Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكَرِيْمِ الاسْتُغْفَاءِ؟ عناصر الموضوع مفهوم الاستغفار ٧٦ الاستغفار في الاستعمال القرآني ٧٧ الألفاظ ذات الصلة ٧٨ منزلة الاستغفار وحكمه وصيغه ٨١ أوقات الاستغفار وأحواله ٨٩ دواعي الاستغفار ٩١ أصناف المستغفرين ٩٦ ١٠٦ آثار الاستغفار المُجَلَّدَ الثَالِكْ حرف الألف مفهوم الاستغفار أولًا: المعنى اللغوي: الاستغفار مصدر قولهم: استغفر يستغفر، وهو مأخوذ من مادة (غ ف ر) التي تدل على الستر في الغالب، فالغفر: الستر (١)، يقال: غفره يغفره غفرًا: ستره، وغفر المتاع في الوعاء غفرًا: أدخله وستره (٢)، وتأتي كلمة (غفر) بمعنى ترك المؤاخذة بالذنب (٣). قال ابن منظور: أصل الغفر التغطية والستر. و(استغفر): أي طلب المغفرة، واستغفر الله ذنبه: طلب منه غفره (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: المعنى الاصطلاحي للاستغفار هو ذات المعنى اللغوي؛ إذ إن الاستغفار بالمعنى الاصطلاحي: هو الطلب من الله سبحانه أن يستر الذنوب، وأن لا يعاقب عليها(٥). وبهذا فإن الاستغفار في معناه الاصطلاحي يتمثل في طلب أمرين في آنٍ واحد، هما: ستر الذنوب، وعدم العقوبة عليها. قال ابن تيمية: ((المغفرة شيء زائد عن الستر؛ لأن المغفرة معناها: وقاية شر الذنب؛ بحيث لا يعاقب عليه العبد، وأما مجرد ستر الذنوب فهذا لا يستلزم إسقاط العقوبة، فالله سبحانه قد يستر على من يعاقب ومن لا يعاقب))(٦). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ /٣٨٥. (٢) انظر: المحكم، ابن سيده، ٤٩٩/٥. (٣) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي ١٦٦/٣. (٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٢٧٤/٥. (٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٨٥/٣، روح المعاني، الألوسي ٢٠٧/١١. (٦) مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ١٨٥. ٧٦ جوسى القرآن الكريم الاستغفار الاستغفار في الاستعمال القرآني وردت مادة (غفر) في القرآن الكريم (٢٣٤) مرة (١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٩ تَوَابًا رَّحِيمًا ٦٤﴾ [النساء: ٦٤] ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ ٦٠ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾ [الأنفال: ٣٣] ٠١٠٠٨/٦/١ ﴿قَالُواْ يَتَأَ بَنَا أَسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَطِينَ ٩٧ الفعل الأمر ٣٦ [يوسف: ٩٧] اسم الفاعل ٣ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ١٧ } [آل عمران: ١٧] صيغة المبالغة ٩٦ ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ()﴾ [البقرة: ١٧٣] مصدر سماعي ١ مت﴾ [البقرة: ٢٨٥] ﴿غُفْرَانَكَ رَبيَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ مصدر ميمي ٢٨ ﴿وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَّغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ﴾ [البقرة: ٢٦٨] مصدر ١ ﴿وَمَا كَانَ أَسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] وجاء الاستغفار في القرآن بمعناه في اللغة وهو طلب المغفرة، وأصل الغفر: التغطية والستر، وغفر الله ذنوبه أي: سترها (٢). (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٤٩٩-٥٠٣. (٢) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٢٥/٥-٢٦. www. modoee.com ٧٧ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَّلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَأَسْتَغْفَرُ واْ اللَّهَ وَأَسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ الفعل المضارع حرف الألف الألفاظ ذات الصلة التوبة: ١ التوبة لغةً: مأخوذة من (توب)، التاء والواو والباء: كلمة واحدة تدل على الرجوع، وتاب إلى الله سبحانه من كذا وعن كذا يتوب توبًا وتوبة ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، فهو تائب وتواب(١). التوبة اصطلاحًا: التوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة (٢) . الصلة بين التوبة والاستغفار: هما بنفس المعنى؛ فإذا ذكر أحدهما عني به الآخر، فالاستغفار إذا أطلق وحده أريد به التوبة، والتوبة إذا أطلقت وحدها أريد بها الاستغفار. أما إذا قرن بينهما في الكلام فإن لكل منهما معنىّ مختلفًا. قال ابن القيم: ((فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله)»(٣). العفو: ٢ العفو لغةً: العفو مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء، والآخر: طلبه (٤). (١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٣٥٧/١، لسان العرب، ابن منظور، ٦١/٢. (٢) المفردات، الراغب الأصفهاني ص١٦٩. (٣) مدارج السالكين ٣٠٨/١. (٤) انظر: جمهرة اللغة، ابن دريد، ٢/ ٩٣٨، مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ / ٥٦. ٧٨ مَوَسُوبَةُ الْمَشِد القرآن الكريم الاستغفار العفو اصطلاحًا: هو التجافي عن الذنب، ومن ذلك قولهم في الدعاء: أسألك العفو والعافية. أي: