Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الإِسْرَاف عناصر الموضوع مفهوم الإسراف ٢٢٤ الإسراف في الاستعمال القرآني ٢٢٥ الألفاظ ذات الصلة ٢٢٦ ٢٢٨ مجالات الإسراف ٢٤٣ المؤمنون والإسراف ٢٤٧ المسرفون والتوبة ٢٤٩ عاقبة المسرفين المُجَلَّدَ الثَالِكْ حرف الألف مفهوم الإسراف أولًا: المعنى اللغوي: إن المتتبع للمعاجم اللغوية يجد أن مادة (س ر ف) تدور في اللغة علی معانٍ متعددة، تقارب السبعة معانٍ مذمومة، منها: تجاوز الحد والقصد، ووضع الشيء في غير موضوعه، والخطأ، والولوع بالشيء والجهل، والغفلة، والقلة، والإفساد. السرف والإسراف مجاوزة القصد، أسرف في ماله عجل من غير قصد، والسرف: الخطأ، وأخطأ الشيء وضعه في غير حقه، والإسراف الإكثار من الذنوب، ورجل سرف العقل: أي قليله، وقيل: فاسده والمسرف الكافر، وسرف الماء ما ذهب منه في غير سقي ولا نفع، والسرف: الإغفال، وسرف القوم جاوزهم، والسرف الجاهل، وأسرف الرجل إذاً جاز الحَّد، وأسرف إذا أخطأ أو غفل أو جهل(١). وقال ابن فارس: ((السين والراء والفاء أصل واحد يدل على تعدي الحد، والإغفال أيضًا للشيء، تقول: في الأمر سرف، أي: مجاوزة القدر))(٢). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: قال الراغب الأصفهاني: ((السرف تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان))(٣). وعرفه الطاهر ابن عاشور بقوله: «الإسراف: الإفراط والإكثار في شيءٍ غير محمودٍ»(٤). وعرفه الجرجاني فقال: ((الإسراف هو إنفاق المال الكثير في الغرض الخسيس))(٥). أما الإمام الطبري فقد عرفه بقوله: ((أصل الإسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الإفراط وربما كان في التقصير)) (٦). (١) انظر: الصحاح، الجوهري، ١٣٤٢/٤، لسان العرب، ابن منظور، ١٤٨/٩، المصباح المنير، الفيومي، ٢٧٤/١، تاج العروس، الزبيدي، ٤٣٣/٢٤. (٢) مقاييس اللغة، ١٥٣/٣. (٣) المفردات، ص٤٠٧. (٤) التحرير والتنوير، ١١ / ١١٢. (٥) التعريفات، ص٢٤. (٦) جامع البيان، ٥٧٩/٧. صَوَسُو ◌َرَ النَّفِي القرآن الكريم ٢٢٤ الإسراف الإسراف في الاستعمال القرآني وردت مادة (سرف) في القرآن (٢٣) مرة(١). والصيغ التي وردت هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢ ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَعُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣] الفعل المضارع ٤ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ * [الفرقان: ٦٧] ٦٧ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا المصدر ٢ ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ﴾ [النساء: ٦] اسم الفاعل ١٥ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨] وجاء الإسراف في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: تجاوز الحد في سائر الأفعال (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ إِذَا أَنَفَقُواْلَمْ يُسْرِقُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ [الفرقان: ٦٧]. يعني: لم يجاوزوا الحد في الإنفاق بالإنفاق في الحرام أو في ما لا ينبغي. (١) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ٣٤٩،٣٥٠، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب السين ص٦٢٤. (٢) انظر: عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٢/ ١٩٣ -١٩٤، بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٠٥/٢، نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي، ص ٣٦٣ -٣٦٤. www. modoee.com ٢٢٥ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة التبذير: ١ التبذير لغة: بذر: أي أفسد وأنفق في السرف، وكل ما فرقته وأفسدته، فقد بذرته، والتبذير: إفساد المال وإنفاقه في السرف(١). التبذير اصطلاحًا: حكى الإمام القرطبي عن الإمام الشافعي بأن التبذير هو: ((إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير)). قال القرطبي تعليقًا على قول الإمام الشافعي: ((وهذا قول الجمهور))، وحكى القرطبي أيضًا عن أشهب، عن الإمام مالك: ((أن التبذير هو أخذ المال من حقه، ووضعه في غير حقه)»(٢). الصلة بين الإسراف والتبذير: أن التبذير أخص من الإسراف؛ لأن التبذير يستعمل في إنفاق المال في المعاصي أو في غير حق، وأما الإسراف فهو أعم من ذلك؛ لأنه مجاوزة الحد، سواء أكان في أمر محمود أو مذموم، ولا يختص بالأموال، فهو في الأموال وغيرها، وقد فرق ابن عابدين بين الإسراف والتبذير من جهة أخرى، فقال: ((التبذير يستعمل في المشهور بمعنى الإسراف، والتحقيق أن بينهما فرقًا، وهو أن الإسراف: صرف الشيء فیما ينبغي زائدًا على ما ينبغي، والتبذير: صرف الشيء فيما لا ينبغي))(٣). السفه: ٢ السفه لغة: أصله الخفة والحركة، فقد ذكر أهل اللغة أن الأصل في السفه هو خفة في البدن ثم استعمل في خفة النفس لنقصان العقل (٤)، ويكون السفه في أمور الدين والدنيا. (١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٥٠/٤. (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٢٤٧/١٠. (٣) انظر: حاشية رد المحتار، ٧٥٩/٦. (٤) انظر: الصحاح، الجوهري، ٢٢٣/٦، تاج العروس، الزبيدي، ٣٦/ ٣٩٧. ٢٢٦ مُوسُو ◌َة التَّ القرآن الكْرِيْمِ الإسراف السفه اصطلاحًا: هو عبارة عن التصرف في المال بخلاف مقتضى الشرع والعقل بالتبذير فيه والإسراف- مع قيام خفة العقل، والسفيه: هو من ينفق ماله فيما لا ينبغي من وجوه التبذير، ولا يمكنه إصلاحه بالتمییز والتصرف فيه بالتدبير (١). الصلة بين الإسراف والسفه: هناك فرق بينهما، فالإسراف في النفقة سببه هو السفه والخفة الموجودة عند الشخص، فالسفه سبب للإسراف. ٣ التقتير: التقتير لغة: قَتَرَ فلان: ضاق عيشه، وضيق على عياله في النفقة (٢). التقتير اصطلاحًا: عرفه المناوي بقوله: هو ((تقليل النفقة، ويقابله