Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ أسْمَاء الله الحُسْنِى عناصر الموضوع مفهوم أسماء الله الحسنى ٢٨٦ إحصاء أسماء الله الحسنى ٢٨٧ الإيمان بأسماء الله الحسنى ٢٩٠ تعدد وتنوع أسماء الله الحسنى ٢٩٣ اقتران أسماء الله الحسنى ٢٩٦ أحكام تتعلق بأسماء الله الحسنى ٣٠٥ صور الإلحاد في أسماء الله ٣٠٩ ٣١٠ ثمرات الإيمان بأسماء الله الحسنى المُجَلَّدَ الثَالِكْ حرف الألف مفهوم أسماء الله الحسنى أولًا: المعنى اللغوي: الاسم لغة: ذكر الجوهري أن في الاسم أربع لغات: ((اسم)) بكسر الهمزة وضمها، و((سم) بكسر السين وضمها، وهو مشتق من السمو والعلو (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الاسم مشتق من السمو وهو العلو كما قال النحاة البصريون؛ لأن الاسم يظهر به المسمى ويعلو، فيقال للمسمي: ((سمه)) أي: أظهره، و(«أعله)) أي: أعل ذكره بالاسم الذي یذکر به» (٢). ((وقيل: هو اللفظ الموضوع لمعنّى تعيينًا أو تمييزًا، وقيل: هو العلامة توضع على الشيء يعرف بها)» (٣) الحسنى لغة: حسنى على وزن (فعلى) تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث أكبر، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول: ((إنها تأنيث حسن))؛ لأن تأنيث (حسن) (حسنة)، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: ((إن أسماء الله حسنة))، والصواب هو أن نقول: «إن أسماء الله حسنی)» كما وصفها الله بذلك (٤). والحسنى في اللغة: جمع الأحسن، لا جمع الحسن، فإن جمع الحسن حِسان وحَسَنَة، فأسماء الله تعالى التي لا تحصى كلها حُسْنَى، أي: أنها أحسن الأسماء. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها)) (٥). انظر: الصحاح ٦/ ٢٣٨٣. (١) (٢) مجموع الفتاوى ٦/ ٢٠٧. (٣) معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، التميمي ص ٢٩. (٤) انظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، التميمي ص ٣٠. (٥) شرح العقيدة الأصفهانية ص٣١. ٢٨٦ جوبيين القرآن الكريم أسماء الله الحسنى إحصاء أسماء الله الحسنى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)(١). أولًا : معنى الإحصاء: قیل في معنی الإحصاء عدة أقوال، بيانها فيما يلي(٢): ١. الحفظ. أن یعدها حتى يستوفیھا حفظًا ويدعو ربه بها، ویثني علیه بجمیعھا. قال تعالى: ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. ودليل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لله تسعة وتسعون اسمًا، من حفظها دخل الجنة)(٣). قال ابن حجر: ((لا يلزم من مجيئه بلفظ: (حفظها) تعيين السرد عن ظهر قلب، بل يحتمل الحفظ المعنوي)) (٤). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم، رقم ١١٨/٩،٧٣٩٢. (٢) انظر: النهج الأسمى، النجدي ١/ ٥٢، ٥٦. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم إلا واحدا، ١١٨/٩، رقم ٧٣٩٢، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله، ٢٠٦٢/٤، رقم ٢٦٧٧. (٤) فتح الباري ٢٢٦/١١. ٢. الإطاقة. كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَّنْ تُخُصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوه (٥)، وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا .. ). أي: لن تبلغوا كل الاستقامة، فيكون المعنى: أن يطيق الأسماء الحسنى، ويحسن المراعاة لها وأن يعمل بمقتضاها، وأن يعتبرها فيلزم نفسه بواجبها، فإذا قال: (يا رحمن يا رحيم))، تذكر صفة الرحمة، واعتقد أنها من صفات الله سبحانه، فيرجو رحمته ولا ييأس من مغفرته، وإذا قال: ((السميع البصير))، علم أنه يراه ويسمعه، وأنه لا تخفى عليه خافية، وأنه يعلم السر كما يعلم العلن، ويعلم الباطن كما يعلم الظاهر، فيحافظ على قدسيتها ويرعى حرمتها، فیخافه في سره وعلنه، ويراقبه في كافة أحواله، فإذا حدثته نفسه بمعصيةٍ ذكرها بقدرة الله وعظمته وأسمائه وصفاته؛ لعلها تنزجر (٦). ٣. العقل والمعرفة. فيكون معناه أن من عرفها، وعقل معانيها، وآمن بها دخل الجنة. وهو مأخوذ من الحصاة وهي: العقل، والعرب تقول: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل ومعرفة (٥) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ٤٦٠/٥. (٦) انظر: شأن الدعاء، الخطابي ص٢٧ -٢٨، فتح الباري، ابن حجر ٢٢٥/١١-٢٢٦. www. modoee.com ٢٨٧ حرف الألف بالأمور (١). ومن كرم الله تعالى، أن من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة؛ وهذه المراتب الثلاثة للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين(٢). قال ابن القيم: ((إحصاء الأسماء الحسنى والعلم بها أصل للعلم بكل معلوم؛ فإن المعلومات سواه إما أن تكون خلقًا له تعالى أو أمرًا، إما علم بما کونه أو علم بما شرعه، ومصدر الخلق والأمر عن أسمائه الحسنى، وهما مرتبطان بها ارتباط المقتضى بمقتضيه، فالأمر كله مصدره عن أسمائه الحسنى، وهذا كله حسن لا يخرج عن مصالح العباد والرأفة والرحمة بهم، والإحسان إليهم بتكميلهم بما أمرهم به ونهاهم عنه، فأمره كله مصلحة وحكمة ولطف وإحسان؛ إذ مصدره أسمائه الحسنى، وفعله كله لا يخرج عن العدل والحكمة والمصلحة والرحمة؛ إذ مصدره أسماؤه الحسنى، فلا تفاوت في خلقه ولا عبث، ولم يخلق خلقه باطلًا ولا سدی ولا عبئًا، وکما أن كل موجود سواه فيإيجاده، فوجود من سواه تابع لوجوده تبع المفعول المخلوق لخالقه، فكذلك العلم بها أصل للعلم بكل ما سواه، فالعلم بأسمائه (١) انظر: المصدر السابق . (٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢٢٥/١١. وإحصاؤها أصل لسائر العلوم، فمن أحصى أسماءه كما ينبغي للمخلوق أحصى جميع العلوم؛ إذ إحصاء أسمائه أصل لإحصاء كل معلوم؛ لأن المعلومات هي من مقتضاها ومرتبطة بها. وتأمل صدور الخلق والأمر عن علمه وحکمته تعالی، ولهذا