Indexed OCR Text
Pages 41-46
الاستكبار
يَزِدْهُمْ دُعَلِّىّ إِلَّا فِرَارً ا وَإِ كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ
لِتَغْفِّرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَيِعَهُمْ فِيَ مَاذَانِهِمْ وَأَسْتَغْشَوْ
ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ أَسْتِكْبَرًا، ثُمَّ إِنِ
دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ، ثُمَّ إِ أَعْلَنَتُ لَمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ
إِسْرَارًا ﴾ [نوح: ٥-٩].
فهل بعد هذا الكبرياء كبرياء؟! وهل
هناك تمرد وعتو عن الطاعة بعد هذا التمرد
والعتو؟! لقد مكث نوح عليه السلام يدعو
قومه مئات السنين، فما آمن معه إلا قليل،
ولذلك عاجلتهم عقوبة الله، ونزل بهم
عذابه ونقمته.
قال تعالى: ﴿ فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ
فِىِ الْقُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُ بِتَايَشَِّأْ إِنَّهُمْ
كَانُواْ قَوْمًا عَبِينَ ﴾ [الأعراف: ٦٤].
هذا عذاب الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد
وأخزى.
قال تعالى: ﴿مِّمَّا خَطِيْشَِمْ أُغْرُِّواْ فَأُدْخِلُوا
نَارًا فَلَمْ يَجِدُواْ لَهُ مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا )﴾
[نوح: ٢٥].
قال الإمام السمر قندي: ((
مجـ
أُغْرِقُواْ﴾ يعني: بشركهم بالله تعالى أغرقوا
في الدنيا ﴿فَأَدْخِلُواْ نَارًا﴾ في الآخرة))(١).
فتالوا بكفرهم واستكبارهم عن الحق
عذابي الدنيا والآخرة؛ فعذبهم الله تعالى
بالغرق في الدنيا، وسيعذبون يوم القيامة في
جهنم، هذا مصيرهم لكفرهم واستكبارهم.
(١) تفسير السمر قندي، ٤٠٨/٣.
ثانيًا: هلاك المستكبرين من قوم صالح
عليه السلام:
أرسل الله تعالى إلى ثمود نبيه صالح
عليه السلام، مبلغًا ومرشدًا ونذيرًا، فأما
الملأ المستكبرون من قومه فقد كان موقفهم
من الدعوة موقف عداء ومعاندة، فعتوا عن
أمر ربهم وعصوا رسله.
قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُواْ
إِنَّا بِالَّذِىّ ءَامَنتُم بِهِ، كَفِرُونَ ) فَعَقَرُوا
اَلنَّاقَةَ وَعَنَّوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُواْ
يَصَلِحُ أَثْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنْتَ مِنَ
اٌلْمُرْسَلِينَ ﴿ فَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي
دَارِهِمْ جَئِمِينَ ) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَقَوْمِ لَقَدْ
أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبٍ وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنلَّا
◌ُحْتُونَ النَّصِحِينَ (٧٩)
[الأعراف:٧٦-٧٩].
فأخبر الله تعالى أنه أنزل عليهم عذابه
بسبب استكبارهم وعنادهم وعتوهم،
فأخذهم بالصيحة، فأصبحوا في ديارهم
جائمين، ((وأخذ الرجفة: إهلاكها إياهم
وإحاطتها بهم إحاطة الآخذ. ولا شك أن
الله نجى صالحًا عليه السلام والذين آمنوا
معه ... والجاثم: المكب على صدره في
الأرض مع قبض ساقيه كما يجثو الأرنب ...
والمعنى أنهم أصبحوا جثثا هامدة ميتة على
أبشع منظر لميت))(٢).
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٢٧/٨.
www. modoee.com
١٧٩
حرف الألف
ثالثًا: هلاك المستكبرين من قوم هود رابعًا: هلاك المستكبرين من قوم
شعيب عليه السلام:
عليه السلام:
بعث الله تعالى هودًا إلى قومه ليبلغهم
رسالته ویعلمهم أمور دينهم، وجاءهم بآية
بينة، فآمن معه فریق من قومه و کفر آخرون،
فأما الكافرون فقد استكبروا في الأرض بغیر
الحق، وعتوا عن أمر ربهم وعصوا رسوله،
وغرتهم قوتهم فلم تغن عنهم من الله شيئًا،
فکان استکبارهم ورفضهم دعوة الله سببًا
في نزول عذاب الله عز وجل عليهم في
الدنيا، وخلودهم في نار جهنم في الآخرة.
