Indexed OCR Text
Pages 21-38
الاستهزاء
به إلا من هو مثلهم، وأما الذين آمنوا والأمان(١)، فهل بعد هذا الخسران من
خسران؟ نسأل الله السلامة من الخذلان.
فمتمسکون و ثابتون على ما هداهم الله إليه
من الحق، وهؤلاء المنافقون لهم زعماء
ورؤساء یخلون بهم، ویشتون ولاءهم لهم،
فيقدمون لهم الدعم، ويعطونهم من ألوان
المعونات والملذات؛ ما يفتنون به الناس،
وإذا أصابهم خوف من الفضيحة أعلنوا
الإيمان، وخنسوا كما يخنس الشيطان.
وإن خافوا من أوليائهم ورؤسائهم،
أخبروهم أن هذا من قبيل الاستهزاء
والسخرية والإغراء للمؤمنين؛ لينخدعوا
بهم، والحقيقة التي لا يعلمونها، أن الله
عز وجل قد يذلل لهم العقبات ويسهل لهم
الصعاب؛ ليزدادوا غيًا إلى غيهم، وذنوبًا إِلى
ذنوبهم، وخسرانًا إلى خسرانهم؛ ليتبعهم
من في قلبه مرض، وهو في صف المسلمين
ظاهرًا.
لكنه يتخفى ويتكتم؛ ليظهر الله لهم
حاله، كما أظهر كفر إبليس للملائكة بخلق
آدم، فالله بهذا يستهزئ بهم بأن يريهم ما
يرضونه، حتى إذا جاء وقت الحصاد وجدوا
حصادهم هشيمًا، وألفوا جناهم نارًا؛ ليشتعل
هشيمهم بنارهم فيزدادوا احتراقًا، ويجدوا
أنفسهم في أسفل دركات النار، فقد اشتروا
الضلال والانحراف والزيغ والهلاك وما
هو الثمن، إنه الهدى والإيمان والاستقامة
رابعًا: تنزيه الرسل عن الاستهزاء:
إنهم غلاظ الطباع، وقساة القلوب، الذين
ما أدركوا نبيًا من أنبياء الله إلا ساموه ألوان
الأذى، وقد ذكر الله من ذلك ما فعلوه بنبيه
موسى عليه السلام أصنافًا، إنهم اليهود،
الذين لا مواثيق لهم ولا عهود، أحوالهم
مع أنبياء الله، لم يحفظوا للنبوة حقها ولا
للرسالة قدرها، فظنوا أن الرسول يكون
منه ما يكون من غيره من سفاهة العقل،
وصلافة الهزل، وجلافة القول، كما يكون
من أمثالهم، وخبر ذلك ما كان بينهم وبين
نبي الله موسى الكليم الحليم عليه السلام
في قصة البقرة.
يقول الله جل جلاله: ﴿وَإِذْ قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَهُواْ بَقْرَةً
قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُوَآْ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ
اَلَْهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
يخبرهم بأمر جاءه من عند الله، فيرمونه
بالاستهزاء، وهذا الأمر لو وقع من إنسان
معيب لزاده عيبًا، ولما سكت عنه من
سمعه، فكيف يتهمون به نبيًا كريمًا من
أولي العزم، وله خاصية التكليم، ورأوا على
يديه من الآيات ما رأوا، وخاض بهم البحر
وأنجاهم الله عز وجل به من سوء عذاب
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٢٥٤/١.
www. modoee.com
٢٠٥
حرف الألف
فرعون، وأحیاهم الله بدعائه بعد الموت،
مواقف وآيات وعبر لا حصر لها، لكنهم
لهم قلوب أشد قساوة من الحجارة، وأپیس
من الصخر، فأجابهم عليه السلام بكل أدب،
وسعة صدر وحلم، فقال: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ
أَكُونَ مِنَ الَْهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧](١).
إنه موطنٌ الاستهزاء فیه یکون حماقة،
فالواقعة واقعة قتل، والحال حال لا يسوغ
أن يكون الاستهزاء فيها لائقًا بنبي؛ لأنه
في معرض سؤال عن أمر لا يجوز الجواب
عنه إلا بالحق، ولا يكون فيه العلم إلا من
عند الله عز وجل، والاستهزاء بحالة كهذه
استهزاء نقص، لا يليق بمقام النبوة، ولو كان
المقام مقام بيان لحال عجز آلهة عبدت من
دون الله، واعتقاد باطل لا يسوغ لعاقل أن
یرضاه، لکان جائزًا کما حدث مع إبراهيم
عليه السلام مع قومه وآلهتهم، في قول
الله تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظَرَةٌ فِ النُّجُومِ ) فَقَالَ
فَنَوَلَوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ { فَرَاعَ إِلَى
٨
إِنِيِ سَقِيمٌ
ءَالَيْهِمْ فَقَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ مَا لَكُمْ لَا نَنطِقُونَ
﴿ فَرَاعَ عَلَيْهِمْ ضَرْيَا بِالْيَمِينِ﴾ [الصافات: ٨٨ -
٩٢
٩٣].
فهو يعتذر لهم بالسقم الذي لم يكن
مصابًا به، کما أخبر بذلك أبو هريرة رضي
الله عنه فيما يرويه عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه قال: (لم يكذب إبراهيم عليه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢/ ١٨٢.
السلام إلا ثلاث کذباتٍ، ثنتین منهن في ذات
الله عز وجل قوله: ﴿إِنّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:
٨٩].
وقوله: ﴿بَّ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾
[الأنبياء: ٦٣] ... )(٢).
فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن
فعل إبراهيم في هذين المقامين إنما كان
في ذات الله، أما في غیر مثل هذه الحال فلا
يليق بالرجل الكامل أن يستهزئ بشيء.
فالأول: استهزاء بالنجوم التي ليس بيدها
الشفاء.
والثاني: استهزاء بالآلهة؛ لعلمه أنها لا
تنطق، ولا تأكل ولا تشرب(٣).
والثالث: استهزاء بقومه ومعتقدهم في
آلهة لا تستطيع أن تدافع عن نفسها، ولا أن
تجیب من يسألها (٤)، ليس من باب الھزل،
أو لغو القول، بل من باب إيقاظ العقل،
ودفع الجهل، وكشف الظلمة، وإزاحة
العتمة عن حقيقة الألوهية، وما هم فيه من
قبيح العبودية، بطريقة من الاستهزاء مرضية.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قول الله تعالى: ﴿وَأَّخَذَ اَللَّهُ
إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾، ١٤١/٤، رقم ٣٣٥٧.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٩٨/٧.
