Indexed OCR Text
Pages 21-40
الاستطاعة
قال المفسرون: يخبر تعالى عن فرعون
من لمسات المنهج للقلوب المؤمنة.
فإن هذه القلوب لا بد أن تشمئز من قوم مصر أنه تكبر وتجبر وطغى، وجعل أهل
تلك البلاد أصنافًا، قد صرف كل صنف
فيما يريد من أمور دولته، وكان يستضعف
طائفة منهم، وهم بنو إسرائيل، وكانوا في
ذلك الوقت خیار أهل زمانهم، فکان فرعون
يستعملهم في أخس الأعمال، ويكدهم ليلاً
ونهارًا في أشغاله وأشغال رعيته، ويقتل
مع هذا أبناءهم، ويستحيي نساءهم، أي:
يستبقيهن أحياءً، إهانة لهم واحتقارًا، وبنو
إسرائيل مستضعفون عاجزون عن دفع
الأذى عن أنفسهم(٢).
يخادعون الله. فإن هذه القلوب تعرف أن
الله سبحانه- لا يخدع - وهو يعلم السر
وأخفى، وهي تدرك أن الذي يحاول أن
يخدع الله لا بد أن تكون نفسه محتوية على
قدر من السوء ومن الجهل ومن الغفلة کبیر.
ومن ثم تشمئز وتحتقر وتستصغر كذلك
هؤلاء المخادعين! ويقرر عقب هذه اللمسة
أنهم يخادعون الله ﴿وَهُوَخَدِعُهُمْ﴾ أي:
مستدرجهم وتاركهم في غيهم لا يقرعهم
بمصيبة تنبههم ولا يوقظهم بقارعة تفتح
عيونهم، تاركهم يمضون في طريق الهاوية
حتى يسقطوا))(١).
ثالثًا: الظلم:
ومن مجالات الاستدراج الظلم
والبغي، فالظالمون يتسلطون على
الضعفاء والمساکین، ويسلبونهم حقوقهم،
ويقهرونهم ويستعبدونهم، ومن ذلك ما
قصه الله تعالى في كتابه من نبأ فرعون طاغية
زمانه مع بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿إِنَّفِرْعَوْنَ عَلَا فِ الْأَرْضِ
وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَآَيِفَةً مِّنْهُمْ
يُذَيِّحُ أَبْنَآءَ هُمْ وَيَسْتَحِ، نِسَاءَ هُمْ إِنَّهُ, كَانَ مِنَ
الْمُفْسِدِينَ ﴾ [القصص: ٤].
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٧٨٣/٢ - ٧٨٤،
وانظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٢٧٨.
وقد أملى الله تعالى لفرعون وأمهله
حتی یزداد إثمًا وبغیًا، ويزداد بنو إسرائيل
صبرًا وثوابًا، ثم إذا جاء أجله الذي أجله الله
له أخذه أخذ عزيز مقتدر، وجعله عبرة لمن
يعتبر.
قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا اَلْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ
يُسْتَضْعَفُونَ مَشَرِقَ الْأَرْضِ وَمَغَرِبَهَا
الَّتِى بَرَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى
عَلَى بَنِىّ إِسْرَِّيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا
كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ، وَمَا كَانُواْ
يَعْرِشُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ١٣٧].
وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ الَّهُ تَكَالَ الْآَخِرَةِ وَالأُولَّ
﴿ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَنْ يَخْتَقَ ﴾ [النازعات:
(٢) انظر: معالم التنزيل، البغوي ١٨٥/٦، تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٢١.
www. modoee.com
٢٩٣
حرف الألف
٢٥-٢٦].
وقد بيَّن الله تعالى إمهاله للظالمين
واستدراجه لهم في قوله: ﴿وَكَأَيْنِ مِّنْ
قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَّا وَهِىَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا
وَإِلَّ الْمَصِيرُ ﴾ [الحج: ٤٨].
أي: ((وكثير من القرى كانت ظالمة
بإصرار أهلها على الكفر، فأمهلتهم، ولم
أعاجلهم بالعقوبة فاغتروا، ثم أخذتهم
بعذابي في الدنيا، وإلي مرجعهم بعد
هلاکهم، فأعذبهم بما يستحقون))(١).
وجاء في الحديث عن أبي موسى رضي
الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه
لم يفلته).
قال: ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَيِّكَ إِذَا أَخَذَ
اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدُ
[هود: ١٠٢](٢).
فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت
عذابه، ولكنه لا يهمله، كما قال تعالى:
، وَلَا تَحْسَبَنَ اَللَّهَ غَفِلًا عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ
(١) التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير
ص٣٣٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ
القرى وهي ظالمةً إن أخذه أليمٌ شديدٌ)، رقم
٤٦٨٦، ٦/ ٧٤، ومسلم في صحيحه، كتاب
البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم، رقم
١٩٩٧/٤،٢٥٨٣.
اْأَبْصَرُ مُهْطِعِينَ مُقْنِى رُءُوسِهِمْ
لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرَّفُهُمْ وَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءُ ﴾
[إبراهيم: ٤٢ -٤٣].
أي: لا تحسبه إذ أنظرهم وأجلهم أنه
غافل عنهم مهمل لهم، لا يعاقبهم على
صنعهم، بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده
عدا، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِرُ هُمْ لِيَوْمٍ
تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ أي: من شدة الأهوال
يوم القيامة (٣)، ((يقال شخص بصر فلان أي
فتحه فلم يغمضه» (٤).
قال القاسمي: ((﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أي:
بإمهالهم متمتعين بشهواتهم، ولا يعجل
عقوبتهم ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَرُ﴾ أي
ترتفع فيه أبصار أهل الموقف، لهول
ما يرون، فلا تقر أعينهم في أماكنها ولا
تطرف»(٥).
والجملة تعليل للنهي السابق في الآية،
وفيها تسلية لرسول الله صلى الله عليه
وسلم وإعلام للمشركين بأن تأخير العذاب
عنهم ليس للرضا بأفعالهم، بل سنة الله
سبحانه في إمهال الظالمين والعصاة (٦).
ثم ذکر تعالی کیفیة قیامهم من قبورهم،
ومجيئهم إلى المحشر، فقال: ﴿مُهْطِعِینَ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥١٥/٤.
(٤) تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي
ص٣٣٦.
(٥) محاسن التأويل، القاسمي ٣٢١/٦.
(٦) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١٣٨/٣.
٢٩٤
جوية
القرآن الكريم
الاستطاعة
مُقْنِ رُءُوسِهِمْ لَا يََّدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ
هَوَآءٌ﴾ أي: ((يقوم الظالمون من قبورهم
مسرعين لإجابة الداعي رافعي رؤوسهم لا
يبصرون شيئًا لهول الموقف، وقلوبهم خالية
ليس فيها شيء؛ لكثرة الخوف والوجل من
هول ما ترى)) (١).
رابعًا: الفسق وسائر المعاصي:
ومن مجالات الاستدراج الفسق وسائر
المعاصي، فإن الله عز وجل يوسع على
الفساق العصاة مع انهماكهم في معصية،
وييسر أمورهم، وما ذلك إلا من استدراجه
تعالى لهم، حتى يترك هؤلاء العصاة
الغافلون التوبة والإنابة مما فعلوه، ويتمادوا
في معاصيهم وآثامهم، فيأخذهم بغتة.
عن عقبة بن عامر رضي الله عنه، عن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا رأيت
الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما
يحب، فإنما هو استدراج).
ثم تلا رسول الله صلى الله عليه
وسلم: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِهِ، فَتَحْنَا
عَلَيْهِمْ أَبَوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّىَ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ
أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ
[الأنعام: ٤٤](٢).
(١) التفسير الميسر، نخبة من أساتذة التفسير
ص٢٦١.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ١٧٣١١،
٠٥٤٧/٢٨
وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
فيبين النبي صلى الله عليه وسلم أن
بسط الدنيا للعاصي ليس دليلاً على كرامته
على الله عز وجل أو محبة الله عز وجل
له، بل الحقيقة أن ذلك من مكر الله عز
وجل به واستدراجه له، فيعطيه الله من
الدنيا ما يحب، ويبسط له الأرزاق، حتى
ينسيه التوبة والإنابة، وما ينفع العاصي ما
هو فيه من النعيم يوم القيامة شيئًا، كما قال
سبحانه: ﴿أَفَرَدَيْتَ إِن مَّتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ، ثُمَّ
جَاءَ هُمْ مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴿٦ ◌َمَآ أَغْفَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ
يُمَتَّعُونَ {(٢٧)﴾ [الشعراء: ٢٠٥ -٢٠٧].