رفضهم دین الله وتکذیب رسله.
وقد أخبرنا الله تعالى عن حالهم عند عنهم القرآن: ﴿﴿ قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ أَسْتَكْبَرُوا
فقال عز وجل: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُوا
فِ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَالَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُواْ
◌ِئَايَتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا
صَرّصَرًا فِيَّ أَيَّامٍ غَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ
فِي الْحَوَةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لَا
﴾ [فصلت: ١٥- ١٦].
١٦
يُنْصَرُونَ
فأخبر تعالى أنه أنزل بهم عذابه في
الدنيا بسبب استکبارهم في الأرض بغير
الحق، فأرسل عليهم ريحًا صرصرًا تنزع
الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر، إذلالًا لهم
وإلحاق الخزي بهم في الدنیا، فلم تنفعهم
قوتهم التي قد اغتروا بها، ولعذاب الآخرة
أشد إيلامًا وأخزى.
قوم شعيب عليه السلام هم أهل مدین
الذي أرسل إليهم مبلغًا ومرشدًا، لكن
المستكبرين من قومه رفضوا دعوة الله،
واستكبروا عن عبادته والخضوع لأمره،
وهموا بإخراج رسولهم والذين آمنوا معه
بغيًا وعدوًا، واستهزأوا به وسخروا منه،
ثم بالغوا في العناد والاستكبار فطلبوا منه
أن يسقط عليهم كسفًا من السماء إن كان
صادقًا في ادعائه الرسالة، فقالوا كما أخبر
مِن قَوْمِ، لَنُخْرِجَتَّكَ يَشُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ
مِن قَرِّيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِ مِلَتِنَاً قَالَ أَوَلَوْ كُنَا كَثِمِينَ
٨٨
﴾ [الأعراف: ٨٨].
وقال في موضع آخر: ﴿أَصَلَوْتُكَ
تَأْمُرُكَ أَنْ تَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءَابَآؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ
فِىّ أَمْوَلِنَا مَا نَشَتؤََّإِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ
(٨٧) ﴾ [هود: ٨٧].
قالوا ذلك على وجه الاستهزاء، وقال
أيضًا عنهم: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِّنَ السَّمَآءِ
• [الشعراء: ١٨٧].
إِن كُنتَ مِنَ الصَّدِقِينَ {
وهذا يدل على شدة كفرهم وعنادهم
وعتوهم، لذا استحقوا عذاب الله تعالى،
فأنزل عليهم سخطه وعذابه، فأصبحوا جثثًا
هامدة بلا حراك، ونجى الله نبيه والذين
آمنوا معه.
١٨٠
مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
الاستکباب
قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآَّةَ أَمْرُنَا نَّتْنَا شُعَيْبًا
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ
ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِ دِيَرِهِمْ جَيِينَ
٢﴾ [هود: ٩٤].
وقال أيضًا: ﴿فَكَذَّبُهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابٌ
١٨٩
يَوْمِ اَلُلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
[الشعراء: ١٨٩].
قال ابن كثير: ((﴿فَكَذَّبُهُ فَآَخَذَهُمْ عَذَابُ
يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ, كَانَ عَذَابَ بَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهذا من
جنس ما سألوا، من إسقاط الكسف عليهم،
فإن الله، سبحانه وتعالى، جعل عقوبتهم
أن أصابهم حر شديد جدًا مدة سبعة أيام
لا يكنهم منه شيء، ثم أقبلت إليهم سحابة
أظلتهم، فجعلوا ينطلقون إليها يستظلون
بظلها من الحر، فلما اجتمعوا كلهم تحتها
أرسل الله تعالى عليهم منها شررًا من نار،
ولھبًا ووهجًا عظيمًا، ورجفت بهم الأرض
وجاءتهم صيحة عظيمة أزهقت أرواحهم؛
ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾))(١).