(٤) انظر: تفسير المراغي، ٤٩/١٧.
٢٠٦
جَوَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم
الاستهزاء
مواطن الاستهزاء
أولًا: الاستهزاء بالكتب المنزلة:
حينما يعجز المعاند للحق عن إقامة
الدليل على صحة ما ينادي به وما يدعو
إليه، تجده يلجأ إلى الحيل الدفاعية السلبية
الرديئة، فيلجأ إلى الهروب والانسلاخ
الوجداني والانفعالي من الموقف الذي
يظهر فيه وضوح الحق، حتى لا يغلبه الحق
على هواه، وهذه أولى خطواته، معززًا حاله
بأسلوب السخرية والاستهزاء، ويكذب
بالحق الذي يدعوه ما استقر في نفسه من
الیقین بصدقه، لکنه یجحده، وینتهج أسلوب
الغوغائية وإثارة غبار الكلام في عيون
العقول؛ ليشوش بذلك على المستمعين
بآذان الألباب؛ ليوقع الشكوك في نفوس
أصحابها فیما جاءهم من الحق، وقد عرض
القرآن استهزاءهم الذميم، والأحوال التي
ترديهم في مهاوي الجحيم، وإن من صور
استهزائهم ما يأتي:
الإعراض: وهو الأسلوب الذي أوصى
به الله سبحانه وتعالى عند تطاول السفهاء
فهو بلا أدنى شك أسلوب حكيم في مثل
هذا الموطن، ولا يفعله العبد عن عجز،
بل يترفع ويربأ بنفسه عن مجاراة السفيه في
سفاهته، وفيه يقول الشاعر (١):
(١) مجاني الأدب في حدائق العرب، شيخو،
يخاطبنى السفيه بكل قبح
وأكره أن أکون له مجيبا
يزيد سفاهةً وأزيد حلمًا
کعود زاده الإحراق طيبا
وجاءذلك في قول الله جل جلاله: ﴿خُذِ
الْعَفْوَ وَأْمُنْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ﴾
[الأعراف: ١٩٩].
لكنه في مواطن أخرى يكون من أقبح
السفه، وذلك حین یفعله من يفعله إعراضًا
عما ینفعه ویرفعه، حیث یجد من داخله
انهزامًا في مواجهة الحق ورده، فيعرض عنه
عجزًا عن مقاومته، وهو بذلك ينزل بنفسه
إلى أحط مستويات الدونية، ويلقي بها في
أسفل دركات الردية، ويخبر الله عز وجل
عن فاعليه بقولهم: ﴿وَمَا يَأْتِهِم مِّن ذِكْرِمِّنَ
الرَّحْمَنِ مُحْدَثِلًّا كَانُواْ عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُواْ
فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْبِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الشعراء:
٥ - ٦].
فإن الإعراض عما يأتيهم من رحمته
سبحانه وتعالى مما يكون به محض منفعتهم
شنيع قبيح؛ فما يأتيهم من المواعظ القرآنية
تذكرهم أكمل تذكير، وتنبههم عن الغفلة أتم
تنبيه، فإن الله سبحانه وتعالى بمقتضى رأفته
الواسعة يجدد لهم تنزيله حسبما تقتضيه
الحكمة والمصلحة، فيجددوا إعراضًا عنه
على وجه التكذيب والاستهزاء وإصرارًا
www. modoee.com
١٠١/٢.
٢٠٧
حرف الألف
على ما كانوا عليه من الكفر والضلال(١).
الجدال بالباطل: يعلم أعداء الله أن
النبي صلى الله عليه وسلم صادق، وكل
خبر يأتي به فإنه حتمًا واقع، لكن عنادهم
طغى عليهم، فأرادوا أن يبطلوا ما جاءهم
به بياطلهم، لكنهم لا يملكون الحجة على
رده، فاستهزءوا به على سبيل الجدل، يقول
سبحانه وتعالى في شأنهم: ﴿وَتُحَدِلُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ لَلْحَقِّ وَأَتَّخَذُواْ
مَيَتِ وَمَا أُنْذِرُ وأُهُزُوًا﴾ [الكهف: ٥٦].
كان الذين جاء وصفهم في هذه الآية
یریدون أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم
بالآيات على أهوائهم؛ ليبطلوا ما جاء به
صلى الله عليه وسلم، وكان من جدالهم
استهزاؤهم بالبعث، وبشجرة الزقوم،
وبتحریم الميتة، وكذا بعدد خزنة جهنم(٢).
إنكار الفائدة من نزول القرآن: كان
المنافقون إذا نزلت سورة من القرآن على
النبي صلی الله عليه وسلم لا ينتفعون بها؛
لأن مادة الخبث كلما زاد الخبث كانت أكثر
نقصًا، أما مادة الخير كلما زاد الخير كانت
أعظم زيادة وأوفر بركة؛ لذلك يقول الله
سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ
فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتَهُ هَذِهِءٍ إِيمَنَّاً فَأَمَّا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَنَا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٢٣٤/٦.
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٩٣/٣.
وَمَّا الَّذِينَ فِ قُلُوبِهِمِ مَرَضُ
(١٢٤
فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ
كَفِرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٤ - ١٢٥].
فهم لفساد طبعهم وسوء مادتهم لا
يجدون ما يجده المؤمنون من انتفاع تظهر
آثاره علیھم، فیستهزئون بهم بالتساؤل عن
زيادة الإيمان التي يعلنها المؤمنون ولم
يجدوها، فبين القرآن أن هذا الاستهزاء من
الرجس والخبث الذي ازداد به رجسهم
فازدادوا نقصًا، وأعقبهم كفرًا حتى ماتوا
على الكفر(٣).
الخوض: قد عد الله عز وجل عدم توقیر
الله جل جلاله عند قراءة کلامہ کفر، و جعل
الخوض فيها استهزاءً، فأمر المؤمنين بعدم
مجالسة الفاعلين لهذا الأمر، ونهى عن
القعود معهم، والذي لا يدفعه فعلهم هذا
لمفارقتهم حاله مثل حالهم.
يقول المولى جل جلاله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ
عَلَيْكُمْ فِى الْكِنَبِ أَنْ إِذَا سَمِعْهُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ
يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَ نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى
يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِءَ إِنَّكُمْ إِذَا مِثْلُهُمُّ إِنَّ اللَّهَ
جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَالْكَفِرِينَ فِی جَهَنَّمَ چمِيعًا
[النساء: ١٤٠].