ومن استدراجه تعالى للعصاة أن ييسر
ـم أسباب المعصية ويعينهم عليها.
لهـ
يقول الشيخ ابن عثيمين: ((انتبه لهذا
الاستدراج من الله عز وجل إذا يسر الله
لك أسباب المعصية، فلا تفعل، فإن الله
ربما ييسر أسباب المعصية للإنسان فتنة
له، أرأيتم أصحاب السبت من بني إسرائيل
يسرت لهم أسباب المعصية فتنة، وهي أن
الله حرم عليهم صيد السمك يوم السبت،
فكانت الحوت تأتي يوم السبت شرعًا على
وجه الماء، وبكثرة عظيمة، لكنهم ملتزمون
لم يصيدوا السمك في يوم السبت، فلما
طال علیهم الأمد عجزوا عن ملك أنفسهم،
فرجعوا إلى طبيعتهم وهي الغدر والحيلة
والمكر، فاحتالوا على صيد السمك، صاروا
وزيادته، رقم ١٥٨/١،٥٥٣.
www. modoee.com
٢٩٥
حرف الألف
يجعلون شباكًا يوم الجمعة فتأتي الحيتان
وتدخل في الشباك، فإذا كان يوم الأحد
أخذوا الحيتان، وهذه حيلة واضحة، فقلبهم
الله قردة، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِيْتُمُ
الَّذِينَ أُعْتَدَوْاْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ
قِرَدَةً خَسِئِينَ ﴾ [البقرة: ٦٥].
وفي صدر هذه الأمة حرم الله على
المحرمين الصيد، ﴿يَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقْتُلُواْ
الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون
تناله أيديهم ورماحهم(١)، يعني أن الذي
يمشي على الأرض يمسكونه باليد، مثل:
الأرنب والغزال، يمسكه الواحد باليد،
والطائر الذي كان لا ينال إلا بالسهم لأنه
بعيد، صار يطير وكأنه على الأرض، الرمح
يدركه، فتنة، فهنا يسر الله لهم أسباب
المعصية، لكن الصحابة رضي الله عنهم،
وهم خير الناس لم يأخذ أحد منهم صيدة
واحدة رضي الله عنهم، بينما بنو إسرائيل
تحيلوا وخادعوا الله، أما سلف هذه
الأمة، وفقنا الله لموافقتهم في الدنيا في
أعمالهم، وفي الآخرة في مساكنهم فإنهم لم
يأخذوا))(٢).
مظاهر الاستدراج
أولًا: الفتح بالنعم:
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَسُواْ مَا ذُكِرُوا
بِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ﴾
[الأنعام: ٤٤].
أي: لما نسوا ما ذكروا به من البأساء
والضراء، فتحنا عليهم أبواب كل شيء من
فنون النعماء استدراجًا منا لهم(٣).
وقال تعالى: ﴿فَلَ تُعْجِبْكَ أَمْوَلُهُمْ وَلَّ
أَوْلَادُهُمَّ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِى الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَفِرُونَ
00
[التوبة: ٥٥].
فنهى الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم عن أن يستحسن شيئًا مما أنعم به
على المنافقين من كثرة الأموال والأولاد؛
لأنها استدراج من الله تعالى لهم، يريد أن
يعذبهم بها في الدنيا بما يلقون في جمعها
من المشقة، وفي حفظها من الوجل، وفي
إنفاقها من الكره، وفيها من المصائب (٤)،
((ويميتهم حين يميتهم على الكفر، ليكون
ذلك أنکی لهم وأشد لعذابهم - عياذا بالله
(١) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَتَبْلُوَلَكُمُ
الهُ بِشَىْءٍ مِّنَ الصَّيْدِ تَنَالُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاُّكُمْ لِيَعْلَمَ الَهُ مَن
يُضَافُ بِالْغَيَِّْ فَمَنِ أُعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ, عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾
[المائدة: ٩٤].
(٢) تفسير سور الحجرات - الحديد، ابن عثيمين
ص٢٨١.
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود
١٣٣/٣.
(٤) انظر: البسيط، الواحدي ٤٩١/١٠، ٤٩٣،
تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي ص
٢٤٩، التفسير الوسيط، الزحيلي ١/ ٨٧٢.
٢٩٦
مَوَسُولَةُ المَجيد
جوبيبو
القرآن الكريم
الاستطاعة
من ذلك -، وهذا یکون من باب الاستدراج
لهم فيما هم فيه))(١).
قال أبو السعود: ((﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ
وَهُمْ كَفِرُونَ ﴾ فيموتوا كافرين مشتغلين
بالتمتع عن النظر في العاقبة، فيكون ذلك
لهم نقمة لا نعمة، وأصل الزهوق الخروج
بصعوبة))(٢).
وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ
وَانَيْنَكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِ وَالْقُرْءَانَ الْعَظِيمَ ) لَا
تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَجًا مِنْهُمْ وَلَا
◌َّحْزَنْ عَلَّهِمْ وَأَخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ
[الحجر: ٨٧-٨٨].
قال الشنقيطي: ((لما بين تعالى أنه آتى
النبي صلى الله عليه وسلم السبع المثاني
والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصیب، وأعظم
حظ عند الله تعالی، نهاه أن يمد عينيه إلى
متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار؛ لأن
من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر
والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى
النصيب الأحقر الأخس، ولاسيما إذا كان
صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار.
وأوضح هذا المعنى في غير هذا
الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرْ عَلَى مَا
يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدٍ رَبِّكَ قَبَّلَ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَقبْلَ
غُرُوِهَا وَمِنْ ءَانَآٍ اَلَيْلِ فَسَيِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٣/٤.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٧٤.
تَرْضَى ﴿ وَلَا تَمُدَّنَ عَيْنَكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ= أَزْوَمًا
مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَالِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَّرٌّ
وَأَبْقَى (١) وَأَمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَّوَةِ وَأَصْطَيِرْ عَلَيْهَاً لَا
تَشْشَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَزُقُكَ وَالْعَقِبَةُ لِلنَّقْوَىْ )﴾
[طه: ١٣٠ - ١٣٢].
والمراد بالأزواج هنا: الأصناف من
الذين متعهم الله بالدنيا))(٣).
((والمعنى: لا تحفل- أيها الرسول
الكريم - ولا تطمح ببصرك طموح الراغب
في ذلك المتاع الزائل، الذي متع الله تعالى
به أصنافًا من المشركين فإن ما بين أيديهم
منه، شيء سینتهي عما قريب، وقد آتاهم الله
تعالى إياه على سبيل الاستدراج والإملاء،
وأعطاك ما هو خير منه وأبقى، وهو القرآن
العظيم» (٤).
وقال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه
وسلم: ﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِِّ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيًّا وَلَا نُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ.
قُرْطًا ﴾ [الكهف: ٢٨].
ونزلت هذه الآية في سادات كفار قريش،
الذین سألوا النبي صلى الله عليه وسلم طرد
فقراء المسلمین الذین -يدعون الله غدًا
وعشيًا- من حوله(٥)، فأمر الله نبيه صلى
(٣) أضواء البيان، الشنقيطي ٣١٥/٢.
(٤) الوسيط، طنطاوي ٧٨/٨.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٨/١٨.
www. modoee.com
٢٩٧
حرف الألف
الله عليه وسلم بالصبر على أهل الإيمان خير منهم.
من الذاكرين العابدين، ونهاه عن طاعة
أهل الكفر ممن استدرجهم تعالی بنعمه،
وأغفلهم بها عن ذكره.