لا تجد فيها خللًا ولا تفاوتًا؛ لأن الخلل الواقع فيما يأمر به العبد أو یفعله إما أن یکون لجهله به، أو لعدم حكمته، وأما الرب تعالى فهو العليم الحكيم، فلا يلحق فعله ولا أمره خلل ولا تفاوت ولا تناقض» (٣). وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في معنى الإحصاء (٤): ١. الإحاطة بها لفظًا ومعنى. ٢. دعاء الله بها، لقوله تعالى: ﴿فَأَدَعُوهُ [الأعراف: ١٨٠]. وذلك بأن ◌ِهَا تجعلها وسيلة لك عند الدعاء، فتقول: «یا ذا الجلال والإكرام)»، «یا حي یا قیوم))، وما أشبه ذلك. ٣. أن تتعبد لله بمقتضاها، فإذا علمت أنه رحيم تتعرض لرحمته، وإذا علمت أنه غفور تتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه سميع اتقيت القول الذي يغضبه، وإذا علمت أنه بصير اجتنبت الفعل الذي لا يرضاه. (٣) بدائع الفوائد، ١/ ١٦٣. (٤) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٢١٤/٢. ٢٨٨ مُوسُوبَة النَّقيد القرآن الكريم أسماء الله الحسنى وقال أيضًا: أما قوله صلى الله عليه أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحًا). قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: (أجل، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن)(٣). وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) (١)، فلا يدل على حصر الأسماء بهذا العدد، ولو كان المراد الحصر لكانت العبارة: إن أسماء الله تسعة وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة أو نحو ذلك (٢). أما عن رأي المفسرين في قضية إحصاء أسماء الله عز وجل، فقد قال الإمام الألوسي، عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ للْمُسْنَى فَأَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]: ((والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه- عزت أسماؤه- في التسعة والتسعين، فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما قال عبدٌ قط إذا أصابه هم وحزن: اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدلٌ في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم إلا واحدًا، رقم ٧٣٩٢، ١١٨/٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الذكر والدعاء، باب في أسماء الله، ٤ / ٢٠٦٢، رقم ٢٦٧٧. (٢) القول المفيد على كتاب التوحيد، ابن عثيمين ٢١٤/٢. فهذا الحديث صريح في عدم الحصر، وحكى النووي اتفاق العلماء على ذلك، وأن المقصود من الحديث الإخبار بأن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، وهو لا ينافي أن له تعالى أسماء غيرها)) (٤). (٣) أخرجه أحمد في مسنده، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبدالله بن مسعود، رقم ٣٤١/٧،٤٣١٨. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٣٨٣/١. (٤) روح المعاني، ١١٥/٥. www. modoee.com ٢٨٩ حرف الألف الإيمان بأسماء الله الحسنى الإيمان بأسماء الله عز وجل ركن من أركان الإيمان بالله تعالى، وللإيمان بأسماء الله وصفاته أسس وقواعد يرتكز عليها، أصلها إثبات ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسله، ونفي ما نفوه، مع الجزم بنفي مماثلته لخلقه، وعدم الإلحاد في شيء منها. يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى: ((إن الإيمان بأسماء الله الحسنى ومعرفتها يتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان وروحه، وأصله وغايته، فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه وقوي یقینه» (١). أركان الإيمان بأسماء الله وصفاته: الأول: تنزيه خالق السموات والأرض عن مشابهة المخلوقين في الذات، والأسماء، والصفات، والأفعال. الثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله من الأسماء، والصفات. الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية أسماء الله، وصفاته، وأفعاله(٢). فکما لا نعلم کیفیة ذاته سبحانه لا نعلم (١) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، ص ٤١. (٢) مختصر الفقه الإسلامي، التويجري ص ٤٨. کیفیة أسمائه، وصفاته، وأفعاله، كما قال سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ، شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] يقول محمد بن إبراهيم: ((مذهب أهل السنة والجماعة الإيمان بما ثبت فى الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته لفظًا ومعنّى، واعتقاد أن هذه الأسماء والصفات على الحقيقة لا المجاز، وأن لها معاني حقيقية تليق بجلال الله وعظمته، وأدلة ذلك أكثر من أن تحصر، ومعاني هذه الصفات ظاهرة معروفة من القرآن كغيرها لا لبس فيها ولا إشكال ولا غموض، فقد أخذ أصحاب رسول الله عنه القرآن، ونقلوا عنه الأحاديث، لم يستشكلوا شيئًا من معاني هذه الآيات والأحاديث؛ لأنها واضحة صريحة وكذلك من بعدهم من القرون الفاضلة)) (٣). هناك مجموعة من الأسس التي تقوم عليها عقيدة أهل السنة والجماعة في قضية الإيمان بأسماء الله عز وجل، منها: الأساس الأول: إثبات ما أثبته الله ورسوله. قال الإمام الشافعي: «آمنت بما جاء عن الله، وبما جاء عن رسوله، على مراد رسول الله)) (٤). (٣) فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم ٢٢٣/١. (٤) انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية ٢/٣. ٢٩٠ القرآن الكريم أسماء الله الحسنى الأساس الثالث: تنزيه الباري تبارك ويدل على صحة هذا الأساس أمور منها: أن أسماء الله غيبٌ لا يعرف إلا من قبل وتعالى عن التشبيه والتمثيل وكل صفات النقص. الوحي الصادق. أن رد ما أثبته الله لنفسه، أو الرسول لربه، تکذیبٌ لله ولرسوله. النصوص الآمرة بالإيمان بأسماء الله- تَّقُواْ اللَّهَ عز وجل، كما قال تعالى: وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣١]. وكما في قوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِى سَبِيلِ اَللَّهِ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٤](١). الأساس الثاني: اعتقادهم أن أسماء الله كلها حسنى، وصفاته كلها كاملةٌ علیا. قال الله تعالى: ﴿وَللَّهِ الْأَسَّمَاءُ اَلُْسْنَى فَأَدْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]. وقال: ﴿قُلِ أَدْعُواْاللَّهُ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنَّ أَيَّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]. قال ابن تيمية: ((الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تبارك وتعالى يستحقه بنفسه المقدسة)»(٢). (١) انظر: الأسماء والصفات، الأشقر ص٩٩- ١٠١. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦/ ١٧ قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وقال أيضًا: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥]. يقول ابن تيمية: ((الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في نفسه المقدسة المذكورة بأسمائه وصفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وهو ليس کمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، وكل ما أوجب نقصًا أو حدوثًا، فإن الله منزه عنه حقيقة؛ فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع عنه الحدوث لامتناع العدم عليه)»(٣). وأهل السنة والجماعة يعرفون ربهم بأسمائه الواردة في القرآن والسنة، ويصفون ربهم بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسمائه وآياته، ويثبتون لله ما أثبته لنفسه من غير تمثیل، ولا تکییف ولا تعطیل، ولا تحریف، وقاعدتهم في كل ذلك قول الله تبارك (٣) المصدر السابق ٢٦/٥. www. modoee.com ٢٩١ حرف الألف وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى فَادْعُوهُ چِّ وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَنْبِهِ، سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فالإيمان بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله أساس بنیان الدین، وهو من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، ومتى كان الأساس راسخًا حمل البنيان، والأقوال والأعمال بنيان الدين، وسقفه الأخلاق الحسنة. وأساس کل ذلك الإيمان بالله وأسمائه وصفاته وتوحيده بها، ومتی کان الأساس قویًا حمل البنيان، وإذا تهدم شيء من البنیان سهل تدار كه. وإن كان الأساس غير وثيق لم يحمل البنيان، وإذا تهدم شيء من الأساس سقط البنیان کله. وعلى قدر إحكام الأساس يكون علو البنيان. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوْجِىَ إِلَيْكَ وَ إِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَبِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ اْخَسِرِينَ ا بَلِ اللَّهَ فَأَعْبُدْ وَكُنْ مِّنَ الشَّكِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥ - ٦٦] وأوثق أساس يبني عليه العبد بنيانه مرکبٌ من أمرین: معرفة الله وتوحيده بأسمائه الحسنى وصفاته العلى .. وتجريد الانقياد لله ورسوله. والقرآن كله بيان لهذا الأساس، وترسيخ له، ودعوة إلى إتقانه، والعمل به، فهو الغاية التي خلق الله الخلق من أجلها كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦ - ٥٧] وقد ذكر الله سبحانه في القرآن كثيرًا من أسمائه وصفاته وأفعاله، وأظهرها في آياته ومخلوقاته؛ لیعرف عباده بها، ليؤمنوا بها، ولیعبدوه بموجبها، ويدعوه بها. ٢٩٢ القرآن الكريم أسماء الله الحسنى تعدد وتنوع أسماء الله الحسنى أسماء الله الحسنى وصفاته العلى كثيرة لا تحد بعدد معين، ولا يحيط بعلمها إلا الله عز وجل الذي تسمى بها واتصف بها، فأسماؤه عز وجل متعددة ومتنوعة، وهذا ما سيوضحه البحث في الأسطر التالية. أولًا: تعدد أسماء الله عز وجل: قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ آلْأَسْمَاءُ الْمُسْنَ فَأَدْعُوهُ بِهَا [الأعراف: ١٨٠]. هذه الآية دلت على تعدد أسماء الله عز وجل بشكل واضح وصريح، فقال عز وجل ﴿اَلْأَسْمَاءُ ﴾ وهو جمع (اسم). قال الألوسي: ((والذي أراه أنه لا حصر لأسمائه-عزت أسماؤه-في التسعة والتسعين)) (١). عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة)(٢). ((واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصرٌ لأسمائه سبحانه وتعالى، فليس معناه أنه ليس له أسماءٌ غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث (١) روح المعاني، ١١٥/٥. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب إن لله مائة اسم، رقم ١١٨/٩،٧٣٩٢. أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصر الأسماء)» (٣). ولهذا جاء فى الحديث عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما قال عبد قط إذا أصابه همٌّ وحزن: «اللهم إني عبدك، وابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي»، إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مکان حزنه فرحًا). قالوا: يا رسول الله ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: (أجل، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن) (٤)، فهذا الحديث صريح في تعدد أسمائه عز وجل. ثانيًا: تنوع أسماء الله عز وجل: أسماء الله عز وجل كلها مترادفة في الدلالة على الذات، متباينة في الدلالة على الصفات، لدلالة كل اسم منها على (٣) شرح صحيح مسلم، النووي ١٧/ ٥. (٤) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٤٣١٨، ٣٤١/٧. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، ٣٨٣/١. www. modoee.com ٢٩٣ حرف الألف معنى خاص مستفاد منه كالعظيم، والكبير، من الجلالة والجمال والإكرام)) (٣). إن تنوع أسماء الله عز وجل ليس عبئًا، والعزيز، والخالق، والرزاق، والكريم، وغيرها من الأسماء الحسنى، فكل أسماء الله الحسنى تدل على ذات الله، وتدل على والعلم، والقدرة، والرزق، والكرم، وهكذا(١). فأسماؤه عز وجل أعلام وأوصاف، أعلام باعتبار دلالتها على الذات، وأوصاف باعتبار صفات متعددة للرب، كالخلق، والتصوير، ما دلت عليه من المعاني، وهى بالاعتبار الأول مترادفة؛ لدلالتها على مسمى واحد، وهو الله عز وجل ، وبالاعتبار الثاني متباينة؛ قال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ اللَّهَ أَوِ أَدْعُواْ الرَّحْمَنّ أَيََّ مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الْأَسْمَآءُ الْمُسْنَّ وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَأَبْتَخْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ١١٠]. لدلالة كل واحد منهما على معناه الخاص، فـ ((الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم» كلها أسماء لمسمى واحد وهو الله- سبحانه عن ابن عباس رضي الله عنه قال: صلى وتعالى-، لكن معنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا. وإنما قلنا بأنها أعلام وأوصاف لدلالة القرآن عليها، كما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اَلْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس: ١٠٧]. ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ وقوله: [الكهف: ٥٨]. فإن الآية الثانية دلت على أن الرحيم هو المتصف بالرحمة، ولإجماع أهل اللغة والعرف أنه لا يقال: ((علیم)) إلا لمن علم، ولا «سمیع) إلا لمن سمع، ولا ((بصير» إلا لمن له بصر، وهذا أمر أبين من أن يحتاج إلى دليل (٤). ومما يوضح الصورة أكثر في قضية تنوع (٣) إرشاد العقل السليم، ٢٠٠/٥. (٤) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه، ابن عثيمين ٨/١. ٢٩٤ القرآن الكريم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ذات يوم فدعا الله تعالی فقال: (یا الله، يا رحمن)، فقال المشركون: انظروا إلى هذا الصابئ ینهانا أن ندعو إلهین وهو يدعو إلهين، فنزلت الآية(٢). وقال أبو السعود: ((والضمير في (له) للمسمى؛ لأن التسمية له لا للاسم، وكان أصل الكلام (آیًا ما تدعو فهو حسن)، فوضع موضعه (فله الأسماء الحسنى) للمبالغة والدلالة على ما هو الدليل عليه؛ إذ حسن جمیع أسمائه يستدعي حسن ذلك الاسمین، و کونها حسنی لدلالتها على صفات الكمال (١) انظر: القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه، ابن عثيمين ١ / ١٢. (٢) أخرجه الطبري في تفسيره، ١٧/ ٥٨٠. أسماء الله الحسنى أسماء الله عز وجل ما جاء في أواخر سورة ورجلٌ يصلي ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن الحشر. قال تعالى: ﴿هُوَ اَللَّهُ الَّذِى لَآَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَمُ اَلْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَنَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴿ هُوَ اللَّهُ الْخَلِقُ الْبَارِئُ اَلْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَآءُ الْحُسْنَىِّ يُسَبِّحُ لَهُ, مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ٢٤ [الحشر: ٢٣-٢٤] ذكرت هذه الآيات بعضًا من أسمائه عز وجل، فكل اسم من أسمائه سبحانه له ما يميزه عن غيره، كقوله تعالى: ﴿اَلْمَلِكُ﴾ أي: المالك لجميع الأشياء، والحاكم على جميع المخلوقات، والمتصرف فيها تصرف المالك في ملكه (١)، وقوله ﴿اَلْقُدُّوسُ﴾ أي: المنزه عن كل نقص، البالغ أقصى ما يتصوره العقل في الطهارة، وفي البعد عن النقائص والعيوب، وعن کل ما لا يليق(٢)، وقوله: ﴿السَّلَمُ ﴾ أي: ذو السلامة من كل ما لا يليق، أو ذو السلام على عباده في الجنة(٣) وهكذا ... و کما ورد عند أبي داود وصححه الألباني من حديث أنس رضي الله عنه أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا (١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٨٥٤. (٢) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري، ٣١٧/٥. (٣) انظر: المصدر السابق. لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع يا حي يا قيوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد دعا الله باسمه العظيم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى) (٤). (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الدعاء، ٧٩/٢، رقم ١٤٩٥. www. modoee.com ٢٩٥ حرف الألف اقتران أسماء الله الحسنى لعل أكثر ما يشد انتباه قارئ القرآن (أسماء الله عز وجل) وما تحمل من كل معاني الكمال والقوة والعظمة، فنلاحظ أن أسماءه -جل وعلا - تأتي مفردة: كالقدير، والسميع، والبصير ... إلخ، ومقترنة بعضها ببعضٍ، نحو: السميع البصير، الغفور الرحيم، الغني الحميد، النافع الضار .. وهكذا، وهذا الاقتران فيه حكمة عظيمة مما يدل على كمال الرب سبحانه وتعالى، وفي الأسطر الآتية سيتطرق البحث إلى قضية الاقتران ويذكر أمثلة لها لتتضح صورتها أکثر. إن ظهور أثر هذه الأسماء ومتعلقاتها في الخليقة كظهور آثار سائر الأسماء الحسنى ومتعلقاتها، فكما أن اسمه الخالق يقتضي مخلوقًا، والبارئ يقتضي مبروءًا، والمصور يقتضي مصورًا ولا بد، فأسماؤه الغفار التواب تقتضي مغفورًا له وما يغفره له، وكذلك من يتوب عليه وأمورًا يتوب علیه من أجلها، ومن یحلم عنه ويعفو عنه، وما يكون متعلق الحلم والعفو، فإن هذه الأمور متعلقة بالغير، ومعانيها مستلزمة لمتعلقاتها (١). فكل اسم من أسماء الله هو الأعظم في موضعه بظهور أثره في العباد، وحكمة الله في ترتيب المصالح المقصودة والغايات الحمیدة، والله عز وجل من حكمته أيضًا أنه يقرن بين أسمائه في كثير من المواضع لتظهر دلالتها على أوصافه کكمال فوق