Indexed OCR Text

Pages 21-30

الأعراض
وفي موضع آخر قال الله تعالى عن أهل به من قصص الأولين، وذلك دليل على
الإعراض المذموم: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَنْ ذُكِّرَ صدقه، ونبوته؛ لأنه لم يعلم ذلك إلا بوحي
◌ِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾
[الكهف: ٥٧].
أي: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ بِتَايَتِ رَبِّهِ﴾
وهو القرآن العظيم ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ولم
يتدبرها ولم يتذكر بها وهذا السبك وإن
كان مدلوله الوضعي نفي الأظلمية من
غير تعرضٍ لنفي المساواة في الظلم، إلا
أن مفهومه العرفي أنه أظلم من كل ظالمٍ
وبناء الأظلمية على ما في حيز الصلة من
الإعراض عن القرآن للإشعار بأن ظلم من
يجادل فيه ويتخذه هزوًا خارجٌ عن الحد
﴿وَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: عمله من الكفر
والمعاصي التي من جملتها ما ذكر من
المجادلة بالباطل والاستهزاء بالحق ولم
يتفكر في عاقبتها))(١).
وفي موضع آخر بين سبحانه حال
المعرضين عن الكتاب العظيم من كفار
قريش، وذكر إعراضهم وتوبيخهم فقال الله
تعالى: ﴿قُلْ هُوَ نَبْ عَظِيمٌ ) أَنْتُمُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ
٦٨
﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨].
فالنبأ العظيم هو القرآن، فإنه نبأ عظيم؛
لأنه كلام الله. قال الزجاح: قل: النبأ الذي
أنبأتكم به عن الله نبأ عظيم، يعني: ما أنبأهم
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
٢٣٠/٥.
من الله، وجملة ﴿أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ توبيخ
لهم، وتقريع لكونهم أعرضوا عنه، ولم
يتفكروا فيه، فيعلموا صدقه، ويستدلوا به
على ما أنكروه من البعث(٢).
٢. الإعراض عن الآيات الكونية.
فقد ذكر الله تعالى في مواضع عدة من
کتابه المعرضین عن آيات الله الكونية، ولم
يتدبروها ولم يتعظوا منها، ولم يتخذوها
عبرة وعظة؛ ليؤمنوا بالله تعالى، بل أعرضوا
عنها، وجحدوها.
قال الله تعالى: ﴿وَكَأَیْنِ مِّنْ ءَايَةِ فِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا
مُعْرِضُونَ (١٥)﴾ [يوسف: ١٠٥].
قال الإمام الطبري: ((يقول جل وعز:
وكم من آية في السماوات والأرض لله،
وعبرةٍ وحجةٍ، وذلك كالشمس والقمر
والنجوم، ونحو ذلك من آيات السماوات،
وكالجبال والبحار والنبات والأشجار وغير
ذلك من آيات الأرض ﴿يَمُرُونَ عَلَيْهَا﴾،
يقول: يعاينونها فيمرون بها معرضين عنها،
لا یعتبرون بها، ولا یفکرون فیھا وفیما دلت
عليه من توحيد ربها، وأن الألوهية لا تنبغي
إلا للواحد القهار الذي خلقها وخلق كل
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤ / ٥٠٨.
www. modoee.com

حرف الألف
شيء، فدبرها))(١).
آيات الله ومعجزاته التي حصلت لنبيه
وفي موضع آخر يقول الله تعالى: صلى الله عليه وسلم وقد رأوها رأي العين،
وَجَعَلْنَا السَّمَآءَ سَقْفًا تَّحْفُوظَاً وَهُمْ عَنْ
ءَيَئِهَا مُعْرِضُونَ ﴾ [الأنبياء: ٣٢].
أي: وهؤلاء المشركون عن آيات
السماء؛ كشمسها وقمرها ونجومها.
﴿مُعْرِضُونَ ﴾ أي: يعرضون عن التفكر فيها،
وتدبر ما فيها من حجج الله عليهم، ودلالتها
على وحدانية خالقها، وأنه لا ينبغي أن تكون
العبادة إلا لمن دبرها وسواها، ولا تصلح إلا
له (٢).
