Indexed OCR Text
Pages 21-30
الأسرة مِنْ بَعْلِهَا فُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَآ أَن الكريمة السعيدة داخل الأسرة بعيدًا عن المشاحنات. يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلَحَاْ وَالصُّلَّحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]. يقول سيد قطب: ((فإذا خشيت المرأة أن تصبح مجفوة وأن تؤدي هذه الجفوة إلى الطلاق - وهو أبغض الحلال إلى الله - أو إلى الإعراض، الذي يتركها کالمعلقة، لا هي زوجة ولا هي مطلقة، فليس هنالك حرج عليها ولا على زوجها، أن تتنازل له عن شيء من فرائضها المالية أو فرائضها الحيوية، كأن تترك له جزءًا أو كلا من نفقتها الواجبة علیه، أو أن تترك له قسمتها وليلتها، إن كانت له زوجة أخرى يؤثرها، وكانت هي قد فقدت حيويتها للعشرة الزوجية أو جاذبيتها هذا کله إذا رأت هي-بكامل اختيارها وتقديرها لجميع ظروفها- أن ذلك خير لها وأکرم من طلاقها ... ثم يعقب على الحكم بأن الصلح إطلاقًا خير من الشقاق والجفوة والنشوز والطلاق: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فينسم على القلوب التي دبت فيها الجفوة والجفاف، نسمة من الندي والإيناس، والرغبة في إبقاء الصلة الزوجية والرابطة العائلية))(١). يتبين مما سبق أن القرآن الكريم ذكر علاجًا ناجعًا في حال أحد الزوجين، وهذا العلاج الناجع الذي ذكره القرآن الكريم؛ ليزيد الأسرة قوةً وارتباطًا، ويهيئ الحياة (١) في ظلال القرآن ٧٦٨/٢. خامسًا: قذف الزوجة: القذف: الرمي بالزنا خاصة، صراحةً أو ضمنًا(٢). إن قذف الزوجة يختلف عن قذف الأجنبية، حيث إن ضرر القذف لا ينحصر في المقذوفة فقط بل يقع على القاذف، وهو الزوج من حيث الفضيحة التي تطاله، وصحة نسبة أبنائه إليه؛ لذا فإن الزوج غالبًا لا يقذف زوجته إلا صادقًا، ولهذا وضع القرآن الكريم الحلول لمثل هذه المشكلة. فقال تعالى: ﴿وَلَّذِينَ يَّمُونَ أَزَّوَجَهُمْ وَلَّ يَكُن ◌َّمْ شُهَدَّةُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَدَتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّدِفِينَ ل وَالْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ ٠٠٠ اَللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ ، وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِبِينَ ٨ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهُ تَوَّابُ حَكِيمٌ ﴾ [النور: ٦-١٠]. فهذه الآية الكريمة فيها الفرج والمخرج للأزواج، إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة؛ أن يلاعنها، كما أمر الله عز وجل، وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به، فيحلفه الحاكم (٢) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس حامد قنيبي ٣٥٩/١. www. modoee.com ٢٧٥ حرف الألف أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء، ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ أي: فيما رماها به من الزنى ﴿وَاَلْخَمِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ﴾، فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء، وحرمت عليه أبدًا، ويعطيها مهرها، ویتوجه عليها حد الزنى، ولا يدرأ عنها العذاب إلا إن تلاعن، فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، أي: فيما ﴿ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا رماها به، إِن كَانَ مِنَ الصََّدِقِينَ﴾ ولهذا قال: ﴿وَيَدْرَؤُّأْ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ يعني: الحد، ﴿أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَدَاتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَذِينَ ، وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اَللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ فخصها بالغضب، كما أن الغالب أن الرجل لا یتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنی إلا وهو صادق معذور، وهي تعلم صدقه فيما رماها به. ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها. والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم یحید عنه. ثم ذكر تعالی لطفه بخلقه، ورأفته بهم، وشرعه لهم الفرج والمخرج من شدة ما یکون فیه من الضیق(١). سادسًا: الشقاق: الشقاق: أن ینال الفرد من صاحبه ما کربه (١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٤/٦. وآذاه وأثقلته مساءته(٢). قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَآْ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَاْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ [النساء: ٣٥]. والمعنى: وإن خفتم الشقاق بين الزوجين والمباعدة والمجانبة حتى يكون كل منهما في شق ﴿فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا﴾ أي: رجلين مكلفين مسلمين عدلين عاقلين يعرفان ما بين الزوجين، ويعرفان الجمع والتفريق. فينظران ما ينقم كل منهما على صاحبه، ثم يلزمان كلا منهما ما يجب، فإن لم يستطع أحدهما ذلك، قنعا الزوج الآخر بالرضا بما تيسر من الرزق والخلق، ومهما أمكنهما الجمع والإصلاح فلا يعدلا عنه. فإن وصلت الحال إلى أنه لا يمكن اجتماعهما وإصلاحهما إلا على وجه المعاداة والمقاطعة ومعصية الله، ورأيا أن التفريق بينهما أصلح؛ فرقا بينهما(٣). يتبين مما سبق رأفة الله سبحانه بعباده، ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج، ومن شدة ما يكون بهم من الضيق، ومن وقوع هذه المشكلة التي لا علاج لها سوى ما ذكره الله تعالى من (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢/ ٦٠٢. (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص١٧٧. ٢٧٦ مُوسُوبَةُ اللَّشيد القرآن الكَرِيْمِ الأسرة الأحكام التي سبق ذكرها. ثانيًا: مشكلات الأبناء: يعتبر استقرار الأسرة من أقوى دعائم تربية الأولاد تربية صالحة، والعمود الفقري في ذلك قوة العلاقة بين الزوجين والاحترام المتبادل بينهما حقيقةً لا تكلفًا، وما قد يحدث بينهما من مشكلات أو اختلاف يجب ألا يكون أمام الأبناء بل في معزل عنهم، ويجب على كل واحد منهم أن يعظم قدر الآخر في نظر الأولاد ويحافظ على هيبته ومكانته، ومن هذه المشكلات ما يلي: ١. عقوق الوالدين. تمثل ذلك في قصة الابن العاق الذي ورد في القرآن متمردًا ورافضًا ما يدعوه إليه والداه من الخير والإيمان، مصرًا على الكفر والانحراف. قال تعالى: ﴿وَالَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُنّ لَكُمَآ أَتَعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِى وَهُمَا يَسْتَغِيئَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ مَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلََّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأحقاف: ١٧]. يقول سيد قطب: ((فالوالدان مؤمنان، والولد العاق يجحد برهما أول ما يجحد فيخاطبهما بالتأفف الجارح الخشن الوقح: ﴿أَنّ لَّكُمَآَ﴾ ... ثم يجحد الآخرة بالحجة الواهية: ﴿أَنْعِدَانِىّ أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِ﴾ .. أي: ذهبوا ولم يعد منهم أحد .. والساعة مقدرة إلى أجلها، والبعث جملة بعد انتهاء أجل الحياة الدنيا، ولم يقل أحد إنه تجزئة، يبعث جيل مضى في عهد جيل يأتي، فليست لعبةً وليست عبثًا، إنما هو الحساب الختامي