الكمال، وجلال فوق الجلال، بحيث تتجلى عظمة رب العزة والجلال في أسمائه وصفاته وأفعاله، كما قال: ﴿نَبْرَكَ أَسْمُ رَيِّكَ ذِى الْجَلِ الإ [الرحمن: ٧٨]. وفيما يلي بعض الأمثلة على اقتران أسماء الله تعالى: ١. اقتران العليم بالحكيم. كقوله تعالى: ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلَّمَ لَنَآَ إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَّاً إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]. يفيد اقتران الاسمين أن الله سبحانه وتعالى حكيم في تعليمه ما شاء لمن يشاء، ومنعه ما شاء عمن يشاء، وفي هذا المعنى يقول ابن كثير: «﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: العليم بكل شيء، الحكيم في خلقك وأمرك، وفي تعليمك ما تشاء ومنعك ما تشاء، لك الحكمة في ذلك والعدل التام» (٢). ويقول السعدي: «لما خلق الله آدم، وعلمه أسماء كل شيء مما جعله الله له، وبين يديه، وعجزت الملائكة عن معرفتها، وأنبأهم آدم بها ﴿قَالُواْ سُبْحَنَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا (٢) تفسير القرآن العظيم، ٧٥/١. (١) انظر: مفتاح دار السعادة، ابن القيم ١/ ٢٨٧. مَوسُوبَة النقدية القرآن الكريم ٢٩٦ أسماء الله الحسنى مَا عَلَّمْتَنَاً إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ فاعترفوا لله بسعة العلم، وكمال الحكمة)) (١). ٢. اقتران التواب بالرحيم. كقوله تعالى: ﴿فَلَقَّقَ ءَادَمُ مِنْ زَبِّهِ، كَلِمَتٍ فَنَابَ عَلَيْهٍ إِنَّهُ هُوَ النَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧]. وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَآ أُنَّةً مُسْلِمَةٌ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكُنَا وَتُّبْ عَلَيْنَاْ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٨]. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمَّ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٠] إذا تأملنا الآيات السابقة وجدنا أن التوبة موضوع أساسي في هذه الآيات، فناسب تذييل الآيات بذكر اسم (التواب)، حثًا للعباد عليها، وترغيبًا لهم فيها. واقترن اسم (الرحيم) مع (التواب)؛ لأن التوبة بقسميها، سواء كان التوفيق للتوبة، أو قبولها، فإن ذلك کله من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ لأن بقاءهم على الذنب من غير توبة سبب للعقوبة، ومن رحمة الله سبحانه وتعالى أن يجعل التوبة سببًا لدفع العقوبة عنهم. وفي هذا يقول الإمام الطبري: ((وأما قوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾، فإنه يعني أنه المتفضل عليه مع التوبة بالرحمة، ورحمته إياه إقالة عثرته وصفحه عن عقوبة جرمه)) (٢). (١) القواعد الحسان لتفسير القرآن، ص ٦٠. (٢) جامع البيان ١/ ١٩٥. ومن رحمة الله سبحانه أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، بل أمهلهم ليتمكنوا من التوبة (٣). قال أبو السعود في اقتران الاسمين: (وفي الجمع بين الوصفين (٤) وعدٌ بليغ للتائب بالإحسان مع العفو والغفران)» (٥). ٣. اقتران الواسع بالعليم. قال تعالى: ﴿وَللَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اَللَّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١١٥]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَتَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَتَهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةٌ فِىِ الْعِلْمِ وَالْجِسْمِّ وَاَللّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ، مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَاِلَ فِي كُلِّ سُتْبُلَةٍ مِّأْئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦١] قال الإمام الطبري في معنى ﴿وَاسِعُ عَلِيمٌ﴾: ((يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال، والجود والتدبير، وأما قوله: ﴿عَلِيمُ﴾ فإنه يعني أنه عليم بأفعالهم، لا (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا، ٣٢١/١. (٤) الوصفان اللذان يتضمنهما الاسمان. (٥) إرشاد العقل السليم، ١/ ٩٢. www. modoee.com ٢٩٧ حرف الألف يغيب عنه منها شيء، ولا یعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم)) (١). وقال السعدي: ((واسع الفضل والصفات عظيمها، عليم بسرائركم ونياتكم. فمن سعته وعلمه وسع لكم الأمر، وقبل منكم المأمور، فله الحمد والشكر)» (٢). وفي الآية الثانية قال الطبري: «وأما قوله: ﴿ وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمُ﴾ فإنه يعني بذلك: والله واسع بفضله، فینعم به على من أحب، ویرید به من يشاء، (عليم) بمن هو أهل لملكه الذي يؤتيه، وفضله الذي يعطيه، فيعطيه ذلك لعلمه به، وبأنه لما أعطاه أهل، إما للإصلاح به، وإما لأن ينتفع هو به» (٣). وقال ابن كثير: ((﴿وَاللَّهُ وَسِعُ عَلِيمٌ﴾ أي: هو واسع الفضل يختص برحمته من يشاء، عليم بمن يستحق الملك ممن لا يستحق)) (٤). وفي الآية الثالثة قال الطبري في تفسيره: ((القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعُ عَلِيمُ﴾ يعني -تعالى ذكره- بذلك: والله واسع أن يزيد من يشاء من خلقه المنفقين في سبيله على أضعاف السبعمائة التي وعده أن يزيده، عليم من يستحق منهم الزيادة)) (٥). (١) جامع البيان، ١/ ٤٠٣. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص١٢٩. (٣) جامع البيان، ٢/ ٦٢٠. (٤) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٠٢. (٥) جامع البيان ٤٢/٣. وقال ابن القيم: «وقد ختم الآية باسمین من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها، وهما الواسع والعليم، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه (٦)، فإن المضاعف واسع العطاء، واسع الغنى، واسع الفضل، ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضى حصولها لكل منفق؛ فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله تعالی لا یناقض حکمته، بل يضع فضله موضعه لسعته ورحمته، ويمنعه من لیس من أهله بحکمته وعلمه» (٧). ويتضح مما سبق أن هذين الاسمين (واسع عليم) اقترنا لبيان سعة عطاء الله سبحانه وتعالى، وعلمه بمن يستحق هذا العطاء، والمواضع الأخرى من القرآن الكريم التي اقترن فيها هذان الاسمان لا تخرج عن المعنى المذكور. ٤. اقتران السميع بالعليم. كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِزَّهِعُمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ مِنََّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءَامَنُواْ بِمِثْلِ مَآءَامَنتُم (٦) العطن للإبل كالوطن للناس، وقد غلب على مبركها حول الحوض، ورجل رحب العطن أي: رحب الذراع، كثير المال، واسع الرحل. انظر: لسان العرب، ابن منظور ٢٨٦/١٣. (٧) أسماء الله الحسنى، ص ٣٠٠. جَوَسُو ◌َرَ النَّفْسِيَةْ القرآن الكريم ٢٩٨ أسماء الله الحسنى بِهِ، فَقَدِ أَهْتَدَواْ وَإِنِ نَوَلَّوْا فَإنَّا هُمْ فِ شِقَاقٌ ﴿كُونُواْ هُودًّا أَوْنَصَدَرَى تَّبْتَدُواْ﴾ من اليهود فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧]. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ، فَإِنَّمَاً إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ؟ إِنَّ اللَّهَ سَمِعُ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٨١]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَنِكُمْ أَن تَبَرُوَأْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ [البقرة : بَيْنَ النَّاسُِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ ٢٢٤]. تختلف مناسبة اقتران هذين الاسمين من آية إلى أخرى، وذلك لاختلاف موضوع الآيات، فالآية الأولى في شأن الدعاء، ولذا ناسب أن يختم الدعاء بالتوسل إلى الله سبحانه باستجابة الدعاء بهذين الاسمين، فالسميع بمعنى السامع للدعاء، أو مجيب الدعاء، والعلیم بحال الداعي وحاجته، فإن البشر لو سأل بشرًا مثله لابد له أن يعلمه بحاله وما فيه من العوز، أما الله - سبحانه وتعالى- لا يخفى عليه شيء من حال الداعي، فھو السامع لدعائه، العالم بحاله. وأما في الآية الثانية فإن اقتران هذين الاسمين يحمل معنى التهديد والوعيد لأعداء الله، فالله سبحانه وتعالى هو السامع لأقوالهم، العلیم بأفعالهم. قال الطبري: ((فسيكفيك الله يا محمد هؤلاء الذين قالوا لك ولأصحابك: والنصارى، إن هم تولوا عن أن يؤمنوا بمثل إیمان أصحابك بالله، وبما أنزل إليك، وما أُنزل إلی إبراهیم وإسماعيل وإسحاق وسائر الأنبياء غیرهم، وفرقوا بین الله ورسله، إما بقتل السيف، وإما بجلاء عن جوارك، وغير ذلك من العقوبات، فإن الله هو السميع لما يقولون لك بألسنتهم، ويبدون لك بأفواههم من الجهل والدعاء إلى الكفر والملل الضالة، العليم بما يبطنون لك ولأصحابك المؤمنين في أنفسهم من الحسد والبغضاء. ففعل الله بهم ذلك عاجلًا وأنجز وعده، فکفی نبيه صلى الله عليه وسلم بتسليطه إياه عليهم حتى قتل بعضهم وأجلى بعضًا، وأذل بعضًا وأخزاه بالجزية والصغار))(١). قال ابن سعدي: «ولهذا وعد الله رسوله أن يكفيه إياهم؛ لأنه السميع لجميع الأصوات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، العليم بما بين أيديهم، وما خلفهم، بالغيب والشهادة، بالظواهر، والبواطن، فإذا كان كذلك كفاك الله شرهم»(٢). وفي الآية الثالثة أيضًا جاء اقتران الاسمين تهديدًا ووعيدًا لمن بدل الوصية، لذا قال القرطبي في تفسيره عن هذين (١) جامع البيان، ١/ ٤٤٤. (٢) تيسير الكريم الرحمن، ص١٤٩. www. modoee.com ٢٩٩ حرف الألف الاسمين وما تضمناه من الصفات: ((صفتان لله تعالى لا يخفى معهما شيء من جنف (١) الموصین وتبدیل المعتدين)» (٢). وفي الآية الرابعة أيضًا يدل اقتران الاسمين فيها على التهديد لمن جعل الحلف مانعًا له من الخير، وفي ذلك يقول الطبري: ((والله سميع لما يقوله الحالف منکم بالله إذا حلف، فقال: والله لا أبر، ولا آتقي، ولا أصلح بين الناس، ولغير ذلك من قیلکم وأیمانکم. علیم بما تقصدون وتبتغون بحلفكم ذلك الخير تريدون أم غيره، لأني علام الغيوب وما تضمره الصدور، لا تخفى علي خافية، ولا ينكتم عني أمر علن فظهر، أو خفي فبطن، وهذا من الله تعالى ذكره تهديد ووعيد ... )) (٣) الخلاصة: أن اقتران هذين الاسمين (السميع العليم) جاء في آيات الدعاء للإشعار بقربه وسمعه للداعين، وعلمه بأحوالهم، وفي الجزاء لبيان سماعه لأقوالهم وعلمه بأعمالهم من خير وشر. ٥. اقتران العزيز بالحكيم. كقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَاُلْحِكْمَةَ وَيُزَكِبِمَّ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١) الجنف: الميل. انظر: الصحاح، الجوهري، ١٣٣٩/٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٢/ ١٨٠. (٣) جامع البيان ٢/ ٢٤٠. [البقرة: ١٢٩]. وقوله تعالى: ﴿فَإِن زَلَلْتُمْ مِّنْ بَعْدٍ مَا جَآءَنْكُمُ الْبَهِّنَتُ فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ [البقرة: ٢٠٩]. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْيَتَلَىّ قُلْ إِصْلَاحٌ لَُّمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِكُوهُمْ فَإِخْوَاتُكُمّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحَّ وَلَوْ شَآءَ اَللّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اُللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَقَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَجِهِمِ مَّتَعًا إِلَى اَلْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجْ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِىَ أَنْفُسِهَِ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِزُ حَكِيمٌ﴾ [البقرة : ٢٤٠] تختلف مناسبة اقتران الاسمين من آية إلى أخرى، ففي الآية الأولى جاء اقتران الاسمين على لسان إبراهيم عليه السلام في دعائه لربه تعظيمًا وإجلالًا، فذكر اسم (العزيز) إشعارًا بقدرة الله سبحانه وتعالى على تحقيق مطلوبه، وذكر (الحكيم) تفاؤلًا بتحقیق الخیر من الله - سبحانه وتعالى-لن يفعل بذريته إلا ما هو خير، وفي هذا يقول الطبري في تفسيره لهذه الآية: ((إنك يا رب أنت العزيز القوي الذي لا يعجزه شيء أراده، فافعل بنا وبذريتنا ما سألناه وطلبناه منك. والحکیم: الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل، فأعطنا ما ينفعنا وينفع ذريتنا، ولا ٣٠٠ مَوَسُولَهُ النَّفِيَّة القرآن الكريم أسماء الله الحسنى ينقصك ولا ينقص خزائنك))(١). ويقول السعدي: ((كما أن بعثك لهذا هداي، واتضحت لكم صحة أمر الإسلام الرسول فيه الرحمة السابغة، ففيه تمام عزتك، وكمال حكمتك، فإنه ليس من حكمة أحكم الحاكمين أن يترك الخلق سدى هملًا، لا يرسل إليهم رسولا، فحقق الله حکمته ببعثته خاتمًا، کما حقق حکمته ورحمته ببعثة إخوانه المرسلين من قبله. لئلا يكون للناس على الله حجة. والأمور كلها: قدريها، وشرعيها، لا تقوم إلا بعزة الله، ونفوذ حكمه)) (٢) والآية الثانية جاء اقتران الاسمين فيها للتهديد والوعيد لمن عدل عن الحق بعد ما تبين له، فإن العزيز الحكيم إذا عصاه العاصي عن علم، قهره بقوته، وعذبه بمقتضی حکمته، فإن من حکمته تعذیب العصاة والجناة، يقول ابن كثير في هذه الآية: ((وقوله: ﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّنْ بَعْدِمَا جآءَتْكُمُ الْبِنتُ﴾، أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، ﴿فَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾، أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب، حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه))(٣). قال الطبري في تفسيره: ((فإن أخطأتم الحق، فضللتم عنه، وخالفتم الإسلام (١) المصدر السابق ٤٣٦/١. (٢) القواعد الحسان لتفسير القرآن، ص ٦٣. (٣) تفسير القرآن العظيم ٢٤٩/١. وشرائعه، من بعدما جاءتکم حججي وبينات بالأدلة التي قطعت عذركم أيها المؤمنون، فاعلموا أن الله ذو عزة، لا يمنعه من الانتقام منکم مانع، ولا يدفعه عن عقوبتكم على مخالفتکم أمره ومعصیتکم إياه دافع، حکیم فيما يفعل بكم من عقوبته على معصيتكم إیاه بعد إقامته الحجة علیکم، وفي غيره من أموره)»(٤). واقتران الاسمين في الآية الثالثة لبيان أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يضيق عليكم، ولكن حكمته سبحانه لم تقتض ذلك، بل شرع لكم كل ما هو محكم ومتقن، ويقول الطبري في تفسير الآية: ((إن الله عزیز في سلطانه، لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة، لو أعنتكم بما یجهدكم القيام به من فرائضه، فقصر تم في القيام به، ولا يقدر دافع أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله هو، لكنه بفضل رحمته من عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك، وهو حكيم في ذلك لو فعله بكم، وفي غيره من أحكامه وتدبيره لا يدخل أفعاله خلل ولا نقص ولا وهن ولا عيب؛ لأنه فعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقب الأمور، فیدخل تدبيره مذمة عاقبة، کما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء (٤) جامع البيان ١٨٩/٢ - ١٩٠. www. modoee.com ٣٠١ حرف الألف اختيارهم فيها ابتداء»(١). واقتران الاسمين في الآية الرابعة فيه التهديد والوعيد لمن خالف شرع الله المحكم، وفي هذا يقول الطبري: ((وأما قوله: ﴿وَاللهُ عَزِيزُ حَكِيمٌ﴾ فإنه يعني تعالى ذكره: والله (عزيز) في انتقامه ممن خالف أمره ونهیه وتعدی حدوده من الرجال والنساء، فمنع من كان من الرجال نساءهم وأزواجهم ما فرض لهن عليهم في الآيات التي مضت قبل: من المتعة، والصداق، والوصية، وإخراجهن قبل انقضاء الحول، وترك المحافظة على الصلوات وأوقاتها، ومنع من كان من النساء ما ألزمهن الله من التربص عند وفاة أزواجهن عن الأزواج، وخالف أمره في المحافظة على أوقات الصلوات، (حکیم) فیما قضی بین عباده من قضاياه التي قد تقدمت في الآيات قبل قوله: ﴿وَاَللَّهُ عَزِزُ حَكِيمٌ﴾ وفي غير ذلك من أحكامه وأقضیته)»(٢). الخلاصة: أن اقتران (العزيز الحكيم) في الآيات السابقة جاء بمناسبة الدعاء إجلالاً لله وتعظيمًا، وإشعارًا بقدرته على تحقيق المطلوب، وتفاؤلًا بحصول الخير، فإن ذلك من حكمة الله سبحانه وتعالى. كما جاء اقتران الاسمين بمناسبة ما جاء من أمر (١) المصدر السابق ٢٢١/٢. (٢) المصدر السابق ٥٩٨/٢. الله وشرعه المحکم الذي لا نقص فيه ولا خلل، وأن الله سبحانه وتعالى مقابل هذا الإحكام في شرعه وأمره قادر على الانتقام ممن خالف ذلك، لا يغلبه غالب، ولا يفوته هارب. ٦. اقتران الرءوف بالرحيم. كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِتَّن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيَّةٍ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِلنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] قال محمد رشيد رضا في قوله: «الجملة اُللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. استئنافية لبيان علة النفي فيما قبلها))(٣). قال أبو السعود: ((﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ تحقيق وتقرير للحكم، وتعليل له، فإن اتصافه عز وجل بهما يقتضي لا محالة أن لا یضیع أجورهم، ولا يدع ما فيه صلاحهم)) (٤). ولما كانت هذه الآية فيها طمأنة للمسلمين على إيمانهم وعلى صلاتهم، وأنهم