ويتأكد ذلك في موضع آخر يقول الله
تعالى: ﴿وَمَا تَأْنِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ
إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (١)﴾ [الأنعام: ٤].
أي: وما تأتي هؤلاء الكفار الذين بربهم
يعدلون ﴿مَايَةٍ مِّنْ ءَايَتِ رَبِّهِمْ﴾ وحجة
وعلامة ودلالة من حجج ربهم ودلالاته
وأعلامه على وحدانيته، ونبوة رسوله صلى
الله عليه وسلم، وصدقه، فما كان من حالهم
﴿إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِينَ﴾، عن هذه الآية،
فصدوا عن قبولها والإقرار بما شهدت على
حقيقته ودلت على صحته، جهلا منهم بالله،
واغترارًا بحلمه عنهم (٣).
بل يؤكد سبحانه وتعالى ماكان عليه
هؤلاء الكفار من الجحود والإعراض عن
(١) جامع البيان ١٦/ ٢٨٥.
(٢) انظر: المصدر السابق ١٨ / ٤٣٦.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ١١/ ٢٦٢.
ـرالموضُوي
النَّفَـ
وكان ذلك في وجودهم وحضورهم، وهي
معجزة انشقاق القمر على عهد النبي صلى
الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: ﴿اقْتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ
اَلْقَمَرُ ل وَإِن يَرَوْاْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ
تُسْتَمِرٌ ﴾ [القمر: ١- ٢].
فانشقاق القمر أيام النبوة معجزةٌ لرسول
صلی الله علیه وسلم.
قال ابن كثير: ((كان الانشقاق في زمان
رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت
ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد
الصحیحة».
ثم قال: ((وهذا أمرٌ متفقٌ عليه بين العلماء
أن انشقاق القمر قد وقع في زمان النبي صلى
الله عليه وسلم، وأنه كان إحدى المعجزات
الباهرات»(٤).
وقد وردت أحاديث في ذلك:
١. فعن أنس بن مالك؛ ((أن أهل مكة سألوا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن
يريهم آية، فأراهم القمر شقين، حتى
رأوا حراء بينهما))(٥).
٢. عن أنس بن مالك قال: سأل أهل مكة
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧/
٤٧٢.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب مناقب
الصحابة، باب انشقاق القمر، رقم ٣٨٦٨.
٥٢

الأعراض
النبي صلی الله عليه وسلم آية، فانشق
القمر بمكة مرتين، فقال: ﴿أَقْتَرَبَتِ
السَّاعَةُ وَأَنشَقَّ الْقَمَرُ﴾(١).
ومع هذه المعجزة العظيمة التي حصلت
في حضورهم ووجودهم إلا أنهم أعرضوا وإذا قيل لهم اتقوا أعرضوا، والإعراض
عن الإيمان بالله وتصديق رسوله صلى الله
علیه وسلم و کذبوا وقالوا: سحرٌ شديدٌ يعلو
کل سحر (٢).
وفي موضع آخر بيّن الله جل ثناؤه
كثرة الآيات وتجددها على هؤلاء الكفار،
ومع ذلك يعرضوا عنها ولم يلتفتوا لها.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ
ءَايَتِ رَبِهِمْ إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ
[يس: ٤٦]فـ((ما)) هنا في هذه الآية نافية،
وأتت مع صيغة المضارع؛ للدلالة على
التجدد. و﴿مِّنْ ءَايَةٍ﴾ ف﴿مِّنْ﴾ هنا؛
للتوكيد، و ﴿مِنْ ءَايَتِ﴾ ف﴿مِنْ﴾ هنا تفيد
التبعيض. والمعنى: ما تأتيهم من آية دالة
علی نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى
صحة ما دعا إليه من التوحيد في حال من
الأحوال ﴿إِلَّا كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ وظاهره
يشمل الآيات التنزيلية والتكوينية، والمراد
بالإعراض عدم الالتفات إليها وترك النظر
الصحيح فيها(٣).