الإسراف، وهما مذمومان))(٣). الصلة بين الإسراف والتقتير: هما ضدان، ومذمومان. ٤ القصد: القصد لغة: استقامة الطريق، والقصد في المعيشة: أن لا يسرف ولا يقتر، وقصد في الأمر لم: يتجاوز فيه الحد، ورضي بالتوسط، يقال: فلانٌ مقتصدٌ في المعيشة وفي النفقة، وقد اقتصد (٤). القصد اصطلاحًا: ((استقامة الطريق، ومنه الاقتصاد وهو فيما له طرفان: إفراط وتفريط))(٥). الصلة بين الإسراف والقصد: الإسراف: مجاوزة الحد في الشيء، والقصد: الاعتدال، فهو ترك الإسراف والتقتير جميعًا؛ وذلك أن نقيض الاقتصاد الإسراف، فالقصد فيما له طرفان إفراط وتفريط محمود على الإطلاق (٦). (١) انظر: الكليات، الكفوي، ص ٣٤٩، النظم المستعذب على المهذب، ابن بطال الركبي، ٣٣٨/١. (٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٧١٤/٢. (٣) التوقيف، ١٠٥/١. (٤) انظر: تاج العروس، الزبيدي، ٣٥/٩. (٥) التوقيف، المناوي، ١/ ٢٧٢. (٦) انظر: الفروق اللغوية، العسكري، ٢١٢/١. www. modoee.com ٢٢٧ حرف الألف مجالات الإسراف للإسراف مجالات تتناولها المطالب الآتية: أولًا: الإسراف في الكفر والتكذيب: لقد كثر في القرآن الكريم إطلاق المسرفين على الكفار في أكثر من موضع، وفي موضع واحد أطلق سبحانه على المسرف بأنه «كذاب))، وفي موضع آخر أطلق عليه اسم ((مرتاب)). ((وفُسِرَ المسرفون بالكافرين والكافر مسرفٌ؛ لتضييعه السعادة الأبدية بالشهوة الخسيسة المنقضية، كما يضيع المنفق ماله متجاوزًا فيه الحد ما كانوا يعملون من الإعراض عن جناب الله، وعن اتباع الشهوات)»(١). وهما قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]. أي: مشرك مرتاب في وحدانية الله تعالی يجادل في آيات الله بغير علم متكبر جبار، ونحوه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَتَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. أي: مسرف في عناده، کذاب في ادعائه، وهاتان الآيتان تتحدثان عن فرعون وجبروته وطغيانه (٢) ٠ (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢١/٦. (٢) انظر: النكت والعيون، الماوردي ١٥٣/٥، وأما إطلاق الكفر على المسرف فلقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه أصنافًا شتى من المسرفين من الأمم الكافرة؛ ولذلك قال أهل العلم: سمي الكافر مسرفًا؛ لأنه أنفق ماله من الاستعداد الشريف من القوى البدنية والأموال النفيسة في الأمور الخسيسة الزائلة من الأصنام التي هي أحقر من لا شيء، ومن الشهوات الفانية التي لا أصل لها ولا دوام؛ فالأصل أن كل كافر مسرف؛ لأنه تجاوز حدود الله تعالى (٣). ولو تأملنا الآيات التي ذكر فيها وصف الكفر والكذب والارتياب على المسرفين نجدها تتحدث عن أصناف مختلفة من المسرفين من الكفار عمومًا، أو من أقوام معينة. فالآيات التي وصف فيها الله تعالی فیها أهل الكفر عمومًا بالإسراف كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَّجْرِى مَنْ أَشْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنُ بِتَايَتِ رَيِّدِهُ وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىَ﴾ [طه: ١٢٧]. فهذا إسراف في الكفر والطغيان والتكذيب بآيات الله تعالى ، لقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه، وقال سفيان: أسرف هنا بمعنى: أشرك، فالإسراف هنا هو: الاعتقاد الضال وعدم الإيمان بالآيات ومکابرتها الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٣٠٨/١٥. (٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ١٧/ ٢٢٢، غرائب القرآن، النيسابوري ٥٦٨/٣، لباب التأويل، الخازن ٤٣١/٢. ٢٢٨ مَوَسُولَةُ الَّة القرآن الكريم الإسراف وتكذيبها، وأسرف بالانهماك في الشهوات الكذبة، حيث نسبوا ذلك إلى الله، وكذبوا والإعراض عن الآيات، وإنما سمي الكافر رسوله. مسرفًا؛ لأنه أتلف نفسه وضيعها في عبادة الأصنام، وأتلف ماله وضيعه في البحائر والسوائب، وما كانوا ينفقون على الأصنام وخدامها(١). وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّاللهَ لَا يَهْدِى مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٨]. وقال: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ﴾ [غافر: ٣٤]. أي: مشرك شاك في التوحيد وصدق الرسل، واستمرار العناد في مواجهة الرسل، والكفر برسالاتهم. فمن كان في مثل هذه الحال من الإسراف في الكفر والشرك، فإن الله يضله؛ ويزيده إسرافًا في المعاصي والاستكثار منها، وارتيابًا في دين الله، ووحدانيته ووعده ووعيده (٢). (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤٨/٦، والسراج المنير، الشربيني ٨/٢ . (٢) انظر: تفسير القرآن، السمعاني، معالم التنزيل، البغوي ١٤٨/٧. فالذي وصفه السرف والكذب، لا ينفك عنهما، لا يهديه الله، ولا يوفقه للخير؛ لأنه رد الحق بعد أن وصل إليه وعرفه، فجزاؤه أن يعاقبه الله، بأن يمنعه الهدى، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَا زَاغُوْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهَدِى الْقَوْمَ اَلْفَسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. وَتُقَلِّبُ أَفِدَتَهُمْ وَأَبْصَدَرَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ، أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي ◌ُفْيَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ اُلَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٨](٣). وقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٢]. فالمجاوزون الحد في الكفر والمعصية زين لهم ما كانوا يعملون من الانهماك في الشهوات والإعراض عن العبادات، فهذه الآيات تبين أن الكافر والمشرك وإسرافهم لما أن الله تعالى إنما أعطاهم القوى والمشاعر؛ من أجل أن يصرفوها كلاهما مسرفٌ؛ لتجاوزهما حدود الله تعالی ، وکل من لم يؤمن بالله