Indexed OCR Text

Pages 21-34

الاجتماع
قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ وَءَاخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا نَعْلَمُونَهُمُ
اَللَّهُ يَعْلَمُهُمَّ﴾ [الأنفال: ٦٠].
وعن رسول الله صلی الله عليه وسلم
قال ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾
[الأنفال: ٦٠]: (ألا إن الرمي هو القوة، ألا إن
الرمي هو القوة)(١).
ويقول الماتريدي في تفسيره لهذه الآية:
(ادفعوا العدو عن أنفسكم؛ لما لعلهم
يقصدون أنفس المؤمنين المقاتلين، أو
أدفعوا عن أموالكم وذراريكم ويقصدون
ذلك، أو ادفعوا عن دينكم إذا قصدوا
دینکم، کل ما یتقوی به على حرب العدو
من آلة الجهاد فهو مما عنى الله بقوله: ﴿مِّن
قُوَّةِ﴾ والمفسرون يقولون: يعني السلاح
من السيف والرماح والقسي والنشاب»(٢).
وكذلك بيّن ابن كثير أن المقصود هو
أمر الله عز وجل بإعداد آلات الحرب
لمقاتلة أعداء الله حسب الطاقة والإمكان
والاستطاعة فقال: ﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا
أَسْتَطَعْتُمْ ﴾ [الأنفال: ٦٠](٣).
فالإعداد لقتال أعدائنا يكون في جميع
أنواع القوة: المادية، والمعنوية، وإنما
(١) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة،
باب فضل الرمي والحث عليه، وذم من علمه
ثم نسيه، ١٥٢٢/٣، رقم ١٩١٧.
(٢) تأويلات أهل السنة ٢ / ٥٢٥.
(٣) انظر: تفسير القرآن العظيم ٤ / ٨٠.
خصص الله عز وجل ذكر القوة هنا؛ لأنه
لم يكن للمؤمنين في غزوة بدر استعداد تام
للقتال، فنبهوا علی أن النصر من غير استعداد
لا يتأتى في كل زمان ولم يكن هناك إعداد
ونصر إلا بالمال، ولا سبيل إليه إلا بالإنفاق
المطلق، كل على قدر طاقته وإيمانه، مع
كامل الحق على التسابق فيه والعمل على
إحراز ثوابه الكبير والأجر الحسن المعد
للمنفقين يوم القيامة (٤).
ويحسن بنا كمسلمين أن نعرف حدود
التكليف بإعداد هذه القوة التي أمرنا بها،
فهي حدود الطاقة إلى أقصاها، بحيث لا
تقعد وتتقاعص العصبة المسلمة عن سبب
من أسباب القوة يدخل في طاقتها (٥).
ونستدل من الآيات السابق ذكرها:
١. لابد أن يكون الإنسان مهيأ للقيام
بالتكاليف الدينية، كي تتم على أحسن
حال دون ملل أو تعب ويستشعر المرء
بلذة العبادة.
٢. كي يستطيع المرء القيام بالتكاليف
يجب أن تكون لديه القدرة البدنية على
القيام بها، من صلاة وحج وصيام وغير
ذلك.
٣. هناك بعض العبادات لا تقوم إلا
بالإنفاق وبذل المال، مثل: التصدق
(٤) انظر: صفوة التفاسير، الصابوني ١ / ٤٧٤.
(٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣/ ١٥٤٤.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الألف
والحج والجهاد في سبيل الله.
٤. التأني في فهم النصوص القرآنية والتدبر
فيما يريده الله عز وجل منا وعدم
التعجل في إصدار الأحكام، ففي قوله
تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِلُواْ
بَيْنَ اُلْنِسَلَّهِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ
كُلَّ اُلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِّ وَإِن
تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا
رَّحِيمًا ﴾ [النساء: ١٢٩].
٥. من الناس من یحکم من خلال هذه الآية
بعدم التعدد ومحاربته من منطلق قوله
تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِ لُواْبَيْنَ
النِّسَلَهُ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [النساء: ١٢٩].