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صفة
القيامة، باب انشقاق القمر، رقم ٢٨٠٢.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٥/ ١٤٥.
(٣) انظر: فتح البيان، القنوجي ١١/ ٣٠١.
وجملة ﴿وَمَا تَأْتِيِهِم مِّنْ ءَايَةٍ مِنْ ءَايَتِ
رَبِهِمْ إِلَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٦)﴾ واقعة موقع
التذييل لما قبلها، ففيها تعميم أحوالهم
وأحوال ما يبلغونه من القرآن، فكأنه قيل:
دأبهم في كل ما يقال لهم.
والمراد بالآيات: آيات القرآن التي تنزل
فیقرؤها النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلق
على بلوغها إليهم فعل الإتيان، ووصفها
بأنها من آيات ربهم؛ للتنويه بالآيات
والتشنيع عليهم بالإعراض عن كلام ربهم
كفرًا بنعمة خلقه إياهم (٤).
٣. الإعراض عن التوحيد.
فيخبر الله جل وعلا عن أهل الكفر
والشرك، أنهم يلجؤون إليه سبحانه في
الشدائد، ويوحدونه ويفردونه بالعبادة،
ثم لما ينجيهم من الكرب والشدة، إذا هم
يعرضون ويتركون ماكانوا عليه وقت الشدة
من إفراده سبحانه بالعبادة، ثم يعودون لما
كانوا عليه من الشرك والكفر.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الغُّرُّ فِي آلْبَحْرِ
ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّ إِيََّهُ فَمَّا نَّجََّكُمْ إِلَى الْبَرِ أَغْرَضْتُمْ
﴾ [الإسراء: ٦٧].
٦٧
وَكَانَ الْإِنسَنُّ كَفُورًا
فهذا إعراض جديد من أهل الكفر،
وهو إن الكفار إذا مسهم الضر فى البحر؛
أي: اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج
(٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣/ ٣١.
www. modoee.com
٥٣

حرف الألف
البحر کأنها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص
لهم من ذلك، ضل عنهم؛ أي: غاب عن
أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت کل ما
كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا، فلا
يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا
وحده؛ لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب
وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا،
فأخلصوا العبادة والدعاء له وحده في ذلك
الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا
نجاهم الله وفرج عنهم، ووصلوا البر رجعوا
إلى ما كانوا عليه من الكفر))(١).
ثم یخبر سبحانه أنهم بعد مانجاهم الله
تعالى من الكرب، كان حالهم الإعراض
عن توحيده، فقال تعالى: ﴿أَعَرَضْتُمْ﴾ أي:
عن الإخلاص لله وتوحيده، ورجعتم إلى
دعاء أصنامكم والاستغاثة بها. ﴿وَكَانَ
اُلْإِنسَنُ كَفُورًا﴾ أي: كثير الكفران لنعمة الله،
وهو تعليلٌ لما تقدمه، والمعنى: أنهم عند
الشدائد یتمسکون برحمة الله، وفي الرخاء
يعرضون عنه (٢).
٤. الإعراض عن شكر الله.
فيخبر الله تعالى في مواضع متعددة من
کتابه عن من یعرض عن شكر نعمته سبحانه
وتعالى، ویکفر بها بعدما أنعم الله عليه بها،
ومن هؤلاء قوم سبأ، حيث قال الله تعالى
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣/ ١٧١.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٢٨٩.
عنهم: ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِ
وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ
وَقْلٍ وَشَىْ ءٍ مِّنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ﴾ [سبأ:١٦].
وذلك لما أنعم الله تعالى على أهل
سبأ كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَلٍ فِی
مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَنٍ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُواْ
مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَأَشْكُرُواْ لَهُ، بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبُّ
غَفُورٌ ٥﴾ [سبأ:١٥].
ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد
هذه النعمة التي أنعم بها عليهم،
فقال: ﴿فَأَعْرَضُواْ﴾ أي: عن شكر نعمة الله
تعالی، و كفروا بالله، وكذبوا أنبياءهم. ثم
لما وقع منهم الإعراض عن شكر النعمة؛
أرسل الله عليهم نقمة فسلب بها ما أنعم
به عليهم(٣)، فقال سبحانه: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ أي: الصعب والمطر الشديد-
أو الوادي- أو السكر الذي يحبس الماء - أو
هو البناء الرصين المبني بين الجبلين؛ لحفظ
ماء الأمطار وخزنها. وقد ترك فيه أثقاب
على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، فلما
طغوا أهلكهم الله بخراب هذا البناء، فانهال
عليهم تيار مائه، فأغرق بلادهم وأفسد
عمرانهم وأرضهم. واضطر من نجا منهم
للنزوح عنها. كما قال تعالى: ﴿وَدَّلْنَهُم
يِنَّتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ ﴾ أي: ثمر
مر، أو بشع لا يؤكل ﴿وَأَقْلٍ﴾ شجر يشبه
(٣) انظر: المصدر السابق ٤ / ٣٦٧.
فُوسُبَرُ النَّفِينَةِ المَوْضُون
٥٤

الأعراض
الطرفاء من شجر البادية لا ثمر له ﴿وَشَىءٍ
مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهو شجر النبق، أي قلة لا
تسمن ولا تغني من جوع. فهذا تبديل النعم
بالنقم لمن لم يشكر النعم)»(١).
وفي موضعين اثنين من القرآن العظيم
يخبر الله تعالى عن نقص جنس الإنسان
من حيث هو، إلا من عصم الله تعالى في
حالتي سرائه وضرائه، بأنه إذا أنعم الله عليه
بمالٍ وعافية، وفتح ورزقٍ ونصٍ، ونال ما
يريد، أعرض عن طاعة الله وعبادته ونأى
بجانبه(٢).
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِسَنِ
أَعْرَضَ وَنَا بِجَانِهُ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُ كَانَ يُوسَائِ ه
[الإسراء: ٨٣].
ففي هذه الآية إشارة إلى السبب في
وقوع جنس الإنسان في أودية الضلال، وهو
حب الدنيا وإيثارها على الأخرى، وكفران
نعمه تعالى بالإعراض عن شكرها، والجزع
واليأس من الفرج عند مس شر قضی علیه،
وكل ذلك مما ينافي عقد الإيمان، فإن
المؤمن ينظر بعين البصيرة، ويشاهده قدرة
الله تعالى في كلتا الحالتين. ويتيقن في
الحالة الأولى أن الشكر رباط النعم. وفي
الثانية أن الصبر دفاع النقم، فیشکر ویصبر،
ويعلم أن المنعم يقدر فلم يعرض عند
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمى ٨/ ١٣٩.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٣/٥.
النعمة بطرًا وأشرًا، ولم يغفل عن ولم يجزع
عند النقمة جزعًا وضجرًا(٣).
وفي موضع آخر يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا
أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَنِ أَعْرَضَ وَنَشَا بِجَانِهِ، وَإِذَا مَسَّهُ
[فصلت: ٥١]
الشَّرُّ فَذُودُعٍَّ عَرِيضٍ
ولیس بین الآیتین تنافٍ، فإن ذلك شأن بعض
منهم غير بعض المذكور في الآية السابقة،
فقد یکون مع شدة یأسه و کثرة قنوطه کثیر
الدعاء بلسانه (٤).
٥. الإعراض عن حكم الله ورسوله.
فيخبر سبحانه وتعالى عن أحوال أهل
النفاق وإعراضهم عن حكم الله تعالى، قال
الله تعالى: ﴿وَإِذَا دُهُوَاْ إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ
بَنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ ()﴾ [النور: ٤٨].
