Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الأسْتُهُرَاءُ
عناصر الموضوع
مفهوم الاستهزاء
١٨٦
الاستهزاء في الاستعمال القرآني
١٨٧
الألفاظ ذات الصلة
١٨٨
نسبة الاستهزاء إلى الله تعالى
١٩١
١٩٦
الاستهزاء بالأنبياء وأتباعهم
٢٠٧
مواطن الاستهزاء
٢١١
أسباب الاستهزاء
٢١٥
علاج الاستهزاء
٢١٨
عاقبة المستهزئين
المُجَلَّدَ الثَالِكْ

حرف الألف
مفهوم الاستهزاء
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل مادة ( هزء) تدل على السخرية، يقال: هزأ واستهزأ: إذا سخر، واستهزأ بالقانون:
خرقه ولم ينفذه، وهو بمعنى: السخرية، والاستخفاف، ويأتي بمعنى: التهكم (١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف كثيرًا المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، فالاستهزاء يقتضي تصغير من
قصد به، وتحقیره(٢).
ويكون بالقول أو بالفعل، بالعبارة أو الإشارة، بالخطابة أو بالكتابة، بالتصريح أو بالتلميح،
بالتحقيق أو بالتلفيق، وقد يطابق الحال فيمن استهزئ به وقد يخالف.
وعرفه ابن جرير الطبري بأنه: «إظهار المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل ما يرضيه
ظاهرًا، وهو بذلك من قيله وفعله به مورثه مساءة باطنًا))(٣).
وبإمعان النظر يظهر أن هذا التعريف غير دقيق، ذلك أن الاستهزاء قد وقع من الكفار في
العهد المكي، وهو عهد الاستضعاف، ويؤكد ذلك مجيئه في السور المكية، ولم يكن من
الكفار إظهار ما يرضى به النبي صلى الله عليه وسلم بل كانوا يظهرون له العداوة والسخرية
والطعن فيه، ويسعون في إحراجه كثيرًا، وكون هذا فيهم يرد هذا التعريف، وقد ذكره الطبري
في سورة البقرة عند الحديث عن المنافقين، لكنه حين وقف مع استهزاء الكافرين ذكر أنه
كان منهم السخرية والإيذاء للنبي صلى الله عليه وسلم(٤).
والمختار في تعريف الاستهزاء هو: صدور ما يدعو لانتقاص شأن المقصود به من
المستهزئ، بوجود المقتضي أو بعدمه، بغرض التحقير له، أو التنفير عنه، أو كليهما.
(١) انظر: تهذيب اللغة، الأزهري، ٢٢/٦، الصحاح، الجوهري،٨٤/١، مقاييس اللغة، ابن فارس،
٥٢/٦.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص ٢٥٤.
(٣) جامع البيان، ٣٠٣/١.
(٤) انظر: المصدر السابق ١٧/ ١٥٣.
١٨٦
موسوعة البقية
القرآن الكريم

الاستهزاء
الاستهزاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (هزء) في القرآن الكريم (٣٤)(١).
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٣
[الأنعام: ١٠]
الفعل المضارع
١٧
اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُلُّهُمْ فِى ◌ُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ
[البقرة : ١٥]
١٥
﴿قُلِ أَسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ
فعل الأمر
١
﴾ [التوبة: ٦٤]
﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ وَأَّخَذُوَاْ ءَنِى وَرُسُلِىِ هُزُوًّا
المصدر
٥١
[الكهف:١٠٦]
١٠٦
اسم الفاعل
٢
إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِينَ (٥)
* [الحجر: ٩٥]
وجاء الاستهزاء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي الذي يحمل معنى السخرية(٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبدالباقي ص ٧٣٦-٧٣٧.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٢/٦، المفردات، الراغب الأصفهاني ص ٨٤١، بصائر ذوي التمييز،
الفيروزآبادي ٥/ ٣٢٥.
www. modoee.com
١٨٧
﴿وَلَقَدِ أَسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا كَانُواْ بِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ
١٠

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الازدراء:
١
الازدراء لغة:
الاستخفاف، والاستهانة، والاحتقار(١).
الازدراء اصطلاحًا:
قلة قدر المقصود به في نظر المزدري.
الصلة بين الاستهزاء والازدراء:
الازدراء يعدى بدون حرف، ويقع من الأعلى على الأدنى؛ لعدم بلوغه المكانة المقنعة
للمزدري،، بينما الاستهزاء يعدى بالباء، ويكون من المماثل أو من الأدنى إلى الأعلى.
السخرية :
٢
السخرية لغة:
((السين والخاء والراء أصل مطرد مستقيم يدل على احتقار واستذلال))(٢).
السخرية اصطلاحًا:
الاستهانة والتحقير والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك منه. وقد يكون
ذلك بالمحاكاة في الفعل والقول، وقد يكون بالإشارة والإيماء(٣).
الصلة بين الاستهزاء والسخرية:
السخرية تکون بعد صدور فعل من المقصود بها، بينما الاستهزاء قد یکون دون صدور
ما يقتضيه من المراد به (٤)
٠
التهكم:
٣
التهكم لغة:
هو اقتحام المرء ما لا يعنيه، والتعرض للغير بالشر(٥).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٤/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٥٢/٣.
(٣) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي، ص١٩٢. محاسن التأويل، القاسمي ٥٣١/٨.
(٤) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٥٠.
(٥) مقاييس اللغة، ابن فارس ١٤٤/٣.
مَوَسُو ◌َ النَفسِيد
القرآن الكريم
١٨٨

الاستهزاء
التهكم اصطلاحًا:
هو ازدراء الغير بسبب في المزدري كالغيظ ونحوه.
الصلة بين التهكم والاستهزاء:
أن المقتضي للتهكم بغض المتهكم به من غير وجود سبب، أما الاستهزاء فإنه يحتمل
وجود السبب، فالتهکم یکون من المتعالي وبدون أن یکون في المتهکم به ما يدعو للتهكم،
وإنما فعله من قبيل الاستعلاء.
الهمز:
٤
الهمز لغة:
هو الضغط والعصر، والتعييب والطعن والغمز في غياب المهموز، وكأن الذي يهمز
الناس يضغط الحروف ويعصرها (١).
الهمز اصطلاحًا:
عيب الناس والطعن فيهم حال غيبتهم.
الصلة بين الاستهزاء والهمز:
الاستهزاء يكون في الحضور والغيبة على حد سواء، بينما الهمز يكون في الغيبة غالبًا.
اللهمز:
٥
اللمز لغة:
العيب في حضرة المقصود به لا في غيبته، بكلام ظاهر أو خفي، وأصله الإشارة بالعين
ونحوها (٢).
اللمز اصطلاحًا:
العيب بشيء فيه تهمة (٣).
الصلة بين الاستهزاء واللمز:
أن الغرض من الاستهزاء التحقير، بينما الغرض من اللمز التشكيك والاتهام.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٦٥/٦، معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ٢٣٦٤/٣.
(٢) انظر: العين، الفراهيدي، ٣٧٢/٧، الصحاح، الجوهري، ٨٩٥/٣، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٠٩/٥.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٥٣.
www. modoee.com
١٨٩