للرحلة کلها بعد انتهائها! والوالدان يريان الجحود ويسمعان الكفر، ويفزعان مما يقوله الولد العاق لربه ولهما، ويرتعش حسهما لهذا التهجم والتطاول ويهتفان به: ﴿وَهُمَا يَسْتَغِيئَانِ اللَّهَ وَيَلَكَ ءَامِنْ إِنَّ وَعْدَ اَلَّهِ حَقٌ﴾ .. ويبدو في حكاية قولهما الفزع من هول ما يسمعان، بينما هو يصر على كفره، ويلج في جحوده: ﴿فَيَقُولُ مَا هَذَآ إِلَّ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ .. هنا يعاجله الله بمصيره المحتوم)) (١). وقد ظهر ذلك أيضًا من موقف ابن سيدنا نوح عليه السلام مع أبیه حیث رفض الاستجابة له، والالتحاق بهم في السفينة، والانصياع لدين الله سبحانه فكان عاقبته الموت غرقا. قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحُ ابنَهُ،وَكَانَفِی مَعْزِلٍ يَبُنَّ أَرْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَّعَ الْكَفِرِينَ ﴿٢ قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الْمَآءُ قَالَ لَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِزَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَفِينَ﴾ [هود: ٤٢-٤٣]. (١) في ظلال القرآن ٣٢٦٣/٦. www. modoee.com ٢٧٧ حرف الألف وهكذا یفرق الضلال بین الابن وأبيه، حتی لیابی الولد وهو بين يدي هذا البلاء المحيط به أن يستجيب لأبيه، وأن يستمع له، فيخرج عن أمره، وهو يدعوه إلى ما فيه سلامته ونجاته، وهکذا یوفی کل من الأب والابن جزاء ما كسب، فينجو الأب بإيمانه، ويهلك الابن الكافر بكفره(١). ٢. الغيرة والحسد بين الأبناء. العدل بين الأبناء مهم جدًا لاستقرار الحياة داخل الأسرة، وقد أظهر القرآن الكريم أن الغيرة بين الأبناء قد تؤدي إلى أن يفكر بعض الأبناء في إيذاء أو قتل بعضهم البعض بسبب ذلك، ونفهم ذلك من القصص الواردة في القرآن، التي تعرض لمثل هذه الحوادث، ومن ذلك ما حصل بين قابيل وهابيل. قال تعالى: ﴿وَأَتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ أَبْنَىْ ءَادَمَ بِالْحَقِ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُنَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكٌ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اُللَّهُ مِنَ الْمُنَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. قال الزحيلي: ((أورد الله تعالى هذه القصة لبيان تأثير الحسد والحقد وحب الذات، وأن ذلك يؤدي إلى المخاطر والمهالك والقبائح، فقضى على رابطة الأخوة التي تجمع بین الأخوين، وأدى إلى (١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، عبد الكريم الخطيب ٦ / ١١٤١. سفك الدماء»(٢). ومن الأمثلة التي تؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَيِّهِ ءَايَتٌ لِلِسَّآِلِينَ إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِيِنَا مِنَّا وَتَحْنُ عُصْبَةُ إِنَّ أَبَانَا لَفِى ضَلَلٍ مُّبِينٍ ﴿ أَقْتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ أَطْرَجُوهُ أَرْضَا يَعْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيَكُمْ وَتَكُونُواْ مِنْ بَعْدِهِ، قَوْمًا صَِحِينَ﴾ [يوسف: ٧-٩]. والمعنى: أن هذا الذي يزاحمكم في محبة أبیکم لكم، أعدموه من وجه أبیکم؛ ليخلو لكم وحدكم، إما بأن تقتلوه، أو تلقوه في أرض من الأراضي تستريحوا منه، وتختلوا أنتم بأبیکم، وتكونوا من بعد إعدامه قومًا صالحین(٣). ٣. سرعة الغضب وعدم التحكم في الأقوال والأفعال. من المشكلات التي يقع فيها الأبناء، هي سرعة الغضب وعدم التحكم في الاقوال والأفعال، وقد حذر القرآن الكريم الأبناء من الوقوع في هذه المشكلة؛ لأنها تؤدي إلى إيذاء الآخرين