Indexed OCR Text
Pages 41-48
الاستعانة عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي بين الناس على أنها قائمة على المشاركة والتعاون والتنافس، لا على الصراع كما صلى الله عليه وسلم قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا) وشبك بين أصابعه(١). يصور الماديون من الفلاسفة والحاقدون من المتعصبين، بل الحياة مشاركة وتعاون فالتعاون من أصول البناء والتواصل الحضاري بين الأفراد وبين الأمم والشعوب. ومن أبرز صور التعاون في المجتمع المسلم الأول: اجتماعي ودولي، فالتعاون من أجل الصالح للإنسانية، بينما يريدها أعداء الإسلام صراعًا بين البشر، وعراكًا بين الطوائف والأمم، من أجل الاستئثار والانفراد وتحقيق المكاسب المادية، وترويج السلع ونشر الثقافات على حساب الآخرين، وإلحاق الخسائر المادية والأدبية، وهذا لا يتفق مع مبدأ التعاون الإنساني الذي يقوم على أساس مد يد العون للآخرين، وتبادل المنافع ومراعاة المصالح، أما فكرة الصراع فهي فكرة خبيئة أفرزتها المذاهب المادية النفعية، والفلاسفة الماديون أصحاب الأفكار الهدامة والمتناقضة، کھیجل ومارکس وغيرهم ممن نفقت مذاهبهم في الغرب. فاللبنات المتناثرة هنا وهناك لا قيمة لها، لكن حین یبنی بها جدار متين فترى البنيان مرصوصًا، تدرك أهمية التماسك، ومتانة الترابط، وقوة التعاون. قال الله تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ فِى سَبِيلِهِ، صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُلْيَنٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]. وتلك صورة من صور التعاون في حالة الحرب. ما في الصحيحين عن أسماء بنت أبي بکر رضي الله عنهما قالت: (تزوجني الزبير رضي الله عنه، وما له في الأرض من مالٍ، ولا مملوكٍ، ولا شيءٍ غير ناضحِ، وغير فرسه، فكنت أعلف فرسه، وأستقيّ الماء، وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز، وكان يخبز جاراتٌ لي من الأنصار، وكن نسوة صدقٍ، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأسي، وهى مني على ثلثي فرسخ، فجئت يومًا والنوى على رأسي، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفرٌ من الأنصار، فدعاني، ثم قال: (إِخ إِخ)؛ لیحملني خلفه، فاستحییت أن أسیر مع الرجال، وذکرت الزبير وغیرته، و کان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب نصر المظلوم، رقم ٢٣١٤، ومسلم في البر والصلة والآداب، باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم، رقم ٢٥٨٥. www. modoee.com ٦٧ حرف الألف وسلم أني قد استحییت، فمضى، فجئت الزبير، فقلت: لقیني رسول الله صلی الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى، ومعه نفرٌ من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك. فقال: والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه. قالت: حتی أرسل إلي أبو بكرِ بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس، فكأنما أعتقني)(١). وفي هذا الحديث: دليل على ما تحلى به هذا المجتمع النبوي من تراحم وتعاطف وتعاون وتكافل، فالمرأة تقف بجوار زوجها تساعده في حقله، والرجل يساعد المرأة في شؤون البيت، والجارة تكفي جارتها بعض الأعمال، والمجتمع يقف مع المرأة، ويمد لها يد العون، ويراعي ما جبلت عليه من حياءٍ وخجلٍ، والمرأة تراعي مشاعر زوجها، والرجل يشفق على زوجته، والأب يتفقد أحوال ابنته المتزوجة، ويسعى إلى التخفيف عنها ما أمكنه ذلك، نماذج رائعة تتجلى لنا من خلال هذا الحديث: الزوجة الصالحة التي تبذل ما في وسعها؛ لرعاية زوجها وبيتها، وتتجشم الصعاب وتواجه