حرف الألف
المزاح:
٦
المزاح لغة:
المداعبة بكلام لا يقتضي التحقير (١).
المزاح اصطلاحًا:
الكلام غير الجاد على سبيل الدعابة (٢).
الصلة بين الاستهزاء والمزاح:
الاستهزاء يكون بغرض التحقير، بينما المزاح غرضه المداعبة (٣).
٧
الاستهانة:
الاستهانة لغة:
الإذلال، والاستخفاف (٤).
الاستهانة اصطلاحًا:
التهوين والتقليل من شأن المقصود بها.
الصلة بين الاستهزاء والاستهانة:
أن المقصود بالاستهزاء قد يكون شأنه عاديًا، بينما المقصود بالاستهانة الذي يظهر من
شأنه أکبر مما يراه المستهين.
الغمز:
٨
الغمز لغة:
العيب والذكر بغير الجميل(٥).
الغمز اصطلاحًا:
الإشارة بالعين والحاجب استهزاءً وتنقصًا (٦).
الصلة بين الاستهزاء والغمز:
الاستهزاء أعم من الغمز، فالغمز صورة من صور الاستهزاء حيث إنه يكون بالعين
والحاجب فقط.
(١) انظر: المصدر السابق، ص٢٥٤.
(٢) انظر: غريب الحديث، إبراهيم الحربي، ٢/ ٤٧٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ص٢٥٤.
(٤) انظر: معجم لغة الفقهاء، قلعجي، ص ٦٠.
(٥) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٣٩٤/٤.
(٦) انظر: معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار، ١٦٤١/٢.
١٩٠
جوبيبو
القرآن الكريم

الاستهزاء
نسبة الاستهزاء إلى الله تعالى
وبما جاء عن رسول الله، على مراد رسول
الله))(٢)، فيكون إيماننا بما أخبرنا الله جل
جلاله من أسمائه وصفاته إيمانًا بالغيب،
سنتعرض لقضية نسبة الاستهزاء لله عز
وجل من خلال النقاط الآتية:
الذي لا طاقة لنا بإدراك كيفيته، مع التسليم
أولًا: إثبات صفات الله مع تنزيهه عن بأن المعاني التي أرادها الله منها حقيقتها،
مشابهة المخلوقين:
عقيدة أهل الإسلام أهل السنة والجماعة
هي أن الله سبحانه وتعالى هو العليم بذاته،
والذي لا نعلم شيئًا عن ذاته أو أسمائه
وصفاته وأفعاله، إلا ما أوحى به لرسله، وقد
قال جل جلاله -مخبرًا عن الملائكة الذين
كلمهم وكلموه -: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا
إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة:
٣٢].
وذلك حين عرض عليهم أشياء رأوها
بأعينهم، لكنه لم يعلمهم ما هذه الأشياء وما
أسماؤها؟ وعلمها آدم فأمره ربه أن يخبرهم
بأسمائها(١)، وكان هذا في أمر مشاهد،
فكيف الحال مع ما غاب عنا وعنهم؟! لا
يمكن لمخلوق أن يكون عنده أثارة من
علم إلا أن يأذن الله بها، لذلك كان الأمر
في عقيدتنا أن نؤمن بالله سبحانه وتعالى
وما جاء عن الله على مراد الله، كما قال:
الشافعي رحمه الله : «آمنت بالله وبما جاء
عن الله، على مراد الله، وآمنت برسول الله،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير،
٢٢٣/١.
ولا يستقيم أن نصرف هذه المعاني عن
ظاهرها، لا تكييفًا ولا تشبيهًا ولا تأويلاً
ولا تعطيلًا ولا تمثيلًا، وقد كان الأصل
الذي قرره القرآن في غير آية يبين لنا أن الله
سبحانه وتعالى لا مثيل ولا شبيه له حصنًا
لأفهامنا من الزيغ والانحراف، يقول الله
سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١](٣).
وقال: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوْا أَحَدٌ﴾
[الإخلاص: ٤].
وقال أيضًا: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ
اٌلْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠].
وغيرها من الآيات التي يتحقق لنا العلم
منها أن الله لا یمکن أن يتصف بما اتصف به
خلقه، وإن تشابهت الكلمات والمعاني إلا
أن الحقائق بخلاف ذلك.
في ضوء ذلك يمكننا البحث عما أراده
الله من قوله: ﴿اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ وَيَُّلُّهُمْ فِى
◌ُغْيَيْهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٥].
محتاطين لأنفسنا مما وقع في بعض
(٢) لمعة الاعتقاد، ابن قدامة المقدسي، ص٧.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٧٥٤.
www. modoee.com
١٩١

حرف الألف
كتب التفسير التي سار المفسرون فيها على ونظيراتها في كتاب الله عز وجل وذلك أن
المنهج العقلي، ومنهج علم الكلام والجدل إثبات صفة كالاستهزاء والخداع والمكر
والسخرية لله سبحانه وتعالى، أمر يقتضي
رفع الاشتباه الذي قد يترتب عليه الظن
والاعتقاد بأن الله متصف بصفات لو كانت
في حق البشر لكانت صفات نقص، فكيف
يتصف الله بها؟! وقد قاموا بفضل الله جل
جلاله بدفع الاشتباه، ورد الشبه التي أوردها
أهل الانحراف والعقائد الضالة بأوضح
العبارات(١)، وهذا ما يرجحه الإمام الطبري
في قوله: ﴿اَللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِمْ﴾ [البقرة: ١٥].
الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، في
البحث في أسماء الله وصفاته، بل هو كماء
البحر الذي إذا شرب منه العطشان ازداد
عطشه، وتمزقت جدران حلقه، وهذا ما
جناه من ذهب يبحث في أسماء الله وصفاته
على تلك الطريقة المنحرفة، قد أدى إلى
تحیر کثیر ممن خاضوا فیه، وقد صرحوا
بذلك، وليس هذا مقام بيان ذلك، لكن
جئنا به على سبيل التنبيه، ولیکون مدخلًا
للخوض في نسبة الاستهزاء إلى الله سبحانه
وتعالى، على طريقة أهل الجدل والسفسطة،
فتنزه وتقدس ربنا عن صفات النقص، وعز
بصفات العز والكمال، وجل بنعوت الکبریاء
والجلال، ونحن بذلك مؤمنون وله مثبتون.
ثانيًا: الاستهزاء ونسبته إلى الله:
یبین الله عز وجل كاشفًا وفاضحًا لحال
المنافقين ومقالهم، حين يعتذرون لرؤوسهم
ورؤسائهم، وأئمتهم وشياطينهم، بالأمر
الذي حاق بهم، وأغراهم وغرهم بسوء
فعلهم، يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا لَقُواْلَّذِينَ
ءَامَنُواْ قَالُوَاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ١ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم
وَيَمُدُّهُمْ فِ طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: ١٤ - ١٥].
وقد وقف أهل العلم مع هذه الآية
وهو أن استهزاء الله بالمنافقين هو من
جنس فعلهم، وقد سبق أن ذكرنا تعريفه
للاستهزاء في هذا المقام وهو: ((إظهار
المستهزئ للمستهزأ به من القول والفعل
ما يرضيه ظاهرًا، وهو بذلك من قيله وفعله
به مورثه مساءة باطنًا)»(٢)، فقابلهم الله جل
جلاله على ما أظهروه من الإيمان والولاء
للمؤمنين بألسنتهم، وإبطان نقيضه من
التكذيب والعداء في قلوبهم، أن أظهر
لهم في الدنيا أن لهم أحكام أهل الإيمان
المصدقين ظاهرًا وباطنًا والذين يوالون
الله ورسوله في الدنيا، مع علمه بكذبهم
وخبث اعتقادهم، حتى ظنوا أنهم يوم
القيامة سیحشرون في عداد المؤمنين، الذين
(١) الفصل في الملل والأهواء والنحل، ابن حزم،
١١٣/٢.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٣٠٣/١.
مَوَسُو ◌َ النَّفِيَة
القرآن الكريم
١٩٢