وتوقعهم فيما لا تحمد عقباه، وخصوصًا سخط الله سبحانه وكذلك سخط الآباء. قال تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل ◌َّثُمَا أُنٍ وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: ٢٣]. (٢) التفسير المنير ٦/ ١٥٢. (٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٧٢/٤. ٢٧٨ مَوَسُوعَةُ التَّفْسِيْ القرآن الكريم الأسرة والمعنى: لا تؤفف من شيء تراه من أحدهما أو منهما مما یتأذى به الناس، ولکن اصبر على ذلك منهما، واحتسب في الأجر صبرك عليه منهما، كما صبرا عليك في صغرك (١). قال تعالى: ﴿وَالَّذِى قَالَ لِولِدَيْهِ أُنّ لَكُمَا﴾ [الأحقاف: ١٧]. بالله واليوم الآخر: أف لكما، أي: أتضجر وأتبرم مما تقولانه، أأنتما تخبرانني أنني سأبعث من قبري بعد الموت لموعد الله؟ إن هذا البعث بعد الموت المستبعد مستنكر، فقد مضت الأمم السابقة الكثيرة من قبلي، کعاد وثمود، ماتوا ولم يبعث منهم أحد، وذهبوا ولم يرجع منهم مخبر(٢). ٤. التلفظ بالألفاظ النابية مع الآخرين. حذر القرآن الكريم المسلمين من استخدام الألفاظ النابية، التي تثير الحقد وتدفع إلى الكراهية، وبالتالي لابد للمسلم أن يربي أبناءه على اجتناب مثل هذه الألفاظ، حتى يكون أبناؤه مثالًا يقتدى في الأخلاق الحميدة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوَاْ أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابُوا بِالْأَلْقَبِ﴾ [الحجرات: ١١]. (١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٧ / ٤١٥. (٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٤٣/٢٦. بين القرآن ما ينبغي أن يكون عليه المؤمن مع المؤمن، فذكر أنه لا ينبغي أن يسخر منه ولا أن يعيبه بالهمز واللمز، ولا أن يلقبه باللقب الذي يتأذى منه؛ لأن ذلك من الأمور التي تؤدي إلى ضياع الأمة وتفشي الظلم والكراهية فيها (٣). هذا وقد بين القرآن الكريم أهمية خفض أي: قال لأبويه حينما دعواه إلى الإيمان الصوت أثناء الحديث مع الآخرين في الحديث عن وصايا لقمان لابنه قال تعالى: ﴿وَأَغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اَلْصِيرِ﴾ [لقمان: ١٩]. قال سيد قطب: ((والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته، وما يزعق أو يغلظ في الخطاب إلا سيء الأدب، أو شاك في قيمة قوله، أو قيمة شخصه يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلظة والزعاق! والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفرة محتقرة بشعة حین یعقب عليه بقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ اْأَصْوَتِ لَصَوْتُ الْخِيرِ﴾ .. فيرتسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية، مع النفور والبشاعة)) (٤). ٥. الصحبة السيئة. قد يقع بعض الأبناء في سوء اختيار الصديق، مما يؤدي إلى تأثيرات سلبية على (٣) انظر: تفسير المراغي ١٣٣/٢٦. (٤) في ظلال القرآن ٢٧٩٠/٥. www. modoee.com ٢٧٩ حرف الألف هذا الابن وعلى أسرته من حوله، حيث ما يستطيعون من ملذات الحياة والانشغال عن حقوق الله سبحانه ، وقد تناول القرآن بيان ذلك عند حديثه عن أصحاب الجنة، التي طمع أصحابها في ثمر جنتهم، واتفقوا على عدم إعطاء الفقراء منه، كما كان يفعل والدهم فأحرق الله لهم جنتهم عقابًا لهم على ما فعلوه، فتابوا إلى الله سبحانه، ورجعوا نادمین علی فعلتهم(٢). إنه يتعلم من هذه الصحبة السيئة أمورًا تؤدي إلى انحراف سلوكه في المجتمع وداخل الأسرة انحرافًا كبيرًا، فيتفشى لديه الكذب، وقد يتعاطى المخدرات، وبالتالي یهمل في دروسه، الأمر الذي يؤدي به إلى السرقة، أو القتل، فتكون نهايته وخيمة في الدنيا والآخرة، لذا يجب على