أسألك ترك العقوبة، وأسألك السلامة (١). وقيل: كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفا (٢). الصلة بين طلب العفو والاستغفار: الاستغفار أعم وأشمل من طلب العفو؛ إذ أن طلب العفو هو طلب ترك العقوبة فقط، أما الاستغفار فهو يشمل مع طلب ترك العقوبة طلب الستر على الذنب. وقد بين المفسرون أن من الفروق بين العفو والمغفرة في الآية أن العفو أن يسقط الله سبحانه عن العبد العقاب، أما المغفرة فهي أن يستر عليه جرمه صونًا له من عذاب التخجيل والفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عني فاستره علي، فإن الخلاص من العذاب إنما يطيب إذا حصل عقبه الخلاص من عذاب الفضيحة (٣). ٣ الرحمة: الرحمة لغةً: قال ابن فارس: الراء والحاء والميم أصلٌ واحدٌ يدل على الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه یرحمه، إذا رق له وتعطف عليه (٤). ((ورحمة الله: عطفه وإحسانه ورزقه))(٥). الرحمة اصطلاحًا: صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك (٦). والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم کتبه، (١) انظر: المفردات، الراغب الأصفهاني ص٣٣٩. (٢) انظر: الكليات، الكفوي، ص ٥٣، ٥٩٨. (٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٧/ ١١٦. (٤) مقاييس اللغة ٢/ ٤٩٨. (٥) لسان العرب، ابن منظور ٣/ ١٦١٢. (٦) إغاثة اللهفان، ابن القيم ٢/ ١٧٤. www. modoee.com ٧٩ حرف الألف وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم(١). الصلة بين طلب الرحمة والاستغفار: مما سبق يتبين أن طلب الرحمة يشمل معانٍ أوسع وأعم من الاستغفار، إذ من مقتضيات رحمة الله سبحانه للعبد أن يغفر له ذنبه؛ فالرحمة أوسع من المغفرة. وقد ذكر بعض المفسرين فرقًا آخر بين الرحمة والمغفرة، وهو: أن المغفرة ترك العقوبة على ما مضى من الذنب، والرحمة أن يعصمه من الوقوع في الذنب في المستقبل. قال ابن كثير: ((الغفر: هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل»(٢). التكفير: ٤ التكفير لغةً: مشتق من (كفر) بمعنى ستر وغطى، والكفر في اللغة: التغطية، والكافر ذو كفر: أي ذو تغطية لقلبه بكفره، ومن ذلك: الكافر بمعنى الزراع؛ لستره البذر بالتراب، والكفار الزراع، وسميت الكفارات بذلك لأنها تكفر الذنوب: أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار والقتل الخطا(٣) التكفير اصطلاحًا: تكفير الله سبحانه لذنوب العباد معناه سترها ومحو أثرها، وعدم مؤاخذتهم عليها (٤). الصلة بين الاستغفار وطلب التكفير: ذهب بعض المفسرين إلى أن تكفير السيئات هو نفسه مغفرة الذنوب، وأن العطف في الآية للمبالغة والتأكيد. قال القرطبي: ((تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد؛ فإن الغفر والكفر: الستر))(٥). وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ، ولفظ التكفير يتضمن الستر والإزالة، وعند الإفراد: يدخل كل منهما في الآخر (٦). (١) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣٥/١. (٢) تفسير القرآن العظيم ٦/ ٤٠٢. (٣) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٣٨٩٧/٥-٣٩٠٠. (٤) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ١/ ٥٥٦، التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٧٧/٢٨. (٥) الجامع لأحكام القرآن ٣١٧/٤. (٦) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ٣١٢/١. ٨٠ مُؤْسُو ◌َةُ النفسية القرآن الكريم الاستغفار منزلة الاستغفار وحكمه وصيغه بين الوحي الإلهي أهمية الاستغفار ومنزلته، وسوف نتناول ذلك بالبيان في النقاط الآتية: أولًا: أهمية الاستغفار ومنزلته في ضوء القرآن الكريم: تنوعت دلالات نصوص القرآن المبينة لأهمية الاستغفار؛ فجاء في بعضها الاقتران بالتوحيد وشعائر الدين العظام، وفي بعضها الأمر به، والحث عليه، وفي بعضها الثناء على أهله ومدحهم، وفي بعضها الآخر بين الله مدی ضرورته للعبد وعدم استغنائه عنه، وإليك تفصيل ذلك: ١. اقترانه بالتوحيد وشعائر الدين العظام. اقترانه بالتوحید. مما يبين عظم شأن الاستغفار ورفعة مكانته أنه كثيرًا ما يأتي في النصوص مقرونًا بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) التي هي خير الكلمات وأفضلها وأجلها على الإطلاق، فالتوحيد هو أساس العبادات كلها، وقاعدتها الصلبة التي يقوم عليها؛ فلا تستقيم عبادة العبد واستغفاره حتى يصلح توحیده(١). (١) انظر: مدارج السالكين، ابن القيم ١٢٠/٢. قال تعالى: ﴿فَأَعْلَوَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلََّكُمْ وَمَثْوَئِكُمْ﴾ [محمد: ١٩]. وقال تعالى: ﴿أَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَِّ لَكُمْمِنْهُ نَّذِيرٌ وَ بَشِيرٌ ) وَأَنِ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُمَنِعَكُم مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَّا فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٢-٣]. فأول ما أمر الله به في هاتين الآيتين هو توحيده، وإفراده بالعبادة دون سواه، والاستقامة على ذلك، ثم التوجه إليه بالاستغفار. فالتوحيد هو أصل الدين، والاستغفار كماله؛ ولهذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بین التوحید والاستغفار في كثير من أدعيته؛ منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)(٢) فهذا الحديث لما كان جامعًا بين التوحيد بأنواعه الثلاثة، والاستغفار؛ فاق سائر صيغ الاستغفار في الفضيلة وارتفع عليها. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، ٣٧٥/١٢، رقم ٠٦٣٠٦ www. modoee.com ٨١ حرف الألف قال ابن تيمية: ((فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله))(١). * اقترانه بشعائر الدين العظام. مما يدل على عظم شأن الاستغفار وأهميته في كمال عبادة المسلم: أن الله سبحانه قرنه بكثير من العبادات؛ كالصلاة وقيام الليل والحج، حيث أمر عباده أن يختموا تلك العبادات بالاستغفار؛ لجبر ما يحصل من النقص، ولصون النفس عن اعتقاد الكمال، ورؤية الأعمال، والإعجاب بها، واعتقاد قبولها ضرورة، والدل بها على الله. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللَّهَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. بعد الإفاضة من عرفات جبرًا لما يحصل من التقصير منھم، ومنعًا من إعجابهم بأنفسهم، فإن هم امتثلوا ما أمروا به كان ذلك أحرى بقبول عبادتهم، وحصول المغفرة لهم، وتوفيقهم لأعمال أخرى(٢). و کذلك کان النبي صلی الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، ثم قال: (١) انظر: مجموع الفتاوي، ابن تيمية ١١/ ٦٩٧. (٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٢٤٧. (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام)(٣). وأثنى الله سبحانه على عباده المستغفرين بالأسحار؛ حيث قال تعالى: ﴿الصَّبِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]. أي: يطلبون المغفرة وقت السحر، فهؤلاء المتقون أحيوا ليلهم بالقيام، فلما كان وقت السحر ختموه بالاستغفار(٤). وأمر الله نبيه صلی الله عليه وسلم أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار (٥). قال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ل وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَمَا ج فَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا ﴾ [النصر: ١-٣]. قالت عائشة رضي الله عنها: (ما أمر الله عباده في هذه الآية بالاستغفار صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾ إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) (٦). (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، ١/ ٤١٤، رقم ٥٩١. (٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٢٨٥/١، المحرر الوجيز، ابن عطية ٤١١/١، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٩/١. (٥) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ١٤١/١١. (٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأذان، ٨٢ القرآن الكريم الاستغفار ٢. أمر الله به نبيه صلى الله عليه ١. ما ذكره الله سبحانه عن آدم وزوجه وسلم ومدح به الأنبياء قبله. مما يدل على أهمية الاستغفار: الأمر الصريح للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا زَحِيمًا﴾ [النساء: ١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَغْفِرْ وَأَرْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١١٨]. وفي هذا الأمر لنبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار أمر لأمته بالتبع(١). وكذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأصحابه؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي اُلْأَمْيِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقوله تعالى: ﴿وَأَسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: ٦٢]. وأثنى الله سبحانه على الأنبياء من قبله في مسارعتهم إلى الاستغفار في أحوالهم كلها، وشؤونهم جميعها، وذكر الله جملة من استغفاراتهم في أحوال متعددة، ومناسبات متنوعة؛ ومن ذلك: باب الدعاء في الركوع، ٢/ ٥٣٧، رقم ٧٩٤، ومسلم في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، ٤٢٤/٤، رقم ٠١٠٨٥ (١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٥٦٤، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٨٩. عليهما السلام بعد وقوعهما في المعصية ومسارعتهما بطلب المغفرة والرحمة. قال تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَقْنَآَ أَنْفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَّتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴾ [الأعراف: ٢٣]. ٢. ذكر سبحانه تضرع نبيه نوح عليه السلام مستغفرًا بقوله: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَلِوَ لِدَىَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْنِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ وَلَا نَزِدِ الظَّالِينَ إِلَّا نَبَارًا﴾ [نوح: ٢٨]. ٣. أخبر الله سبحانه عن استغفار إبراهيم عليه السلام. وهكذا من يتأمل القرآن الكريم يجد فيه من استغفار الأنبياء ومسارعتهم إلى طلب المغفرة في جميع أحوالهم -عليهم صلوات الله وسلامه- شیئا کثیرًا. ٣. جعله الله شعارًا لعباده المتقين، وأثنی علیهم به. ورد ثناء الله على عباده المتقين به في عدة مواضع من كتابه الكريم، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار تلويح بالأمر به؛ كما قيل: إن کل شيء أثنی الله علی فاعله فهو آمر به، وکل شيء ذم فاعله فهو ناه عنه(٢)؛ ومنذلك: (٢) انظر: الموافقات، الشاطبي ١٤٢/٣، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٨. www. modoee.com ٨٣ حرف الألف ١. قال تعالى: ﴿الصَِّينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَدِنِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]. ٢. قال تعالى: ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّنَ الَّلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْمَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: ١٧-١٨]. فأثنى الله سبحانه في هاتين الآيتين على عباده المتقين الذين من أجل صفاتهم وأرفعها: طلبهم لمغفرة الله؛ وخاصة وقت السحر، مما يدلنا على أهمية الاستغفار، ومزيد فضله في هذا الوقت؛ حیث یکون التنزل الإلهي، وإجابة السائلين، وحصول المغفرة للمستغفرين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا، حین یبقی ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له)(١). ٤. ضرورته للعبد وعدم استغنائه عنه طرفة عين. إن العبد دائمًا دائر بين نعمة من الله سبحانه يحتاج معها إلى شكر، وذنب منه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله)، ١٤٣/٩، رقم ٧٤٩٤، ومسلم في صحيحه، كتاب صلاة المسافرين، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه، ٢٧٩/٦، رقم ١٧٦٩. يحتاج فيه إلى الاستغفار، وكل من هذين الأمرين من الأمور اللازمة للعبد(٢). قال بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة؟ لا يصلحها إلا الحمد والاستغفار (٣). قال ابن تيمية: ((والعارف بالله في كل يوم؛ بل في كل ساعة؛ بل في كل لحظة يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبودیته؛ بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حق ربه سبحانه ؛ سواء في القيام بعبادته حق القيام، أم في شكر نعمته؛ ولهذا كان محتاجًا إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائمًا في الأقوال والأفعال وسائر الأحوال؛ لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات» (٤). وليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد محتاج إلی ذلك دائمًا. فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة والاستغفار، فهي من أسباب حصول المغفرة من العزيز الغفار (٥). وقد أمر الله في كتابه بالمسارعة إليها. قال عز من قائل: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ (٢) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠ / ٥٦. (٣) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ١/ ١١٣. (٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ١١ / ٦٩٦. (٥) المصدر السابق ١١/ ١٤٢. مُوسُوبة النفسية القرآن الكريم ٨٤ الاستغفار أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. والمسارعة إليها تکون بالإتيان بأسبابها، ومن أعظم أسبابها التوبة والاستغفار. فهؤلاء الملائكة عليهم السلام الذين يحملون عرش الرحمن عز وجل كان من بين مهامهم التي لا يغفلون عنها: استغفارهم للمؤمنين، وهذا أمر له دلالته وأبعاده التي تدل على أن خير ما يعطاه المؤمن المغفرة من ربه؛ لأنها سبيل إلى كل نجاة، وإذا صحت المغفرة للعبد فما بعدها أيسر منها. فحري بالمسلم إذا عرف أهمية الاستغفار وعظیم مكانته عند الله أن یکثر منه، وألا يقنط من رحمة ربه؛ وإن عظمت ذنوبه وكثرت وتنوعت؛ فإن باب التوبة والمغفرة والرحمة واسع. ثانيًا: حكم الاستغفار: الاستغفار نوع من أنواع الدعاء؛ إذ هو طلب العبد من ربه غفران ذنوبه؛ وذلك بسترها والتجاوز عنها، والأصل في حكم الاستغفار أنه مطلوب على سبيل الاستحباب في أحوال وأوقات كثيرة، منها: وقت السحر. قال القرطبي: ((الاستغفار مندوب إليه))(١). وقال النووي رحمه الله : ((واعلم أن (١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٩/٤. المذهب المختار، الذي عليه الفقهاء والمحدثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف، أن الدعاء مستحب»(٢). ويمكن أن يقسم الاستغفار إلى: ١. استغفار واجب. اتفق العلماء على أن الاستغفار واجب بعد الذنب، سواء كان بترك واجب أو فعل محرم. قال تعالى: ﴿وَأَنْ أَسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّتُوبُوا إِلَيْهِ يُمَنِّعَّكُمْ مَّنَعًا حَسَنَّا إِلَى أَجَلٍ مُّسَنَّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِى فَضْلٍ فَضْلَةٌ، وَإِن تَوَلَّوْ فَإِّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: ٣]. والأمر هنا للوجوب؛ إذ لا صارف له(٣). وجاء في قصة الإفك أن رسول الله صلی الله عليه وسلم قال لعائشة: (وإن كنت ألممت(٤) بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه)(٥). (٢) الأذكار، النووي ص٣٥٣. (٣) إرشاد الفحول، الشوكاني ص ١٤٣، مذكرة في أصول الفقه، الشنقيطي ص٢٢٩. (٤) ألممت: أصل اللمم: الاقتراب من الشيء، وحقيقته: وقوع الفعل من الشخص على خلاف العادة. انظر: النهاية، ابن الأثير ٤ / ٢٣٤. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قال تعالى: (لولا إذا سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا)، ٣٨٥/٩، رقم ٤٧٥٠. www. modoee.com ٨٥ حرف الألف قال ابن القيم: ((فإن من الدعاء ما هو أو شجر، أو الابتداع فيه. واجب؛ وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها))(١). ٢. استغفار مستحب. يشرع ويستحب للمسلم طلب المغفرة من ربه في أوقات وأماكن وأحوال كثيرة حث الله سبحانه رسوله على طلب المغفرة فيها. من الأوقات الفاضلة: وقت السحر، وآخر ساعة من يوم الجمعة، وفي ليلة القدر، ويوم عرفة. ومن الأماكن: البلد الحرام، والمشاعر المقدسة للحاج بها، والمساجد. ومن الأحوال: الاستغفار في الصلاة، وعند الصباح والمساء، وعند ركوب الدابة، وبعد قضاء الحاجة، وعند النوم، وفي خواتيم الأعمال، وغير ذلك من الأحوال الفاضلة التي يستحب للمسلم اغتنامها، وطلب المغفرة فيها. ٣. استغفار محرم. ذلك التحريم تارة يتعلق بالاستغفار نفسه، وتارة يتعلق بالمستغفر له: التحريم المتعلق بالاستغفار. وذلك بالشرك في الاستغفار؛ كالتوجه بطلب المغفرة من غير الله، من بشر أو حجر (١) جلاء الأفهام، ابن القيم ص٢٧٣. التحریم المتعلق بالمستغفر له. كالاستغفار للكفار بعد موتهم(٢)، وهذا منھي عنه. وقد نھی الله سبحانه في كتابه الكريم نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين، نهيًا تتجلى فيه صورة البراءة من الشرك والمشركين؛ مهما كانت صلتهم بالمؤمن، وحبهم له، وحرصهم على سلامته، والدفاع عنه. قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَِّّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْ يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِ قُرْبِىَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَبُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣]. ونهى الله عز وجل عن الاستغفار للمنافقين. وقد كان فريقٌ من المنافقين يطمعون في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم؛ مع علمهم بكفر بواطنهم، ليموهوا على المسلمين أنهم مسلمون مؤمنون، فأعلن الله سبحانه أن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه صلى الله عليه وسلم لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم. قال تعالى: ﴿أَسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِةٍ، وَاَللَّهُ لَا (٢) انظر: الفروق، القرافي ٢٦٠/٤. مُوسُوبَةُ النَّسيد القرآن الكريم ٨٦ الاستغفار يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَسِقِينَ﴾ [التوبة: ٨٠]. ٤. الاستغفار المكروه. یکره الاستغفار لأسباب عديدة؛ منها: الأماكن: كالاستغفار في الكنائس، والحمامات، ومواضع النجاسات والقاذورات. الهيئات: كالاستغفار مع النعاس، فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة والاستغفار في مثل هذه الحالة، ومن الهيئات التي يكره فيها الاستغفار أيضًا: مدافعة الأخبثین، أو ملامسة النجاسة (١). نحو قوله تعالى عن آدم وحواء أنهما أن تكون صيغته مكروهةً: كأن يقول: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَقْنَا أَنْفُسَنَا وَإِن لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. اللهم اغفر لي إن شئت(٢). أن يشتمل على اعتداء مكروه: کرفع الصوت بالاستغفار، وعدم التضرع فيه، وكذلك من الاعتداء المكروه: أن يشتمل على السجع المتكلف، وغير ذلك من أنواع الاعتداء. ثالثًا: صيغ الاستغفار: ورد الاستغفار في القرآن الكريم بصيغ عديدة جاءت على ألسنة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وهي تندرج تحت ثلاث صيغ عامة؛ وهي: (١) انظر: الأزهية في أحكام الأدعية، الزركشي ص ١٦٣. (٢) انظر: زاد المعاد، ابن القيم ٢/ ٤٧٢. ١. الصيغة الأولى: الطلب الصريح المجرد. نحو: ﴿وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَ﴾ [البقرة: ١٩٩]. ﴿رَبِّ أَغْفِرْ لِ﴾ [الأعراف: ١٥١]. وهذه الصيغة أظهر الصيغ من جهة القصد والإرادة(٣). وقد وردت في خمسة مواضع أخرى من القرآن الكريم؛ في آل عمران، وإبراهيم، والشعراء، وص، ونوح. ٢. الصيغة الثانية: الخبر المتضمن للطلب. ونحو قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِ ظَلَمْتُ نَفْسِى﴾ [النمل: ٤٤]. وقد ورد في تسعة مواضع من القرآن الكريم؛ في: الأعراف في موضعين، وهود، ويوسف، والأنبياء، والشعراء في موضعين، والنمل، والقلم. ٣. الصيغة الثالثة: الخبر المقترن بالطلب الصريح. و لھذہ الصيغة ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن السائل. (٣) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ١٠/ ٢٤٢. www. modoee.com ٨٧ حرف الألف نحو قوله تعالى: ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَاً غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]. وقد ورد في أربعة مواضع من القرآن الكريم؛ في: البقرة، وآل عمران في موضعین، والقصص. الصورة الثانية: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن المسؤول. نحو قوله تعالى: ﴿وَأَعْفُ عَنَّا وَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَأْ أَنْتَ مَوْلَئِنَا فَأَنصُرْنَا عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكَفِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وهو الله سبحانه وتعالى. وقد وردت في ثمانية مواضع من القرآن الكريم؛ في: البقرة، والأعراف في موضعین، والمؤمنون، وغافر، والحشر، والممتحنة، والتحريم. الصورة الثالثة: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن السائل والمسؤول معًا. وورد في القرآن مرة واحدة. قال تعالى: ﴿إِنَّهُ، كَانَ فَِّقٌ مِنْ عِبَادِى يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَأَغْفِرْ لَنَا وَأَرْحَمْنَا جَزَيْتُهُمُ اَلْيَوْمَ الزَّحِينَ﴾ [المؤمنون: ١٠٩]. فنستخلص مما سبق الآتي: ١. إن صيغ الاستغفار الواردة في القرآن الكريم من أفضل الصيغ وأكملها وأجمعها للمعاني الموجبة لغفران الذنوب، والبعد كل البعد عن الأدعية والاستغفارات غير الشرعية. ٢. لو تأملنا جميع صيغ الاستغفار فإن أغلبها صدر باسم الرب، أما الاستغفار المتضمن الثناء فإنه صدر باللهم؛ كما في سيد الاستغفار ربي (اللهم أنت لا إله إلا أنت)(١) . وسر ذلك أن الله تعالى يسأل بربوبيته المتضمنة قدرته وإحسانه وتربيته عبده وإصلاح أمره، ويثني عليه بألوهيته المتضمنة إثبات ما يجب له من الصفات العلى، والأسماء الحسنى (٢). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، ٦٧/٨، رقم ٦٣٠٦. (٢) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم ١٦٦/٢. ٨٨ مُوسُو ◌َةُ النَّطِّ القرآن الكريم الاستغفار أوقات الاستغفار وأحواله بين القرآن الكريم أوقات الاستغفار وأحواله، وسوف نتناولها بالبيان فيما يأتى: أولًا: أوقات الاستغفار: فضل الله الأوقات بعضها على بعض؛ فجعل بعضها نفحات لرحمته وجوده و کرمه، فينبغي للمسلم أن يترصد تلك الأوقات الفاضلة؛فيستغفراللهفيها؛ فهي أرجىلحصول المغفرة له من غيرها؛ ومن تلك الأوقات: ١. الأسحار. وقت السحر وقت يكون فيه تمام صفاء القلب وإخلاصه وفراغه من المشوشات والملهيات(١)، ومدح الله المستغفرين له في هذا الوقت، فقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ﴾ [آل عمران: ١٧]. وخص وقت السحر بالذکر لأنه وقت إجابة الدعاء (٢). ٢. يوم الجمعة. لا شك أن يوم الجمعة خير الأيام على الإطلاق. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه (١) انظر: إحياء علوم الدين، الغزالي ٣٠٤/١. (٢) انظر: الفتوحات الربانية، ابن علان ٢٧٢/٧. خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها)(٣). وفیه ساعة يستجاب فيها للعبد. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن في الجمعة لساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه - وأشار بيده يقللها-)(٤). ٣. ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. ليلة القدر ليلة مباركة؛ أنزل الله سبحانه فيها كتابه الكريم، وجعلها خيرًا من ألف شهر. قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَئِكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ )) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٢-٣]. وليلة القدر ليست مخصوصة بعينها في كل عام؛ بل إنها تتنقل في العشر الأواخر من رمضان. الغفلة ولذة النوم؛ ولأنه زمن القبول ووقت ثانيًا: أماكن الاستغفار الفاضلة: لقد اختص الله سبحانه بعض الأماكن بمزيد من الفضل، وجعلها مواطن لنزول (٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجمعة، باب فضل يوم الجمعة، ٣٨٠/٦، رقم ١٩٧٣. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجمعة، باب الساعة التي في يوم الجمعة، ٨١/٣، رقم ٩٣٥، ومسلم في كتاب الجمعة، باب في الساعة التي في يوم الجمعة، ٣٧٨/٦، رقم ١٩٦٦. www. modoee.com ٨٩ حرف الألف الرحمات، واستجابة الدعوات، فمن تلك الأماكن: ١. البلد الحرام(١). فهو مکان فضله الله، وأقسم به في كتابه العزيز، وما ذاك إلا لفضله، فيستحب للمسلم طلب المغفرة فيه؛ لأن من شرفهشرف ما يعمل فيه من الطاعات، ومنه: الدعاء والاستغفار؛ بل هو غاية الطاعة؛ لما فيه من الافتقار والتذلل بين يدياللهسبحانه وتعالى(٢). ومن أعظم الأماكن فيه: المسجد الحرام، بجوار الكعبة المشرفة (٣). المشاعر المقدسة؛ كعرفة، والمشعر الحرام، ومنى. ٢. مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. قال صلى الله عليه وسلم: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي) (٤). (١) انظر: الأزهية في أحكام الأدعية، الزركشي ص١١٠، تحفة الذاكرين، الشوكاني ص ٦٠. (٢) انظر: الفتوحات الربانية، ابن علان ٢٦٣/٤. (٣) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٨٤/٥، تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤ /٥٥٩. (٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، ٣٩٢/٣، رقم ١١٩٦، ومسلم في صحيحه، کتاب الحج، باب ما بين القبر والمنبر روضة من رياض الجنة جوبيبو القرآن الكريم فيستحب للمسلم الصلاة فيها، والإكثار من الدعاء والذكر والاستغفار وقراءة القرآن؛ فإن ذلك كله من الأعمال الصالحة. ثالثًا: الأحوال التي يستغفر فيها: ١. الاستغفار بعد الذنب. حث الله سبحانه في كتابه الكريم عباده على المبادرة إلى طلب مغفرته عند الوقوع في الذنوب. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَدُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ١١٠]. فالاستغفار من الذنوب ينفع العاصين(٥)؛ فعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله علیه وسلم يقول: (ما من عبد يذنب ذنبا فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له) (٦). ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: ١٣٥]. ٢. الاستغفار عند الصباح والمساء. يستحب للمسلم كلما أصبح أو أمسى ٩/ ١٦٣، رقم ٣٣٥٥. (٥) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٨/١. (٦) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب الوتر، باب في الاستغفار ٨٦/٢، رقم ١٥٢١. وصححه الألباني في صحيح أبي داود ٥/ ٢٥٢، رقم ١٣٦١. ٩٠ الاستغفار أن یتوجه إلى ربه بطلب مغفرته وعفوه، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم أمته في ذلك، وبين لهم جزاء من يحافظ على ذلك؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن يقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب أفضل الاستغفار، ٨/ ٦٧، رقم ٠٦٣٠٦ دواعي الاستغفار بين الوحي الإلهي دواعي الاستغفار، وسوف نبينها فيما يأتي: أولًا: الاستغفار من أجل الذنوب والمعاصي: ١. الاستغفار من فعل يقتضي الذم والعقاب. شرع الله سبحانه الاستغفار لعباده رحمة بهم، وجعله سببًا لحصول مغفرته، ودخول جنته. وتفصيل ذلك ما يلي: الاستغفار من ترك الواجبات في حال العلم. حث الله سبحانه عباده في كثير من آياته على الاستغفار من ظلمهم لأنفسهم، ووعدهم على ذلك بالمغفرة والرحمة. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوْءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ١١٠]. وظلم الإنسان لنفسه يكون بترك الواجبات؛ كما يكون بفعل المحرمات، فكلاهما من السيئات والخطايا والذنوب التي يجب على العبد الاستغفار والتوبة إلى الله منها، فهما متلازمان، فكل من أمر بشيء www. modoee.com ٩١ حرف الألف فقد نهى عن فعل ضده(١)، ومن نھی عن فعل فقد أمر بفعل ضده(٢). هناك أفعال إذا فعلها المسلم كانت سببًا من الأسباب المفضية إلى ذمه وعقابه من ■ الاستغفار من فعل المحرمات في حال الله - سبحانه؛ ولكن العقوبة عليها متوقفة على قيام الحجة عليه. العلم. إن الوقوع في المحرمات -سواء كانت من الكبائر أم من الصغائر - مما يوجب على العبد الاستغفار والتوبة إلى الله منها، وعدم الإصرار عليها(٣)، فيجب على المسلم صادق الإيمان أن يجتنب ويبتعد أشد البعد عن الكبائر والموبقات، ویحذر من الصغائر، ومحقرات الذنوب؛ فإنها تهلك صاحبها، فالصغيرة مع الإصرار عليها والاستهانة بها تصبح كبيرة؛ كما قال ابن عباس: ((لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار)) (٤). وعليه فإن الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات أمر واجب، من اقتصر عليه كان من الأبرار المقتصدين، ومن تركه كان من الظالمين الفاسقين. قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَتُّبْ فَأُوْلَئِكَ هُ الَّالِمُونَ ﴾ [الحجرات: ١١]. الاستغفار من فعل ما كان سببًا للذم والعقاب لكن متوقف على الشرط. (١) انظر: روضة الناظر، ابن قدامة ١٣٣/١، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي ٣٩٣/١. (٢) انظر: البحر المحيط، الزركشي ٤٣٥/٢. (٣) انظر: دليل الفالحين، ابن علان ٨٨/١. (٤) أخرجه الطبري في تفسيره ٤١/٥، وابن أبي حاتم في تفسيره ٣/ ٩٣٤. ﴿مَّنِ اُهْتَدَىْ فَإِنَّمَا يَهَدِى قال تعالى: لِنَفْسِهِ، وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَاْ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْدَ أُخْرَىُّ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. قال