ویتبع رسله إلى مصارفها ويستعملوها فيما خلقت له فهو مسرفٌ، فهم المسرفون بتجاوزهم من الأعمال الصالحة؛ فلما صرفوها إلى الحق وعدولهم عنه إلى الضلال، وهم ما لا ينبغي وهي رأس مالهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافًا ظاهرًا، والتزيين إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخلية والخذلان (٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٣٧. www. modoee.com ٢٢٩ حرف الألف ﴿مَا أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل، كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ من الإعراض عن الذكر والدعاء والانهماك في الشهوات(١). أحد النماذج التي ذكرها القرآن في الإسراف في الكفر والتكذيب: كفار قريش: وقد نص القرآن على إسرافهم في قوله تعالى: ﴿أَفَتَضْرِبُ عَنكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف: ٥]. ((أي: لأن كنتم منهمكين في الإسراف مصرين عليه، على معنى إن حالكم وإن اقتضی تخلیتکم وشأنکم حتی تموتوا على الكفر والضلالة وتبقوا في العذاب الخالد، لکنا لسعة رحمتنا لا نفعل ذلك، بل نهدیکم إلى الحق بإرسال الرسول الأمين وإنزال الكتاب، فالاستفهام في الآية إنكاري، أي: لا يجوز أن نضرب عنکم الذکر صفحًا من جراء إسرافكم، والذكر: التذكير، والمراد به القرآن. والصفح: الإعراض بصفح الوجه وهو جانبه وهو أشد الإعراض عن الكلام؛ لأنه يجمع ترك استماعه وترك النظر إلى المتكلم))، وعن قتادة قال: ((والله لو أن هذا القرآن رفع حیث رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد عليهم بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه)». (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٠٧/٣، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤ / ١٢٦ . والمقام دال على أنهم أسرفوا في الإعراض عن القرآن، وقرأ نافعٌ وحمزة والكسائي وأبو جعفرٍ وخلفٌ ﴿أَنْ كُنتُمْ﴾ بكسر همزة إن فتكون «إن شرطيةً))، ولما كان الغالب في استعمال إن الشرطية أن تقع في الشرط الذي ليس متوقعًا وقوعه بخلاف (إذا) التي هي للشرط المتيقن وقوعه، فالإتيان بإن في قوله: ﴿أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ لقصد تنزيل المخاطبين المعلوم إسرافهم منزلة من یشك في إسرافه؛ لأن توفر الأدلة على صدق القرآن من شأنه أن يزيل إسرافهم، وفي هذا ثقةٌ بحقية القرآن وضربٌ من التوبيخ على إمعانهم في الإعراض عنه، وقرأه ابن کثیر وابن عامٍ وعاصمٌ وأبو عمرٍو ويعقوب بفتح الهمزة على جعل إن مصدريةً وتقدير لام التعليل محذوفًا، أي: لأجل إسرافكم، أي: لا نترك تذکیر کم بسبب کونکم مسرفین، بل لا نزال نعید التذکیر رحمةً بکم. وإقحام ﴿قَوْمًا﴾ قبل ﴿مُسْرِفِينَ﴾ للدلالة على أن هذا الإسراف صار طبعًا لهم، وبه قوام قومیتھم(٢). وتقرير هذه الحقيقة كفيل بأن يشعر القوم الذين جعل القرآن بلسانهم بقيمة الهبة الضخمة التي وهبها الله إياهم، وقيمة النعمة التي أنعم الله عليهم، ويكشف لهم (٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤٦/٥، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٦ / ٦٢- ٦٣. جَوَسُولَة النفسية الْقُرآن الكَرِيْمِ ٢٣٠ الإسراف عن مدى الإسراف القبيح في إعراضهم عنها واستخفافهم بها، ومدى استحقاقهم هم للإهمال والإعراض ومن ثم يعرض بهم وبإسرافهم، ويهددهم بالترك والإهمال جزاء هذا الإسراف(١). ثانيًا: الإسراف في الفواحش: ومن النماذج الذين أسرفوا على أنفسهم بفعل الفاحشة: قوم لوط عليه السلام: إن قوم نبي الله لوط عليه السلام («كانوا مصابين بفساد العقل والنفس، وقد وصفهم الله تعالى في كتابه على لسان رسوله لوط عليه السلام، هذا وقد وصفهم الله تعالى بالإسراف بطريق الجملة الاسمية الدالة على الثبات قال تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ: أَتَأْتُونَ الْفَحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدِيِّنَ اَلْعَلَمِينَ ﴿ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨٠ - ٨١]. أي: أنتم قومٌ تمكن منهم الإسراف في الشهوات؛ فلذلك اشتهوا شهوةً غريبةً لما سئموا الشهوات المعتادة. وهذه شنشئة الاسترسال في الشهوات حتى يصبح المرء لا يشفي شهوته شيءٌ، ونحوه قوله عنهم في آيةٍ أخرى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ (١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣١٧٧/٥. قَوْمُ هَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]. ووجه تسمية هذا الفعل الشنيع فاحشةً وإسرافًا أنه يشتمل على مفاسد كثيرةٍ: منها استعمال الشهوة الحيوانية المغروزة في غير ما غرزت عليه؛ لأن الله خلق في الإنسان الشهوة الحيوانية لإرادة بقاء النوع بقانون التناسل، حتى يكون الداعي إليه قهري ينساق إليه الإنسان بطبعه، فقضاء تلك الشهوة في غير الغرض الذي وضعها الله لأجله اعتداءٌ على الفطرة وعلى النوع(٢). وقال تعالى في وصفهم أيضًا : ﴿أَيِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرَّحَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ ◌َتْهَلُونَ﴾ [النمل: ٥٥]. وفي آية أخرى: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمُ عَادُونَ﴾ [الشعراء: ١٦٦]. وهذه الألفاظ من معاني الإسراف، ومجموع الآيات يدل على أنهم كانوا مصابين بفساد العقل والنفس، بجمعهم بين الإسراف، والعدوان والجهل، فلا هم يعقلون ضرر هذه الفاحشة في الجناية على النسل وعلى الصحة وعلى الفضيلة والآداب العامة، ولا غيرها من منكراتهم فيجتنبونها ويجتنبون الإسراف فيها، ولا هم على شيء من الحياء وحسن الخلق يصرفهم عن ذلك(٣). (٢) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣٢/٨. (٣) انظر: المنار، محمد رشيد رضا ٤٥٥/٨. www. modoee.com ٢٣١ حرف الألف ثم كانت نهاية