٦. وهذا مفهوم خاطئ ولَيٌّ لأعناق الآيات
لتوافق أهواء البعض؛ لأن المقصود
هو عدم الاستطاعة في العدل من قبل
الرجل، لأنه لابد أن يميل قلبه لواحدة
دون الأخرى، وإذا تحول قلب الرجل
عن المرأة لا يعطيها حقها في الفراش.
٧. الآيات المتحدثة عن الاستطاعة لا تعني
الكسل والتقاعس عن أداء التكاليف
بحجة أن هذا ما يستطيعه وهو غير
مؤاخذ؛ لأن الله أعلم بنا وهو خالقنا
وأعلم بمدی استطاعة كل فرد على أداء
التكاليف المناطة به، فيجب أن يكون
هناك وازع ديني و دافع داخلي للإنسان
وتقوى من الله في أداء التکالیف ویبذل
أقصى ما في وسعه تجنبًا من الوقوع في
المحظور.
مُوسُوا
القرآن الكريم
٣٣٦

الاجتماع
عدم الانتفاع بأدوات الاستطاعة
إن الله عز وجل عندما كلفنا بالتكاليف
الشرعية كلفنا بما نطيق، وجعل فينا القدرة
على الإتيان بها، وأعطانا أدوات هذه
الاستطاعة فمن ملكها لا عذر له، ومن
سلبها الله منه لحكمة من الله لا يؤاخذ،
ومن هذه الأدوات: أعضاء الجسم التي
بها نقوم بالعبادات كالصلاة والحج، ومنها
أيضًا: النعم التي أنعم الله بها علينا كي
نستطيع أداء فرائضه من مال وصحة ووقت.
أولًا: الجوارح:
وجوارح الإنسان هي أعضاؤه التي
یکتسب بها(١)، وهذه الجوارح قد یکسب
منها المرء إما خيرًا أو شرًا، وهي التي ستنطق
حينما تسكت الألسنة عن النطق.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدُمْ
عَلَيْنً قَالُواْ أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِىّ أَنطَقَ كُلَّ شَىْءٍ وَهُوَ
خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرَجَعُونَ﴾ [فصلت:
٢١].
إن حقيقة الإيمان التي أمرنا الله عز
وجل بها هي أن يتواطأ القلب مع الجوارح،
فتتحقق عبودية القلب مع عبودية الجوارح،
فنحسن العبادة باطنًا كما نحسنها ظاهرًا،
إن الإيمان الذي في القلب لابد أن تصدقه
الجوارح بأعمالها، فإن التصديق يكون
(١) انظر: مختار الصحاح، الرازي ١/ ٥٥.
بالأفعال كما يكون بالأقوال فإذا اتقى
الإنسان الله بقلبه أولًا كما يجب، اتقت
جوارحه وانصاعت لما أمر به الله عز
وجل(٢).
إن الله عز وجل جعل للعباد قدرات
فيما يقدرون عليه، وجعل لهم وسائل وهي
الجوارح، والقدرات موجودة قبل الفعل
وبعده، لكنها لا تتمثل لنا بفعل حقيقي إلا
عند الفعل الحقيقي .
ومن أهم تلك الجوارح التي أنعم الله
بها على الإنسان: (الأذن، والعين، والأنف،
واللسان، واليدين، والقدمين، والبطن،
والفرج)، وهذه الجوارح نعمة من الله كي
يستطيع الإنسان أداء التكاليف المناطة به
على أكمل وجه، فيجب أن تكون الجوارح
مستعملة فيما يرضاه الله عز وجل، وأن
یکون الإنسان مسئولا عما اکتسب بجوارحه
هو، لا عما اكتسبه غيره.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَأَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾
[البقرة: ٢٨٦].
ولله عز وجل على العبد عبوديتان
عبودية باطنة وعبودية ظاهرة، فللقلب
عبودية وللسان والجوارح عبودية، فإن قام
العبد فقيامه بالعبودية الظاهرة مع تجرده من
حقيقة العبودية الباطنة فإن ذلك لا يقربه إلى
(٢) انظر: قانون التأويل، ابن العربي، ص ٣٦٣.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الألف
الله ولا يوجب له الثواب وقبول العمل، فإن أنه لا إثم إذا فعل الإنسان بعض المحرمات
المقصود امتحان القلوب وابتلاء السرائر،
فعمل القلب هو روح العبودية و لبُها فإذا خلا
عمل الجوارح منه کان کالجسد الموات بلا
روح(١).