الأعباء (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الغيرة، رقم ٤٩٢٦، ٤٠٣/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام، باب جواز إرداف المرأة الأجنبية إذا أعيت في الطريق، رقم ٤،٢١٨٢/ ٠١٧١٦ بصبرٍ ورضا، فتكافح مع زوجها، وتعمل في البيت والحقل أعمالًا ليست باليسيرة، لكنها تصبر وتحتسب، والجيران الصادقون المتعاونون، وللتعاون بين الجيران أثرٌ عظيم في تخفيف الأعباء وتذليل الصعوبات، والمجتمع الذي تسوده المروءة والشهامة، فيساند البيت المسلم ويدعمه، ويرعاه ويصونه، والزوج الغيور المشفق على أهل بيته، والأب الذي لم تنته مهمته مع ابنته بزواجها، بل يتفقد أحوالها ويسعى لتوفير سبل الراحة لها، وفي هذا الجو الإيماني وجدت المرأة الأمن والأمان، والسعادة والطمأنينة، والحب الصادق: بيت صالح، وزوج کریم، وأب حنون، وجیران صدق، ومجتمع متراحم متعاطف، يا لها من سعادةٍ غامرةٍ وحياةٍ طيبة، وإن كانت صعبةً. وبالتعاون والتضامن بنى ذو القرنين أعظم سدٍ في التاريخ. قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ) قَالُوْ يَنْذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوِجَ مُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْمًا عَلَى أَنْ تَمْعَلَ بَيْنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا ) قَالَ مَا مَكَّنِّى فِيهِ رَبِ خَيْرٌ فَأَعِنُونِ بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ ٥٠٠٠١٠٠٠ وَبَيْنَهُمْ رَدْمَانَ ءَاتُوِ زُبَرَ الْحَدِيدٍ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ أَنفُخُواْ حَقَّ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَاتُونِيّ أُفْرِعْ عَلَيْهِ قِطْرًا فَمَا أَسْطَعُوْ أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا أُسْتَطَعُواْ لَهُ نَقْبًّا قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّ مُوسُو ◌َر النفسية القرآن الكريم ٦٨ الاستعانة فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِى جَعَلَهُ, ذَكَاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّ حَقًّا﴾ ١٦. المساعدة على سرعة التنفيذ. [الكهف: ٩٣ - ٩٧]. فوائد التعاون المشروع(١): ١. استفادة كل فرد من خبرات وتجارب الأفراد الآخرين في شتى مناحي الحياة. ٢. إظهار القوة والتماسك. ٣. يزيد في الإخلاص في العمل. ٤. تنظيم الوقت وتوفير الجهد. ٥. ثمرة من ثمرات الأخوة الإسلامية. ٦. حماية الفرد، ورفع الظلم عمن وقع عليه. ٧. تقاسم الحمل وتخفيف العبء. ٨. سهولة التصدي لأي أخطار تواجه الإنسان ممن حوله. ٩. سهولة إنجاز الأعمال الكبيرة التي لا يقدر عليها الأفراد. ١٠. القضاء على الأنانية وحب الذات. ١١. من أهم ركائز النجاح والتفوق. ١٢ . نيل محبة الله ورضاه وتأييده. ١٣ . يجعل الفرد يشعر بالسعادة. ١٤. إزالة الضغائن والحقد والحسد من القلوب. (١) انظر: موسوعة الأخلاق الإسلامية، الخراز ص١٣٢، نضرة النعيم، مجموعة باحثين ١٠٢٧/٣. ١٧ - الإسراع من عجلة التطور العلمي والتقدم التكنولوجي. ١٨. اكتساب حب الخير للآخرين. ١٩. يجدد طاقة الفرد وينشطها ويحقق أكبر الاستثمارات ٢٠. استغلال الملكات والطاقات المهدرة الاستغلال المناسب لما فيه مصلحة الفرد والمجتمع. ثانيًا: التعاون المحرم وعاقبته: بالتعاون تتكامل الجهود وتتآزر على تحقيق الهدف، سواء كان هذا الهدف خيرًا أم شرًا، وتعاون الناس في مجتمع ما على البر والتقوى يتحقق به الخير والصلاح في مجتمعهم، ویکثر ویمتد ویتسع، حتی یشمل مختلف جوانب حياته، بينما ينحسر الشر عنها، ويقل ويتضاءل أو يختفي. وینعكس الأمر