الاستهزاء
كانوا في عدادهم في الدنيا، وقد أنزل الله
في كتابه ذكرهم وذكر أحوالهم وسرائرهم
الخبيثة، وما أعد لهم يوم القيامة من الخزي
والمفاجآت والمواقف الفاضحة والعذاب
الأليم على خلاف توقعاتهم، وذلك في
مواقف نذكر منها ما يأتي:
ما جاء في قول الله سبحانه وتعالى ﴿يَوْمَ
يَقُولُ الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُونَا
نَقْتِسْ مِن ◌ُِّكُمْ قِلَ آَرْ جِعُواْ وَرَ كُمْ فَالْتَمِسُوا نُورَّ فَضُرِبَ
بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِئُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَهِرُهُ, مِن
قِبَلِهِ الْعَذَابُ { يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَعَكُمْ قَالُواْ بَلَ
وَلَكِنَّكُمْ فَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَضْتُمْ وَأَرْتَبْتُمْ وَغَرَّتَكُمُ
اَلْأَمَانِىُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الَّهِ وَغَزَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
[الحديد: ١٣ - ١٤].
إذ بعث الله نورًا، فلما رأى المؤمنون النور
توجهوا نحوه، و کان النور دلیلا من الله إلی
الجنة؛ فلما رأى المنافقون المؤمنين قد
انطلقوا تبعوهم، فأظلم الله على المنافقين،
فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نور کم، فإنا
كنا معكم في الدنيا؛ قال المؤمنون: ارجعوا
من حيث جئتم من الظلمة، فالتمسوا هنالك
النور))(١).
وموقف ثانٍ في قوله: ﴿یَوْمَ یُگْشَفُ عَن
سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [القلم:
٤٢].
(١) المصدر السابق، ١٨٢/٢٣.
عن أبي سعيد رضي الله عنه قال:
سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(یکشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمنٍ
ومؤمنةٍ، فیبقی کل من كان يسجد في الدنيا
رياءً وسمعةً، فيذهب ليسجد، فيعود ظهره
طبقًا واحدًا)(٢).
وهؤلاء هم المنافقون؛ ذلك أن الناس يوم
القيامة يذهب كل قوم مع إلههم الذي عبدوه
في الدنيا (ويبقى المؤمنون والمنافقون،
فيقال لهم: ألا تذهبون فقد ذهب الناس؟
فيقولون: حتى يأتينا ربنا، فيقال لهم: أو
تعرفونه؟ فيقولون: إن اعترف لنا عرفناه.
يقول ابن عباس: ((بينما الناس في ظلمة، ساجدًا، ويبقى المنافقون لا يستطيعون كأن
قال: فعند ذلك يكشف عن ساق
ويتجلى لهم؛ فيخر من كان يعبده مخلصًا
في ظهورهم السفافيد، فيذهب بهم إلى
النار))(٣).
وموقف ثالث جاء ذكره في قول الله:
﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اَللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيَا
قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السَّاعَةُ إِن نَظُنُّ إِلَّا ظَنَّا وَمَا نَحْنُ
بِمُسْتَيْقِنِينَ ﴿ وَبَدَا لَمْ سَيْئَاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ
بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِيءُونَ ﴿ وَقِيلَ اَلْيَّوْمَ نَفْسَكُمْ
كَا نَسِيتُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَنَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ
مِّن نَّصِرِنَ ﴿٦ ذَلِكُمْ بِأَنَّكُ أَّخَذْتُمْ ءَايَتِ اَللَّهِ هُزُوًا
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير،
باب قوله تعالى: (يوم يكشف عن ساق)،
١٥٩/٦، رقم ٤٩١٩.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ٢٥٠/١٨.
www. modoee.com
١٩٣