(٣) انظر: مدارك التنزيل، النسفي، ٧١٨/١.
٢٠٨
ضـ
مَوَس ◌َب النفسية
القرآن الكَرِيْمِ
الاستهزاء
ثانيًا: الاستهزاء بالبراهين والحجج:
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه نموذجًا
للمستهزئین، وهم الذين كانوا يستهزئون
بالأدلة والبراهين القاطعة على صدق
المرسلين، وقد مكن الله لهم في الأرض،
وآتاهم أدوات الفهم والإدراك وأراهم
الآيات ولكنهم اتخذوها هزوًا ولعبًا، يقول
الله عز وجل مبينًا خبرهم: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّهُمْ
فِيمَآ إِن مَكَّنَّكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَرًا
وَفْئِدَةٌ فَمَآ أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَّ أَبْصَدُهُمْ وَلَّ
أَفْئِدَ تُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِثَايَتِ اللَّهِ
وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأحقاف:
٢٦] (١) .
وأخبر عن الذين يفعلون مثل فعلهم،
ويتخذون رسل الله عليهم السلام الذين هم
حجة الله على خلقه(٢) استهزاءً وسخريةً،
يقول سبحانه: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ
وَأَّخَذُوَأْءَايَتِى وَرُسُلِىِ هُزُوًّا﴾ [الكهف: ١٠٦].
فبين أن مصيرهم المحتوم ومآلهم
المشئوم جهنم، وبئس المستقر الدائم جزاءً
لهم على استهزائهم.
ثالثًا: الاستهزاء بالوعید:
تجرأ أعداء أنفسهم لما اغتروا به من سعة
حلم الله وإمهاله لهم، وظنوا أن بمقدورهم
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا، ٢٤/١٢.
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٤٦٩/٣.
إعلان التحدي، وحسبوا أن الله يعجل
بعجلة أحدهم، فتساءلوا لقد اقترفنا ما
نستحق به حلول الوعید الذي جاء به محمد
صلى الله عليه وسلم ، فأين هذا العذاب؟!
وهذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿ وَلَيْنْ أَخَرْنَا
عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَِّ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا
يَحْيِسُهُ، أَلَا يَوْمَ يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ
وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [هود:
٨].
ويذكر الله عز وجل للنبي صلى الله عليه
وسلم أن ما وقع من قومه من ذلك وقع مثله
من الأمم السابقة، يقول جل جلاله: ﴿ وَلَقَدِ
أَسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُوَأْيِهِ يَسْنَهْزِءُونَ﴾ [الأنبياء:
٤١].
وقد أحاط بهم ووقع ما كانوا يجعلونه
محط سخريتهم واستهزائهم من العذاب
الذي كانوا يستعجلون وقوعه(٣).
رابعًا: الاستهزاء بالأحكام الشرعية:
بين الله سبحانه وتعالى في كتابه حدود
العلاقات بين الناس في القرآن الكريم،
ورتب عليها أحكامًا؛ لمنع الخصومات
وسدًا لباب الفساد، وذكر الله جل جلاله
أن التلاعب بهذه الأحكام هو من الاستهزاء
بآياته، خاصة إذا كان هذا في أمر وصف
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٢/ ١٣١.
www. modoee.com
٢٠٩
حرف الألف
الله ميثاقه بأنه غليظ، وقد ترتكب بسبب
التلاعب به الفواحش، واستحلال ما
حرم الله عز وجل، والمقصود هنا النكاح
والطلاق، وما يتعلق بهما من أحكام، يقول
الله عز وجل: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
بِمَعْرُوفٍّ وَلَا تُنِكُوُهُنَّ ضِرَارًا لِّعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ، وَلَا نَتَّخِذُوَأْ ءَايَتِ اَللَّهِ
هُزُوَأَ وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ
مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِدٍ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١].
وإن إنزال مثل هذه الأحكام في كتاب
الله لهو من نعم الله عز وجل علينا والتي
توجب علينا شكرها والقيام بحقها، لا أن
يكون تعاملنا معها على سبيل الاستخفاف
والتلاعب والاستهزاء(١).
خامسًا: الاستهزاء بالعبادات:
كان المشركون والكفار المخالفون
للمسلمين-ولا زالوا- يقدحون في دين
المسلمین، ويتخذونه هزوا ولعبًا، خصوصًا
الصلاة التي هي أظهر شعائر المسلمين،
وأجل عباداتهم، فإنهم إذا نادوا إليها
اتخذوها هزوًا ولعبًا، وذلك لعدم عقلهم
ولجهلهم العظيم، وإلا فلو كان لهم عقول
لخضعوا لها، ولعلموا أنها أكبر من جميع
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا، ٣١٥/٢.
الفضائل التي تتصف بها النفوس، ولقد
علمتم -أيها المؤمنون- حال الكفار وشدة
معاداتهم لكم ولدینکم، واستهزاءهم به،
فمن لم يعادهم بعد هذا دل على أن الإسلام
عنده رخيص، وأنه لا يبالي بمن قدح فيه أو
قدح بالكفر والضلال، وأنه ليس عنده من
المروءة والإنسانية شيء.
فكيف تدعي لنفسك دينًا قيمًا، وأنه
الدين الحق وما سواه باطل، وترضى بموالاة
من اتخذه هزوا ولعبًا، وسخر به وبأهله، من
أهل الجهل والحمق؟! وهذا فيه من التهييج
على عداوتهم ما هو معلوم لكل من له أدنى
مفهوم، وفيه يقول الله تبارك وتعالى: ﴿يَيّاً
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا
مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَاَلْكُفَّارَ أَوْلِيَّةَ
وَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَ ◌ّكُ مُؤْمِنِينَ () وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
أَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبَّأْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾
[المائدة: ٥٧ - ٥٨].
وكانوا يهزأون بالأذان، والقيام والركوع
والسجود في الصلاة (٢).
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٢٣٧.