الوالدين قال تعالى: ﴿ إِنَّابَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ اَلْجَنَِّ إِذْ أَ قَْمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٠) فَطَافَ عَيْهَا طَّابِفٌ مِّن رَِّكَ وَهُمْ نَّبِمُونَ(١ ) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِ﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠]. متابعة أبنائهم في ذهابهم وإيابهم، ومعرفة من يتقرب إليهم ويحيط بهم، ومساءلتهم عند التقصير، وقد حذرنا القرآن الكريم من رفقاء السوء، فقال تعالى: ﴿ اَلْأَخِلَّءُ يَوْمَيِلْمٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧]. يقول سيد قطب: ((وإن عداء الأخلاء لينبع من معين ودادهم .. لقد كانوا في الحياة الدنيا يجتمعون على الشر، ويملي بعضهم لبعض في الضلال، فاليوم يتلاومون، واليوم يلقي بعضهم على بعض تبعة الضلال وعاقبة الشر. واليوم ينقلبون إلى خصوم پتلاحون، من حیث کانوا أخلاء يتناجون! ﴿إِلَّ الْمُتَّقِينَ﴾ .. فهؤلاء مودتهم باقية فقد كان اجتماعهم على الهدى، وتناصحهم على الخير، وعاقبتهم إلى النجاة))(١). ٦. الطمع في ملذات الحياة الدنيا. قد يتربى الأبناء على الاهتمام بتحصيل (١) المصدر السابق ٣٢٠١/٥. يتبين مما سبق أن الأبناء قد يقعون في مثل هذه المشكلات، بل أكثر من ذلك إذا وجدت الأرض الخصبة لذلك، لذا لابد من الوالدين القيام بواجباتهم تجاه أبنائهم على أكمل وجه، حتى يكونوا صالحين نافعين لهم ولوطنهم، وقد ذكر القرآن في موضعين أن الأولاد کالأموال فتنة يجب الحذر منها وإعدادها إعدادًا سليمًا لتكون عنصر بناءٍ لا عنصر هدم في مجتمعها، وحتى لا تكون ويالًا وخسارًا على نفسها ومن حولها. قال تعالى: ﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَلُكُمْ وَأَوْلَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾ [الأنفال: ٢٨]. يقول أبو حيان عند تفسيره للآية: ((أي: (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٩٦/٨. ٢٨٠ مَوَسوبر النفسية القرآن الكريم الأسرة سبب الوقوع في الفتنة وهي الإثم أو العذاب أو محنة واختبار لكم، وكيف تحافظون على حدوده فيها، ففي كون الأجر العظيم عنده إشارة إلى أن لا يفتن المرء بماله وولده، فيؤثر محبته لهما على ما عند الله، فيجمع المال ويحب الولد حتى يؤثر ذلك»(١). (١) البحر المحيط ٣٠٨/٥. الأسرة في القرآن والمواثيق الدولية إن مما لاشك فيه أن الوضع الفطري الطبيعي بالنسبة للرجل أن تكون له زوجة يرتبط بها برباط وثيق يجمعهما، ويتعاونان من خلاله على إنشاء أسرة متماسكة قوية البنيان؛ لإنجاب النسل الصالح الذي يرفد المجتمع بأفراد صالحين، يرثون عن سلفهم مسئوليات المجتمع، لكن هناك من انحرف عن جادة الصواب وخالف الفطرة الإنسانية، وشذ عن الطبيعة التى فطر الله سبحانه الناس عليها، فابتلاهم الله سبحانه بالأمراض والأوبئة التي لم تكن في أسلافهم. أولًا: الأسرة في القرآن: الأسرة في نظر القرآن كيان مقدس، وهي اللبنة الصالحة الأساسية في بناء المجتمع الإنساني السليم، ولهذا أولى القرآن بناءها عناية خاصة، وأحاط إنشاءها بأحكام وآداب تكفل أن يكون البناء متماسگًا قويًا، يحقق الغاية الكبرى من وجوده، وجعل الزواج ميثاقًا محكمًا تأخذه المرأة على زوجها. قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ [النساء: ٢١]. قال الطبري: ((وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قول من قال: الميثاق الذي عني به في هذه الآية: هو ما أخذ للمرأة على زوجها www. modoee.com ٢٨١ حرف الألف عند عقدة النكاح من عهدٍ على إمساكها في الزمن كي توزعه، لا والحق