فهذا مصير كل متكبر لا يؤمن بيوم
الحساب، فيهلكهم في الدنيا، ويعذبهم
في الآخرة، وأما المؤمنون وأتباع الرسل
عليهم السلام فینجیهم الله من عذاب الدنيا
والآخرة، وهذه سنة الله في الكون، لا محید
عنها ولا محيص، تقررت في قوله تعالى:
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٠/٦-
١٦١.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ
فَيُوَفِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم ◌ِن فَضْلِهِ، وَأَمَّا
الَّذِينَ أُسْتَنْكَفُواْ وَأَسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ
عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا
وَلَا نَصِيرًا (٣)﴾ [النساء: ١٧٣].
وتقررت هذه السنة الإلهية في قوله
تعالى كذلك: ﴿هَذَا كِنَبُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ
إِنَّا كُنَّا نَسْتَفْسِحُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فَمَّا الّذِينَ
ءَمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِى
وَأَمَّا الَّذِينَ
٣٠
رَحَْتِهَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْمُّبِينُ
كَفَرُواْ أَفَلَرْ تَكُنْ ءَايَتِى تُتْلَى عَلَيْكُوْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُتُمْ
قَوْمًا تُّجْرِمِينَ (٦)﴾ [الجاثية: ٢٩ -٣١].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِشَايَلِنَا
وَأَسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لَا نُفَنَّحُ لَهُمْ أَبَوَبُ السَّمَلِ وَلَا يَدْخُلُونَ
الْجَنَّةَ حَّ يَلِجَ الْجَمَلُ فِ سَمِّ الْخِيَاِطْ وَكَذَلِكَ
◌َُ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن
تَجْزِى الْمُجْرِمِينَ )
فَوْقِهِمْ غَوَاشِ، وَكَذَلِكَ نَجْزِى الظَّالِمِينَ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ لَا نُكَلِّفُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَيْكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيَهَا
خَالِدُونَ ﴾ [الأعراف: ٤٠-٤٢].
فالعاقبة للمتقين، إنها سنة الله الحتمية،
ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة
الله تحويلا.
www. modoee.com
١٨١
حرف الألف
علاج القرآن للكبر
أيقنا بأن الكبر مرض عضال من أمراض
القلوب، تظهر أعراضه على المتكبر في
الدنيا والآخرة، لذا لا بد له من علاج کي
يستقيم حاله وينصلح أمره، ولن تجد له
وصفة علاج أمثل ولا أفضل من علاج القرآن
والسنة؛ لأن الله أعلم بخلقه من أنفسهم،
﴿قُلْ ءَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اَللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٠].
وهذه بعض علاجات القرآن لمرض
الكبر:
أولًا: معرفة الله:
إن الله له الأسماء الحسنى، والصفات
العليا، وله الشرف الأتم الأسنى، تقدست
أسماؤه، وعظمت صفاته، هو واحد أحد،
فرد صمد، لا يشبهه شيء، ولم يكن له كفؤًا
أحد.
وإن من أسمائه جل في علاه (الخالق)،
خلق الخلق عظيمه و حقيره، کبيره وصغيره،
دقيقه وجليله، بنظام محكم متقن بديع،
لا يسع الإنسان معه إلا أن يقف أمام هذه
العظمة قائلًا: جلت عظمة الخالق، لا إله
غيره ولا رب سواه، ثم یخر له ساجدًا
خاضعًا ذليلاً.
إن المتكبر إذا علم صفات الله عرف
حجمه ومکانته وموقعه، وأين هو في هذا
الكون؟! وماذا یشکل فیه؟! فینقطع حينئذٍ
عن كبريائه وتعاظمه، ويخضع فقط لعظمة
الله، ویذل لجبروته و کبریائه سبحانه، ویابی
أن يكون كبيرًا على أحد أو أن يكون أحدٌ
علیه کبیر غير الله.
ثم إن من علمه بربه يقتضي أن لا يسيء
الظن به، لأن إساءة الظن به جل جلاله تورد
المهالك، وتسبب الخسران المبين.
قال تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَتَّكُ الَّذِى ظَنَنْتُم
بِرَبِّكُمْ أَرْدَ نَكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَسِرِينَ
٢٣
[فصلت: ٢٣].
إن عادًا لما استكبروا في الأرض بغير
الحق واغتروا بقوتهم، ذكرهم الله تعالى
ببديع صنعه وعظيم خلقه، وكمال قوته؛
ليرجعوا عن عتوهم وكبريائهم، ويذلوا
لعظمته و کبریاته سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَأَسْتَكْبَرُواْ فِى
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوْلَمْ يَرَوْا
أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةٌ وَكَانُوا
بِشَايَتِنَا يَجْحَدُونَ (٥)﴾ [فصلت: ١٥].