حرف الألف
وَغَرَّتَكُ الْحَيَةُ الدُّنْيَأْ فَالْيَّوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَ هُمْ
يُسْتَعْنَبُونَ ﴿ فَلَّهِ اَلْمَنْدُ رَبِّ السَّمَوَتِ وَرَبِّ
الْأَرْضِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ) وَلَهُ الكِبرِيَاءُ فِي السَّمَوَتِ
وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِزُ الحَكِيمُ ﴾ [الجاثية: ٣٢ -
٣٧].
يبين الله جل جلاله في هذه الآيات
استهزاء الكفار باليوم الآخر، والصورة التي
كانوا يستهزئون بها، وموقفهم يوم القيامة
حين يطبق عليهم سوء فعلهم، فيطوقهم
ويحيط بهم، ويقال لهم استهزاءً: اليوم
نترككم كما تركتم العمل بما جاءكم به
النبي صلى الله عليه وسلم، وتركتم التفكر
فيه؛ ليصبح يقينًا كما ترونه اليوم، وقنعتم
بعملكم المنكر واستهزائكم بخبر هذا اليوم
الذي أنتم فيه الآن.
فكان جزاؤهم من جنس عملهم؛ تركوا
الإيمان والاستعداد ليوم الحساب، فحاق
بهم ما استهزءوا به وتركوا في العذاب،
وكان خطاب الله لهم بيانًا لعاقبة فعلهم،
حيث أظهروا شيئًا من الاهتمام بالتساؤل
حول خبر ما جاءهم به النبي صلى الله عليه
وسلم ، وهم يقصدون بذلك تقرير بطلانه
لعدم قوة الحجة التي جاءهم بها النبي صلى
الله عليه وسلم، فيأتيهم الخطاب وهم
ليسوا أهلا لخطاب الله، لكنه خطاب تقنيط
وتبکیت، کما کان خطابهم للنبي صلى الله
عليه وسلم خطاب تقنيط وتكذيب، استهزاءُ
باستهزاء، والجزاء من جنس العمل.
وعليه فإن إثبات صفة الاستهزاء لله جل
جلاله على ما أثبته له أهل السنة والجماعة،
لا يورد أدنى اشتباه يكون مؤداه الاعتقاد
بأن الله سبحانه وتعالى قد اتصف بصفات
النقص، ولا يرد عليه أدنى إشكال بأن الله
جل جلاله يشبه مخلوقاته في صفاتهم أو
أفعالهم.
ثالثًا: الاستهزاء صفة من صفات الله:
بالتزام الأصل الذي تطرقنا له سابقًا،
ويعد استعراض ما جاء في كلام العلماء فيما
تلاه نخلص إلى ما يلي:
أن صفة الاستهزاء هي صفة لله على وجه
الكمال لا على وجه النقص كما هي في حق
الآدمي، وذلك أنه ليس كل صفة نقص في
حق المخلوق إذا ما اتصف بها الخالق تكون
صفة نقص فيه، فإنه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ
وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
فعدم النوم عند الإنسان یدل على مرض
واعتلال، وهو بهذا الاعتبار يكون موصوفًا
بعلة، وهي صفة نقص فيه، لكن الله عز
وجل لا ینام؛ وهذا من کمال حياته وقیومیته،
الإنسان الذي لا يولد له؛ يكون عقيمًا، وهي
له صفة نقص، و کذا إن لم یکن له أهل یعرف
أن أصله منهم، بينما الله سبحانه وتعالى
﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣].
١٩٤
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ

الاستهزاء
الإنسان الذي لا يصلح له الزواج، به فأخرج))(٢).
كان هذا لنقص فيه، والله جل جلاله غني
عن ذلك، وهذه والتي قبلها لكمال غناه
سبحانه وتعالى وأحدیته وصمدیته، وعليه
فالله عز وجل لا يجوز أن تضرب له
الأمثال بمخلوقاته، وهناك صفات كمال
لله عز وجل جعل الله سبحانه وتعالى منها
صفات کمال للإنسان، وهي كثيرة: كالسمع
والبصر، والكلام والرحمة، والعفو والرضا
والغضب، والحب والبغض والوجه وغيرها
كثير.
إثبات الصفات لله عز وجل ليس كإثباتها
لغيره من خلقه، فنحن نثبت له منها المعنى
الظاهر، ونثبت الكيف الذي يليق به، ونكل
علم الكيفية له عز وجل، كما فعل الإمام
مالك -رحمه الله تعالى-، حين جاء ذلك
المبتدع وسأله قائلًا: ((يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ
عَلَى الْعَرْشِ آَسْتَوَى﴾ [طه: ٥].
کیف استوى؟ قال: فما رأینا مالكًا
وجد من شيءٍ كوجده من مقالته، وعلاه
الرحضاء (١)، وأطرق، وجعلنا ننتظر ما
يأمر به فيه. قال: ثم سري عن مالكٍ، فقال:
الكيف غير معقولٍ، والاستواء منه غير
مجهول، والإيمان به واجبٌ، والسؤال عنه
بدعةٌ، وإني لأخاف أن تكون ضالًّا، ثم أمر
(١) الرحضاء: عرق الحمى.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ١٥٤/٧.
الكمال الذي الخالق سبحانه وتعالى
ليس كالكمال الذي يكون للمخلوق،
ولكي يقرب الأمر في أذهاننا نقول: إنه
لیس کل کمال في مخلوق يصلح أن يكون
كمالاً لمخلوق آخر؛ وإن كان مثله في
الأصل والهيئة، فالكمال بالنسبة للمرأة
ليس كالكمال بالنسبة للرجل، وإذا كان هذا
التباين والاختلاف موجودًا بين مخلوقين
خلقا من مادة واحدة، وعلى هيئة واحدة،
فهو بالنسبة لله أعظم.
وهناك أمر آخر نبه له أهل العلم لابد من
ذكره في هذا المقام؛ ألا وهو أن الله سبحانه
وتعالى لا يشتق له من صفاته أسماء، فإن
قلنا: إن الله جل جلاله له صفة الغضب، فلا
يجوز لنا أن نقول: إن من أسماء الله سبحانه
وتعالى الغضوب، أو إن له صفة البغض أن
نقول: إن من أسماء الله عز وجل المبغض،
وإن له صفة الرضا فيكون من أسمائه
الراضي، فلا يجوز أن نسمي الله باسم لم
یسم نفسه به، فأسماؤه توقیفیة، وإثباتها لا
يكون إلا بدليل من الكتاب أو السنة، ولا
تكون اجتهادية بالمطلق.
(٢) الرد على الجهمية، الدارمي، ص٦٦.
www. modoee.com
١٩٥

حرف الألف
الاستهزاء بالأنبياء وأتباعهم
بين القرآن الكريم الاستهزاء بالأنبياء
وأتباعهم وأسبابه وهذا ما سنتناوله بالإيضاح
فيما يأتي:
أولًا: الاستهزاء بالأنبياء والمرسلين:
لم یکن کتاب الله سبحانه وتعالى كتابًا
غرضه التفکه والمسامرة، بل کان له غرض
سامٍ، فهو كتاب هداية للعالمين يخاطب الله
سبحانه وتعالى به أصحاب العقول، وقد
أورد الله جل جلاله فيه أحسن القصص لهذا
الغرض، ففيها من بيان ما لاقاه أهل الحق،
وبيان أساليبهم ووسائلهم في مواجهة ما
يعترضهم؛ ليكون المخاطبون به على بينة
من أمرهم، فهم على نفس الطريق سائرون،
ولنفس السبيل ناهجون، ومن جملة
القصص التي أنزلها الله ما كان فيها ذكر
استهزاء الأمم السابقة بأنبيائهم ورسلهم،
وهذا ما سنعرض له في النقاط الآتية:
١. الغرض من ذكر الاستهزاء
بالأنبياء والمرسلين.
يقول الله جل جلاله: ﴿وَكُلَّا نَّقُصُ عَلَيْكَ
مِنْ أَثْبَاءِ الرُّسُلِ مَا تُثَيِّتُ بِهِ، فُؤَادَكَ وَجََكَ فِى
هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود:
١٢٠].
وهذا أمر علم الله سبحانه وتعالى أن له
الأثر البالغ في تقوية عزم النبي صلى الله
عليه وسلم على طريق دعوته، فهو طريق
حافل بالابتلاءات، مكلل بكل ما من شأنه
أن يثنيه عن دعوته، فيذكر الله جل جلاله
لنبيه صلى الله عليه وسلم أخبار من كان قبله
من الأنبياء، وأنهم لاقوا مثل الذي يلاقيه،
ومن جملة ما لاقوه -بل هو أكثر ما استعمل
معهم لصدهم عن رسالتهم - الاستهزاء(١)،
وقد ذكر الله أن الأنبياء والرسل عامتهم لم
يسلموا منه، وذلك في سبعة مواضع، وفي
سبع سور من القرآن الكريم، وذلك أن الله
سبحانه وتعالى نزل القرآن على نبيه صلى
الله عليه وسلم منجمًا لذات الحكمة التي
قص لأجلها عليه قصص الأنبياء والرسل،
وهي تثبيت قلب النبي صلى الله عليه
وسلم؛ ليجتمع بذلك تكرار القصص مع
تعاهد المولى جل جلاله لنبيه بالتثبيت على
فترات متباعدة.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالَ
اٌلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ اَلْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَحِدَةً
كَذَلِكَ لِتُكَّيْتَ بِهِ فُؤَادَكٌ وَ رَقَّلْنَهُ تَرْبِيلًا﴾
[الفرقان: ٣٢].
وكان هذا أيضًا من جملة ما لم يسلم من
اعتراضهم واتخاذه مطعنًا على النبي صلى
الله عليه وسلم، أنه لم ينزل عليه القرآن كما
(١) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٢٤٨/٤.
جَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
١٩٦