ابن تيمية: ((وقيام الحجة إنما تقوم بشیئین: # بشرط التمكن من العلم بما أنزل الله. والقدرة على العمل به. ٠ فلا يكلف العاجز عن العلم والعمل ما هو عاجز عنه))(٥). ولا شك أن الجاهل والمخطئ والناسي ممن عجزوا عن العلم، والمكره ممن عجز عن العمل، فلا إثم عليهم فيما يتركون من واجب أو يفعلون من محرم، وكذلك فإنهم لا قصد لهم ولا نية، والإثم مرتب على المقاصد والنيات؛ لكن يشرع لهم الاستغفار مما فعلوه فى حال الجهل والخطأ والنسيان والإكراه؛ لأنه مما يفضي إلى ذم الله وعقابه. ويمكن تقسيم الأفعال التي يستحب أن يستغفر منها لأنها سبب للذم والعقاب إلى ما يلي: (٥) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٦/٢٠، والتوبة له أيضًا ص٢٩. ٩٢ القرآن الكريم الاستغفار الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الجهل. الاستغفار من الهم والعزم على فعل المحرمات مع عدم التمكن منها. * الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الخطأ والنسيان. * الاستغفار من ترك الواجبات وفعل المحرمات في حال الإكراه. * الاستغفار مما يدور في النفس من الخواطر والأحاديث التي لو قالها أو فعلها عذب. الاستغفار من فعل ما يخشى أن يكون مؤكدة، فالورع فعله، ولا ينبغي للمسلم سببًا للذم والعقاب. هناك أفعال إذا فعلها العبد فإنه يخشی أن تكون سببًا لذمه وعقابه؛ وهي الوقوع في المشتبهات مع علمه بأنها مشتبهات، و کونھا مشتبهات عنده فهي مما ينبغي للمسلم أن يتجنب الوقوع فيها والابتعاد عنها، وأن يبادر إلى الاستغفار والتوبة إلى الله سبحانه إذا وقع في شيء منها؛ تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]. ويمكن تقسيم المشتبهات التي يستغفر فيها، ویخشی أن تكون سببًا للذم والعقاب إلی قسمین: ١. الاستغفار من ترك المشتبهات بالواجب. ٢. الاستغفار من فعل المشتبهات بالمحرم. وتفصيل ذلك ما يلي: ١. الاستغفار من ترك المشتبهات بالواجب. وهي ما تردد الحكم فيها بين الوجوب والاستحباب، فهذا القسم من المشتبهات مما ينبغي للمسلم فعلهوالمحافظةعلیه، ويستحب الاستغفار والتوبة إلى الله عند تركه؛ لأن تركه ممايخشى أن يكون سببًا للذم والعقاب. ـة (١) ومثال ذلك: الوتر، فقد ذهب الحنفية إلى وجوبه، وذهب الحنابلة إلى أنه سنة تركه، وإذا تركه فعليه التوبة والاستغفار من ذلك. ٢. الاستغفار من فعل المشتبهات بالمحرم. وهي ما تردد الحكم فيها بين التحريم والكراهة، فهذا القسم من المشتبهات مما ينبغي للمسلم تركه، واستغفار الله سبحانه عند الوقوع فيه؛ لأنه مما يخشى أن يكون سبيًا للذم والعقاب. ومثال ذلك: نتف شعر الوجه بالنسبة للمرأة؛ فإن العلماء -رحمهم الله- اختلفوا: هل هو داخل ضمن النمص فيحرم(٢) أم لا (١) انظر: شرح فتح القدير، ابن الهمام الحنفي ٣٠٠/١. (٢) انظر: حاشية الجمل على شرح المنهج ٤١٨/١، الملخص الفقهي، صالح الفوزان www. modoee.com ٩٣ حرف الألف يشمله ذلك(١)؟ فالورع تركه واستغفار الله له الاستغفار إلى الله من تركه؛ لأن تركه عند الوقوع فيه. ثانيًا: الاستغفار من فعل ما كان سببًا للنقص في الطاعات: يمكن تقسيم الأفعال التي يستغفر منها - لأنها سببٌ للنقص- إلى ما يلي: ١. الاستغفار من ترك المستحبات المتفق على استحبابها. ٢. الاستغفار من فعل المكروهات المتفق علی کراهتها. ٣. الاستغفار من الاشتغال بفضول المباحات. ١. الاستغفار من ترك المستحبات المتفق عليها. هناك كثير من المستحبات التي ندب الشارع إليها، ورتب على فعلها الأجر العظيم؛ فمن ذلك: * السنن الراتبة، فهي مما ينبغي للمسلم المحافظة عليها بعد الفرائض، جبرًا لما يحصل فيها من الخلل والنقص. قيام الليل المشروع، فهو من أفضل الصلوات بعد المكتوبة، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر. فهذا كله مما يستحب للمسلم فعله، والمواظبة علیه، وإذا ترك شيئًا منه يستحب سبب لنقص درجته وحرمانه من الخير الذي يحصل لمن حافظ علیه. ٢. الاستغفار من فعل المكروهات المتفق عليها. المكروهات عقبة بين العبد والحرام، ومن استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام؛ ومن ذلك: كراهية الالتفات في الصلاة بغير عذر. كراهية تخصيص يوم الجمعة بصيام. فيستحب للمسلم الابتعاد عن هذه المكروهات وغيرها؛ ليحصل له موجبها من الثواب ورفعة الدرجات، وأن يستغفر الله سبحانه إذا وقع في شيء منها. ٣. الاستغفار من الاشتغال بفضول المباحات. لا شك أن الاشتغال بفضول المباحات كالإكثار من المأكل والمشرب والخلطة وغير ذلك؛ يوجب قسوة القلب، وقلة الفهم، ويضعف صاحبه عن العبادة، فيستحب للمسلم استغفار الله من الانشغال بها، وأن يتقلل منها ويزهد فيها. فنستنتج مما سبق أن الاستغفار من ترك المستحبات، وفعل المكروهات، وفضول المباحات، أمر مستحب، فمن اقتصر على الاستغفار الواجب من ترك مأمور أو فعل محظور كان من الأبرار المقتصدين، ومن ١١٥/١. (١) لطائف المعارف، ابن رجب ص٨. مَوَسُولَة البقية القرآن الكريم ٩٤