قال ابن كثير: ((﴿وَلَا نُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبُ,
عَن ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾، أي:
شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا ﴿وَآَتَّبَعَ
هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرْطًا﴾، أي: أعماله وأفعاله
سفه وتفریط وضياع، ولا تکن مطیعًا له، ولا
محبًا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه، كما قال
تعالى: ﴿وَلاَ تَمُنَّنَّ عَيْنَّكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ= أَزْوَهًا
مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيَةٍ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيَّرٌ
وَأَبْقَى (١٦)﴾ [طه: ١٣١]))(١).
وهكذا يبين تعالى أن هذا الإنعام على
بعض الکفار دون المؤمنین لیس حبا لهم أو
رضًا عنهم، وإنما أغفلهم الله بها عن ذكره
وطاعته ولقائه، استدراجًا منه تعالى لهم
وقد بین الله تعالی اغترار بعض عباده
واستدراجهم بما أنعم عليهم من النعم،
من ذلك قوله تعالى مخبرًا عن أهل الكفر:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْرًاً مَّا
سَبَقُونَا إِلَيْهٍ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذّآ
إِفْكُ قَدِيمٌ ﴾ [الأحقاف: ١١].
والفقراء من المؤمنين بالإيمان - إن كان
خیرا - دونهم، زعما منهم أنهم أحق بکل
قال الشنقيطي: ((مرادهم أن فقراء
المسلمين وضعفاءهم - كبلال وعمار
وصهيب وخباب ونحوهم - أحقر عند الله
من أن يختار لهم الطريق التي فيها الخير،
وأنهم هم الذين لهم عند الله عظمة وجاه
واستحقاق السبق لكل خير؛ لزعمهم أن
الله أكرمهم في الدنيا بالمال والجاه، وأن
أولئك الفقراء لا مال لهم ولا جاه، وأن
ذلك التفضيل في الدنيا يستلزم التفضيل في
الآخرة)) (٢)
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِ قَرْيَةٍ
مِّنِ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ،
كَفِّرُونَ ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَقْوَلَا وَأَوْلَدًا
وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ٥ قُلْ إِنَّ رَبِ يَبْسُطُ الْرِّزْقَ لِمَن
يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ () وَمَّا
أَمْوَلُكُمْ وَلَ أَوْلَدُكُمْ بِلَّتِى تُقَرِّيَكُمْ عِندَنَا زُلْفَقَ
إِلَّا مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَلِحًا فَأَوْلَكَ لَهُمْ جَزَّةُ
الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِ الْغُرُفَتِ هَامِنُونَ ﴾
[سبأ: ٣٤-٣٧].
قال السعدي: ((يخبر تعالى عن حالة
الأمم الماضية المكذبة للرسل، أنها كحال
هؤلاء الحاضرين المكذبين لرسولهم
أي: أنكروا أن يمن الله على الضعفاء محمد صلى الله عليه وسلم، وأن الله إذا
أرسل رسولًا في قرية من القرى، كفر به
مترفوها، وأبطرتهم نعمتهم وفخروا بها،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن کثیر ١٥٤/٥.
مَوَسُولَةُ
القرآن الكريم
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٢٢٠.
٢٩٨
الاستطاعة
﴿وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلًا وَأَوْلَدًا﴾ أي:
ممن اتبع الحق، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أي:
أولا لسنا بمبعوثین، فإن بعثنا، فالذي أعطانا
الأموال والأولاد في الدنيا، سيعطينا أكثر
من ذلك في الآخرة ولا يعذبنا.
فأجابهم الله تعالى، بأن بسط الرزق
وتضييقه، ليس دليلاً على ما زعمتم، فإن
الرزق تحت مشيئة الله، إن شاء بسطه لعبده،
وإن شاء ضيقه، وليست الأموال والأولاد
بالتي تقرب إلى الله زلفى وتدني إليه.
وإنما الذي يقرب منه زلفى، الإيمان بما
جاء به المرسلون، والعمل الصالح الذي هو
من لوازم الإيمان، فأولئك لهم الجزاء عند
الله تعالى مضاعفًا، الحسنة بعشر أمثالها،
إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة)) (١).
وهکذا بین تعالی اغترار أهل الكفر بما
أنعم عليهم من الأموال والأولاد، ويحسبونه
دليلًا على صحة اعتقادهم، وما ذلك إلا من
استدراج الله تعالی لهم.
وقد رد الله تعالى عليهم في عدة مواضع
من کتابه، ومن ذلك قوله جل شأنه:
يَرَوْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِ
اُلْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَآءَ عَلَيْهِم
مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا اْلْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن تَحْنِهِمْ فَأَهْلَكَهُم
بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا ءَاخَرِينَ
[الأنعام: ٦].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٨١.
قال ابن كثير: ((قال تعالى واعظًا ومحذرًا
لهم أن يصيبهم من العذاب والنكال الدنيوي
ما حل بأشباههم ونظرائهم من القرون
السالفة الذين كانوا أشد منهم قوة، وأكثر
جمعًا، وأكثر أموالًا وأولادًا واستغلالًا
للأرض وعمارة لها.
فقال: ﴿أَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن
قَرْنٍ مَّكَّنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَّكِّنْ لَّكُمْ﴾، أي:
من الأموال والأولاد والأعمار، والجاه
العريض، والسعة والجنود، ﴿وَأَرْسَلْنَا
السَّمَلَّةَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا﴾، أي: شيئًا بعد شيء،
﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِى مِن ◌َحْنِهِمْ﴾، أي:
أكثرنا عليهم أمطار السماء وينابيع الأرض،
أي: استدراجًا وإملاء لهم، ﴿فَأَهْلَكْتَهُم
بِذُنُوبِهِمْ﴾، أي: بخطاياهم وسيئاتهم التي
اجترحوها، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَاءَاخَرِينَ﴾،
أي: فذهب الأولون كأمس الذاهب
وجعلناهم أحاديث، ﴿وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا
ءَاخَرِينَ﴾، أي: جيلًا آخر لنختبرهم، فعملوا
مثل أعمالهم فهلکوا کهلاکھم.
فاحذروا أيها المخاطبون أن يصيبكم
مثل ما أصابهم، فما أنتم بأعز على الله منهم،
والرسول الذي كذبتموه أكرم على الله من
رسولهم، فأنتم أولى بالعذاب ومعاجلة
العقوبة منهم، لولا لطفه وإحسانه)) (٢).
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ٢٤٠.
www. modoee.com
٢٩٩
حرف الألف
ثانيًا: الإطالة في العمر:
ومن مظاهر استدراج الله تعالى:
الإطالة في العمر، قال الله تعالى: ﴿قُلّ
مَن يَكْلَؤُكُمْ بِلَيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِّ بَلْ هُمْ
عَن ذِكْرٍ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ ن أَمْ لَهُمْ
ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَاْ لَا يَسْتَطِيعُونَ
نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَاَ هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ ( بَلْ
مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ
الْعُمُرُّ ◌َفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِ الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا
مِنْ أَطْرَافِهَاْ أَفَهُمُ الْغَلِبُونَ ﴾
[الأنبياء: ٤٢ - ٤٤].
فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم
أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم: ﴿مَن
يَكْلَوُكُم﴾ أي: من هو الذي يحفظكم
ویحرسکم بالليل في حال نومكم والنهار في
حال تصرفكم في أموركم غير الرحمن (١)،
أي: لا يعترفون بنعمه علیهم وإحسانه إليهم،
بل يعرضون عن آياته وآلائه.
ثم قال: ﴿أَمْ لَهُمْ ءَالِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن
دُونِنَا﴾، استفهام إنكار وتقريع وتوبيخ،
أي: ألهم آلهة تمنعهم وتکلؤهم غيرنا؟ ليس
الأمر كما توهموا ولا كما زعموا؛ ولهذا
قال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾،
أي: هذه الآلهة التي استندوا إليها غير الله
لا يستطيعون نصر أنفسهم. ثم قال تعالى:
﴿بَلَّ مَنَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَءَابَآءَ هُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١٥٣/٤.
اٌلْعُمُرُ﴾، أي: إنما غرهم وحملهم على ما
هم فيه من الضلال، أنهم متعوا في الحياة
الدنيا، ونعموا وطال عليهم العمر فيما هم
فيه، فاعتقدوا أنهم على شيء))(٢).