يخبر تعالى عن صفات المنافقين، الذين
يظهرون خلاف ما يبطنون، يقولون قولًا
بألسنتهم، وحال هؤلاء المنافقين ﴿وَإِذَا
دُهُوْ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لِيَحْكُمَ بََّهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم
مُعْرِضُونَ﴾ أي: إذا طلبوا إلى اتباع الهدى،
فيما أنزل الله على رسوله، أعرضوا عنه
واستكبروا في أنفسهم عن اتباعه. وهذه
كقوله: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ
ءَامَنُواْ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ
يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوّا
أَن يَكْفُرُواْ بِهِ، وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ
(٣) انظر: محاسن التأويل، القاسمى ٦/ ٤٩٩.
(٤) انظر: فتح البيان، القنوجي ٧/ ٤٤٦.
www. modoee.com

حرف الألف
ضَلَلا بَعِيدًا (٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوّا إِلَى
مَآ أَنْزَلَ اللَّهُ وَ إِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَفِقِينَ
يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا ﴾ [النساء: ٦٠ -
٦١](١) .
وهذا يدل على أنهم إنما يعرضون
عن حكم الله متى عرفوا الحق لغيرهم أو
شکوا. فأما إذا عرفوه لأنفسهم عدلوا عن
الإعراض وسارعوا إلى الحكم وأذعنوا
ببذل الرضا (٢).
٦. إعراض الزوج عن زوجته.
فيخبر سبحانه عن نوع معين من
الإعراض المباح، وهو إعراض الزوج عن
زوجته، في حالة كراهيتها أو دمامة أو كبر في
السن؛ مما يرغب الزوج عن زوجته، فيبين
الله تعالى ما هو الحل والمخرج من ذلك
الأمر.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ
بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ
يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَاً وَالصُّلِّحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ
اَلْأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ
فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا
١٢٨)
[النساء: ١٢٨].
وكان سبب نزول هذه الآية عن عائشة
رضي الله عنها، ﴿وَإِنِ أَمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٧٤.
(٢) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
١٤/ ٤٢٧.
فُشُوزَا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ قالت: (الرجل تكون
عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن
يفارقها، فتقول: أجعلك من شأني في حلٍ
ـنزلت هذه الآية في ذلك)(٣).
ففي هذه الآية حكم من الله تعالى في أمر
المرأة التي تكون ذات سن ودمامة، أو نحو
ذلك مما يرغب زوجها عنها، فيذهب الزوج
إلى طلاقها، أو إلى إيثار شابة عليها، ونحو
هذا مما یقصد به صلاح نفسه ولا يضرها
هي ضررًا يلزمه إياها، بل يعرض عليها
الفرقة أو الصبر على الأثرة، فتزيد هي بقاء
العصمة، فهذه التي أباح الله تعالى بينهما
الصلح، ورفع الجناح فيه، إذ الجناح في كل
صلح یکون عن ضرر من الزوج يفعله حتى
تعالجه، وأباح الله تعالى الصلح مع الخوف،
وظهور علامات النشوز أو الإعراض، وهو
مع وقوعها مباح أيضًا (٤).
قال النحاس: الفرق بين النشوز
والإعراض أن النشوز التباعد، والإعراض
ألا يكلمها ولا یأنس بها(٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم،
باب إذا حلله من ظلمه فلا رجوع فيه، رقم
٢٤٥٠، ومسلم في صحيحه، كتاب التفسير،
رقم ٣٠٢١.
(٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١١٩/٢.
(٥) انظر: إعراب القرآن، أبو جعفر
النحاس ٢٤١/١.