يقول: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ، وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بمعروف أو تسريحها بإحسان، فأقر به الرجل؛ لأن الله -جل ثناؤه- بذلك أوصى الرجال في نسائهم)) (١). بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِيثَقًّا غَلِيظًا﴾ هنا يجب أن نفهم أن الحق حين يشرع فهو یشرع الحقوق، ولكنه لا يمنع الفضل، بدليل أنه قال: ﴿فَإِن طِبَّنَ لَكُمْ عَن شَىْ ءٍ مِّنْهُ نَفْسًا تَكُلُوهُ هَنْكَامَرِّنًا﴾ [النساء: ٤]))(٢). وقال الشعراوي عند تفسيره للآية: ((والميثاق هو: العهد يؤخذ بين اثنين، ساعة سألت وليها: زوجني، فقال لك: زوجتك، ومفهوم أن كلمة الزواج هذه ستعطي أسرة جديدة، وكل ميثاق بين خلق وخلق في غير العرض هو میثاق عادي، إلا الميثاق بين الرجل والمرأة التي يتزوجها؛ فهذا هو الميثاق الغليظ، أي: غير اللين، والله لم يصف به إلا ميثاق النبيين فوصفه بأنه غليظ، ووصف هذا الميثاق بأنه غليظ، ففي هذه الآية ﴿أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ فهنا إفضاء، وفي آية أخرى يكون كل من الزوجين لباسًا وسترًا للآخر ﴿مُنَّ لِبَاسُ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ لهذا كان الميثاق غليظًا. وهذا الميثاق الغليظ يحتم عليك إن تعثرت العشرة أن تتحملها وتعاملها بالمعروف، وإن تعذرت وليس هناك فائدة من استدامتها فیصح أن تستبدلها، فإن کنت قد أعطيتها قنطارًا إياك أن تأخذ منه شيئًا، لماذا؟ لأن ذلك هو ثمن الإفضاء، وما دام هذا القنطار هو ثمن الإفضاء وقد تم، فلا تأخذ منه شيئاً، فالإفضاء لیس شائعًا (١) جامع البيان ٨/ ١٣٠. جَوْسُو ◌َرُ الْبَشِد القرآن الكريم ولم يقتصر القرآن الكريم على اعتبار الميثاق في الأسرة ما يكون بين المرء وزوجه، بل اعتبر أن طلب المیثاق یکون من الأب لأبنائه، وهذا ما ذكره القرآن الكريم عند حديثه عما جرى في قصة يوسف عليه السلام، عندما طلب يعقوب من أبنائه الميثاق حتى يوافق على اصطحاب أخيهم بنيامين لهم في رحلتهم لجلب المؤنة من مصر. قال تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ, مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَّوْئِقًا مِّنَ الَهِلَتَأْنُنَفِى بِهِإِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اَللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾. [يوسف: ٦٦]. قال الشوكاني: ((﴿حَّ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ﴾ حتى تحلفوا بالله لتأتنني به، أي: لتردن بنيامين إلي، والاستثناء بقوله: ﴿إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ هو من أعم العام؛ لأن ﴿الَتَأْنُنَّى بِ﴾ وإن كان كلامًا مثبتًا فهو في معنى النفي، فكأنه قال: لا تمنعون من إتياني به (٢) تفسير الشعراوي ١/ ١٤٢٤. ٢٨٢ الأسرة في حال من الأحوال لعلة من العلل إلا ٢. إقرار الشذوذ الجنسي، وإعطاء الشواذ كافة الحقوق منها الزواج، وتكوين أسر، لعلة الإحاطة بكم، والإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو، ومن أحاط به العدو فقد غلب أو هلك، فأخذ يعقوب عليهم العهد بأن يأتوه بينيامين إلا أن تغلبوا عليه أو تهلكوا دونه، فيكون ذلك عذرًا لكم عندي ﴿فَلَمَّاً ءَاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ أي: أعطوه ما طلبه منهم من اليمين ﴿قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِلٌ﴾ أي: قال يعقوب: الله على ما قلناه من طلبي الموثق منكم وإعطائكم لي ما طلبته منكم مطلع رقیب، لا يخفى عليه منه خافية، فهو المعاقب لمن خاس في عهده، وفجر في الحلف به، أو موكول إليه القيام بما شهد علیه منا))(١). بما يعني إقرار العلاقات غير الشرعية، سواءً