قال البيضاوي: ((إضراب عما توهموا
ببيان ما هو الداعي إلى حفظهم، وهو
الاستدراج والتمتيع بما قدر لهم من
الأعمار، أو عن الدلالة على بطلانه ببيان
ما أوهمهم ذلك، وهو أنه تعالى متعهم
بالحياة الدنيا وأمهلهم حتى طالت أعمارهم
فحسبوا أن لا یزالوا کذلك وأنه بسبب ما هم
علیه ولذلك عقبه بما يدل على أنه أمل كاذب
فقال: ﴿أفَلَايَرونَ أَنَّانأْتِى الأَرْضَ﴾، أرض
الكفرة، ﴿فَقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، بتسليط
المسلمين عليها، وهو تصوير لما يجريه
الله تعالى على أيدي المسلمين، ﴿أَفَهُمُ
اَلْغَلِبُونَ﴾، رسول الله والمؤمنين))(٣).
فحاصل معنى الآيات: ((أي: لا تلتفت-
أيها الرسول الكريم - إلى هؤلاء المشركين
الذين أعرضوا عن ذكر ربهم، والذين زعموا
أن آلهتهم تضر أو تنفع، فإننا قد كلأناهم
برعايتنا بالليل والنهار، ومتعناهم وآباءهم
من قبلهم بالكثير من متع الحياة الدنيا، حتى
طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم
ذلك على الطغيان والبطر والإصرار على
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٤٤/٥.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٥٢/٤.
٣٠٠
مَوَسوبر البقية
القرآن الكريم
الاستطاعة
الكفر. وسنأخذهم في الوقت الذي نريده فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ، بَصِيرًا﴾ فيجازيهم
أخذ عزيز مقتدر، فإن ما أعطيناه لهم من نعم بحسب ما علمه منهم، من خير وشر))(٢)،
إنما هو على سبيل الاستدراج لهم))(١).
ثالثًا: تأخير العقاب:
ومن مظاهر استدراج الله تعالى لعباده
تأخير عقابه عنهم، فيتهاونون في معصيته
ويتجرؤون عليها، أو يستحلونها - كحال
أهل الشرك والكفر- ويعتقدون أنهم على
حق في ارتكابها، وما ذلك إلا من استدراجه
تعالى لهم، ليزدادوا إثمًا وضلالًا، ولو
أن الله تعالى عاجل كل مسيء بالعقوبة
لما بقي على ظهر الأرض منهم أحد، كما
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا
كَسَبُواْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَةٍ
وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّىٌّ فَإِذَا جَآءَ
أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا
١٥)﴾ [فاطر: ٤٥].
قال السعدي: (ذکر تعالی کمال حلمه،
وشدة إمهاله وإنظاره أرباب الجرائم
والذنوب، فقال: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ
بِمَا كَسَبُواْ﴾ من الذنوب ﴿مَا تَرَكَ
عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ﴾ أي: لاستوعبت
العقوبة، حتى الحيوانات غير المكلفة.
﴿وَلَكِن﴾ يمهلهم تعالى ولا يهملهم
و﴿يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ
(١) الوسيط، طنطاوي ٩/ ٢١٤.
وقد كان أهل الكفر يغترون بإمهال الله
لهم وإمساك العذاب عنهم، وقد ذكر تعالى
ذلك في عدة مواضع من کتابه، قال سبحانه:
﴿وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ
مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَلِ
أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الأنفال: ٣٢].
أي: يقولون إن كان محمد صلى الله
عليه وسلم على حق، فلم لا يعذبنا الله،
وما علموا أن ذلك من استدراج الله لهم،
قال ابن كثير: ((هذا من كثرة جهلهم وعتوهم
وعنادهم وشدة تكذيبهم، وهذا مما عیبوا به،
وکان الأولی لهم أن يقولوا: «اللهم، إن كان
هذا هو الحق من عندك، فاهدنا له، ووفقنا
لاتباعه)». ولكن استفتحوا على أنفسهم،
واستعجلوا العذاب، وتقديم العقوبة» (٣)
وقال تعالى: ﴿وَلَيْنْ أَخَرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ
إِلَ أُمٍَّ مَّعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ: أَلَا يَوْمَ
يَأْنِهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَافَ بِهِم مَّا كَانُواْ
بِ يَسْتَهْزِءُونَ (٥)﴾ [هود:٨].
ولذلك كانوا يستعجلون العذاب من
النبي صلی الله عليه وسلم إنکارًا لوقوعه،
فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم
أن يرد على المشركين قائلًا: ﴿قُل لَّوْ أَنَّ
(٢) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٩٢.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٤٧.
www. modoee.com
٣٠١
حرف الألف
عِندِى مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، لَقُضِىَ الْأَمْرُ بَيْنِى
وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ
[الأنعام: ٥٨].
((أي: لو أن في قدرتي وإمكاني العذاب
الذي تتعجلونه، بأن يكون أمره مفوضًا إلي
من قبله تعالى، لقضي الأمر بيني وبينكم،
بأن ینزل ذلك علیکم إثر استعجالکم» (١).
وقوله: ﴿وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ}
((أي: بحالهم وبأنهم مستحقون للإمهال
بطريق الاستدراج لتشديد العذاب، ولذلك
لم يفوض الأمر إلي ولم يقض بتعجيل
العذاب»(٢).
وهكذا بين الله تعالى استدراجه بعض
خلقه بتأخيره العقاب عنهم، ليزدادوا إثمًا
وضلالًا.
نماذج قرآنية في الاستدراج
ذكر القرآن الكريم نماذج كثيرة
للمستدرجين في قصص الأمم، وواقع
الجماعات والأفراد، ليعتبر منها أولو
الأبصار والألباب، ويتعرفوا على سنن الله
في خلقه.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِ قَصَصِهِمْ
عِبْرَةٌ لِأُوْلِ الْأَلْبَبِّ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى
وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ
كُلِّ شَىْءٍ وَهُدَى وَرَحْمَةٌ لِّقَوٍَّ يُؤْمِنُونَ
[يوسف: ١١١].
ومن تلك النماذج:
أولًا: قارون:
وهو من المستدرجين بالمال والثروة.
* إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ
قال تعالى:
مُوسَى فَغَى عَلَيْهِمْ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّا إِنَّ مَفَاتِحَهُ.
لَنَنُواْ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ
إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ [القصص: ٧٦].
قال ابن عاشور رحمه الله: ((كان من
صنوف أذى أئمة الكفر للنبي صلى الله عليه
وسلم والمسلمين، ومن دواعي تصلبهم في
إعراضهم عن دعوته اعتزازهم بأموالهم،
﴿وَقَالُواْ لَوْلَا نُزْلَ هَذَا أَلْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ
اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ [الزخرف: ٣١].
أي: على رجل من أهل الثروة، فهي
عندهم سبب العظمة ونبزهم المسلمين
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٤ /٣٧٩.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٦١/٤، إرشاد
العقل السليم، أبو السعود ١٤٣/٣.
مَوَسُولَةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٣٠٢
الاستطاعة
بأنهم ضعفاء القوم، وقد تكرر في القرآن أعطيته لعلم الله في أني أهل له(٣)، وهو من
استدراج الله له، كذلك أنتم يا كفار قريش
توبيخهم على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِ
وَالْكَذِّبِينَ أُوْلِى النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا ﴾
[المزمل: ١١].
تقولون، وتفخرون بأموالكم، وقد رد القرآن
الکریم علی قارون.
وقد ضرب الله الأمثال للمشركين في
جميع أحوالهم بأمثال نظرائهم من الأمم
السالفة، فضرب في هذه السورة لحال
تعاظمهم بأموالهم مثلًا بحال قارون مع
موسى عليه السلام(١)، أي: كما أن إنعامنا
علی قارون بالأموال العظیمة، - والتي كانت
في غاية الكثرة حتى إن مفاتح خزائنها لتثقل
الجماعة القوية عن حمل هذه المفاتيح، فما
ظنك بالخزائن؟(٢)، كما أن ذلك الإنعام
العظیم علیہ لم یکن إلا استدراجًا له، بدلیل
قوله تعالى في آخر قصته: ﴿فَسَفْنَابِهِ،
وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ.
مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾
[القصص: ٨١].
فکذلك أنتم يا كفار قريش وما أوتيتم من
الأموال، والتي هي أقل مما أوتي قارون،
وأيضًا كما كان قارون يقول عن نفسه
وما أوتيه من مال: ﴿قَالَ إِنَّمَا أُوِّتُهُ عَلَى عِلْمِ
عِنْدِىّ﴾ [القصص: ٧٨].
أي: إنما أعطاني الله هذا المال لعلمه
بأني أستحقه، ولمحبته لي، فتقديره: إنما
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٠/ ١٧٤.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٦٢٣.
قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْأَهْلَكَ مِن
قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ
جَمْعًاً وَلَا يُسْثَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾
[القصص: ٧٨].
((أي: قد كان من هو أكثر منه مالًا، وما
کان ذلك عن محبة منا له، وقد أهلکهم الله
مع ذلك بکفرهم وعدم شکرهم؛ ولهذا قال:
﴿وَلَا يُسْثَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي:
لکثرة ذنوبهم»(٤).
وقد بین الله تعالى في قصة قارون اغترار
بعض قوم قارون بحاله، واعتقادهم أن ذلك
من الخير العظيم الذي أوتیه.
سبحانه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ،فِ زِينَتِ
قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَوَةَ الدُّنْيَا يَلَيْتَ لَّنَا
مِثْلَ مَّا أُوتِي قَرُونُ إِنَّهُ، لَذُو حَظٍ عَظِيمٍ
﴾ [القصص: ٧٩].
٧٩
ثم بين تعالى أن أهل العلم يعلمون أن
ذلك من استدراج الله تعالى، وأن ثواب الله
خير وأبقى لمن آمن وعمل صالحًا.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ
وَيُلَكُمْ ثَوَابُ اَللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٦/ ٢٥٤.
(٤) المصدر السابق ٢٥٥/٦.
www. modoee.com
٣٠٣
حرف الألف
صَلِحًاً وَلَا يُلَقَّنَهَا إِلَّ الصَّبِرُونَ
[القصص: ٨٠].
وهكذا يضرب الله الأمثال لاستدراجه
عباده، لعلهم يعتبرون بذلك.
ثانيًا: فرعون وملأه:
ومن المستدرجين بالقوة والملك من
الأمم السابقة فرعون وملأه.
قال تعالى حاکیًا عن موسى دعاءه عليهم:
﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَاْ إِنَّكَ ءَاتَيْتَ فِرْعَوْنَ
وَمَلَّهُ زِينَةٌ وَأَقَوْلًا فِي الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُواْ
عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَى أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَىَ
قُلُوبِهِمْ فَلَ يُؤْمِنُواْ حَقَّ يَرُواْ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ
٨٨
[يونس: ٨٨].
قال ابن كثير: ((هذا إخبار من الله تعالى
عما دعا به موسى عليه السلام على فرعون
وملئه، لما أبوا قبول الحق واستمروا على
ضلالهم وكفرهم معاندين جاحدين،
رَيِّنَآ
ظلمًا وعلوًا وتكبرًا وعتوًا، قال:
إِنَّكَ ءَاتَّيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَّهُ زِينَةً﴾ أي:
من أثاث الدنيا ومتاعها، ﴿وَأَمْوَلَا﴾ أي:
جزيلة كثيرة، ﴿فِي﴾ هذه ﴿اَلْحَوَةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا
◌ِضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾ بفتح الياء (١)، أي:
أعطيتهم ذلك وأنت تعلم أنهم لا يؤمنون
بما أرسلتني به إليهم استدراجًا منك لهم ...
(١) قرأ الكوفيون بضم الياء، والباقون بفتحها.
انظر: البدور الزاهرة، عبد الفتاح القاضي
ص١٥٠.
وقرأ آخرون: ﴿لُِضِلُّواْ﴾ بضم الياء، أي:
ليفتتن بما أعطيتهم من شئت من خلقك،
ليظن من أغويته أنك إنما أعطيت هؤلاء هذا
لحبك إياهم واعتنائك بهم، ﴿رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَ
أَمْوَلِهِمْ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: أي:
أهلكها ... ﴿وَأَشْدُدْ عَلَ قُلُوبِهِمْ﴾، قال ابن
عباس: أي اطبع عليها، ﴿فَلَا يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوْاْ
الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾.
وهذه الدعوة كانت من موسى عليه
السلام غضبًا لله ولدينه علی فرعون وملئه،
الذين تبين له أنه لا خير فيهم، ولا يجيء
منهم شيء»(٢).
وقد اختلف المفسرون في اللام في
﴿يُضِلُّوا﴾ على أقوال، اختار منها ابن
جرير الطبري وأبو حيان (٣) أنها لام (كي).
قال الإمام الطبري: «ومعنی الکلام: ربنا
أعطيتهم ما أعطيتهم من زينة الحياة الدنيا
والأموال لتفتنهم فيه، ويضلوا عن سبيلك
عبادك، عقوبة منك. وهذا كما قال جل
ثناؤه: ﴿لَأَسْقَيْنَهُم مََّ غَدَقًا لِتَغْيِنَهُ فِهِ﴾
[الجن: ١٦-١٧]))(٤).
وقال أبو السعود: ((وقيل: اللام للعاقبة
وهي متعلقة بآتيت، أو للعلة؛ لأن إيتاء
النعم على الكفر استدراج وتثبيت على
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢٩٠/٤.
(٣) انظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي
٩٩/٦.
(٤) جامع البيان، الطبري ١٧٩/١٥.
٣٠٤
جَوَسُورُ
القرآن الكريم
الاستطاعة
الضلال)»(١).
وهكذا ذكر الله تعالى استدراجه لآل
فرعون بما أعطاهم من الأموال والزينة في الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم أن
الحياة الدنيا، ثم أهلكهم وجعلهم عبرة لمن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور
أولئك الفقراء المؤمنين)) (٢).
يعتبر.
ثالثًا: صاحب الجنتين:
ومن أمثلة استدراج الله تعالى للعصاة
ما جاء في قصة صاحب الجنتين، وقد ذكرها
تعالى في سورة الكهف في سياق الرد على
كفار قريش الذين كانوا يفتخرون بأموالهم
على فقراء المسلمين وضعفائهم، ويمتنعون
عن الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم
والاستماع له بسبب وجود هؤلاء الفقراء
قوله:
في مجلسه، وقد أنزل الله تعالى في ذلك
﴿وَأَصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ
رَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِ يُرِيدُونَ وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ
عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوْةِ الدُّنْيَّاً وَلَا نُطِعْ
مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ، عَنْ ذِكْرِنَا وَأَتَّبَعَ هَوَنُهُ وَكَانَ أَمْرُهُ.
قُرْطًا (٥)﴾ [الكهف: ٢٨].
قال الشنقيطي: ((أمر الله جل وعلا نبيه
صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة:
أن يصبر نفسه، أي: يحبسها مع المؤمنين
الذي يدعون ربهم أول النهار وآخره
مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلا رضاه
جل وعلا، وقد نزلت هذه الآية الكريمة في
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/ ٧٤.
فقراء المهاجرين کعمار، وصھیب، وبلال،
وابن مسعود ونحوهم، لما أراد صناديد
وما علم كفار مكة أن كثرة أموالهم،
وما هم فيه من النعم، هو من استدراج الله
لهم، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه
وسلم أن يضرب لكفار قريش قصة صاحب
الجنتين مثلًا لذلك الاستدراج، وأن إيتاء
الله الأموال لبعض عباده، وتركهم يفتخرون
بها على غيرهم، لا يدل على حبه تعالى لهم،
ورضاه عنهم.
قال تعالى: ﴿وَأَضْرِبْ لَهُمُ مَّثَلَا تَّجُلَيْنِ
جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ مِنْ أَعْنَبٍ وَحَفَقْنَهُمَ بِنَخْلٍ
وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا كِلْنَا اُلْجَنََّيْنِ ءَانَتْ أُكُلَهَا
وَلَمْ تَظْلِ مِنْهُ شَيْئاً وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نَهَرًّا (
٣٣
[الكهف: ٣٢ -٣٣].