عندما يتعاون الناس على الإثم والعدوان، إذ ينحسر الخير والصلاح، ويمتد الشر والفساد ويستشري ويتعاظم خطره. فما كان لفرعون أن يستبد ويظلم ويطغى ١٥. مساعدة الفرد على بذل المزيد من لو لم يجد من يتعاون معه على ذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَمَنَ وَحُنُودَهُمَا الجهد والقوة. كَانُواْ خَطِعِينَ﴾ [القصص: ٨]. وقد نهى الله عباده عن التعاون على www. modoee.com ٦٩ حرف الألف الإثم والعدوان فقال: ﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى آلْإِثْمِ وَالْعُدْوَنَّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: ٢]. أي لا تتعاونوا على ارتكاب الآثام، ولا على الاعتداء على حدوده، فإن التعاون على الطاعات والخيرات يؤدى إلى السعادة، أما التعاون على ما يغضب الله تعالى فيؤدى إلى الشقاء. قال ابن القيم رحمه الله في بيان معنى الإثم والعدوان: ((أن كلا منهما (الإثم والعدوان) إذا أفرد تضمن الآخر، فكل إثم عدوان؛ إذ هو فعل ما نهى الله عنه أو ترك ما أمر الله به. فهو عدوان على أمره ونهيه، و کذلك کل عدوان إثم؛ فإنه یأثم به صاحبه. هذا ولكن عند اقترافهما يكونان شيئين بحسب متعلقهما. فالإثم: ما كان محرم الجنس، كالكذب والزنا وشرب الخمر، ونحو ذلك. والعدوان: ما كان محرم القدر والزيادة. فالعدوان تعدي ما أبيح منه إلى القدر المحرم، كالاعتداء في أخذ الحق ممن هو عليه، إما بأن يتعدى على ماله أو بدنه أو عرضه، فإذا غصبه خشبة لم يرض عوضها إلا داره، وإذا أتلف عليه شيئا أتلف عليه أضعافه، وإذا قال فيه كلمة قال فيه أضعافها، فهذا كله عدوان وتعد للعدل)»(١). وقال القرطبى: ((العدوان: تجاوز الحد، (١) التفسير القيم، ابن القيم ص٢٢٨. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه، وقید الوعيد بذكر العدوان والظلم ليخرج منه فعل السهو والغلط))(٢). وقال ابن عاشور: ((﴿وَلَا نَعَاوَنُواْ عَلَى آلْإِثْمِ وَاُلْعُدْوَنِ﴾ تأكيد لمضمون ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْبِرِ وَالنَّقْوَى﴾ لأن الأمر بالشيء، وإن كان يتضمن النهي عن ضده، فالاهتمام بحكم الضد یقتضي النهي عنه بخصوصه»(٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ المِقَابِ﴾ تذییل قصد به إنذار الذين يتعاونون على الإثم والعدوان. أي: اتقوا الله- أيها الناس- واخشوه فيما أمركم ونهاكم، فإنه سبحانه شديد العقاب لمن خالف أمره، وانحرف عن طريقه القويم(٤). وقد ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم صورًا من التعاون على الإثم والعدوان، فمن ذلك: ما رواه ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((أتاني جبريل فقال: يا محمد، إن الله عز وجل لعن الخمر، وعاصرها، ومعتصرها، وشاربها، وحاملها، والمحمولة إليه، وبائعها، ومبتاعها، وساقيها، ومستقيها))(٥). (٢) الجامع لأحكام القرآن، ٥/ ١٠٣. (٣) التحرير والتنوير ٨٨/٦. (٤) الوسيط، طنطاوي ٤/ ٣٣. (٥) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٩٠٠، ٢٧٨/٣. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ٢/ ٤٩٤. ٧٠ مَوَسُوبَةُ النَّفسيد القرآن الكريم الاستعانة ولعن الرسول صلى الله عليه وسلم آكل وانتشارها وتجذرها ما كان له أن يكون لو الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه(١). ففي هذه الصور تتكامل الجهود والأدوار بین أطراف متعددة على إحداث فساد أو منكر، وكل طرف ما كان له أن يمارس منكره أو فساده لو لم تتعاون معه الأطراف الأخرى. فشارب الخمر محتاج إلى عاصرها ومعتصرها، وهما محتاجان إلى حاملها والمحمولة إليه. وفي الصورة الثانية