بين الرجال والنساء، أو العلاقات الشاذة بين مثليي الجنس، فالأشكال المختلفة للأسرة تشمل النساء والرجال الذين يعيشون معًا بلا زواج، والشواذ، كما تشمل النساء اللائي يأتين بالأطفال سفاحًا، ويحتفظن بهؤلاء الأطفال فيقمن بالإنفاق عليهم، ويطلق على هذا التشكيل اسم الأسرة ذات العائل المنفرد، وتسمى الأم بـ (الأم المعيلة). ٣. العلاقات الجنسية في الاتفاقيات الدولية غير مرتبطة بالزواج الشرعي، فالجنس في الثقافة الغربية هو كالماء ثانيًا: الأسرة في المواثيق الدولية: والهواء، وأنه ضمن الاحتياجات الفسيولوجية للجسم، بما يعني أنه لا هناك عدد من القضايا المهمة تتمحور حولها اتفاقيات الأمم المتحدة التي تمس الأسرة بشكل مباشر، وتؤثر عليها تأثيرًا خطيرًا، من حيث التركيب، والقيم، والهوية، والتماسك، من أهم تلك القضايا: يحق لكائن من كان أن يجبر آخر على أن يكبت رغبته الجنسية إلى مرحلة سنية معينة، وقد ورد في تقرير لجنة الخبراء الصادر عن قسم الارتقاء بالمرأة في الأمم المتحدة، تحت عنوان -القضاء ١. اعتبار الأسرة المكونة من رجل وامرأة ارتبطا برباط الزواج الشرعي أسرة نمطية تقف في طريق الحداثة، ويجب استبدالها بالنموذج اللا نمطي الإبداعي للأسرة. على جميع أشكال العنف والتمييز ضد الطفلة الأنثى -: «كثير من أسوء أشكال العنصرية والعنف ضد الفتيات تحدث في بيوتهم ومجتمعاتهم، مجتمعات الرجال والأولاد دائمًا تركز على التحكم (١) فتح القدير ٤/ ٥٠. www. modoee.com ٢٨٣ حرف الألف الجنسي والإنجابي، والكبت الجنسي للفتيات شاملًا التركيز الشديد على عذرية الفتاة وخصوبتها بما يقود للتميز وإذعان الفتيات)). ٤. تعتبر الوثائق الدولية قوامة الرجل في الأسرة- والتي تشير إليها بانعدام المساواة فى علاقات القوة بين الرجل والمرأة- من أسباب تعويق حصول المرأة على الجنس الآمن، حيث إن الزوج قد لا يوافق على استخدام تلك الوسائل، کما في (البند ٩٨- بکین): («الضعف الاجتماعي وانعدام المساواة في علاقات القوة بين النساء والرجال هما من العقبات التي تعترض الممارسة الجنسية المأمونة». ٥. الأمومة ليست صفة لصيقة بالمرأة اقتضاها تكوينها البيولوجي والنفسي، بل هي وظيفة اجتماعية يمكن أن يقوم بها أي إنسان آخر؛ لذا نادی تفسیر الأمم المتحدة للاتفاقية بضرورة وضع نظام إجازة للآباء لرعاية الأطفال، وقد جاء إعلان بكين ليؤكد على نفس المطلب، بل وجعله هدفًا استراتيجيًا، فجاء ليحث الحكومات على القيام عن طريق التشريعات، بتوفير الحوافز والتشجيع على تهيئة الفرص للنساء والرجال على الإجازات الوالدية، وتشجيع التقاسم المتساوي المسئوليات الأسرة بين الرجل والمرأة، بما في ذلك عن طريق التشريعات الملائمة والحواف. كما يجب توفير شبكات من دور رعاية الطفل حتى تتفرغ الأم لمهمتها الأساسية، وهي العمل بأجر خارج البيت(١). يتضح مما سبق أن هناك فارقًا كبيرًا بين مكانة الأسرة في قرآننا العظيم وبين مكانة الأسرة في المواثيق الدولية، حيث إن القرآن العظيم حفظ الأسرة ورعاها وحماها زوجًا وزوجةً وأبناءً وآباءً، وعرف كل واحد من أفراد الأسرة ما له وما عليه، فإن التزم كل واحد منهم بذلك سعدوا جمیعًا، بخلاف ما أعطته المواثيق الدولية المنبثقة من القوانين الوضعية لكل فرد من أفراد الأسرة من تحلل وانحراف وإباحة لكل ما حرم الله سبحانه، حتى اختلطت الأنساب، وانتشرت بينهم الأمراض التي لم تكن في أسلافهم، وترجلت المرأة وتخنث الرجل، وأصبح المجتمع فوضی لا مجال للأخلاقیات فیه. والله المستعان .. موضوعات ذات صلة: الأبوة، الأخوة، الطلاق، النكاح، اليتيم، (١) انظر: مصطلح الأسرة في المواثيق الدولية، کامیلیا حلمي ٤ / ٥٠. ٢٨٤ جوب القرآن الكريم