قال الرازي: ((اعلم أن المقصود من هذا
أن الكفار افتخروا بأموالهم وأنصارهم على
فقراء المسلمين، فبيّن الله تعالى أن ذلك
مما لا يوجب الافتخار لاحتمال أن يصير
الفقير غنيًا والغني فقيرًا، أما الذي يجب
حصول المفاخرة به فطاعة الله وعبادته،
وهي حاصلة لفقراء المؤمنين، وبيّن ذلك
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي ٢٦٣/٣.
www. modoee.com
٣٠٥
حرف الألف
بضرب هذا المثل المذكور في الآية))(١).
وقال الحافظ ابن كثير: «يقول الله تعالى
بعد ذكر المشركين المستكبرين عن مجالسة
الضعفاء والمساكين من المسلمين، وافتخروا
عليهم بأموالهم وأحسابهم، فضرب لهم
مثلاً برجلين، جعل الله ﴿لِأَحَدِهِمَا جَنَّنَيْنِ﴾
أي: بستانين من أعناب، محفوفتين بالنخل
المحدقة في جنباتهما، وفي خلالهما
الزروع، وكل من الأشجار والزروع مثمر
كلتَا
مقبل في غاية الجود؛ ولهذا قال:
الْجَنَيْنِ ءَانَتْ أَكْلَهَا﴾، أي: أخرجت ثمرها
﴿وَلَمْ تَظْلِرِمِنْهُ شَيْئًا﴾، أي: ولم تنقص منه
شيئًا، ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَلَهُمَا نهرًا﴾، أي: والأنهار
تتخرق فيهما هاهنا وهاهنا)»(٢).
ثم ذكر تعالى حوارًا دار بين هذين
الرجلین، بین تعالی فیه ظلم صاحب الجنتين
لنفسه، وافتخارہ علی صاحبه، قال سبحانه:
وَكَانَ لَهُ نَّمَرٌ فَقَالَ لِصَحِهِ وَهُوَ تُحَاوِرُهُ أَنَا
أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًّا (٦) وَدَخَلَ جَنَّتَهُ.
وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ، قَالَ مَّا أَعُنُّ أَنْ تِيَدَ هَذِهِ
أَبَدًا * وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآَيِمَةٌ وَلَيِن
زُّدِدْتُ إِلَى رَبِ لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٦)﴾
[الكهف: ٣٤-٣٦].
أي: قال ((صاحب هاتين الجنتين لصاحبه
﴿وَهُوَ ثُحَاوِرُهُ﴾، أي: يجادله ويخاصمه،
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢١/ ٤٦٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ١٥٧.
جوبيه
القرآن الكريم
يفتخر عليه ويترأس، ﴿أَنَاْ أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا
وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾، أي: أكثر خدمًا وحشمًا
وولدًا)) (٣).
﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، قيل: إنه أخذ بيد أخيه
المؤمن يطوف به فيها ويريه أثمارها (٤)،
﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾، أي: ((بكفره وتمرده
وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد، ﴿قَالَ مَآ
أَغُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِأَبَدًا﴾، وذلك اغترار منه،
لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار
والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها،
ظن أنها لا تفنى، ولا تفرغ، ولا تهلك،
ولا تتلف، وذلك لقلة عقله، وضعف يقينه
بالله، وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها، وكفره
بالآخرة))(٥).
قال: ﴿وَمَآ أَظُنُّ السَّاعَةَ قَآئِمَةً﴾،
أي: ((أنكر البعث بعد إنكاره لفناء جنته،
قال الزجاج: أخبر أخاه بكفره بفناء الدنيا
وقيام الساعة، ﴿وَلَيِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِ﴾ اللام
هي الموطئة للقسم، والمعنى: أنه والله
إن يرد إلى ربه فرضًا وتقديرًا كما زعم
صاحبه، واللام في ﴿لَأَجِدَنَ﴾، جواب
القسم والشرط، أي: لأجدن يومئذ ﴿خَيْراً
مِّنْهَا﴾))(٦).
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٧/٥.
(٤) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٤٠٤/١٠.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٧/٥.
(٦) فتح البيان، القنوجي ٥٢/٨.
٣٠٦
الاستطاعة
قال أبو السعود: ((ومدار هذا الطمع ((والمعنى: أتلف ماله كله بأن أرسل على
الجنة والزرع حسبان من السماء فأصبحت
صعيدًا زلقًا، وهلكت أنعامه وسلبت أمواله،
أو خسف بها بزلزال أو نحوه)) (٤).
واليمين الفاجرة اعتقادٌ أنه تعالى إنما أولاه
ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامته
عليه سبحانه، ولم يدر أن ذلك استدراجٌ))(١).
وقد بيّن الله تعالى عاقبة استدراجه لهذا
الكافر المكذب، فقال: ﴿وَأُحِيطَ بِشَرِهِ.
فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنَفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَّةٌ عَلَى
عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَلَيْنَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّ أَحَدًا ).
[الكهف: ٤٢].
فأخبر الله تعالى عن ذلك الرجل الكافر
الظالم لنفسه، الذي كان يظن أن بساتينه
وثماره لن تبيد أبدًا، وأنه أوتيها لخير فيه
واستحقاق لها، وأنه إن رد إلى ربه على
فرض وقوع ذلك فسيجد أعظم وأفضل
من هذه الجنة، - وما ذاك إلا من استدراج
الله تعالى له - فأخبر الله تعالى عن عاقبة
استدراجه له في الدنيا، فقال: ﴿وَأُحِيطَ
بِشَمَرِهِ﴾، أي: أحاط الهلاك بصنوف
ثماره وأشجاره كما يحيط القوم بعدوهم
فيهلكونهم عن آخرهم (٢).
قال الفخر الرازي: ((﴿وَأُحِيطَ بِشََرِهِ﴾
وهو عبارة عن إهلاكه بالكلية، وأصله من
إحاطة العدو؛ لأنه إذا أحاط به فقد ملكه
واستولى عليه ثم استعمل في كل إهلاك ومنه
قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]))(٣)،
(١) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٢٢٢/٥.
(٢) انظر: البسيط، الواحدي ٢٧/١٤.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٧٦٩/٣٠.
﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ كَقَّيْهِ ﴾، أي: يقلب كفيه
ظهرا لبطن أسفًا وتحسرًا على ذهاب نفقته
التي أنفقها في جنته وعمارتها وتزينها، وقد
ضاعت هباءً، وذهبت سدى، ﴿وَهِىَ خَاوِيَّةٌ
عَلَى عُرُوشِهَا﴾، وجنته ساقطة ومتهدمة على
دعائمها وعلى سقوفها، والمقصود أن الجنة
بجميع ما اشتملت عليه، صارت حطامًا
وهشيمًا تذروه الرياح(٥).
﴿وَيَقُولُ يَيْنَنِى لَوْ أَشْرِكْ بِرَبِّ أَحَدًا﴾، أي:
أخبر الله تعالى أنه لما سلبه ما أنعم به علیه،
وحقق ما أنذره به أخوه المؤمن في الدنيا،
ندم على شركه حين لا تنفعه الندامة (٦)،
وقال الزمخشري: ((علم أنه أتي من جهة
شرکه وطغیانه فتمنی لو لم یکن مشركًا،
حتى لا يهلك الله بستانه»(٧).
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٢٦/١٥،
وانظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير
١٦٠/٥.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٧/١٨، معالم
التنزيل، البغوي ١٧٣/٥، فتح القدير،
الشوكاني ٣٤١/٣، التفسير الوسيط،
طنطاوي ٨/ ٥٢١.
(٦) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٨٦/٣.
(٧) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٧٢٤.
وانظر: البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي
١٨١/٧.
www. modoee.com
٣٠٧
حرف الألف
رابعًا: الكافر المغتر بماله وولده:
ومن نماذج المستدرجين، الكافر المغتر
بماله وولده.
قال تعالى: ﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا
وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدَّا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ
أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ عَهْدًاكَلََّ سَنَكْتُبُ
مَا يَقُولُ وَنَمُذُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا ◌َ وَنَرِثُهُ مَا
يَقُولُ وَ يَأْنِينَا فَرْدًا ﴾ [مريم: ٧٧ -٨٠].
