢٨٣.
وجل قد يجعل في الکره خیرًا کثیرًا» (٢).
الحالة الثانية: أن يكره ولي الأمر المكره
على الزواج، وفي هذه الحالة ذهب جمهور
العلماء ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة
إلى أن الإكراه يؤثر في التصرفات الشرعية
التي لا تحتمل الفسخ كالنكاح، فإذا أجري
عقد النكاح تحت الإكراه فإنه يفسده؛ إذ
الرضا من العاقدين شرط صحة العقد، فإذا
فقد الرضا فقد فسد العقد(٣).
رابعًا: الآثار الشرعية المترتبة على
ثالثًا: الأثر الشرعي المترتب على الإكراه في ارتكاب كبيرة:
١. الأثر الشرعي المترتب على
أما بخصوص الأثر الشرعي المترتب المكره على كبيرة السحر.
على الإكراه في النكاح، ففیه حالتان:
الحالة الأولى: مثلما وردت في سياق
الآية الكريمة السابقة في سورة النساء،
من فعل الناس في العصر الجاهلي وصدر
عصر الإسلام، من التحفظ على الزوجة
المتوفى عنها زوجها، للزواج منها إذا كان
لديها ميراث أو كانت جميلة أو حجبها عن
الزواج، وهذا مما نھی القرآن الکریم عنه.
قال الشافعي رحمه الله: «فأباح عشرتهن
على الكراهية بالمعروف وأخبر أن الله عز
(٢) الأم ١١٧/٥.
(٣) انظر: مغني المحتاج، الشربيني ٢٨٩/٣،
المغني، ابن قدامة ٦/ ٤٧٣، الشرح الصغير،
الدردير ٢/ ٥٤٦.
www. modoee.com
١٧١

حرف الألف
وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الخاص لدفع ضرر عام، الضرر الأشد يزال
بالضرر الأخف.
مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف،
وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات)(١).
وقد حكم الله تعالى بأن الساحر ليس له
في الآخرة من نصيب فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ
عَلِّمُواْ لَمَنِ أَشْتَّرْنَهُ مَا لَهُ فِ الْآَخِرَةِ بِنْ
خَلَقِّ وَلَبِتْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ
كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
فإن القرآن الكريم والسنة النبوية قد بينا
خطورة مرتكب كبيرة السحر وأنه لا نصيب
له في الآخرة، فکیف بمن یکره الناس على
السحر؛ لصد الناس عن دينهم وسلخهم عن
عقيدتهم؛ فإن العقوبة ستكون بالتأكيد أشد
وأقسى.
٢. الأثر الشرعي المترتب على
المكره على كبيرة السحر.
إذا بلغ المكره على السحر الحد الذي
یعد فیہ مکرھًا بحیث إنه لو لم ينفذه السحر
لقتله المکره، فإنه في ذلك على حالتين:
الحالة الأولى: إذا كان السحر المكره
عليه يعود بالضر على أناس في تلبيس
دینھم علیهم، أو تفرقة زوجين، أو الإضرار
بمسلمین، فإنه لا يجوز للمكره فعل هذا
السحر مطلقًا ولو أدى لهلاكه، والقاعدة
الفقهية المعروفة تقول: يتحمل الضرر
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب بیان الكبائر وأكبرها، ٦٤/١، رقم ٢٧٢.
الحالة الثانية: إذا كان المكره عليه من
السحر يعود بالضر على نفس المكره، فإنه
يعمل بقاعدة: يختار أهون الشرين، والقاعدة
الفقهية: الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف.
ولا يجب أن نغفل أن الإكراه يسقط
التكليف عن المكره إذا بلغ معه الحد الذي
یعد فیه مکرھًا.
٣. الأثر الشرعي المترتب على ناتج
كبيرة السحر بالإكراه.
إذا وقع السحر على أحد من المسلمين
فإنه لا تثريب عليه ولا يؤاخذ، ولا تقع أفعاله
ولا يؤاخذ عليها كالطلاق ونحوه، ويجب
أن يسارع إلى علاج نفسه من خلال القرآن
الكريم والرقية الشرعية الصحيحة الثابتة
في الكتاب والسنة، بل إن المسلم الذي يقع
عليه السحر ويصبر ويحتسب له أجر كبير
عند ربه.
فعن عطاء بن أبي رباح قال: ((قال لي
ابن عباس رضي الله عنهما: ألا أريك امرأة
من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة
السوداء أتت النبي صلی الله عليه وسلم،
فقالت: إني أصرع وإني أتكشف فادع الله
لي. قال: (إن شئت صبرت ولك الجنة
وإن شئت دعوت الله أن يعافيك). فقالت:
أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا
١٧٢
جَوَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكريم

الإكراه
أتکشف؛ فدعا لها))(١).
خامسًا: الآثار الشرعية المترتبة على
الإكراه على ارتكاب كبيرة الزنا:
١. الأثر الشرعي المترتب على
المکره علی کبیرة الزنا.