تتكامل أدوار آكل الربا ومؤكله وشاهديه، وكل واحد من هؤلاء مکمل لدور الآخر فيإحداث المنکر وإشاعته وتعزيزه. فعاصر الخمر لن يعصرها إذا انعدم المعتصر والشارب، والمتعامل بالربا سیتوقف عنه مالم يجد من يتعامل معه به أو يعينه عليه، والمؤسسات الربوية ستغلق أبوابها وتختفي من مجتمعات المسلمين في حال عدم التعامل معها. ثم إن صور التعاون على الإثم والعدوان لا تنحصر في هذه الصور؛ لأنه يعم كل تعاون علی ظلم أو فساد ومنکر. فكل ما نراه من مظاهر وأشكال الظلم والفساد والمنكر في مجتمعات المسلمين (١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب لعن آكل الربا ومؤكله، رقم ١٥٩٨، ١٢١٩/٣. لم يكن هناك تعاون على الإثم والعدوان، فلعل الكثير لا يدرك خطورة ما يقوم به من دور أو يقدم من مساعدة قولية أو فعلية في هذا السياق. فلابد إذا من تنبيه المسلمين إلى خطورة التعاون على الإثم والعدوان، وتبصيرهم بصوره وأشكاله، وأن التعاون على الإثم والعدوان منكر من أعظم المنكرات وأخطرها، إذا لم يكن هو أخطرها وأعظمها على الإطلاق. إن الرسول الکریم صلی الله عليه وسلم عد الراضي بالمنکر کفاعله، وشريك له في إثمه، وما يترتب عليه من ظلم وفساد، كما يعتبر المعاون لفاعل المنكر بأي عون قولي أو فعلي مادي أو معنوي شريكًا له في إثمه وظلمه. عاقبة التعاون المحرم (٢): ١. استحقاق العذاب من الله. ٢. المساعدة في تقلب نظام المجتمع، وفساد الذمم. ٣. فتح أبواب الشر، وطمس معالم الحق ليرتع الباطل. ٤. ينبيء عن خسة صاحبه ودناءة نفسه. (٢) انظر: نضرة النعيم، مجموعة باحثين ٩/ ٤٢٠٧. www. modoee.com ٧١ حرف الألف ٥. دليل كامل على ضعف الإيمان وقلة المروءة. ٦. يبشر صاحبه بعاقبة وخيمة. ٧. ينبذ صاحبه، ويهمل شأنه إذا كان المجتمع صالحًا. ٨. يساعد على طغيان الحاكم ويرخص له الظلم. ٩. إذا تحقق في مجتمع كان سببًا في خرابه. ١٠. ضياع الحقوق، ووصولها لغير أهلها ومستحقيها. أثر الاستعانة على الفرد والمجتمع الاستعانة لها آثار عظيمة على الأفراد والمجتمعات، وهذه الآثار لا حصر لها (١)، ومن أهمها: ١. الاستعانة بالله من مظاهر عبادته وتوحيده. فالعبد إذا حقق الاستعانة بالله كان ذلك دليلًا على عبوديته لربه، وتحقيقه المعنى الحقيقي للتوحيد؛ لذلك جمع الله بين العبادة والاستعانة في قوله: ﴿إِيَاكَ نَعْبُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينٌ﴾ [الفاتحة: ٥]، إشارة إلى هذا المعنى، فقوله: ﴿إِنَّكَ نَعْبُدُ﴾ تبرؤ من الشرك، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فيه تبرؤ من الحول والقوة، والتفويض إلى الله عز وجل، فجمع بينهما سبحانه تنبيهًا لعباده إلى كمال التوحيد المطلوب منهم. ٢. لزوم الاستعانة سبيل السعادة الأبدية. فالعبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. والاستعانة: هي الاعتماد على الله تعالى في جلب المنافع، ودفع المضار، مع الثقة به في تحصیل ذلك. والقيام بعبادة الله والاستعانة به هو الوسيلة للسعادة الأبدية، والنجاة من جميع (١) انظر: المصدر السابق ٢٤٠/٢. ٧٢ جو القرآن الكريم الاستعانة بهما. الشرور، فلا سبيل إلى النجاة إلا بالقيام عنها: (لما بلغها ما يقول الناس في عرضها، جعلت تبکي أیامًا ولیالي متواصلة، لا يرقأ لها دمع، ولا تجف لها عبرة، حتى أتاها ٣. صلاح قلبه وسد خلة روحه. رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت فالمستعين بالله تعالى تحصل له طمأنينة القلب، وراحة البال، وانشراح الصدر فإنه لا يلقي للدنيا بالا، ولا یکترث لهم، ولا يعبأ بمخوف، وكيف يكترث لحوادث الأيام ونوائب الدنيا وهو يعلم أن الله معه