٥٦
النَّفَ
الموضُوية

الأعراض
عاقبة الإعراض
إن الإعراض عن الله تعالى سبب
للعقوبات العاجلة والآجلة، وبه تزيغ
القلوب، وتطمس البصائر، فتعمى عن
الحق، وترتكس في الإثم، فيضيق الصدر،
وتسود الدنيا عند المعرضين، وقد ذم النبي
صلى الله عليه وسلم من أعرض عن تعلم
شرع الله تعالى، فعن أبي واقد الليثي (أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم بينما هو
جالسٌ في المسجد والناس معه؛ إذ أقبل
ثلاثة نفرٍ فأقبل اثنان إلى رسول الله صلى
الله علیه وسلم وذهب واحدٌ، قال فوقفا
علی رسول الله صلی الله عليه وسلم، فأما
أحدهما فرأى فرجةً في الحلقة فجلس فيها
وأما الآخر فجلس خلفهم وأما الثالث فأدبر
ذاهبا، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه
وسلم، قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟
أما أحدهم فأوى إلى الله، فآواه الله وأما
الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر
فأعرض فأعرض الله عنه)(١).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (وأما الآخر
فأعرض فأعرض الله عنه)، أي: لم يرحمه
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العلم،
باب من قعد حيث ينتهي به المجلس، ٣٦/١،
رقم ٦٦، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام،
باب من أتى مجلسًا فوجد فرجة فجلس فيها
وإلا وراءهم، ١٧١٣/٤، رقم ٢١٧٦.
وسخط عليه.
وهو معنى الإعراض من الله تعالى؛ لأن
من أعرض عن نبیه وزهد فیه فليس بمؤمن،
وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة من حوائج
الدنيا وضرورة دعته إلى ذلك، فيكون
إعراض الله تعالى عنه ترك رحمته وعفوه،
وتقريبه وقبوله الذى أعطاها صاحبيه، فلم
يثبت له حسنة ولا نفی عنه سیئة؛ إذ لم یکن
منه ما يثاب بذلك(٢).
أولًا: عاقبة أهل الإعراض في الدنيا:
فكما مربنا أن الإعراض ينقسم في القرآن
إلى إعراض محمود وإعراض مذموم.
أولًا: عاقبة الإعراض المحمود في
الدنيا:
١. الكفاية والطمأنينة.
فقد أخبر الله تعالى أنه سبحانه وتعالى
كفى رسوله شر المستهزئين وكيدهم. قال
الله تعالى: ﴿فَأَصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ
اُلْمُشْرِكِينَ آ إِنَّا كَفَيْتَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ
[الحجر: ٩٤ - ٩٥].
٢. الأمن والحفظ والنصرة.
قال الله تعالى: ﴿سَمَّعُونَ لِلگَذِبِ
أَكَّلُونَ لِلِسُّحْتَّ فَإِن جَاءُوَكَ فَأَحْكُمْ بَيْنَهُمْ
أَوْ أَعْرِضَّ عَنْهُمَّ وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ
(٢) انظر: إكمال المعلم بفوائد مسلم، القاضى
عياض ٧/ ٦٧.
www. modoee.com
٥٧

حرف الألف
بينهم
يَضُوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَأَحْكُم
بِالْقِسْطَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[ المائدة: ٤٢].
فقوله تعالى: ﴿وَإِن تُعْرِضٌ عَنَّهُمْ فَلَنْ
يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ أي: إن اخترت الإعراض
عن الحکم بینھم، فلا سبیل لهم علیك؛ لأن
الله حافظك وناصرك عليهم (١).
٣. الفلاح.
فقد أخبر الله تعالى بأن من صفات
المؤمنين المفلحين هو الإعراض عن اللغو.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلحَ الْمُؤْمِنُونَ
الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ عَنِ
اَللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ [المؤمنون: ١-٣].
ثانيًا: عاقبة الإعراض المذموم في
الدنيا:
١. سبب لنزول العذاب في الدنيا، ورفع
العافية، وإبدال النعم نقمًا.
كما أخبر الله تعالى عن قوم سبأ وما
هم فيه من نعيم الدنيا، ثم تحولت العافية
عنهم، وأبدل حالهم من النعمة إلى النقمة
بسبب إعراضهم ﴿فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَهُمْ بِحَنََّتِهِمْ جَنَتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ
خَمْطٍ وَأَقْلٍ وَشَىْءٍ مِّنِ سِدْرٍ قَلِيلٍ
١٦
[سبأ: ١٦].
٢. وقوع الطمس على القلب.
فيطمس الله على قلوب المعرضين،
(١) انظر: فتح القدير، الشوكاني ٤٩/٢.