الاستهزاء
نزلت الكتب على الأنبياء السابقين، فجاء له: هلم إلى النور. سخر! وقال: وهل هناك
من نور؟! وإن دعاه إلى دار السعة والنعيم،
استهزأ وقال: وهل غير هذه الدار دار؟! فهو
من جنس من عطلوا حواسهم؛ فهم عمي
لا يبصرون، وصم لا يسمعون، وجهلة
لا يهتدون، وأعملوا شهواتهم، واتبعوا
أهواءهم، وفيهم يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿يَحَسْرَةَ عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا
كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ﴾ [يس: ٣٠].
الجواب فى هذه الآية مبينًا حكمة من الحكم
التي نزل القرآن من أجلها منجمًا، وليس هذا
محل عد هذه الحکم، لكن الذي هو محل
بحثنا نزول القرآن بذكر استهزاء الأمم
برسلها وأنبيائها والحكمة منه، وعلى نفس
الطريقة جاء ذكر الاستهزاء بالنبي صلى الله
عليه وسلم ففيه تذكير للنبي صلى الله عليه
وسلم أن الله مطلع علیھم، وفيه بیان لأتباع
النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ليطلعوا على ما
مر به صلى الله عليه وسلم لیکون لهم أسوة،
وفيه تسلية حتى لا يوقع الشيطان في قلوبهم
أن الله عز وجل قد تخلى عنهم.
٢. ذكر استهزاء الأمم السابقة
بالرسل والأنبياء.
الإنسان موصوف بالجهل والظلم،
ومن كمال رحمة الله جل جلاله وعدله
أنه لم يتركه فريسة لظلمه وجهله، فتفضل
عليه بإرسال الرسل والأنبياء؛ ليخرجوه من
ظلمات الجهل إلی نور الهدى، ومن خلف
قضبان الظلم إلى سعة الرحمة والعدل،
لكن من غلب عليه وصفه الأصلي بسبب ما
استمرأه من المعيشة في الظلام، واستعذبه
من حياة الأسر في قبضة عدوه، لما جاءه من
يناديه؛ ليتحرر من أسر العدو، ويفتح عينيه
لیبصر نور الحق، ظن أن ما يدعوه إليه هو
الأسر، وهو ما سيصيبه بالعمى، فإن قال
وذلك أن غلبة الهوى على الحكمة،
وغلبة الشهوة على العقل عندهم جعلتهم
يقتنعون بصحة منهجهم، فدعاهم ذلك لأن
يستهزئوا بمخالفيهم إلى غيره، ومن يدعوهم
إلى ما فيه خيرهم، وأي حسرة هي أعظم من
هذه الحسرة على من هذه حالهم، فوصف
حالهم مع الحق جاء في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِّ لَهُمْ
قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَهُمْ أَعْيُنُّ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَمْ
ءَذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَكَ كَالْأَنْعَمِ بَلْ هُمْ أَضَلٌ
أُوْلَكَ هُمُ الْغَفِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
وقد جاءت على هذه الحال كل الأمم مع
أنبيائها ورسلها، فلم يسلم نبي ولا رسول
من مستهزئ(١).
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي، ٢٩٥/٦.
www. modoee.com
١٩٧

حرف الألف
٣. نماذج من استهزاء الأمم السابقة استهزاء وليس سخرية؛ لعلمهم أن نوحًا
لیس من العابثين.
بالأنبياء والمرسلین.
نوح عليه السلام وقومه.
الرسول الأول الذي أرسله الله سبحانه
وتعالى، والذي لم يسبق بمن سار على
طريقه، ولم يأت بعده من مكث في قومه
مثله، وبعد طول لبث، ومحاولة كل الطرق،
وتجريب كل الوسائل، جاءه بعذابهم الخبر،
وبصناعة السفينة قد أمر، فكانوا إذا مروا به
استهزأوا ويقولون له: أصرت نجارًا بعد
النبوة يا نوح، وتصنع السفينة في الصحراء
وهي لا تجري إلا في البحر! فكان يجيبهم:
إن تهزأوا منا الیوم فإنا سنهزأ بكم يوم القيامة،
وقد أخبرنا بذلك كتاب الله عز وجل حيث
يقول: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأَ
مِّن قَوْمِهِ، سَخِرُواْ مِنْهُ قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا
نَسْخَرٌ مِنَكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [هود: ٣٨].
وذاقوا وبال أمرهم، وسوء عاقبتهم في
الدنيا، وما ينتظرهم يوم القيامة من الخزي
أشد وأنكى(١).
وقد جاء التعبير عن فعلهم في النص
القرآني بلفظ السخرية؛ لأن نوح يفعل أمرًا
يقتضيها، وذلك من وجهة نظرهم، والحقيقة
أن ما قام به نبي الله نوح عليه السلام كان
بوحي من الله، وعليه فإن حقيقة فعلهم
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم
الخطيب، ١١٣٩/٦.
إبراهيم عليه السلام والنمرود.
وذلك حينما ذهب إبراهيم عليه السلام
كسائر الناس ليأخذ الميرة من عند الملك،
وكان العام وقتها عام جدب وقحط، يقول
الله جل جلاله ذاكرًا الموقف: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِى حَاجَّ إِبْرَهِمَ فِى رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنُ اللَّهُ الْمُلْكَ
إِذْ قَالَ إَِّهِمُ رَبَِّ الَّذِى يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا
أُحِ، وَأُمِيتٌ قَالَ إِنََّهِمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِ بِالشَّمْسِ
مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِى
كَفَرَّ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:
٢٥٨].
فقد كان الملك لا يعطي أحدًا إلا
سأله: من ربك؟ فيقول له: أنت، فيعطيه،
فلما جاء إبراهيم عليه السلام قال له: من
ربك؟ قال إبراهيم عليه السلام : ربي الذي
يحيي ويميت، فأجابه سفاهةً واستخفافًا
-كما فعل فرعون وقومه، إذ قال الله عز
وجل فيهم: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ﴾
[الزخرف: ٥٤] -: وأنا أحيي وأميت، وأحضر
رجلين حكم عليهما بالقتل، فقتل أحدهما،
وأطلق الآخر! وقال: هذا أمته وهذا أحييته!،
فجاءه إبراهيم عليه السلام بالرد المفحم بأن
ربه يأتي بالشمس من المشرق، وتحداه أن
يأتي بها من المغرب؛ فبهت الذي كفر (٢).
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٢٩/٣.
مَوَسُولَةُ التَّقِيَّة
القرآن الكريم
١٩٨