قال المفسرون: نزلت الآية في العاص
بن وائل(١) أحد زعماء المشركين بمكة،
روي عن خباب رضي الله عنه، قال: (کنت
قينًا(٢) في الجاهلية، وكان لي على العاص
بن وائلٍ دينٌّ، فأتيته أتقاضاه، قال: لا
أعطيك حتى تكفر بمحمدٍ صلى الله عليه
وسلم، فقلت: (لا أكفر حتى يميتك الله،
ثم تبعث(٣)، قال: دعني حتى أموت وأبعث،
فسأوتى مالًا وولدًا فأقضيك). فنزلت:
﴿أَفَرَءَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْرَّ
مَالًا وَوَلَدًا أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
(١) انظر: البسيط، الواحدي ٣١٠/١٤.
(٢) قينًا: أي حدادًا أو صائغًا.
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير ٤/ ١٣٥.
(٣) قال ابن حجر: ((قوله: فقلت: لا أكفر حتى
يميتك الله، ثم تبعث، مفهومه أنه يكفر
حينئذ، لكنه لم يرد ذلك؛ لأن الكفر حينئذ
لا يتصور، فكأنه قال لا أكفر أبدًا، والنكتة في
تعبيره بالبعث تعيير العاص بأنه لا يؤمن به))،
فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر
العسقلاني ٤٣٠/٨.
عَهْدًا(٥)﴾(٤).
والآيات -وإن كانت نازلة في كافر
معين - فإنها تشمل كل كافر، زعم أنه على
الحق، وأنه من أهل الجنة(٥) استدراجًا من
الله تعالی له.
والمعنى: أن الله تعالى يعجب نبيه
محمدًا صلى الله عليه وسلم من مقالة هذا
الكافر الذي يزعم رغم كفره وإعراضه،
أنه سيجازى في الآخرة أموالًا وأولادًا،
قال: ﴿لَأُوْتَّيَنَّ مَالَا وَوَلَدًا﴾، ((واللام في
﴿لَأُوْتَيْنَ مَالَا وَوَلَدًا﴾ هي الموطئة للقسم،
كأنه قال: والله لأوتين في الآخرة مالًا
وولدًا)»(٦)، والنون للتوكيد، وقال في قسمه
الحانث (لأوتين)، أي: أنه بإرادته وقدرته
الواهمة سيكون له مال(٧).
وهذا کله من غروره وجهله، واستدراج
الله تعالى له، قال الشوكاني: ((أي: انظر إلى
حال هذا الكافر، وتعجب من كلامه وتأليه
(٤) صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب ذكر
القين والحداد، ح ٢٠٩١، ٦٠/٣، صحيح
مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار،
باب سؤال اليهود النبي صلى الله عليه وسلم
عن الروح، وقوله تعالى: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ
الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥].
الآية، ح ٢٧٩٥، ٢١٥٣/٤.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٩٩.
(٦) فتح القدير، الشوكاني ٤١١/٣.
(٧) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة ٩/ ٤٦٨٢.
مَوَسُوبَةُ النَّفِيَّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٣٠٨
الاستطاعة
على الله، مع كفره به، وتكذيبه بآياته))(١).
ثم أجاب سبحانه عن قول هذا الكافر
بما يدفعه ويبطله، ویبین غروره وجهله،
فقال: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾؟ ثم قال تعالى:
أُكَلَّا﴾، وهو حرف ردع وزجر، أي:
ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من أنه
يؤتى المال والولد، ﴿سَنَكْنُبُ مَايَقُولُ﴾،
أي: سنحفظ عليه ما يقوله فنجازيه في
الآخرة، ﴿وَنَهُدُّ لَهُ، مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ أي:
نزيده عذابًا فوق عذابه مكان ما يدعيه لنفسه
من الإمداد بالمال والولد، أو نطول له من
العذاب ما يستحقه، وهو عذاب من جمع
وَنَرِثُهُ, مَا يَقُول
بين الكفر والاستهزاء،
أي: نميته فنرثه المال والولد الذي يقول إنه
يؤتاه ﴿ویأتینَا فَرْدًا ﴾، أي: يوم القيامة لا مال
له ولا ولد، بل نسلبه ذلك، فكيف يطمع في
أن نؤتيه(٢).
(١) فتح القدير، الشوكاني ٤١١/٣.
(٢) المصدر السابق ٣/ ٤١٢.
عاقبة المستدرجين
أولًا: عاقبة المستدرجين في الدنيا:
للاستدراج عواقب وخيمة في الدنيا
والآخرة، وقد بيّن الله تعالى في كتابه العزيز
عاقبة المستدرجين ومآلهم، تحذيرًا من
سلوك طريقهم وولوج سبيلهم، والوقوع
فيما وقعوا فيه من الخسران العظيم.
ومن هذه العواقب في الدنيا: أن يأخذهم
الله تعالى أخذًا شديدًا مفاجئًا لهم.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِرُواْ بِه
فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ
بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ فَقُطِعَ
دَابِرُ اَلْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ
اْعَلَمِينَ )﴾ [الأنعام: ٤٤ -٤٥].
((والبغتة فعلةٌ من البغت وهو الفجأة،
أي: حصول الشيء على غير ترقب عند من
حصل له وهي تستلزم الخفاء))(٣).
ومعلوم أن الأخذ فجأة أشد إيلامًا
وإفزاعًا مما یسبقه استعداد وتحضر، ولذلك
قال تعالى: ﴿فَإِذَا هُم ◌ُّبْلِسُونَ﴾، أي: انقطع
رجاؤهم؛ لأن العذاب كان بغتة حصل
الإبلاس لهم، كالذي يتعلل لما يقع له بقوله:
کانت فجأة، أي: ليس بوسعي أن أستعد أو
أحتاط لذلك، قال الفراء: ((المبلس: اليائس
المنقطع رجاؤه، ولذلك قيل للذي يسكت
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٣١/٧.
www. modoee.com
٣٠٩
حرف الألف
عند انقطاع حجته، ولا یکون عنده جواب:
قد أبلس))(١)، وقال الألوسي: ((أنزلنا بهم
العذاب ﴿يَغْتَةً﴾، أي فجأة ليكون أشد
عليهم وأفظع هولًا ... ﴿فَإِذَا هُمْ تُبْلِسُونَ﴾،
أي آيسون من النجاة والرحمة ... ﴿فَقُطِعَ
دَابِرُ اَلْقَوْمِ اَلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾، أي: آخرهم ...
فالمراد أنهم استؤصلوا بالعذاب ولم يبق
منهم أحد ... ﴿وَاَلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾،
على ما جرى عليهم من النكال والإهلاك،
فإن إهلاك الكفار والعصاة من حيث إنه
تخليص لأهل الأرض من شؤم عقائدهم
الفاسدة وأعمالهم الخبيثة نعمة جليلة يحق
أن يحمد عليها، فهذا منه تعالى تعليم للعباد
أن يحمدوه على مثل ذلك»(٢).
وقال المراغي: ((أخذناهم بعذاب
الاستئصال حال كونهم مبغوتين، إذ فاجأهم
على غرة من غير سبق أمارات ولا إِمهال
للاستعداد أو للهرب، فإذا هم مبلسون، أي:
يائسون من النجاة»(٣).
وقال الواحدي: ((قال أهل المعاني:
(إنما أخذوا في حال الرخاء ليكون أشد
لتحسرهم علي ما فاتهم من حال السلامة
والعافية والتصرف في ضروب اللذة إلى
حال البلية والنقمة)) (٤).
(١) معاني القرآن، الفراء ٣٣٥/١.
(٢) روح المعاني، الألوسي ١٦٨/١٢.
(٣) تفسير المراغي، ١٢٥/٧.
(٤) البسيط، الواحدي ١٤١/٨.
وقد ذكر الله تعالى في كتابه الكريم
أمثلة كثيرة في أخذه المستدرجين وانتقامه
منهم في الدنيا، كفرعون وقومه أغرقهم
:﴿فَقَمْنَا مِنْهُمْ
الله تعالى، قال عز وجل:
فَأَغْرَقْنَهُمْ فِ اَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِشَايَدِنَا وَكَانُواْ
عَنْهَا غَفِلِينَ ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
وعاد أرسل عليهم ريحًا صرصرًا عاتية،
وثمود أهلکھم بالصيحة.