ليسوا على ضلال، وأن صلاتهم لم تضع، ناسب ختامها باجتماع هذين (٣) المنار، ١١/٢ -١٢. (٤) إرشاد العقل السليم، ١/ ١٧٤. ٣٠٢ مُؤَسْو ◌َةُ الْبَّسيد جوبيـ القرآن الكريم أسماء الله الحسنى الاسمین (رءوف رحيم)، فإن ذلك كله من «والإنسان في هذه الحالة مأمور بالأكل، بل رأفة الله سبحانه وتعالى بعباده ورحمته بهم. ولما كان هذا في حال المؤمنين الأوائل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقتصر علی ذکر الرحمة فحسب، بل أكد ذلك بالرأفة وهي أشد الرحمة. الخلاصة: إذا تأملنا المواضع الأخرى من القرآن الكريم التي اقترن فيها هذان الاسمان (الرءوف الرحيم) وجدنا أنها لا تخرج عن امتنان الله سبحانه على عباده بأمر ديني أو دنيوي. فكل ما وهبه الله سبحانه وتعالى لعباده من خير، أو ما دفعه عنهم من سوء، فهو من رأفته ورحمته بهم. ٧. اقتران الغفور بالرحیم. كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ اَلْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ، لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطَرَّ غَيْرَ بَاِخْ وَلَا عَادٍ فَلَا إِنَّمَ عَلَيَّةٍ إِنَّ اللَّهَ غَفُورُ زَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وقوله تعالى: ﴿فَإِنِ أَنْنَهُوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ [البقرة: ١٩٢]. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْ اللّهَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٩]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِ سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢١٨] في تفسير الآية الأولى قال السعدي: منهي أن يلقي بيده إلى التهلكة، وأن يقتل نفسه. فيجب إذًا عليه الأكل، ويأثم إن ترك الأكل حتى مات، فیکون قاتلًا لنفسه، وهذه الإباحة والتوسعة من رحمته تعالى بعباده، فلهذا ختمها بهذين الاسمين الكريمين المناسبين غاية المناسبة فقال: ﴿وَاَللَّهُ غَفُورٌ زَّحِيمٌ﴾ أخبر أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصًا وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة))(١). وقال ابن كثير: ((قال سعيد بن جبير: غفور لما أكل من الحرام رحيم إذ أحل له الحرام في الاضطرار))(٢). وأما الآية الثانية فقد قال الطبري في تفسيرها: ((وأما قوله: ﴿وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فإنه يعني: والله غفور رحيم للموصي فيما كان حدث به نفسه من الجنف والإثم، إذا ترك أن يأثم ويجنف في وصيته، فتجاوز له عما کان حدث به نفسه من الجور، إذ لم یمض ذلك فیغفل أن یؤاخذه به، رحیم بالمصلح بين الموصي وبين من أراد أن یجنف علیه لغيره أو یآثم فيه له»(٣). وأما الآية الثالثة فقال ابن كثير في تفسيرها: ((أي: فإن تركوا القتال في الحرم وأنابوا إلى الإسلام والتوبة فإن الله يغفر (١) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٠٦. (٢) تفسير القرآن العظيم، ٢٠٧/١. (٣) جامع البيان، ٢/ ٧٥. www. modoee.com ٣٠٣ حرف الألف ذنوبهم ولو كانوا قد قتلوا المسلمين في حرم ولما واخذهم بها فكفروها في عاجل الدنيا الله فإنه تعالى لا يتعاظمه ذنبٌ أن يغفره لمن بالتكفير فيه، ولو شاء واخذهم في آجل تاب منه إلیه»(١). والآية الرابعة جاء اقتران الاسمين بعد الأمر بالاستغفار بعد الفراغ من العبادة للخلل الواقع فيها، وكثيرًا ما يأمر الله سبحانه وتعالى عباده بالاستغفار بعد الفراغ من العبادات، واقترن هذان الاسمان في الآية المذكورة ترغيبًا في الاستغفار(٢). ٨. اقتران الغفور بالحليم. كقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ الَّهُ بِاللَّغْوِ فِّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللّهُ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَلَاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْتَنْتُمْ فِيّ أَنْفُسِكُمَّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَّا تُوَّاعِدُ وهُنَّ سِرّ إِلََّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُ وفَاً وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ أَجَلَهُ، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ فَأَحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وقال الطبري: ((والله غفور لعباده فيما لغوا من أيمانهم التي أخبر الله -تعالى ذكره- أنه لا يؤاخذهم بها، ولو شاء واخذهم بها، (١) تفسير القرآن العظيم ٢٢٩/١. (٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٤٣/١، تیسیر الکریم الرحمن، السعدي، ص٢٤٧. الآخرة بالعقوبة عليه، فساتر عليهم فيها، وصافح لهم بعفوه عن العقوبة فيها وغير ذلك من ذنوبهم. حليم في تركه معاجلة أهل معصيته العقوبة على معاصيهم))(٣). وفي الآية الثانية يقول الطبري: ((﴿وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورُ حَلِيمٌ﴾، يعني: أنه ذو ستر لذنوب عباده، وتغطية عليها فيما تكنه نفوس الرجال من خطبة المعتدات وذکرهم إياهن في حال عددهن، وفي غير ذلك من خطاياهم، و قوله﴿حَلِيمٌ﴾، يعني: أنه ذو أناة لا يعجل على عباده بعقوبتهم على ذنوبهم»(٤). الخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى عقب باقتران هذين الاسمين بعد الإخبار بتجاوزه سبحانه وتعالى عن عباده المؤمنين في بعض الأمور، ففي الآية الأولى بين سبحانه وتعالى تجاوزه عنهم في اللغو في الأيمان، وفي الآية الثانية بين التجاوز عنهم في التعريض بخطبة النساء. ٩. اقتران الغني بالحميد. قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَالَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم (٣) جامع البيان ٢٤٩/٢. (٤) المصدر السابق ٢/ ٣٢٧. ٣٠٤ مُوسُوبَةُ الْمَّقِين القرآن الكريم