الاستهزاء
٤. الاستهزاء بنبينا محمد صلى الله
موسى عليه السلام وفرعون.
ذلك الطاغية الآخر الذي زعم أنه الرب عليه وسلم.
الأعلى، کأنه قد قام باستفتاء في قومہ یعرض
عليهم أمره وأمر موسى عليه السلام ، ذاكرًا
ما فضل به على موسى عليه السلام ، يقول
الله جل جلاله في شأنه: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ
الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ ﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِى
قَوْمِهِ، قَالَ يَقَّوْمِ أَلَيْسَ لِ مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ
أَمْـ
٥١
اُلْأَنْهَرُ تَجْرِى مِن تَّحْنِىِّ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ
أَنْ خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِى هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ
فَلَوَّلَا أُلْفِىَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَلَّةَ مَعَهُ
الْمَلَبِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ فَأَسْتَخَفَّ
قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ﴾
[الزخرف: ٥٠ - ٥٤].
يقول: أنتم ترون فأنا أملك مصر
وأنهارها، وموسی فقير ليس له شيء، وأنا
صحیح المنطق، واضح البیان، وموسی لا
يكاد يفهم كلامه لما في لسانه من لشغ، فإن
کان صادقًا فلماذا لا ينزل له أسورة وحلي
وزينة ومال من السماء؟ أو لماذا لا يظهر
معه ملائکة يصدقونه ويؤيدونه فيما يدعي؟
وهذا استخفاف بقومه واستهزاء بموسى
عليه السلام ، فكان الرد من الله عليه وقومه
أن الحمق الذي عندهم، کان سببًا لطاعتهم
إياه، وهم في جملتهم فاسقون خارجون عن
طريق الاستقامة (١).
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ٩٣/٥.
رسول الله محمد صلی الله علیه وسلم
هو النموذج الحي وقت نزول القرآن، ولأن
الاستهزاء كان به وبما أنزله الله سبحانه
وتعالى عليه، ولأن الاستهزاء به غالبًا ما
يأتي بأسلوب استفهامي ساخر، أو خطاب
تهکمي سافر، وكان شأنه صلى الله عليه
وسلم عند ربه عظيمًا، لم يرض سبحانه
وتعالی أن یمره دون رد علیه، وفضح قائلیه،
فیأتیهم الجواب من عند الجبار جل جلاله،
بما يسوؤهم ویخزيهم، ويرفع قدره، ویجعل
قدمه فوق نواصيهم، وسنعرض لثلاثة
مواقف جاء خبرها في القرآن من الاستهزاء
بالنبي صلى الله عليه وسلم وكيف جاء الرد
القرآني عليها، وذلك فيما يأتي:
* النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء
المشركين.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ
الَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًّا
أَهَذَا الَّذِى يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِ
الرَّحْمَنِ هُمْ كَفِرُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٦].
کان المشرکین إذا رأوا رسول الله صلى
الله عليه وسلم، استهزءوا به وقالوا: أهذا
المحتقر- بزعمهم- الذي يسب آلهتكم
ويذمها، ويقع فيها، هذا استهزاؤهم
واحتقارهم له، يقرنونه بما هو سبب كماله
www. modoee.com
١٩٩

حرف الألف
صلی الله عليه وسلم ، ألا وهو دعوته إلى
توحيد الله جل جلاله، والكفر بكل معبود
سواه، فالذي فعله التوحيد والدعوة إليه
هو الأكمل والأفضل، والأبهى والأجمل،
وذلك أنه أخلص العبادة لله سبحانه
وتعالى، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه،
وذكر محله ومكانته، وعليه فالذي يستحق
الازدراء والاستهزاء هؤلاء الكفار، الذين
جمعوا کل خلق مذموم، ولو لم يكن منهم
إلا كفرهم بالله وعدائهم لرسوله صلى الله
عليه وسلم لكانوا بذلك من أخس الخلق
وأرذلهم، وأبشعهم وأقبحهم(١).
فانظر كيف رد الله عليهم قولهم
واستهزاءهم، فقد بين أن ما عابوا به النبي
صلی الله عليه وسلم من ذكره لآلهتهم بسوء
هو مدح له، وما يكون من فعلهم مقابلًا لفعله
بکفرهم بالله أمر يستحقون به أفظع الشتم،
وأشنع الذم، وأقذع الكلم.
النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء
اليهود.
يخبر الله عن خبث اليهود في التعريض
بالكلام، من ذكر اللفظ المحتمل لأكثر من
معنى -وإن لم يكن من لغتهم-؛ ليظهر
للمستمع أنهم يريدون الحسن والمرضي
من القول، والحقيقة أنهم يريدون القبيح
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٥٢٣.
الشنيع منه.
يقول الله عز وجل: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَعِنَا وَقُولُواْ أَنْظُرْنَا
وَأَسْمَعُواْ وَلِلْكَفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
[البقرة: ١٠٤].
ذكر الله استعمال اليهود للفظة
﴿رَعِنَا﴾ التي يبدو منها أن مرادهم
سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الاستماع
إليهم، فجعل المسلمون يستعملون هذه
الكلمة، كما كان يستعملها أهل المدينة
في هذا المعنى؛ لأنهم ظنوا أن اليهود
يستعملونها على نفس المراد، غير أن الله
نهاهم عن ذلك؛ لأن قصد اليهود التعريض
واللمز بالرعونة التي هي ضد المروءة (٢) ، ثم
توعدهم بشدة العذاب على ذلك، وكشف
صفة اليهود التي يحملونها للمسلمين ألا
وهي حسدهم لهم وعدم حب الخير، وفيه
من الذم ما فيه، وذلك أن من أقبح الصفات
التي قد پتلبس بها الإنسان هي الحسد، وقد
وقع بسببه ما وقع من لعن لإبليس بسبب
کبره مع حسده لآدم، وقتل أحد ابني آدم
لأخيه، فمن تحلى بها- وليس بمثلها يحلو-
كان في رتبة أحدهما، والعياذ بالله.
* النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء
المنافقين.
المنافقون هم قوم ظهر لهم الحق
(٢) انظر: الوجيز، الواحدي، ص١٢٣.
مُؤَ الَرُ الْبَقِيَّة
القرآن الكريم
٢٠٠