قال تعالى: ﴿فَأَمَّا تَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بِالطَّاِيَةِ
وَأَمَّا عَادٌ فَأَهْلِكُواْ بِرِيجِ صَرْصَرٍ عَلِيَةٍ
﴾ [الحاقة: ٥- ٦].
وقارون خسف به الأرض.
قال تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ الْأَرْضَ
فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: ٨١].
وصاحب الجنتين دمر تعالی علیه جنتیه.
قال تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ، فَأَصْبَحَ يُقَلِبُ
كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ
يَلَيْنَفِى لَمْ أُشْرِكِ بِرَبِّ أَحَدًا ﴾ [الكهف: ٤٢].
وغيرهم الكثير.
وقال الله تعالى مسليًا نبيه صلى الله
عليه وسلم في تكذيب قومه له: ﴿ وَإِنِ
بُكَذِّبُوَكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ
وَثَمُودُ ﴿ وَقَوْمُ إِزْهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٢) وَأَصْحَبُ
مَدْيَنٌ وَكَذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَفِرِينَ ثُمَّ
أَخَذْتُهُمٌّ فَكَيْفَ كَانَ تَكِيرِ فَكَّيِّن
مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ
٣١٠
مُوسُوبَة النفسيده
القرآن الكريم
الاستطاعة
خَاوِيَةُ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ
مَّشِيدٍ ﴿﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِ الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ
قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ ءَاذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا
لَا تَعْمَى اَلْأَبْصَرُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ اَلَِّ فِ
الصُّدُورِ ﴾ [الحج: ٤٢- ٤٦].
أخبر تعالى نبيه محمدًا صلى الله عليه
وسلم أنه كما كذبك قومك فقد كذبت الأمم
والأقوام السابقة أنبياءهم، فأمليت لهم،
وأمهلتهم، وأخرتهم، ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمٌّ فَكَيْفَ
كَانَ تکیرٍ﴾، «أي: فکیف کان إنكاري
عليهم، ومعاقبتي لهم؟!))(١).
ثم أخبر تعالى عما كانت عليه تلك
الأمم، وأولئك الأقوام من النعيم والمتع التي
استدرجهم تعالی بها، فقال: ﴿ فَکایِنِّن
قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَهَا وَهِىَ ظَالِمَةٌ فَهِىَ خَاوِيَةٌ
عَلَى عُرُوشِهَا وَيَثْرٍ مُّعَطّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾
أي: كم من قرية أهلكها الله بالعذاب
الشديد، لظلمها بكفرها بالله وتكذيبها
لرسله، فسقطت عروشها، وأصبحت
ديارها وقصورها خرابًا بعد أن كانت عامرة،
وموحشة بعد أن كانت آهلة بأهلها آنسة،
وصارت آبارها التي كانت يزدحم عليها
الخلق لشربهم، وشرب مواشيهم، متروكة
قد عدم منها الوارد والصادر، وأصبح أهل
هذه القرى عبرة لمن اعتبر (٢).
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٣٧/٥.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٥٤٠.
كما حذر تعالى عباده من هذه العاقبة
الوخيمة فقال عز شأنه: ﴿أَفَأَ مِنَ أَهْلُ الْقُرَى
أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَابَيَتَّاوَهُمْ نَآَيِمُونَ ، أَوَ أَمِنَ أَهْلُ
اٌلْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُم بَأْسُنَاضُحَى وَهُمْ يَلْعَبُونَ
أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الَّهَّ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا
اَلْقَوْمُ الْخَسِرُونَ ﴾ [الأعراف: ٩٧ -٩٩].
والمعنى أنه تعالى ينكر على أهل القرى
المكذبة لرسلها عدم خوفهم من بأسه
الشديد وعقابه الأليم، أن يأتيهم وقت بياتهم
وهم غارقون في نومهم؟ أو وقت ضحى
النهار وانبساط الشمس، وهم منهمكون
فیما لا نفع فيه لهم؟(٣).
ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَ مِنُواْ مَكْرَ اَللَّوَّفَلاَ
يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلََّ الْقَوْمُ الْخَسِرُونَ﴾، أي:
أفامن هؤلاء المكذبون استدراج الله إياهم
بما أنعم به عليهم في دنياهم من صحة
الأبدان ورخاء العیش، فإن مكر الله لا یأمنه،
إلا القوم الهالكون (٤).
وهکذا يحذر الله تعالى عباده من وقوع
عقابه الألیم بهم.
ثانيًا: عاقبة المستدرجين في الآخرة:
ومن عواقب المستدرجين في الآخرة،
العذاب الأليم والنكال العظيم في نار جهنم
وبئس المصير.
(٣) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر ص٢٢١.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٥٧٨/١٢.
www. modoee.com
٣١١
حرف الألف
قال تعالى في حق فرعون وقومه:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيَّاً وَيَوْمَ
تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْ ◌ِظُوَاْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّالْعَذَابِ
﴾ [غافر: ٤٦].
فبین الله تعالی عذابهم في البرزخ بقوله:
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وبیَن
عذابهم في الآخرة بقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
أَدْخِلُواْءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾(١)، وقال
تعالى في حق الوليد بن المغيرة: ﴿سَأُضْلِيهِ
سَقَّرٌ ﴾ [المدثر: ٢٦].
أي: أدخله جهنم(٢).
﴿﴿ أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ
وقال تعالى:
بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ
وَبِشْرَ
الْبَوَارِ ) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها
الْقَرَارُ ﴾ [إبراهيم: ٢٨-٢٩].
يقول تعالى - مبينًا حال المكذبين
لرسوله من کفار قریش وما آل إليه أمرهم -:
﴿أَلَّمَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرَا﴾،
ونعمة الله هي إرسال محمد صلی الله علیه
وسلم إليهم، يدعوهم إلى إدراك الخيرات
في الدنيا والآخرة، وإلى النجاة من شرور
الدنيا والآخرة، فبدلوا هذه النعمة بردها،
والکفر بها والصد عنها بأنفسهم، وصدهم
غيرهم حتى ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾،
وهي النار حيث تسببوا بإضلالهم، ومن ذلك
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٣٨٩/٦.
(٢) انظر: تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي
ص ٧٧٧.
أنهم زينوا لهم الخروج يوم بدر، ليحاربوا
الله ورسوله، فجری علیهم ما جرى، وقتل
كثير من كبرائهم وصناديدهم في تلك الوقعة
جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا﴾، أي: يحيط بهم حرها
من جميع جوانبهم ﴿وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾(٣).
وبيّن تعالى أنه يضاعف العذاب
للمستدرجين في الآخرة.
قال تعالى في حق العاص بن وائل:
﴿أَفَرَ يْتَ الَّذِى كَفَرَ بِثَايَتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيْنَّ
مَالًا وَوَلَدًارَ أَطَلَعَ الْغَيْبَ أَمِ أَتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمَنِ
عَهْدًاكَلَّأَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ.
مِنَ الْعَذَابِ مَدَّا ) وَرِثُهُ, مَا يَقُولُ وَيَأْنِينَا
فَرْدًا ﴾ [مريم: ٧٧ - ٨٠].
قال الطبري: ((يعني تعالى ذكره بقوله
﴿كَلََّ﴾: ليس الأمر كذلك، ما اطلع
الغيب، فعلم صدق ما يقول، وحقيقة ما
یذکر، ولا اتخذ عند الرحمن عهدًا بالإيمان
بالله ورسوله، والعمل بطاعته، بل كذب
و كفر.
﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَذَّا﴾، يقول:
ونزيده من العذاب في جهنم بقيله الكذب
والباطل في الدنيا، زيادة على عذابه بكفره
.
بالله»(٤).
وهكذا يبين الله تعالى عاقبة المستدرجين
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي
ص٤٢٦.
(٤) جامع البيان، الطبري ٢٤٨/١٨ بتصرف
يسير.
مَشَوَالَرُ النَِّيَّة
الْقُرآن الكَرِيْمِ
٣١٢