يقول الشيخ سيد طنطاوي في تعقيبه
على الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّ اللَّهُ مِنْ بَعْدٍ إِكْرَهِهِنَّ
غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
((فمغفرة الله تعالى ورحمته إنما هي
للمكرهات على الزنا، لا للمكرهين لهن
على ذلك، وقال بعض العلماء: قوله تعالى:
﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
[النور: ٣٣].
قيل: غفور لهن: وقيل: غفور لهم. وقيل:
غفور لهن ولهم.
یؤاخذ بما یکره علیه، بل يغفره الله له، لعذره
بالإكراه. فالموعود بالمغفرة والرحمة، هو
المعذور بالإكراه دون المكره؛ لأنه غير
معذور بفعله القبيح»(٢).
٢. الأثر الشرعي المترتب على
المکره علی کبیرة الزنا.
بنص الآية الكريمة فإن من يكره إيماءه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب فيمن يصرع من الريح،
٢١٤٠/٥، رقم ٥٦٥٢.
(٢) انظر: الوسيط، سيد طنطاوي ٦/ ٣٠٨٠.
على كبيرة الزنا، ويبلغن الحد الذي يعتبر
معه الإنسان مكرهًا، فإنه بفضل من الله
ورحمته عليهن أن الله ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾،
يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ يُكْرِهِهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدٍ
إِكْرَهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣].
٣. الأثر الشرعي المترتب على ناتج
كبيرة الزنا بالإكراه.
أخرج الإمام الترمذي في سننه عن عمرو
بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (أيما رجل
عاهر بحرة أو أمة فالولد ولد زنا لا يرث ولا
يورث)(٣).
سادسًا: الآثار الشرعية المترتبة على
الكفر بعد الإيمان:
مما لا شك فيه أن أفعال المكلفين يترتب
والأظهر: أن المعنى لهن؛ لأن المكره لا عليها آثار سواءٌ في الدنيا أو في الآخرة، وفي
مسألة الإكراه على الكفر بعد الإيمان هل
يؤاخذ عليها الإنسان وينبني عليها أحكام
على المكره في الدنيا والآخرة؟ يجيب
الإمام العز بن عبد السلام بقوله: ((وأما
الكفر القولي والفعلي فيجوزان بالإكراه؛
لا لكونهما كفرًا؛ بل لتحصيل مصلحة
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الفرائض،
باب إبطال ميراث ولد الزنا٤ / ٤٢٨، رقم
٢١١٣، وابن ماجه في سننه، كتاب الفرائض،
باب في ادعاء الولد، ٩١٧/٢، رقم ٢٧٤٥.
وصححه الألباني في صحيح الجامع
٥٢٨/١، رقم ٢٧٢٠.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الألف
حفظ الحياة؛ فهو مفسدة جازت لتحصيل
مصلحة؛ ثم يجبر المکره ذلك بإيمانه فيما
بقي من زمانه؛ ويثاب على كراهته الكفر
بلسانه؛ لأنه مطيع بذلك، وكذلك يثاب على
كراهته؛ لترك جمیع الواجبات بالإكراه»(١).
١. الآثار المترتبة على الكفر
باللسان بعد الإيمان في الدنيا.
يقول جلا وعلا: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ
بَعْدٍ إِيمَنِهِ: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَيِنٌ
بِالْإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ
غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ
﴾ [النحل: ١٠٦].
قال الإمام الشافعي بعد ذكر هذه الآية:
((وللكفر أحكامٌ. يعني: إذا تلفظ بالكفر،
فللكفر أحكامٌ إذا كفر وهو مسلمٌ يحكم
بفراق الزوجة إن كانت مسلمة هذا يترتب
على الكفر، وأن يقتل الكافر لقوله صلى
الله عليه وسلم: (من بدل دينه فاقتلوه)(٢)،
ويغنم ماله، فلما وضع الله تعالى عنه ذلك
سقطت أحكام الإكراه عن القول كله. يعني:
لما تكلم بكلمة الكفر من جهة الإكراه
سقطت عنه الأحكام المترتبة على الكفر
وهو فراق الزوجة وقتله؛ لأنه كفر، وكذلك
غنم ماله))(٣).
٢. الآثار المترتبة على الكفر
باللسان بعد الإيمان في الدار الآخرة.
قياسًا على سقوط الأحكام المترتبة عن
الإكراه على الكفر في الدنيا، فإنه يسقط
في الآخرة فلا يعاقب الإنسان عليها، وفي
الجملة فإن الإكراه مسقطٌ للتكليف، بل
زاده العز بن عبد السلام بقوله: ((ويثاب
على كراهته الكفر بلسانه؛ لأنه مطيع بذلك،
وكذلك يثاب على كراهته لترك جميع
الواجبات بالإكراه)) (٤)
٠
موضوعات ذات صلة:
الاضطرار، الكره
(١) القواعد الكبرى ٢٦٩/٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد
والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، ٤/ ٦١،
رقم ٣٠١٧.
(٣) الأم ١١٧/٥.
(٤) القواعد الكبرى ٢٦٩/٢.
١٧٤
جوبير
القرآن الكريم