القوم الذين أسرفوا في ثالثًا: الإسراف في الأموال: الكفر والكذب واتباع الشهوات المحرمة المخالفة للفطرة أن قال تعالى فيهم: وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [النمل: ٥٨]. أي: ثم أهلكنا القوم الذين انغمسوا في المنكرات، وكفروا بالله الذي خلقهم، ولم يؤمنوا برسله، وأنزلنا عليهم العذاب الذي عم جمیعهم. قال تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَرًا فَأَنْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأعراف: ٨٤]. وبين الله تعالى في مواضع أخر أنه مطر حجارةٍ أهلكهم الله بها، كقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةٌ مِّن سِجِيلٍ﴾ [الحجر: ٧٤]. وأشار إلى أن السجيل الطين بقوله ﴿لِتُرْسِلَ عَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ [الذاريات: ٣٣]. تعالى: وبين أن هذا المطر مطر سوءٍ لا رحمةٍ بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوَاْ عَلَى الْقَرْبَةِ أَِّى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءٍ﴾ [الفرقان: ٤٠]. فهذه العقوبة من الله تعالى لهؤلاء القوم الذين أسرفوا على أنفسهم بفعل الفاحشة؛ يبين خطورة هذه الفاحشة الشاذة التي قد أسرف فيها قوم لوط عليه السلام. ١. المسرفون في أموال اليتامى. فالإسراف في أموال اليتامى من أقبح صور الإسراف؛ لأنها من خيانة الأمانة، التي أذن الله لهم في الأكل والأخذ منها. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا﴾ [النساء: ٦]. فالمسرفون في أموال اليتامى هم الذين يأكلون أموال اليتامى متجاوزين الحد الذي أحله الله لهم يقول الله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفٌْ وَمَنْ كَانَ فَقِيْرًا فَلْيَأْكُلّ ◌ِالْمَعْرُوفِ ﴾ [النساء: ٦]. وظاهر هذه الآية يدل على أنه تقسيمٌ لحال الوصي على اليتيم، فأمره تعالى بالاستعفاف عن ماله إن كان غنيًا، واقتناعه بما رزقه الله تعالى من الغنى، وأباح له الأكل بالمعروف من مال اليتيم إن كان فقيرًا، بحيث يأخذ قوتًا محتاطًا في تقديره. فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا آن يكبرُوا﴾،أي: مسرفین ومبادرین کبرهم، أو الإسرافكم ومبادرتكم كبرهم تفرطون في إنفاقها، وتقولون: ننفق كما نشتهي قبل أن یکېر الپتامی فینتزعوها من أیدینا. والجملة تأكيدٌ للأمر بالدفع وتقريرٌ لها، وتمهيدٌ لما بعدها من قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ فمن كان من الأولياء ٢٣٢ عَرُ النَّفِيَّة القرآن الكْرِيْمِ الإسراف والأوصياء غنيًا فليتنزه عن أكلها، وليقنع بما آتاه الله تعالى من الغنى والرزق إشفاقًا على اليتيم، وإبقاءً على ماله، ﴿وَمَن كَانَ﴾ من الأولياء والأوصياء ﴿فَقِيرًا فَلْيَأْكُلٌ ◌ِالْمَعْرُوفِ ﴾ بقدر حاجته الضرورية، وأجرة سعيه وخدمته. وقد نص الفقهاء على أن من ولي مال اليتيم واستحق أجرًا، فله الأقل من أحد أمرين: إما نفقته في نفسه، وإما أجرته على عمله، أي: إن كان العمل يستحق أجرة ألف ریالٍ، ونفقته یکفي لها خمسمائةٍ أُخذ نفقته فقط، وإن كان العمل يكفيه أجرة مائة ريالٍ، ونفقته خمسمائةٍ أخذ أجرته مائةً فقط؛ حفظًا لماله))(١). فإذا أكل الغني وتجاوز الحد فهو مسرف في فعله هذا، إذا أكل الفقير بغير المعروف فقد تجاوز الحد فهو مسرف أيضًا . ومما ينبغي التنبيه عليه أن الإسراف في الأمانات لا يختص بأموال اليتامى، بل من باب أولى أن يدخل فيه القائمون على أموال المسلمين؛ فإنهم بمثابة الأولياء على اليتامى في حفظ الأموال العامة، لكننا نجد اليوم أن أکثرهم مسرفون إلا من رحم الله. وفي هذا التنبيه يقول العلامة محمد رشيد رضا رحمه الله: ((فإذا جرى لنا نحن المسلمين بعد هذه الوصايا، والحكم حتى (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٥٢١/٣، إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٨/ ٤٠ . صرنا أشد الأمم إسرافًا، وتبذيرًا، وإضاعةً للأموال، وجهلًا بطرق الاقتصاد فيها، وتثميرها، وإقامة مصالح الأمة بها في هذا الزمن الذي لم يسبق له نظيرٌ في أزمنة التاريخ من حيث توقف قيام مصالح الأمم، ومرافقها، وعظمة شأنها على المال، حتى إن الأمم الجاهلة بطرق الاقتصاد، التي ليس في أيديها مالٌ كثيرٌ قد صارت مستذلةً، ومستعبدةً للأمم الغنية بالبراعة في الكسب، والإحسان في الاقتصاد)»(٢). ٢. المسرفون في النفقات. الإسراف من أهم عوامل الفساد في الأرض، فبه يقع التبديد والتبذير للأموال في غير محلها، وفي غیر حقها، وهو يعد من أحد صور عدم شكر نعمة الله تعالى على العباد، وأضف إلى ذلك ما يتسببه الإسراف من قسوة وفساد للقلب؛ فمن أجل ذلك قد نهى القرآن عن الإسراف، وقد ورد النھی في القرآن عن الإسراف عمومًا، وعن الإسراف في النفقة خصوصًا. ومع أن الله تعالى قد أخرج الله لعباده الطيبات من الرزق وأباح لهم سبحانه أن يتمتعوا بها، وقد أنكر القرآن الكريم على من يحرم الانتفاع بالمباحات زهدًا وترفعًا، فهذا خطأ، فإن الطيبات من الرزق حلال للناس جميعًا في الدنيا، وخالصة خاصة للمؤمنين (٢) انظر: المنار، ٤٥٥/٨. www. modoee.com ٢٣٣ حرف الألف يوم القيامة، لا یشر کھم فیها أحد من الكفار، فإن الجنة محرمة على الكافرين، ولكن أمرهم سبحانه وتعالی أن یأکلوا منها غير مسرفین، وبین سبحانه وتعالى أنه لا يحب المسرفين. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ. لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. ففي هذه الآیه قد وجه القرآن الکریم إلى قاعدة أساسية في الطب وتناول المباحات النافعة، وهي: الأكل والشرب من غير إسراف ولا تقتير. (فالإسراف إذا اعتاده المرء حمله على التوسع في تحصيل المرغوبات، فيرتكب لذلك مذماتٍ كثيرةً، وينتقل من ملذةٍ إلى ملذةٍ فلا يقف عند حدٍ، وليس أضر على الإنسان والأمة من الإسراف، فإنه ضرر وخطر بل وحرام وبطر، كما أنه ليس من قال ابن عباس: ((أحل الله في هذه الحكمة والخير تحريم الزينة والطيبات من الرزق التي خلق الله موادها لعباده، وعلمهم كيفية الانتفاع بها، فهي مستحقة مخلوقة لعباد الله من المؤمنين وغيرهم عدلاً من الله وفضلاً ونعمةَ)» (٤). الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفًا أو مخيلةً)) (١). فالإسراف مذموم لتجاوزه حدود الحاجة والاعتدال، والتقتير مذموم؛ لأنه بخل وشح، وكفى بالبخل داء، والمطلوب هو الاعتدال في المأكل والمشرب من غير تجاوز الحلال إلى الحرام، ولا الحاجة إلى التخمة، ولا التقصير في الإنفاق لأنه مضرة وبخل. فعن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كلوا واشربوا وتصدقوا في غير مخيلةٍ ولا سرفٍ، فإن الله عز وجل يحب أن يرى أثر نعمته على عباده)(٢). (١) أخرجه الطبري في تفسيره ٥/ ٤٧٢. (٢) أخرجه أحمد في مسنده ١٨٢/٢، رقم ٦٧٠٨، والحاكم في المستدرك، ٤ / ١٥٠، وعن المقدام قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيماتٍ يقمن صلبه، فإن كان لابد فثلثٌ طعامٌ، وثلثٌ شرابٌ، وثلثٌ نفس)(٣). رقم ٧١٨٨. قال الحاكم: صحيح الإسناد. (٣) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٢/٢٨، رقم ١٧١٨٦، والترمذي في سننه، أبواب الزهد، باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل، ٤/ ٥٩٠، رقم ٢٣٨٠. قال الترمذي: «حسن صحیح)). وصححه الشيخ الألباني. في الإرواء، رقم ١٩٨٣. (٤) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٢٣/٨. مُؤَسُوعَةُ النفسية القرآن الكريم ٢٣٤ الإسراف رابعًا: الإسراف في السلوك: ١. نموذج ممن أسرفوا بالعلو والتكبر. فرعون وملؤه: فهذا النوع الأول من المسرفين وهو أشد المسرفين قبحًا وتجبرًا؛ حيث قد تجاوز كل الحدود فقد تجبر وادعى الإلهية وأمر الناس بعبادته، واستخف بعقولهم فأطاعوه؛ فأسرف في الكفر والعلو والكبر، وطغى وتجبر وتكبر، وهذا قد صور لنا القرآن إسرافه وتكذيبه، فقال عنه سبحانه وتعالى: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىَّ إِلَّا ذُرِيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ، عَلَى خَوْفٍ مِّن فِرْعَوْنَ وَمَلَيْهِمْ أَنْ يَفْئِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣]. فهذه الآية تصف فرعون بالإسراف، وأنه قاهرٌ وغالبٌ لمن تحته بكثرة القتل والتعذيب لمن يخالفه، فكان بهذا من المجاوزين للحد في الكفر، والتكذيب؛ بسبب ما يفعله من القتل والصلب، وبتنويع العقوبات لمن خالفه. ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ وإنه لمن المسرفين في الكبر والعتو حتى ادعى الربوبية واسترق أسباط الأنبياء، وفي قوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ، لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ إشارة أخرى إلى إسرافه لنفسه، ومجاوزة الحد بها في الظلم والجبروت، فهو من المجاوزين الحد في الكفر؛ لأنه كان عبدًا ادعى الربوبية(١). ثم ازداد إسرافًا فادعى الربوبية: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَءِ غَيْرِى﴾ [القصص: ٣٨]. هذا وقد تعدد وصف القرآن لفرعون، فجاء وصف فرعون وملئه به نصًا قال تعالی: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ [القصص: ٨]. أي: آثمين بكفرهم، قاصدين للذنب، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ مسرفین فیه، وَجُنُودَ هُمَا كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ . فهذه الجملة لتعليل ما قبلها، أو للاعتراض لقصد التأكيد؛ فهم عاصون آثمون في كل أفعالهم، وأقوالهم، وهو مأخوذٌ من الخطأ المقابل للصواب، وقرأ أبو جعفر المدني: (خاطين) بياءٍ من دون همزةٍ، فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور، ولكنها خففت بحذف الهمزة، ويحتمل أن تكون من خطا يخطو، أي: تجاوز الصواب، وأما جمهور المفسرين فقالوا: معناه: كانوا خاطئين فيما كانوا عليه من الكفر والظلم، فعاقبهم الله تعالی بأن ربی عدوهم ومن هو سبب (١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ١٢١/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٨/ ٣٧٠ . www. modoee.com ٢٣٥ حرف الألف هلاكهم على أيديهم (١). «وازداد فرعون إسرافًا وكفرًا وتكذيبًا وطغيانًا وفسادًا في الأرض، فاستكبر هو وقومه عن الإيمان بالله وتصدیق رسله، بل علا في الأرض. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَمًا يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةٌ مِنْهُمْ يُدَيُِّ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَآءَ هُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ اٌلْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: ٤]. ويذكر لنا الله تبارك وتعالى عن فرعون وهو يصف نفسه، وتباهیه بما له من ملك ومن سلطان، وتساؤله في فخر وخيلاء فيقول: ﴿أَلَيَسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَرُ ◌َّجْرِى مِن تَحْتِىَ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١]. ومقصود فرعون بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول. وكانت هذه الحال التي وصل إليها فرعون وتجهرم بذلك وأظهرها لقومه سببًا في هلاك قومه، واستخفافه بعقولهم، ثم يبين سبحانه وتعالى كيف استجابت لفرعون الجماهير المستخفة المخدوعة على الرغم من الخوارق التي عرضها عليهم موسى عليه السلام وعلى الرغم مما أصابهم من ابتلاءات، واستغائتهم بموسى ليدعو ربه (١) انظر: غرائب التفسير، الكرماني ٨٦٢/٢، مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٥٨٠. فيكشف عنهم البلاء: ﴿فَأَسْتَخَفَّ قَوْمَهُ، فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَسِقِينَ ﴾ [الزخرف: ٥٤]. وحق لموسى بعد