فيكفيه ما أهمه وغمه. أبيها رضي الله عنه، فقال: (يا عائشة، إنه قد بلغني ما يقول الناس عنك، فإن كنت بريئة فسیبرٹك الله تبارك وتعالى، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه). فالاستعانة تحتها سرٌ عظيم من أسرار التوحيد، وهو أن القلب لا يستقر ولا يطمئن ولا يسكن إلا بالوصول إلى الله، فمن كانت محبته ورغبته ورهبته وطلبه الله سبحانه، واستعانته به ظفر بنعمته ولذته وبهجته وسعادته أبد الآباد(١). ٤. الاستعانة بالله تجعل الفرد المسلم وثيق الصلة بربه يجيبه إذا سأله، ویفرج عنه کربه، ویغفر له ذنبه. إذا طلب الإنسان عون الله عز وجل، فإن عون الله عز وجل قريب، وبقدر استعانته بالله تكون كفايته وحصول مطلوبه. ففي حادثة الإفك (٢) أن عائشة رضي الله (١) انظر: الفوائد، ابن القيم ص٢٠٢. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهن بعضا، رقم ٢٦٦١، ١٧٣/٣، ومسلم في صحيحه، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، رقم ٢٧٧٠، ٢١٢٩/٤. فلم تستطع عائشة أن تجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثقل على قلبها أن تكون محل شكٍ وريبة من صدقها ومن براءتها ومن طهارتها في قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشارت إلى أبيها، قالت: يا أبت أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبوبكر: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلی الله عليه وسلم، فالتفتت إلى أمها فقالت: يا أم، أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قولي شيئًا. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالت عائشة: والله إن الله يعلم أني بريئة، وإن قلت لكم: أني بريئة فإنكم لا تصدقوني - وقع في قلوبكم الشك والريبة من كلام الناس الذي سمعتم -. وإن قلت لكم: أني فعلت فإنكم تصدقونني. www. modoee.com ٧٣ حرف الألف ثم قالت: والله ما حالي وحالکم إلا كما قال أبو يوسف - أي: يعقوب عليه السلام- ونسيت اسمه من وقع الهم والحزن على قلبها -: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨]). فلم تنته من هذه الكلمات إلا وأنزل الله عز وجل براءتها من فوق سبع سماوات، حينما ذكرت هذه الكلمات، حينما ذكرت استعانتها بالله عز وجل، وأنها ليس لها معين، وليس لها ناصر، ولن يبرئها إلا هو تبارك وتعالى، فما استتمت هذه الكلمات ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ حتى أنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بآلْإِنِ عُصْبَةٌ مِنَكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ ◌َكُمْ لِكُلِ أَمْرِيٍ مِّنْهُم مَّ أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ وَالَّذِى تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ حَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١]. ٥. بالاستعانة بالله يواجه الإنسان الأخطار المحدقة به. ٦. شعور المسلم بالقوة؛ لأنه لا يواجه المشاکل وحده، بل معه ربه. ٧. نزع شعور العجز من نفسه. ٨. الاستعانة بالله سبب محبة الله ورضاه. ٩. الاستعانة تذلل الصعاب، وتقوي المرء مع إخوانه على ما لا يستطيعه بمفرده. ١٠. الاستعانة المباحة تزيل الضغائن والحقد والحسد من القلوب. ١١. الاستعانة بين أفراد المجتمع تحقق معاني الأخوة الإسلامية. وما ذكرته ينطبق على الفرد، ولا شك أن الفرد لبنة من لبنات المجتمع، فبصلاحه واستقامته صلاح المجتمع واستقامته، كذلك في أمنه وطمأنينته أمن وطمأنينة للمجتمع، وفي توفيقه وسداده توفيق وسداد للمجتمع. موضوعات ذات صلة: الاستعاذة، الدعاء، الذكر ٧٤ صَوُل ◌ُوب القرآن الكريم