مُوسوبر البقية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢١٠
الاستهزاء
أسباب الاستهزاء
الاستهزاء الذي لا یکون له هدف سامٍ
نبيل، ولا مسوغ لاستعماله، ولا هو من قبيل
مكافأة المسيء من جنس إساءته، لاشك أنه
عبثٌ وسفه وجهل وحمق، ولا يصدر إلا
عن ناقص بوجه من الوجوه، هذا إن كان
الاستهزاء في أمر غير ذي بال، فكيف إذا كان
الاستهزاء بأقدس ما أظلت السماء وأقلت
الغبراء، أو بمن يحمله، إنه لمن المسلم به أن
یکون فاعله یتصف بأقبح النعوت، ويتلبس
بأخس الأحوال، وأن السبب الحامل لهم
على ذلك هو وجود هذه الصفات فيهم،
ولم يغفل القرآن بيان تجليتهم وإظهار
حالهم، تسليةً للمؤمنين، وتوبيخًا للفاعلین،
وقد وصف القرآن المستهزئين تارةً بالكفر،
وذكر الفعل في معرض النفاق أخرى، أو أن
منبعه الجهل ثالثة، وقد يكون الحامل عليه
الکبر أخرى.
أولًا: الكفر:
عرفنا ما هي الحال التي يكون عليها
الجاحدون من الاستهزاء والجدال بالباطل،
وذلك عند عجزهم عن دحض الحق الذي
ليس من شأنه أن يدحض، وما حملهم على
هذا الفعل إلا الكفر الذي هم به متمسكون،
والإنکار الذي هم به متشبثون، يقول الله:
( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ مُبَشِينَ وَمُنذِرِينَ
وَبُجَّدِلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِالْبَطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ
لَّْ وَأَخَذُوَاْ ءَايَتِ وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُوًا﴾ [الكهف:
٥٦].
وقد بين الله سبحانه وتعالى أن دحض
الحق بالباطل لا يكون أبدًا، ولو عقل هؤلاء
لخضعوا وأذعنوا للحق الذي جعله الله
دامغًا للباطل، يقول تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِلَلْنَّ
عَلَى الْبَطِلِ فَيَدْمَغُهُ، فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ
مِمَّا نَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨].
وبه تکون حجتهم داحضةً، يقول الله
تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِ اللَّهِ
مِنْ بَعْدٍ مَا أَسْتُجِيبَ لَهُ، مُجَُّهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ
رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
[الشورى: ١٦].
وأن الحق هو الباقي فقال أيضًا: ﴿يُرِيدُونَ
لِيُعْفِقُوْ نُوَ اَللَّه ◌ِأَفْوَهِمْ وَاللّهُ مُّ نُورِهِ، وَلَوْ كَرِهَ
اَلْكَفِرُونَ ﴿ هُوَ اَلَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْمُدَى وَدِينِ
اَلْبِّ لِيُظهِرَهُ عَلَى الذِينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ اٌلْمُشْرِكُونَ﴾
[الصف: ٨ - ٩].
((وكل شيء ثابت غير زائل ولا مضمحل
تسميه العرب حقًّا))(١)، وكما هو معلوم أنه
(ليس بعد الكفر ذنب))(٢)، وهم بكفرهم هذا
متلبسون بأعظم الظلم؛ لذلك أعقب الله
جل جلاله ذكرهم فاعلين للاستهزاء بقوله
تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكْرَ بِثَايَتِ رَبِّهِ، فَأَعْرَضَ
(١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٣/ ٣٠٧.
(٢) تفسير الشعراوي، ٩/ ٥٣٩٤.
www. modoee.com
٢١١
حرف الألف
عَنْهَا وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاءُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ
أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِىّ ءَاذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ
إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوَأْ إِذَا أَبَدًا﴾ [الكهف:
٥٧].
فإنه لا يوجد أحد أظلم ممن ذکر بآیات
الله فأعرض عنها، واستهزأ بها وصد
عنها، وهذا ذنبهم وهذا وصفهم الذي
يستحقون (١).
ثانيًا: النفاق:
يفرح المنافقون بما انخدعوا به من
إمهال الله عز وجل لهم، ومعاملتهم على
وفق ما يريدون من معاملة في الدنيا، ظانين
بذلك أنهم تمكنوا من خديعة المؤمنين،
فيجرؤهم ذلك على التمادي في طغيانهم،
فيصل بهم الأمر إلى الاستهزاء بالدين،
والإعلان أنهم هم المصلحون على سبيل
حصر أحوالهم وأفعالهم على الإصلاح،
وأن ما عليه المؤمنون هو السفه، وما هم
عليه هو الرشد، وذلك بمصانعة أعداء الله
عز وجل وإثبات الولاء لهم، وإظهار شعائر
الإيمان بين المؤمنين، وإعلان ما كتموه من
الاستهزاء بالمؤمنين بين الكافرين.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُحَدِعُونَ
اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ
وَمَا يَشْعُرُونَ ) فِي قُلُوبِهِم قَرَشْ فَزَادَهُمُ اللهُ
١٠
مَرَضَّأْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيٌُّ بِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِي الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُصْلِحُونَ ﴿ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن
لَّا يَشْعُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ
النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْ مِنُ كَمَآ ءَامَنَ الشُّفَهَةُ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ
التُّفَهَا، وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ * وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ٩ - ١٤].
وما علم هؤلاء أن ترك عقابهم هو جزاء
من جنس العمل، كما يقول الله تعالى:
﴿اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُّهُمْ فِى ◌ُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[البقرة: ١٥].
وهم لضعف نفوسهم تجدهم يترقبون
نزول القرآن خشية أن ينزل على النبي صلى
الله عليه وسلم ما يفضحهم، يقول تعالى:
﴿يَحْذَرُ الْمُنَفِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ
سُورَةٌ نُنِّثُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ
اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَّرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤].
وهذا أمر كائن لا محالة، فإنه وإن لم
ینزل بکشف أسمائهم، إلا أنه نزل ببيان ما
یعرفون به من أحوالهم.
قال الله: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَزْ مِنَكَهُمْ فَلَعَرَ فَنَهُم
بِسِيمَهُمَّ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِّ وَاللّهُ يَعْلَمُ
أَعْمَلَكُمْ﴾ [محمد: ٣٠].
والفائدة في كشف حقيقتهم، وبيان
سلوكهم، وما يعرفون به أعظم من ذكر
أسماٹهم؛ لأنهم قوم يتكررون في کل زمان،
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٣/ ٣٠٧.
مُوسُو ◌َ النَِّيـ
القرآن الكريمِ
٢١٢
الاستهزاء
فيصير الحال أن كل من ظهرت منه هذه عنه، وكذلك حين اختار هو معصية الله عز
وجل لم يفعلها مع عجز الله عن منعه من
معاقرتها، بل ليزداد کفرًا وطغیانًا، فيزداد في
العذاب والنار بعدًا وامتهانًا.