الاستهزاء
وعرفوه، لكنهم كانوا أسرى الشهوات، قول المتنبي (٣):
وأذناب الهوى، يقودهم لغير هدى، ومن يك ذا فم مرِ مريضٍ
ويوردهم طرق الردى، ومع ذلك يسعون
في فتنة من اتبع الهدى، يقول المولى جل
جلاله -محذرًا من كيدهم، ومنبها على
زيغهم وميدهم (١) -: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ
يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا﴾
[النساء: ٢٧].
فقادهم الشيطان وهو إمامهم، واستنفرهم
لمعاداة الأنبياء والمرسلين، واستفزهم
ليسعوا في فتنة الهداة المصلحين، فكانوا
إذا استمعوا إلى الحق استجهلوه سخريةً
واستهزاءً(٢)، وأظهروا كأنهم ما سمعوه لا
يستحق الاهتمام، ولا هو جدير بالاعتبار.
يقول الله سبحانه وتعالى واصفًا هذا
الموقف: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَّى إِذَا
خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُواْ لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ
مَائِقَا أُوْلَكَ الَّذِينَ طَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَّعَوْا
أَهْوَآءُ هُمْ﴾ [محمد: ١٦].
وما كان منهم هذا التساؤل إلا على سبيل
الاستهزاء، فأرجع الله استهزاءهم وعدم
اعتبارهم، وقلة اهتمامهم إلى سفه عقولهم،
وعقم فهومهم، والطبع على قلوبهم، واتباع
شهواتهم، والانقياد لأهوائهم، فصدق فيهم
(١) الميد: الزيغ.
انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤١١/٣.
(٢) انظر: تفسير الجلالين، السيوطي والمحلي،
ص٦٧٥.
يجد مرًا به الماء الزلالا
فكيف سيتلذذ بطعم العسل، من كان
أصل المرار في فمه؟! وكيف سيبتلع الطعام
الشھي من انتفخ بالورم الخبيث حلقه؟!
وفي قول آخر له (٤).
و کم من عائبٍ قولًا صحيحًا
وآفته من الفهم السقيم
فكيف سيسوغ لهؤلاء الذين مرضت
قلوبهم وانتكست فطرهم أن يعقلوا أو
يفهموا أو ينتفعوا بأحسن القول، الذي هو
أصدق الحديث، وفصل الخطاب.
ثانيًا: الاستهزاء بالدعاة والمصلحين:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن
العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا
دینارًا ولا درهمًا إنما ورثوا العلم، فمن أخذ
به أخذ بحظٍ وافٍ)(٥).
(٣) الأمثال السائرة من شعر المتنبي، الصاحب
ابن عباد، ص٢٨.
(٤) المصدر السابق ص ٣٥.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٦/٣٦، رقم
٢١٧١٥، وأبو داود في سننه، كتاب العلم،
باب الحث على طلب العلم، ٣١٧/٣، رقم
٣٦٤١، والترمذي في سننه، أبواب العلم،
باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة،
٤٩/٥، وابن ماجه في مقدمة سننه، باب
فضل العلماء، ٨١/١، رقم ٢٢٣، عن أبي
الدرداء رضي الله عنه.
وصححه الألباني، صحيح الجامع ١٧٩/٢،
www. modoee.com
٢٠١

حرف الألف
وجريًا على القاعدة الفقهية إن الحكم
يدور مع علته وجودًا وعدمًا، وهي قاعدة
شرعية إسلامية، غير أن لسان حال شريعة
المنافقين- إن كان لهم شريعة- يقررها في
معاداة الحق وأهله، فإن العداء الذي حملته
قلوب أعداء الله لأنبيائه ما كانت إلا للعلم
الذي جاءهم من عند الله، وقد ورث العلماء
والدعاة والمصلحون هذا من أنبيائهم،
فورثوا معه العداء من أعدائهم، ويذكر الله
سبحانه وتعالى موقفًا من المواقف التي
استهزأ فيها المنافقون من أولئك الورثة
الكرام.
يقول عز وجل: ﴿يَحْذَرُ الْمُّنَفِقُونَ
أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ نُنِّثُهُم بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ
قُلِ أُسْتَهْزِئُواْ إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجُ مَّا تَحْذَّرُونَ
وَلَيْنِ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا
تَخُوضُ وَنَلْعَبُّ قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَئِهِ، وَرَسُولِهِ،
كُنْتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ ﴿ لَا تَعْنَذِرُواْ قَدْكَغَرْتُم
بَعْدَ إِبِمَنْكُمْ إِن ◌َّعْفُ عَنْ طَآئِفَةٍ مِّنْكُمْ
تُعَذِّبْ طَآئِفَةٌ بِأَنَهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ
الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ
بَعْضِّ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ
عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمّ
نَسُواْ اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ هُمُ
اَلْفَسِقُونَ ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَفِقِينَ
وَالْمُنَفِقَتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَلِينَ
فِيَهَأَ هِىَ حَسْبُهُمَّ وَلَعَنَّهُمُ اللَّهٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ
مُقِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٤ - ٦٨].
يصف الله سبحانه حال المنافقين في
زمن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن
وقع منهم الاستهزاء بعلماء الصحابة رضي
الله عنهم، وما فيه من الترقب لنزول القرآن
بخبرهم، وذلك حين قالوا: «ما لقرائنا هؤلاء
أرغبنا بطونًا وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند
اللقاء))(١).
فتفضح كفرهم الذي أضمروه، ولئن
سئلوا عن القدح في حق النبي صلى الله
علیه وسلم وحق أصحابه ليقولن: إنما كنا
نتحدث على سبيل المزاح والمرح، فيأتي
البيان في قول الله عز وجل أنهم كانوا
یستهزئون بالله عز وجل وآياته ورسوله، ولا
ينفعهم الاعتذار ولا یپرئهم، فقد وقع الکفر
منهم بسبب هذه المقالة، وإن تفضل الله جل
جلاله بالعفو عن بعضهم؛ لتوبتهم، فعاقبة
الآخرين هي العذاب، ثم يأتيهم ما عجل
لهم من هذه العقوبة، في بيان وصفهم الذي
يكرهون، فيقول: المنافقون والمنافقات
على شاكلة واحدة، وسنة فيهم متبعة في
إعلانهم الإيمان واستبطانهم الكفر، فهم
يأمرون بالكفر ويزينون المعصية، وينهون
عن الإيمان والعمل الصالح، ولا ينفقون في
سبيل الله، تركوا أمر الله، فتركهم من الهداية
(١) جامع البيان، الطبري، ١٤/ ٣٣٣.
رقم ٦٢٩٢.
جويق
القرآن الكريم
٢٠٢