هذا كله أن يسميهم قومًا مجرمين، وأن يدعوا عليهم بالهلاك؛ ليريح الأرض من شرهم: ﴿فَدَعَارَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاَءٍ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ﴾ [الدخان: ٢٢]. أي: فكفروا فدعا ربه بأن هؤلاء ﴿قَومٌ مُجْرِمُونَ﴾ أي: مشركون، قد امتنعوا من إطلاق بني إسرائيل ومن الإيمان، قد أجرموا جرمًا يوجب تعجيل العقوبة؛ فاستجاب الله له فأهلكهم بالغرق: ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ} [المؤمنون: ٢٧](٢). ٢. نموذج ممن أسرفوا بالفساد في الأرض. بنو إسرائيل وإسرافهم بالفساد في الأرض: ومع الصنف الذين أسرفوا بعمل جميع المفاسد كلها من أصناف المسرفين الذين ذکرهم الله تعالی وهم ((بنو إسرائيل)، وقد ذكر الله تعالى هذا الصنف من المسرفين في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ (٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٦/١٦، تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٧٣. ٢٣٦ مَوَسُولُ اللَّشية القرآن الكريم الإسراف جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنََّآ أَخْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَآءَتَّهُمْ رُسُلْنَا بِأَلْبَيْنَتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ [المائدة: ٣٢]. فنصت الآية في أولها على ذكر بني إسرائيل، وفي آخرها جاء الضمير عائدًا عليهم أيضًا، فالإسراف والفساد فيهم مع ما جاءتهم الرسل بالبينات من الله، ويدل على ذلك وجود ﴿ثُمَّ﴾ في الآية، وهي تدل على التراخي في الرتبة؛ ولأن مجيء الرسل بالبينات شأنٌ عجيبٌ، والإسراف في الأرض بعد تلك البينات أعجب. و کان مقتضى مجيء رسل الله بالحجج الواضحة أن لا يقع منهم إسرافٌ وهو المجاوزة في الحد، فخالفوا هذا المقتضى، ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِىِ الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾. فهم حيثما حلوا أسرفوا، وظاهر الإسراف في هذه الآية أنه لا يتقيد. وقيل: ﴿لَمُسْرِفُونَ﴾ أي: قاتلون بغير حقٍ؛ كقوله: ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِ اَلْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. فقال تعالى: ﴿قَالُواْ إِنَّا تَطَّيَّرْنَا بِكُمُّ لَين وقيل: هو طلبهم الكفاءة في الحسب ◌َّمْ تَنْتَهُواْ لَنَّجُنَّكُمْ وَلَيَمَسِّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ حتى يقتل بواحدٍ عدةٌ من قتلتهم(١)، فهم مسرفون بسفك الدماء وكثرة المعاصي. ولعل الأقرب والراجح وهو اختيار ابن (١) البحر المحيط، أبو حيان ٢٣٩/٤. عاشور حيث قال: (( .. والمراد مسرفون في المفاسد كلها التي منها قتل الأنفس بقرينة قوله: ﴿فی الأَرْضِ ﴾؛ ويؤيد ذلك أنه کثیرًا ما استعمل القرآن ذكر الأرض مع ذكر الإفساد، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا نُفْسِدُواْ فِ الْأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ١) أَّا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لَّا يَشْعُونَ﴾ [البقرة: ١١ - ١٢]. وقوله: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِّ أُوْلَكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [البقرة: ٢٧]. وقد ذكر الله تعالى فى الأرْضِ﴾ من أجل تصوير هذا الإسراف عند السامع وتفظیعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا نُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَحِهَا﴾ [الأعراف: ٥٦]. وتقديم ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ للاهتمام، وهو يفيد زيادة تفظيع الإسراف فيها مع أهمية شأنها»(٢). ٣. نموذج ممن أسرفوا وتشاءموا برسلهم. أصحاب القرية المذكورون في سورة یس: قَالُواْ طَيِرَّكُمْ مَّعَكُمْ أَيِن ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِقُونَ﴾ [يس: ١٨ -١٩]. (٢) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٢٣٩/٤، البحر المديد، ابن عجيبة ٣٤/٢. www. modoee.com ٢٣٧ حرف الألف وقرأ الجمهور: ﴿ذُكرۇ﴾ بتشدید الكاف، وأبو جعفر، وخالد بن إلياس، وطلحة، والحسن، وقتادة، وأبو حيوة، والأعمش من طريق زائدة، والأصمعي عن نافع: بتخفيفها (١). فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه أرسل إلى أهل هذه القرية أولًا رسولین فكذبوهما. قال تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَمُمْ مَّثَلًا أَصْحَبَ الْقَرَّيَّةِ إِذْ جَاءَ هَا الْمُرْسَلُونَ ) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ أَثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُواْ إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ [يس: ١٣ - ١٤]. وقرأ شعبة بالتخفيف، من: عزه: غلبه، أي: فغلبنا وقهرنا بثالثٍ، وحذف المفعول لدلالة ما قبله عليه؛ ولأن المقصود ذکر المعزز به. ﴿فَعَزَّرْنَا بِثَالِثٍ ﴾ أي: قویناهما وشددنا قاله مجاهد، وابن قتيبة، برسول ثالث علی قراءة الجمهور؛ وذلك لكي يدعوهم إلى عبادة الله وحده فصاروا ثلاثة رسل، اعتناء من الله بهم، وإقامة للحجة بتوالي الرسل إليهم(٢). فكان موقف أصحاب القرية أن قالوا لرسلهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]. فكذبوهم وتطيروا وتشاءموا منهم، «فالقول بالتشاؤم من دعوة أو من وجه هو (١) انظر: البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٥٥. (٢) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٢٦٤/٤، البحر المحيط، أبو حيان ٩/ ٥٣. خرافة من خرافات الجاهلية، والرسل يبينون لقومهم أنها خرافة وأن حظهم ونصيبهم من خیر ومن شر لا یأتیهم من خارج نفوسهم. إنما هو معهم. مرتبط بنواياهم وأعمالهم ... هذه هي الحقيقة الثابتة القائمة على أساس صحيح. أما التشاؤم بالوجوه، أو التشاؤم بالأمكنة، أو التشاؤم بالكلمات، فهو خرافة لا تستقيم على أصل مفهوم»(٣). فالسبب الحقيقي لتشاؤمكم هو تكذيبكم وكفركم، لا نحن، أمن أجل تذکیر کم وأمرنا إیاکم بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، ادعيتم أن فينا الشؤم عليكم، وتوعدتمونا وهددتمونا؟ بل الحق أنكم قوم جاوزتم الحد في مخالفة الحق، وأسرفتم في الضلال، وتماديتم في الغي والعناد. قالوا: ﴿قَالُواْ طَِرَّكُمْ مَّعَكُمْ أَيِنِ ذُكِرْلُ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِقُونَ فمن الملاحظ أن قول أصحاب القرية لرسلهم: ﴿أَبِن ذُكِرْثُ﴾ هو: بطريقة الاستفهام الإنكاري الداخل على إن الشرطية، فهو استفهامٌ على محذوفٍ دل عليه الكلام السابق، والتقدير: أنتشاءمون بالتذکیر إن ذکرتم، لما يدل عليه قول أهل القرية: ﴿إِنَّا تَطَيَّْنَا بِكُمْ﴾ [يس: ١٨]. أي: بكلامكم. وأبطلوا أن يكون الشؤم من تذكيرهم (٣) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٩٦٢/٥. ٢٣٨ القرآن الكريم الإسراف بقولهم: ﴿بَلِّ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِقُونَ﴾، أي: ﴿أَّيَّرْنَا بِكَ وَيِمَن ◌َعَكَّ قَالَ طَيِرُّكُمْ عِندَ اللَّهِ [النمل: ٤٧]. لا طیرة فیما زعمتم، ولکنکم قومٌ كافرون، غشيت عقولكم الأوهام فظننتم ما فيه نفعكم ضرًا لكم، ونطتم الأشياء بغير أسبابها من إغراقكم في الجهالة والكفر وفساد الاعتقاد، ومن إسرافكم اعتقادكم بالشؤم والبخت. وقوله: ﴿أَبِن ذُكِرْثُ﴾ استفهامٌ تقريري، أي: ألأجل أن ذكرنا أسماءکم حین دعوناكم حل الشؤم بينكم، كناية عن كونهم أهلًا لأن تكون أسماؤهم شؤمًا. وفي ذكر كلمة ﴿قَوْمٌ ﴾ إيذانٌ بأن الإسراف متمكنٌ منهم، وبه قوام قومیتهم، فذكر لفظ ﴿قَوْمٌ مُسْرِقُونَ﴾؛ لأن إجراء الوصف على لفظ قومٍ يومئ إلى أن ذلك الوصف سجيةٌ فيهمَ، ومن مكملات قوميتهم، فإن للقبائل والأمم خصائص تميزها وتشتهر بها، كما قال تعالى: مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ [التوبة: ٥٦]. وَمَا هُم وقد تكرر هذا في مواضع كثيرةٍ من القرآن كما في قوله: ﴿لَّيَتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤](١). وهذا الموقف مشابه لموقف قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَآءَ تَهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ. وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْبِمُوسَى وَمَنْ مَّعَةُ( أَلَآ إِنَّمَا طَيِّرُهُمْ عِندَ اللَّهِ﴾﴾ [الأعراف: ١٣١]. ومماثل لموقف قوم صالح: قالوا: (١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٩/٢. هكذا الحال إذا فسدت الفطرة، وارتكست الأفهام يصبح التطير عند الفساق والمجرمين من رسل الله الذين اختارهم الله لحمل رسالته وتبليغها، وهم الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه: ﴿اَلَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤]. وقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَلَبِكَةِ رُسُلَا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]. خامسًا: الإسراف في القتل: حذر الله تعالى من الإسراف في القتل فقال: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيَّهِ، سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفِ فِى الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. ومعلومةٌ حالة العرب في الجاهلية من التسرع إلى قتل النفوس، فكان حفظ النفوس من أعظم القواعد الكلية للشريعة الإسلامية. ولذلك كان النهي عن قتل النفس من أهم الوصايا التي أوصى بها الإسلام أتباعه في هذه الآيات الجامعة. قال: ﴿وَمَنْ قُئِلَ مَظْلُوْمًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيْهِ. سُلْطَانًا﴾، أي: قد جعل لولي المقتول تصرفًا في القاتل بالقود أو الدية، فنهى الله المسلمين عن أن يكونوا مثالًا سيئًا يقابلوا الظلم بالظلم كعادة الجاهلية، بل عليهم أن www. modoee.com ٢٣٩ حرف الألف يتبعوا سبيل الإنصاف فيقبلوا القود، ولذلك قال: ﴿فَلَا يُسْرِفِ فِي الْقَتْلِّ﴾. والسرف: الزيادة على ما يقتضيه الحق، وليس خاصًا بالمال، بل هو كما مر مجاوزة کل أمر سواء أكان محمودًا أو مذمومًا. والسرف في القتل هو أن يقتل غير القاتل، أما مع القاتل وهو واضحٌ كما قال المهلهل في الأخذ بثأر أخيه كليبٍ(١): كل قتيلٍ في كليبٍ غرةٌ حتى يعم القتل آل مرة وأما قتل غير القاتل عند العجز عن قتل القاتل فقد كانوا يقتنعون عن العجز عن القاتل بقتل رجلٍ من قبيلة القاتل. وكانوا یتکایلون الدماء، أي: يجعلون کلیھا متفاوتًا بحسب شرف القتيل، كما قالت كبشة بنت معدیکرپ(٢): فيقتل جبرًا بامرىء لم یکن له بواءً ولكن لا تکایل بالد البواء: الكفء في الدم. تريد فيقتل القاتل وهو المسمى جبرًا، وإن لم يكن كفؤًا لعبد الله أخيها، ولكن الإسلام أبطل التكايل بالدم(٣). (١) انظر: العين، الفراهيدي ٣٤٧/٤، الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني ٥٢/٥. (٢) انظر: الأغاني، أبو الفرج الأصفهاني ٢٤٨/١٠، شرح ديوان الحماسة، المرزوقي ص١٥٦. (٣) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٥/ ٩١، ٩٤. هذا وقد اختلف المفسرون في تفسير ((الإسراف)) في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِف فِ الْقَتْلِ﴾ على ثلاثة أقوالٍ: الأول: لا يقتل غير قاتله. قاله الحسن والضحاك ومجاهد وسعيد بن جبير. الثاني: لا يقتل بدل وليه اثنين كما كانت العرب تفعله. الثالث: لا يمثل بالقاتل. قاله طلق بن حبيب. ولعل الراجح أن جميع المعاني مرادة كما قال القرطبي: ((وكله مرادٌ؛ لأنه إسرافٌ منهي عنه». ويؤيد ذلك أن الخطاب في قوله: ﴿فَلَا يُشْرِف﴾ هو للولي، والإسراف مجاوزة الحد إما أن يمثل بالقاتل، أو يقتله بغير ما قتل به، أو يقتل غير القاتل؛ فتكون جميع المعاني مرادة (٤). وبناء على ذلك يكون النهي عن الإسراف في القتل هنا شاملا لثلاث صور: الأولى: أن یقتل اثنین أو أكثر بواحدٍ، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية. الثانية: أن يقتل بالقتيل واحدًا فقط ولكنه غير القاتل؛ لأن قتل البريء بذنب غيره إسرافٌ في القتل، منهيٌّ عنه في الآية أيضًا . (٤) انظر: النكت والعيون، الماوردي ٢٤٠/٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٠/ ٢٥٥. ٢٤٠ القرآن الكريم الإسراف الثالثة: أن يقتل نفس القاتل ويمثل به، فإن زيادة المثلة إسرافٌ في القتل أيضًا (١). وفي هذه الآية دليل إلى أن الحق في القتل للولي، فلا يقتص إلا بإذنه، وإن عفا سقط القصاص. وأن ولي المقتول يعينه الله على القاتل ومن أعانه حتی یتمکن من قتله. فقتل النفس البريئة حرام، لا تقتل إلا فائدة: قرأ الجمهور ﴿يُشْرِف﴾ بالياء، بالحق، وهذا الحق هو الذي حدده الشرع وليس لأحد من البشر، وليس هذا الحق متروگًا للرأي والهوی، فعن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلّا بإحدى ثلاثٍ: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة)(٥). فيكون المراد بذلك الخطاب هو الولي، وقرأ ابن عامرٍ وحمزة والكسائي((تسرف)) بالتاء من فوقٍ، وهي قراءة حذيفة. وروی العلاء بن عبد الکریم عن مجاهد قال: «هو للقاتل الأول، والمعنى عندنا: فلا تسرف أيها القاتل)). وقال الطبري: ((هو على معنى الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة من بعده. أي: لا تقتلوا غير القاتل. وفي حرف أبيٍ: فلا تسرفوا في القتل))(٢). وقتل النفس البريئة يعد من أكبر الكبائر، بل هي بعد الشرك بالله في الجرم والإثم، وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم في التحذير من أمر الدماء: (لن يزال المؤمن في فسحةٍ من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا)(٣). (١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٨٨/٣ . (٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٤٠/١٧، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٥٥/١٠. (٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم المعنى أنه في أي ذنب وقع من العبد كان له في الدين والشرع مخرج إلا القتل، فإن أمره صعب، ويوضح هذا ما في تمام الحديث عن ابن عمر أنه قال: ((إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها: سفك الدم الحرام بغير حله» (٤). يصب دما حرامًا، رقم ٦٤٦٩ . (٤) انظر: كشف المشكل من حديث الصحیحین، ابن الجوزي ٢ / ٥٩٠. وأثر ابن عمر رضي الله عنهما، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قوله تعالى: (ومن يقتل مؤمناً متعمدًا فجزاؤه جهنم)، رقم ٦٨٦٣. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الديات، باب قول الله تعالى: (أن النفس بالنفس)، رقم ٦٨٧٨، ومسلم في صحيحه، كتاب القسامة، باب ما يباح به دم المسلم، رقم ١٦٧٦ . www. modoee.com ٢٤١ حرف الألف سادسًا: الإسراف في المعاصي والذنوب: ((فالإسراف يطلق على الإفراط في الذنوب والمعاصي والكبائر، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا نَقْنَّطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣]. والإسراف أيضًا الإكثار من الذنوب والخطايا واحتقار الأوزار والآثام)) (١)، أي: ((﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿يَعِبَادِىَّ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أفرطوا في الجناية عليها، ولا بالإسراف في المعاصي، والغلو فیھا، نَقْنَّطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ﴾: لا تيأسوا من مغفرته أولًا، وتفضله بالرحمة ثانيًا، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، بالعفو عنها، لمن تاب ولجأ إلی جنابه وإن کثرت، و کانت کزبد البحر إلا الشرك)»(٢). ومن إطلاق الإسراف على الذنوب قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّ أَنْ قَالُواْ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِىّ أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَأَنْصُرْنَا عَلَىَ الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٧]. قال ابن عباس: ((إسرافنا: خطايانا)»، وعن الضحاك: ((الخطايا: الكبائر))، وعن مجاهد: ((خطايانا وظلمنا أنفسنا)) (٣). (١) انظر: نزهة الأعين النواظر، ابن الجوزي ص ٣٦٤. (٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٩١/٥. (٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧٢/٧، تفسیر قال الشوكانى: ((والظاهر: أن الذنوب تعم كل ما يسمى ذنبًا من صغيرةٍ أو كبيرةٍ. والإسراف: ما فيه مجاوزةٌ للحد، فهو من عطف الخاص على العام. قالوا ذلك مع کونھم ربانیین: هضمًا لأنفسهم ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ في مواطن القتال، فآتاهم الله بسبب ذلك ثواب الدنيا من النصر والغنيمة والعزة ونحوها، وحسن ثواب الآخرة من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: ثواب الآخرة الحسن)) (٤). ويؤيد ذلك ما رواه أبو موسى عن النبي صلی الله علیه وسلم: أنه کان یدعو بهذا الدعاء (رب اغفر لي خطيئتي، وجهلي، وإسرافي في أمري كله، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطاياي، وعمدي، وجهلي، وهزلي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر وأنت علی کل شیءٍ قدیٌ)(٥). قال ابن حجر: ((وقوله: (إسرافي في أمري) الإسراف: مجاوزة الحد في كل شيء)) (٦). القرآن العظيم، ابن أبي حاتم ٧٨٣/٣ . (٤) انظر: فتح القدير ٤٤٣/١. (٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الدعوات، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، رقم ٦٠٣٥. (٦) انظر: فتح الباري، ١١/ ١٩٨. ٢٤٢ القرآن الكريمِ