يقول الله جل جلاله: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ
(آية المنافق ثلاثٌ: إذا حدث كذب، وإذا عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُوْلَكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ مَايَنُنَا وَلَّيِ مُسْتَكْبًِا
كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَّهِ وَقْرًا فَبَشِّرُهُ بِعَذَابٍ
ثالثًا: الكبر:
أَكِيمٍ﴾ [لقمان: ٦
لا يسلم المتكبر من خصلة الاستهزاء
أبدًا، فالكبر مرض، والاستهزاء عرض لازم،
كما أن المزكوم الزكمة به مرض، والرشح
لها عرض، وقد بين الله سبحانه وتعالى
هذا الحال للمستهزئ، وأن استهزاءه هذا
إنما هو عرض لداء مهلك موبق، ألا وهو
الكبر الذي أخبر عنه النبي صلى الله عليه
وسلم بأنه من موانع دخول الجنة، وذلك في
الحديث الذي رواه عنه عبد الله بن مسعودٍ
رضي الله عنه، أنه قال: (لا يدخل الجنة من
كان في قلبه مثقال ذرة من کېرٍ)(٢).
وهذا حاله كغيره من أهل النار لا يجتهد
إلا في هلكة نفسه، والله سبحانه وتعالى
حين أمره بطاعته لم يأمره إلا وهو غني
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب علامة المنافق، ١٦/١، رقم ٣٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الکبر وبيانه، ١ / ٩٣، رقم ٩١.
وهذا الأحمق المتكبر ما الذي استبدله
بالقرآن؟ إنه السفه والعته والعمه والضلال
المبين، استبدله بالغناء.
قال ذلك ابن مسعود وابن عباس
ومجاهد رضي الله عنهم، فقد أقسم عبد
الله بن مسعود رضي الله عنه: أن لهو
الحديث هو الغناء، والمتأمل لحال کثیر من
الناس إن لم يكن أكثرهم يقبلون على سماع
الغناء وتأمله وتدبره والتفكر في معانيه،
وإذا ما عرض على أسماعهم القرآن تجده
أثقل شيء على أسماعهم، وهو قوله تعالى:
﴿كَأَنَّ فِيَ أُذُنَّهِ وَقْرًا﴾، أي: ثقلًا لا يطيق
تحمله وسماعه (٣).
ولا یحدث لهم هذا إلا لأنهم يرون أن
ما يأتي به القرآن دون مستوى تطلعاتهم،
وسيحول دون تحقيق مشروعاتهم،
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ١٣١.
www. modoee.com
٢١٣
الصفات علم نفاقه، ولحن القول: هو فلتات
لسانه التي تکشف أحوالهم، وقدیمًا قالوا:
کاد المريب أن يقول: خذوني، وقد جاء من
وصفهم في حديث أبي هريرة رضي الله
عنه، عن النبي صلی الله عليه وسلم قال:
وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) (١).
حرف الألف
وسيحرمهم من خيرات أوليائهم، ٦٧].
فيستصغرونه وأهله، ویتکبرون في أنفسهم.
رابعًا: الجهل:
يبقى الإنسان على أصله الذي خلقه الله
سبحانه وتعالى عليه ما لم يرد الله عز وجل
أن يكرمه بالعلم والهدى، وأعني بالأصل
هنا: الجهل والضلال.
يقول الله جل جلاله: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا
اُلْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ
أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَلَهَا الْإِنسَنُّ إِنَّهُ، كَانَ
لَلُ مَا جَهُوً
[الأحزاب: ٧٢].
وإن جهله بحقيقة نفسه يجعله يهزأ بما
لا علم له به أيضًا، فلا عجب من أن يظن
بنو إسرائيل الذين شاقوا الأنبياء منهم أن
نبي الله موسى عليه السلام يهزأ بهم حين
أخبرهم بما أمرهم الله به من ذبح البقرة؛
لأن الاستهزاء عادتهم وديدنهم، فعرض بهم
بقوله: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾
الذين فيكم أمثالهم، فهم الذين يقع منهم
الاستهزاء وخاصة في مثل هذه المواطن،
ذلك أنه نبي ويعلم أن الاستهزاء على
الشاكلة التي اتهموه بها لا يفعله إلا جاهل،
وهذا ما ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة
البقرة: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ قَالُوا أَنَّخِذُنَا هُوَّا قَالَ
أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة
وفعل المستهزئين -أيضًا- بكونهم
يشترون حديث الباطل واللهو، فإنه إن دل
على شيء دل على أنهم ليس عندهم علم
يفرقون به بين النافع والضار، والفاسد
والصالح.
يقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى
لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلٍّ
وَيَتَّخِذَهَا هُزُوَاْ أُوْلَيْكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾
[لقمان: ٦].
فيقبلون على ما يكون به هلاكهم،
ويعرضون عما فيه خيرهم وصلاحهم،
ولا یکون منهم هذا إلا لأنهم أهل جهل
بلا علم، فهم أهل جهل حين يتفكهون
بالاستهزاء بالخير وأهله، وأهل جهل حين
ينفقون ويدفعون ثمنًا يشترون به الغرر
والضرر، ويضيعون ما استخلفهم الله فيه
شذر مذر، عابثين لاهين هازئين لاعبين (١)،
وهم یسیرون في طريق يوصلهم إما إلى دار
السلام أو إلى دار الجحيم.
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص ٦٤٧.
٢١٤
موسوعة البقية
جوبيـ
القرآن الكريم
الاستهزاء
علاج الاستهزاء
أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن شفاءً
للناس وهدى ورحمة، يقول تعالى:
﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ﴾ [الإسراء:
٨٢].
و قد تبين لنا مما سبق أن الاستهزاء عرض
وليس مرضًا، والعرض علاجه أسهل وأهون
من علاج المرض، فبالإمكان تخفيض درجة
حرارة المریض مع بقاء المرض حتى يبدو
كأنه صحيح، أما الشفاء منه بالمطلق فإنه لا
یتم حتی یزول سبب الداء وتستأصل شافته،
والأمراض التي يظهر معها هذا العرض
هي أسبابه التي سبق أن بيناها، أما إذا لم
نتمكن من استئصالها فيمكننا أن نخفف من
أعراضها، والاستهزاء له علاجات يمكن أن
يزول باستعمالها مع المستهزئين، فهم قوم
مرضى النفوس، أغواهم الشيطان بتزيين
الباطل لهم، وأغراهم بأن هذه الأفعال
تجعل منهم أعلامًا ونجومًا، وتجمع الناس
حولهم؛ لأنهم يجهلون حقيقة أنفسهم؛
لهذا فهم يجهلون السبب الذي جرأهم
على فعل الاستهزاء، وإنهم لينزعجون
من وصفهم بالجهل، ويصرعون بكشف
حقیقتهم وفضح أسرارهم، ويفزعون إذا نفر
الناس من حولهم، لذلك جاءت علاجاتهم
مكافئة لهم بما يكرهون، ووضعهم في
المكان الذي يستحقون، وقد أرشدنا القرآن
إلى طرق إزالة هذا العرض إن استحكم
بأصحابه أصل المرض، على ما سيأتي بيانه.