الاستهزاء
والرحمة، فلم يوفقهم إلى خير، والمنافقون
هم الخارجون عن الإيمان بالله ورسوله.
ویذکر الله أن لهم وعیدا عنده، وهو أن
المنافقين والمنافقات والكفار متوعدون بأن
یکون مصیرهم إلی نار جهنم خالدين فيها
أبدًا، عقابًا علی کفرهم بالله، وأن الله عز
وجل طردهم من رحمته، ولهم عذاب دائم؛
لأن أفعالهم من الاستهزاء والكفر كأفعال
الأمم السابقة التي كانت على جانب أشد
منهم من القوة والمال والأولاد، ولكنهم
اطمأنوا إلى الحياة الدنيا، واستهزأوا بأنبيائهم
وصالحي أممهم، واستمتعوا بما أغراهم
من المتاع الزائل، واستمتع المنافقون
بنصيبهم من الشهوات الفانية كاستمتاع
الذين من قبلهم بحظوظهم الفانية، أولئك
الموصوفون بهذه الأخلاق هم الذين ذهبت
حسناتهم في الدنيا والآخرة، وأولئك هم
الخاسرون ببيعهم نعيم الآخرة بحظوظهم
من الدنيا(١).
ثالثًا: الاستهزاء بالمؤمنين:
وهذا النوع من الاستهزاء هو الذي ذكره
الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة، حيث
تقسيم الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق.
يقول الله جل جلاله: ﴿وَ مِنَ النَّاسِ مَن
يَقُولُ ءَامَنَا بِاللّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ
(١) انظر: التفسير الميسر، مجمع الملك فهد
ص١٩٧.
ث ◌ُحَدِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ
إِلَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُونَ ) فِ قُلُوبِهِم تَرَضِّ
فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضَّاً وَلَّهُمْ عَذَابٌ أَلِيُّهُ بِمَا كَانُواْ
يَكْذِبُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِى الْأَرْضِ
قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١) أَلََّ إِنَّهُمْ هُمُ
الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
ءَامِنُواْ كَمَآ ءَامَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَآ ءَامَنَ
السُّفَهَةُ أَلَّ إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِن لَّا يَعْلَمُونَ
( وَإِذَا لَقُواْلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ
إِلَى شَيِطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُ ونَ
اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَنِهِمْ يَعْمَهُونَ
١٤
أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَشْتَرُواْ الضَّلَلَّةَ بِالْهُدَى فَمَا
١٥
رَبِحَت ◌َرَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ [البقرة:
٨ - ١٦].
هؤلاء هم الصنف الأخطر في
المستهزئين جميعًا، ذلك أنهم على اتصال
مباشر ودائم بالمؤمنين، يفسدون في
الأرض وهم يدعون أنهم مصلحون، مما
يفهم منه أنهم دعاة إلى منهج يزعمون أنه
منهج إصلاحي، بل إنهم لشدة وقاحتهم
حصروا أنفسهم وأعمالهم في الإصلاح،
بقولهم: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ويزينون
ذلك للمؤمنين، ويعلنون أنهم مؤمنون
إعلانًا يحقنون به دماءهم من المسلمين(٢).
ولكنهم -على حد زعمهم - لهم رؤية
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٤٢.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الألف
مستنيرة حضارية متقدمة، ولا يقبلون وأفعاله وآرائه وأفكاره، فيخطئ ويصوب
کیفما يحلو له، وينبغي أن نعتز بحضاراتنا
لأنفسهم ما يتلبس به المؤمنون من حال
ينعتونه بالرجعية والتخلف والسفه، فهم
يريدون النهوض بالمسلمين، والتقدم
والازدهار، والتمسك على طريقة المؤمنين
-الذين هم في منظورهم سفهاء- مليء
بالمعوقات التي يجب عليهم أن يتحرروا
القديمة، الفراعنة، والبابلية، والأمازيغية،
والتركية، ... وغيرها، وعدم المساواة
بين الرجل والمرأة يعد ظلمًا، الفسق فن،
والفجور كسب مشروع، والإباحية تنوير،
والتمسك بنصوص الكتاب والسنة تعقيد
منها، فلا ينبغي للدين أن يحكم في كل وتشدد وتنطع، والآخر غير المسلم صالح،
ولكن الخلل في نظرتنا له، كلنا نؤمن بالله
شيء، فالدين لله والوطن للجميع، وحکم
الشعب للشعب، وما دخل الدين في لباس
المرأة الذي يجعل الغرب ينظرون إلينا نظرة
تخلف، وطاعة العلماء والأمراء والرضا
بحاكم واحد مستمر، هذا استبداد وقهر
وظلم، وما دخل الدين في السياسة، وأخوة
الإنسانية تجمعنا مع جميع الناس فلنترفع
عن البغض.
عز وجل يهود ونصارى ومسلمين، الجميع
مؤمنون، بل وكل صاحب فكر ومعتقد
مؤمن بفكره ومعتقده، فلا نقول: الكافر،
بل نقول: الآخر، لا يجوز التكفير، بل ينبغي
إلغاء هذا المصطلح، وطمسه إن استطعنا
من القرآن والسنة، وإن لم نستطع فلنحمل
اللفظ مدلولًا آخر، کان یراد به فقط أبو لهب
وأبو جهل، وكلنا سواسية.
وليكن الحب رحبًا برحابة السماء يسع
الجميع، ولا فرق بين الناس في الجنس
واللون والدين، والناس أحرار لهم الحرية
المطلقة في فعل ما يشتهون، ولهم اليوم
أن يدينوا بدين، ويغيرونه في الوقت الذي
يحبون، وحرية الرأي والتعبير متاحة
للجميع لا لتكميم الأفواه، ولا للحجر
على العقول، والناس مختلفون في وجهات
النظر، فلكل واحد أن يحكم على الله
جل جلاله من وجهة نظره، وله أن یحاكم
كلمات مزخرفة، وعبارات مبهرجة،
فهؤلاء هم من قال الله فيهم: ﴿ وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَطِيْنَ اُلْإِنِسِ وَاَلْجِنّ
يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِ زُخْرُفَ اَلْقَوْلِ غُرُورًاً
وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوَةٌ فَذَرْهُمْ وَمَا يَقْتَرُونَ﴾
[الأنعام: ١١٢].
لينخدع بها ضعاف الإيمان، وهم في
حقيقة الأمر لا يخدعون المؤمنين بالله
حقًّا، كما أن الله سبحانه وتعالى لا يخادع،
الرسول صلى الله عليه وسلم على دعوته فالخداع يقع منهم على أنفسهم، فلا يقتنع
٢٠٤
مُوسُو ◌َةُ النَّفِـ
جوبيـ
لِلْعَرَآن الكَرِيْمِ