فهذه أول وأهم خطوة على سبيل علاج
مرض التكبر؛ أن يتعرف العبد على الله
تعالی.
ثانيًا: معرفة المتكبر لحقيقته ومصيره:
لا بد للمتكبر أن يلعم بأنه مخلوق من
مخلوقات الله جل جلاله، خلقه من تراب،
ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين حقير،
مُوسُوبَةُ النَّخِّ
القرآن الكريم
١٨٢
الاستکباب
فأصله من تراب، منه خلق وفيه يعود، ونسله
من ماء مھین، يخرج من حيث يخرج البول،
لذا فإن الله تعالی ذکر هذا الإنسان بأصله
لما تكبر وتمرد على طاعة الله، وذهب إلى
أهله يتمطى، فقال جل جلاله: ﴿أَلَّيَكُ نُطْفَةٌ مِّن
شَِّ يُعْنَى (٧ ثُمَ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٨) لَجَعَلَ مِنْهُ
الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْفَعِ ﴾ [القيامة: ٣٧-٣٩].
کما ذكره كذلك بأصل خلقته لما ضرب
هذا المتكبر مثلًا، حين قال: من يحيي
العظام بعد أن تصبح رميمًا.
قال جل جلاله :. ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِىَ
خَلْقَةٌ قَالَ مَن يُحْيِ اَلْعِظَمَ وَهِىَ رَمِيمٌ ( قُلْ
يُحْبِيهَا الَّذِىّ أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ
عَلِيمٌ ﴾ [يس: ٧٨ -٧٩].
إن الله تعالى كما ذكر المتكبرين
بمنشأهم ذكرهم كذلك بمآلهم، فبين لهم
أنهم بعد هذه الحياة يموتون، وأنهم إلى
التراب يصيرون، وفيه يعودون، فقهرهم
بالموت، وكفى بالموت واعظا.
قال تعالى: ﴿ قَالَ فِيهَا تَّحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ
وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٥].
لذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِىِ الْأَرْضِ
مَرَحًا﴾ [الإسراء: ٣٧].
ولم يقل: (ولا تمش مرحًا)؛ يذكر تعالى
الإنسان شأنه بأصله الذي منه خلق وفيه
يعود، وهو الأرض، فإذا تکبر فعلام یتکبر؟!
أیتکبر على أصله الذي منه جاء وفيه يعود؟!
إن المتكبر إذا عرف هذه المعاني وأيقن
بهذه الحقائق فلن يتكبر، ولن يتعاظم على
الناس.
ثالثًا: الوعيد الشديد للمتكبرين:
إضافة إلى ما سبق فإن الله تعالى أعد
للمتکبرین عذابًا شديدًا، فقال جل جلاله:
﴿أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَنْوَّى لِلْمُتَكَِّنَ ﴾
[الزمر: ٦٠].
وفي حديث عبدالله بن مسعود رضي
الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة
من کېر)(١).
وقد سبق حديث أبي هريرة رضي الله
عنه أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال:
(قال الله عز وجل: الكبرياء ردائي، والعظمة
إزاري، فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في
النار)(٢).
وقد رأينا في هذا البحث کیف کان مصیر
المستكبرين في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد
وأخزی، فليس بعد هذا الوعيد من وعيد،
والعاقل من استفاد من تجارب السابقين.
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب تحريم الكبر وبيانه، رقم ٩١، عن عبدالله
ابن مسعود.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب
ما جاء في الكبر، عن أبي هريرة رضي الله
عنه.
وصححه الشيخ الألباني.
www. modoee.com
١٨٣
حرف الألف
فهذه ثلاث طرق لعلاج الكبر مستوحاة
من كتاب الله تعالى وسنة حبيبه صلى
الله عليه وسلم، ولا شك أن المتكبر حال
تلبسه بكبريائه يغيب عن باله عظمة الخالق
سبحانه، وينسى أصله وحقيقته ومآله،
ويتجاهل ما ينتظره من العذاب الشديد، ولو
استحضر هذه أمامه لما تكبر على خلق الله،
ولا تعالى على عباده.
موضوعات ذات صلة:
التواضع، الذل، العجب، الغرور
١٨٤
القرآن الكريم