أولًا : معالجة أسباب الاستهزاء:
وهذا الأمر هو ما تم تناوله سابقًا، فقد
جاء بيان أسباب الاستهزاء بيانًا شافيًا، فحين
يعرف المستهزئ السبب الذي أوقعه في
هذا الأمر فإنه -إن كان عاقلا- سرعان ما
يقلع عنه، ویتوب منه، ويعتذر عما بدر منه،
يقول الله عز وجل: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ
لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ
وَءَايَئِهِ، وَرَسُولِهِ، كُنْتُمْ تَسْتَهْزِمُونَ
لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِمَنِكُمْ إِن نَّْفُ عَن
طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ تُعَذِّبْ طَاِفَةٌ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ
مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].
ولا يقنطهم الله جل جلاله من توبته
عليهم، بل يفتح لهم باب الرجاء للعودة عما
قارفته أيديهم بقوله: ﴿إِن نَّعْفُ عَنْ طَآئِفَتِ
مِّنْكُمْ﴾ وأبقاهم على وجل من الإصرار
عليه، أو العودة لمثله بقوله: ﴿تُعَذِّبَ طَايِفَةٌ
بِأَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، لما علم من
فيهم خير أن هذا العمل من أعمال الكفر
تركوه واعتذروا منه تائبين توبة صادقة، أما
الآخرون فقد كفوا عنه، ولكن لسبب آخر،
سیکون الحدیث عنه فیما یأتي.
www. modoee.com
٢١٥
حرف الألف
ثانيًا: فضح المستهزئين:
يُحْذَرُ
يقول الله جل جلاله:
الْمُنَفِقُونَ أَنْ تَُزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنِّثُهُم
بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا
تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤].
هذا أشد ما يحذروه؛ لأجل ذلك كان
فضحهم بسوء أعمالهم هو أشدرادع لهم عن
مقارفة استهزائهم، وذلك لقلة عقلهم، وشدة
غفلتهم، فلو كانوا يعقلون لعلموا أن العذاب
المدخر لهم بسبب ما يؤذون به المؤمنين
أحرى بأن يكون لهم رادعًا عن الاستهزاء
بأولیاء الله عز وجل، ومع ما یدخره الله لهم
من العذاب المهين، إلا أنه يفضحهم ويطلع
المؤمنين على سرائرهم (١)، في سورة جعل
أحد أسمائها الفاضحة (٢)، ويجلي صفاتهم
کما سبق وبینا.
بقول الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
فِى قُلُوبِهِم مَّرَضُ أَن لَّنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَنَهُمْ
٦ وَلَوْ نَشَآءُ لَأَزْنَكَهُمْ فَلَعَرَ فْنَهُمْ بِسِيمَهُمْ
وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ اَلْقَوْلِّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَلَكُمْ﴾
[محمد: ٢٩ - ٣٠].
فاللسان ترجمان القلب، ویفصح عما
أخفاه، خاصة مع الحذر والخوف من
انكشاف ما تكون به الفضيحة، وأخبرهم
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٠٪
٢٤٨.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٣٤٢.
الله سبحانه وتعالى أنهم يفضحون أنفسهم
باستهزائهم، فكان في هذا الخبر كفٌ
لاستهزائهم حذرًا من أن يفضحوا أنفسهم،
فربما اطمأنوا لانقطاع الوحي بعدم نزول
سورة كالتي نزلت فيها فضيحتهم، لكنهم
بعد هذا الخبر لن ينعموا بالاطمئنان؛ حذرًا
من خیانة ألسنتهم لهم.
ثالثًا: مقاطعة مجالس المستهزئين:
إن الهجر علاج أكيد لكثير من العادات
السيئة، والأخلاق الذميمة، وقد شرعه
الله جل جلاله في ديننا، ليتحقق به ردع
المستهينين بحرمات الله عز وجل وأعراض
المسلمين، والمستهزئين بالدين، يقول الله
تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِنَبِ
أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
نَفْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِمِنْ إِنَّكُمْ
إِذَا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي
جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
وقد بين الله جل جلاله فيما أنزل من
القرآن حكمه الشرعي عند حضور مجالس
الكفر والمعاصي التي يستهزأ فيها، ويستهان
بآيات الله جل جلاله، وأحكام دينه، وذلك
أن الواجب على كل مكلف الإيمان بآيات
الله وتعظيمها وإجلالها وتفخيمها، وهذا
المقصود بإنزالها، وهو الذي خلق الله
الخلق لأجله، فضد الإیمان الکفر بها، وضد
مُؤْقَبُو بَرُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢١٦
الاستهزاء
تعظيمها الاستهزاء بها واحتقارها، ويدخل
في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال
آیات الله ونصر کفرهم(١).
وكذلك المبتدعون على اختلاف
أنواعهم، فإن احتجاجهم على باطلهم
يتضمن الاستهانة بآيات الله؛ لأنها لا
تدل إلا علی حق، ولا تستلزم إلا صدقًا،
بل وكذلك يدخل فيه حضور مجالس
المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر
الله ونواهیه، وتقتحم حدوده التي حدها
لعباده، ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم
حتی يخوضوا في حدیث غیر الكفر بآيات
الله والاستهزاء بها، وإن قعد أحد معهم
في الحال المذكورة فهو مثلهم؛ لأنه رضي
بكفرهم واستهزائهم، والراضي بالمعصية
كالفاعل لها.
فإن الله سبحانه وتعالى سيجمعهم في نار
جهنم يوم القيامة كما اجتمعوا على الكفر
والموالاة في الدنيا، ولا ينفعهم مجرد
كونهم في الظاهر مع المؤمنين (٣).
وقد جاء في حديث في سنده ضعف
إلا أنه صحيح المعنى عن الحسين بن علي
رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه
وسلم: (من شهد أمرًا فکرهہ کان کمن غاب
عنه، ومن غاب عن أمرٍ فرضي به کان کمن
شهده)(٢).
والحاصل أن من حضر مجلسًا يعصى
الله فيه، فإنه يتعين عليه الإنكار عليهم مع
القدرة، أو القيام مع عدمها، وإن لم يفعلوا
(١) انظر: الكشاف، الزمخشري، ١/ ٥٧٨.
(٢) أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده، (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٢١٠.
١٥٤/١٢، رقم ٦٧٨٥.
www. modoee.com
٢١٧
حرف الألف
عاقبة المستهزئين
من علم أن الحياة مغنم ومغرم، ما كان
ينبغي في حقه أن يسخر منها، بل كان لابد
له من اغتنام کل لحظة تمر به؛ لیحیی حیاة
الكرماء أهل الجد والعزم، وكان لزامًا عليه
ألا يدع خبرًا ذا شأن إلا وقف معه، وتأمله،
ونظر في الأدلة القائمة على ثبوته، فإن
بلغت مرتبة الإقناع كان عليه أن يسير وفق
ما تستقيم به حياته مع هذا الأمر، وإن لم
يجدها قائمةً على وفق العقل السليم والفهم
القويم، ترکها وأعرض عنها، وليس ثمة داع
لأن يستهزئ بها فإن ذلك مضيعة للوقت
وانشغال بالملهيات عن المهمات.
فكيف بمن جاءه الخبر عن أمر خطير
بأدلته المقنعة الدامغة، فلم يكلف نفسه أن
يتأمله أو يتدبره، بل واتخذه هزوا، أليس
حقیقًا بأن یذوق وبال أمره، وعاقبة خسره.
فكيف بالأمر وقد وصفه الله سبحانه
وتعالى أنه عظیم.
﴿ قل هو نبؤاعظ
يقول الله جل جلاله:
أَنْتُ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨].
٦٧
ولم يكن إعراضهم إعراض ترك فحسب،
بل ركبوا عليه الاستهزاء كما أسلفنا.
وفي ذلك يقول الله عز وجل : ﴿وَمَا
يَأْيِهِم مِّن ذِكْرِ مِّنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثِلًا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
فَقَدْ كَذَّبُواْ فَسَيَأْتِهِمْ أَنْبَوْ مَا كَانُواْ بِ
يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الشعراء: ٥-٦].
فماذا أخبر الله عز وجل عن العاقبة التي
جعلها لهؤلاء؟ يقول الله تبارك وتعالى:
﴿ثُمَّ كَانَ عَقِبَةَ الَّذِينَ أَسَهُوا السُّوَ أَنْ كَذَّبُواْ
بِشَايَتِ اَللَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الروم:
١٠].
والعاقبة هنا قد تعجل لهم في الدنيا مع
بقية منها تسوؤهم أكثر في الآخرة، وقد
يؤجلها الله لهم إلى يوم القيامة (١).
أولًا: عاقبة المستهزئين في الدنيا:
١. نعتهم بأقبح الصفات.
إن من أشد ما یسوء الإنسان أن يوصف
بالكفر بأمر تثبته الشواهد والآيات، وتقطع
به البراهين، ويسلم له العقلاء، أو بالنفاق
لإصراره على إبطان ما يعاب به من السوء،
وكان أمرًا ينأى أهل الكمال بأنفسهم عنه،
أو بالجهل بأمر هو من المسلمات، بما
قام عليه من الدلائل والآيات، فكان من
المعلومات بالضرورة لكل الكائنات حتى
البهائم والحيوانات، والأحياء والجمادات،
والمستهزئون بآيات الله ورسله، كانوا
مستحقین لأن يدمغوا بتلك الوصمات، وأن
یختم علیهم بتلك السمات، يقول الله سبحانه
وتعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِى الْكِنَبِ أَنْ
إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
(١) انظر: تفسير المراغي، ٣٢/٢١.
٢١٨
القرآن الكريم
الاستهزاء
نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِهِهُ إِنَّكُمْ جلاله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ
إِذَّا مِثْلُهُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَنِكُم مِّنْ أَحَدِّثُمَّ أَنصَرَفُواْ
صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾
جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠].
[التوبة: ١٢٧].
فقد جعلهم بين أن يكونوا منافقين
أو كافرين باستهزائهم بآيات الله تبارك
وتعالى(١)، وما أشينها من صفات، وما
أبشعها من أخلاق؛ الكفر والنفاق، لكنهم
بها جدیرون وأهل استحقاق، وقد حکم نبي
الله موسى عليه السلام على المستهزئين
بأنهم جاهلون، وذلك حین ظنوا أنه يستهزئ
بهم، فبين لهم أنه أمر لا يفعله إلا الجاهلون.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ
مُوسَى لِقَوْمِهِ، إِنَّ اللّهَ يَأْمُكُمْ أَنْ تَذْبَهُواْ بَقَرَةٌ
قَالُواْ أَنَتَّخِذُنَا هُزُّوَّا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ
الْجَهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]
٢. كثرة الوساوس والظنون،
والحذر من فضحهم.
حين يظهر هؤلاء المستهزئون للمؤمنين
الموافقة، إنهم يعلمون أنهم خاطئون بکتمان
المخالفة، ولما رأوا ما في القرآن من إظهار
الحقائق وصدق الأخبار، كانوا دائمًا على
وجل وخوف من أن يهتك الله أستارهم،
وقد كان القرآن ینزل بأخبارهم، فحین يقرع
مسامعهم إخبارهم بما فعلوه فيما بينهم،
يتساءلون كما أخبر الله عنهم بقوله جل
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٤١٨/٥.
فحالهم كما بينها الله عز وجل: ﴿يَحْسَبُونَ
كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُ الْعَدُوٌّ فَأَحْذَرْهُمْ فَتَلَهُمُ الَّهُ أَنَّى
يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون: ٤].
يحسب هؤلاء المنافقون من خبثهم
وسوء ظنهم، وقلة يقينهم كل صيحة
عليهم؛ لأنهم على وجل أن ينزل الله فيهم
أمرًا يهتك به أستارهم ويفضحهم، ويبيح
للمؤمنين قتلهم (٢)، فحیاتھم حیاة قلق دائم،
واضطراب مستمر.
٣. استئصالهم وقطع دابرهم.
وقد ذكر الله صنیعه هذا بهم في كثير من
الأمم السابقة، حین کانوا یستهزئون برسلهم
وأنبيائهم.