فلا تعي الذكر، ولا تبصر الحق، ولا يسير
أصحابها فيما ينفعهم، بل يرتكسون في
الكفر، ويرتمسون في النفاق والاستكبار،
ويجادلون بالباطل.
وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ
مِمَّن ذُكِرَ بِئَايَتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ
يَدَّةُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ
ءَاذَانِهِمْ وَقْرَاً وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوَأ
إِذَا أَبَدًا ﴾ [الكهف: ٥٧].
٣. الصرف عن الحق إلى الباطل، وعن
الهدى إلى الضلال.
المعرضون لا يستطيعون اتباع الحق؛ من
الخذلان الذي حاق بهم؛ عقوبة لهم على
٠١٢٠١٨
إعراضهم ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ
لَا يَسْمَعُونَ ﴾ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَّ أَكِتَّةٍ مِّمَّا
تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيَّ ءَاذَاتِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ
حِجَابُ فَأَعْمَلْ إِنَّنَا عَمِلُونَ ﴾﴾ [فصلت:٤-
٥].
٤. العیش في ضيق وضنك.
ومن العذاب العاجل ما يجدونه في
صدورهم من ضيق بالشريعة وأحكامها،
ومن ضنك يجعل عيشهم مرًا ولو كانوا في
الظاهر منعمين ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَخْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى ﴾ [طه: ١٢٤].
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى:
((رأيت سبب الهموم والغموم الإعراض عن
٥٨
فُوْسُو ◌َ التَّقِينَةِ المَوْضُوي

الأعراض
الله عز وجل، والإقبال على الدنيا))(١).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: ((ومن
أعظم أسباب ضيق الصدر الإعراض عن
الله تعالى، وتعلق القلب بغيره، والغفلة عن
ذكره، ومحبة سواه؛ فإن من أحب شيئًا غير
الله عذب به، وسجن قلبه في محبة ذلك
الغیر، فما في الأرض أشقی منه، ولا أکسف
بالًا، ولا أنکد عیشًا، ولا أتعب قلبًا»(٢).
ثانيًا: عاقبة أهل الإعراض المذموم في
الآخرة:
١. حمل الأوزار يوم القيامة:
وأما عذاب الآخرة لأهل الإعراض عن
الله تعالی وعن شریعته فشدید ألیم.
قال الله تعالى في الكتاب العزيز: ﴿وَقَدْ
مَانَيْنَكَ مِنْ لَُّنَاذِ كْرًا ) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ.
خَلِينَ فِيهِ وَسَآءُ
يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ وِزْرًا
◌َهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٦﴾ [طه: ٩٩-١٠١].
٢. الوعيد لهم من الله بالانتقام.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِرَ
◌ِثَايَتِ رَيِّهِ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَاْ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ
مُنْتَقِمُونَ ﴾ [السجدة: ٢٢].
وانتقامه سبحانه منهم يكون في الدنيا
بما يصيبهم في أنفسهم وأهلهم وأموالهم،
ويكون في الآخرة بالعذاب الشديد
﴿وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَىْ وَهُمْ لَا يُصَرُونَ
(١) انظر: صيد الخاطر ص ٣٤١.
(٢) انظر: زاد المعاد ٢٥/٢.
[فصلت: ١٦].
٣. يحشرون عميًا يوم القيامة.
قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِى
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَغَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
أَعْمَى (٣)﴾ [طه: ١٢٤].
فإنه لما أعرض عن الذكر الذي بعث
الله به رسوله وعمیت عنه بصيرته، أعمی
الله به بصره يوم القيامة، وتركه في العذاب،
كما ترك الذكر في الدنيا، فجازاه على عمى
بصيرته عمى بصره في الآخرة، وعلى تركه
ذكره، تركه في العذاب.
وقال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِّ
وَمَن يُضْلِلْ فَن ◌َجِدَ لَمُمْ أَوْلِيَاءُ مِن دُونٌِّ
وَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبَّكْمًا
وَصُمَّا﴾ [الإسراء: ٩٧].
موضوعات ذات صلة:
الاستكبار، الطاعة، النفاق
www. modoee.com
٥٩