يقول تعالى: ﴿وَلَقَدِ أُسْتُهْزِئَّ بُِلٍ مِّن
قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ
كَانَ عِقَابٍ﴾ [الرعد: ٣٢].
يذكر الله سبحانه وتعالى هذا الأمر
تسلیةً للنبي صلى الله عليه وسلم ببيان سنته
مع من كانوا يستهزئون برسلهم من الأمم
السابقة، وأن الله لم يعاجلهم بالعقوبة بل
أمهلهم؛ ليؤمن منهم من سبق في علم الله
إيمانه، ويستحق العقاب من أصر على
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٣٩٥/٢٣.
www. modoee.com
٢١٩
حرف الألف
عصيانه (١)، وكذلك حال المستهزئين من الانحراف، وليس ذلك أننا نقلل من أمرها،
لكنها أولًا عن آخر لابد وأن تكون تبعًا
أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر
ليس في الأمم الماضية فحسب؛ بل هو في
الأمم اللاحقة أيضًا، فهو سنة ماضية باقية
لا تتخلف، يقول الله عز وجل ﴿فَقَدْ كَذَّبُواْ
بِالْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمَّ فَسَوْفَ يَأْتِهِمْ أَنْبُّأُ مَا كَانُوا بِ
يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [الأنعام: ٥].
للتوحيد وأساسها العقيدة الصحيحة، وليس
المعنى أن سبب الاستهزاء محصور في هذا
السبب، لكنه شرك وقد نصب للمتحمسين
من أبناء المسلمين؛ ليقعوا فريسةً لأهل
الاستهزاء، من الكفرة والملحدين.
وقد جعل الله جل جلاله الحرف الدال
على الاستقبال هنا بقوله: (سوف)، وفي
موضع آخر جعله بـ (السين)؛ ليدل في هذا
الموضع على بعد الزمان، أي: إنه مهما
طال الزمان فإن سنة الله ماضية مع قانون
العقوبات الرباني، فكلما حدث استهزاء
أحدث الله له ما يتناسب معه من عقاب(٢)،
ونحن نرى اليوم من أساليب الاستهزاء ما
يعتصر منه القلب ألمًا، ويتذوب منه كمدًا؛
لكونه یحدث من أبناء المسلمين، ولعل من
أسباب حدوث هذا الأمر، اختلال الموازين
لیس عندهم فحسب! بل وعند كثير ممن
تلبسوا بثوب الدين، وهم على غير طريقة
سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، من
الدعوة إلى التوحيد والصراط المستقيم،
فصارت أولوياتهم ومعاييرهم سياسية أو
قومية أو عصبية طائفية لشيخ أو طريقة
أو عقيدة منحرفة، أو غير ذلك من ألوان
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣٢٢/٩.
(٢) انظر: المنار، محمد رشيد رضا، ٧/ ٢٥٤.
ثانيًا: عاقبة المستهزئين في الآخرة:
الحال في يوم القيامة أن الناس بین مثاب
بخير الجزاء، ومأواه دار الكرامة والنعيم
المقيم، ومعاقب بشر الجزاء، ومأواه دار
المهانة والخزي والجحيم، فالذين عرفوا
الحق بأماراته، وآمنوا بالله وآياته.
ومن جملة ما آمنوا به اليوم الآخر هم
المثابون المكرمون، أما الذين اتخذوا ما
جاءهم به المرسلون سخريةً واستهزاءً، ومن
جملته الإيمان باليوم الآخر، هم المعذبون
المهانون.
يقول الحق جل جلاله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ
اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيّبَ فِيَهَا قُلْتُ مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ
إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ ، وَبَدَا
لَمْ سَيْئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم ◌َا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ
وَقِيلَ أَلْيَّوْمَ نَفْسَنَكُمْ كَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُرْ هَذَا
وَمَأْوَنَكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُ مِن نَّصِرِنَ ◌ّ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ
اَّخَذْتُمُّ ◌َيَتِ اللَّهِ هُوًا وَغَرَّتَكُمُ الْحَيْوَةُ الدُّنْيَّ فَالْيَوْمَ لَا
يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْنَبُنَ ٥ فَلِلَّهِ اَلْحَمْدُّ
٢٢٠
مَوَسُولَةُ الْمَشِد
القرآن الكريم
الاستهزاء
رَبِّ السَّمَوَّتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ
وَلَّهُ الْكِبْرِيَاءُ فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ اَلْعَزُِ
اَلْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٢ - ٣٧].
یخبر الله عز وجل عنھم أنھم کانوا إذا
دعوا إلى التصديق بوعد الله سبحانه وتعالى
وأنه- وحده- المستحق التوحيد والعبادة،
وإلى الإيمان باليوم الآخر، أظهروا التجاهل
والشك فيما جاءهم به النبي صلى الله عليه
وسلم، واستهزأوا بهذه الأخبار.
فيخبر الله سبحانه وتعالى أنهم سيعاينون
ما تجاهلوه، وسيبدو لهم عاقبة استهزائهم
بأمر واقع بهم لا محالة، وحينها يدخلون
أشد العذاب، ويتركون كما تركوا (١) اتباع
النبي صلى الله عليه وسلم وتصديق أخباره،
واستهزأوا به وبما جاءهم به من ذكر هذا
اليوم، وبما اغتروا به من زخرف الحياة
الدنيا الزائل المخادع، فلا خروج لهم منه،
ولا فرصة تمنح لهم؛ ليعتذروا عن أفعالهم
القبيحة.
وغاية ما يخاطبون به توبيخهم وتقريعهم
وتبكيتهم بتذكيرهم بما قارفوه من الفرح
والاستهزاء، واغترارهم وفرحهم بما
اعتقدوه من قدرتهم على الدنيا وتمكنهم
منها، وأنها باقية لهم.
والله أكبر من أن يعجزه إيصال العقاب
لمستحقيه، والله أكبر من کل ظن سيء فيه،
(١) انظر: المنار، محمد رشيد رضا، ٢٥٤/٧.
والله أکبر وله الحمد في ربوبيته للكون وما
فيه، والله أكبر بحلمه مع علمه بما يظن
الخاطئون فیه، الله أكبر مع عزته وحكمته
في إمهال الغاوين، والمستهزئين بآياته
وأوليائه وأنبيائه ومرسلیه.
موضوعات ذات صلة:
الأذى، اللعب، اللهو
www. modoee.com
٢٢١