والمحظورات؛ لأن الآية تعذره، وتقدم
له رخصةً ومخرجًا، ويترتب على هذا
الفهم الخاطئ لمعنى الآية، أن يتفاوت
التزام المسلمين بالإسلام في أداء واجباته،
واجتنابًا لمحرماته، بحيث يختلف الالتزام
بالإسلام وتطبيقه من شخص إلى آخر كل
حسب استطاعته، فتتكون لدينا الهمة الميتة،
والقدرة العاجزة، والاستطاعة المريضة.
وعرف علماء الأمة الاستطاعة بأنها:
سلامة الآلات ورفع الموانع، والمقصود
بسلامة الآلات هي صحة الجوارح،
فالمریض لیس بمستطیع؛ لأن الآلات لدیه
فيها خلل(٢).
فإذا صحت الجوارح وارتفعت الموانع
الحسية سميت استطاعة يتوجب بسببها
التكليف، وأهل السنة جعلوا الاستطاعة
نوعين: نوعًا قبل الفعل وهو سلامة
الجوارح، ونوعًا معه وهو ما يجب به وجود
الفعل (٣).
قال تعالى: ﴿فَأَنَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَأَسْمَعُواْ
وَأَطِيعُواْ وَأَنْفِقُواْ خَيْرًا لِّأَنْفُسِكُمْ﴾
[التغابن: ١٦].
قد يظن البعض أن هذه الآية تدلل على
(١) انظر: بدائع الفوائد، ابن القيم الجوزية
١٩٢/٣.
(٢) انظر: البحر الرائق، ابن نجيم ٤ / ٣٣٩،
رد المحتار على الدر المختار، ابن
عابدين ٧٥٨/٣.
(٣) انظر: مرهم العلل المعضلة في الرد على أئمة
المعتزلة، عفيف الدين اليافعي، ص ١٦٥،
موقف ابن تيمية من الأشاعرة، عبد الرحمن
المحمود ٣/ ٠١٣٣٣
وحتی یکون فهمنا لمعنی الآیة صحیحًا،
وتصورنا لقيد الاستطاعة فيها صوابًا، لا
بد أن نقرن معها آية أخرى، وهي قول الله
عز وجل: ﴿يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ
تُقَائِهِ ﴾ [آل عمران: ١٠٢].
حيث تأمرنا هاتان الآيتان بتقوى الله،
وكل واحدةٍ منهما توضح المراد من
الأخرى: فآية آل عمران تأمر بأن نتقي الله
حق تقاته، والمقصود تقوى حقة صادقة
مخلصة جادة، بأن نبذل غاية وسعنا،
وأقصى استطاعتنا، فى تحقيقها وتحصيلها،
وأن نبقى على هذه التقوى طيلة حياتنا،
بحيث لا يموت الإنسان منا إلا وهو مسلم،
المعنى هو: بذل الوسع والجهد والاستطاعة
في تحصيلها (٤).
وآية التغابن تأمرنا بتقوى الله بمقدار
(٤) انظر: تصويبات في فهم بعض الآيات، صلاح
الخالدي، ص ٩٧.
جَوَسُو ◌َر التفسير
القرآن الكريم
٣٣٨

الاجتماع
﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا
والاستطاعة:
الوسع
أَسْتَطَعْتُمْ﴾، ويوضح المراد بقوله: ﴿مَا
قوله في آل عمران: ﴿حَقّ
اسْتَطَعْے﴾
تُقَائِهِ﴾، فلا يحقق المسلم التقوى بقدر
الاستطاعة، إلا إذا كانت هذه التقوى حق
التقوى، وهذا أمر قلبي لا يستطيع أحد
معرفتها إلا الله عز وجل (١).
قال ابن عطاء: ((الاستطاعة على الظواهر
والأعمال، وحق تقاته على القلوب والأحوال))
والمقصود اتقوا الله حق تقاته بتوجيه القلوب
إليه بلا التفات إلي أي شيء دونه، واتقوا الله
ما استطعتم بعمل الجوارح والأعضاء قدر
الطاقات التي منحها الله لكم(٢).
عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال:
خطبنا رسول الله صلی الله عليه وسلم،
فقال: (أيها الناس قد فرض الله عليكم
الحج، فحجوا)، فقال رجل: أکل عام یا
رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو
قلت: نعم لوجبت، ولما استطعتم)، ثم
قال: (ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من
(١) انظر: الفتح الرباني من فتاوى الإمام
الشوكاني، الشوكاني ٢٦٠٨/٥.
(٢) انظر: البحر المديد، ابن عجيبة ٧/ ٦٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب
إنها استطاعة بخصوص الحج، الذي
نص القرآن على وجوبه على المستطيع، قال
تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِبُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ
إِلَيْسَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧].
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يجب
على سؤال الرجل وكان السبب واضحًا أن
أمته لن تطيق ذلك والله ورسوله أعلم بهذا.
وكذلك هناك أمور رخص الشرع فيها
الغير المستطيع، فالمسافر يرخص له في
الإفطار في حال مرضه أو صحته أما المسافر
غير المستطيع فالإفطار في حقه واجب،
حفظًا لبدنه، فيقصر ويجمع الصلاة، ويفطر
ويقضي أو يفدي، والحائض والنفساء يجب
عليهما الفطر وترك الصلاة، وتقضيان
الصوم ولا تقضيان الصلاة، والحج واجب
على المستطيع، ولا زكاة لمن لم يملك
النصاب، وأكل الميتة مباحٌ للمضطر.
وقال علماء الأمة بحق من كانت لديه
أدوات الاستطاعة ولم يقم بالتكاليف التي
أمره الله عز وجل دون عذر أنه لا يكون
مؤمنًا، فمن كان يعتقد بقلبه ويقر بلسانه
كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على ولكنه لا يعمل بجوارحه، وعطل الأعمال
أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما كلها من غير عذر فهذا ليس بمؤمن؛ لأن
استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه)(٣).
الإيمان كما ذكرنا وكما عرفه أهل السنة
والجماعة أنه: قول باللسان واعتقاد بالقلب
فرض الحج مرة في العمر، ٢/ ٩٥٧، رقم
١٣٣٧.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الألف
وعمل بالجوارح، لا يحصل الإيمان إلا فالله سبحانه وتعالى لا يطلب منا إلا ما
بمجموع هذه الأمور، فمن ترك واحدًا منها نستطيع تأديته، على حسب الحالة التي نحن
عليها.
فإنه لا یکون مؤمنًا.
وهناك آية أخرى يعتمد عليها بعض
المسلمین، ويجعلونها حجةً ودليلًا ومستندًا
لهم، على تقصيرهم في أداء الواجبات
والتزام الأوامر وترك المحظورات، إذ
أنها تبيح لهم ذلك وتجعلهم في منأى عن
المسؤولية والعقاب جزاء هذا التقصير
والتفريط، فيكون الإنسان صحيح البدن
معافى في جوارحه التي هي مناط التكليف
فيقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَاً﴾
[البقرة: ٢٨].
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا
ولا يعرف أن الآية تشرع وتبيح له أن لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
يأخذ من الإسلام والشريعة ما يدخل ضمن
وسعه وطوقه وقدرته، مهما كانت درجة
الوسع والطوق والقدرة، حتى لو كانت في
أدنى مستوياتها وأضعف حالاتها (١).
ثانيًا: النعم:
من أكبر النعم على أمة الإسلام أن الله
هدى المسلمين لهذا الدين ومن جزيل نعمه
عليهم بعد الهداية أن جعل الدين ميسرًا
حسب الاستطاعة.
إذا تأملنا منطوق التكاليف الشرعية
نجدها بنيت على الاستطاعة والمقدرة،
(١) انظر: تصويبات في فهم بعض الآيات، صلاح
الخالدي، ص ١٠٠.
قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
وُسْعَهَاً﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا أَسْتَطَعْتُمْ﴾
[التغابن: ١٦].
فهذه النصوص تمنحنا مساحة من
الطمأنينة تجعلنا لا تضطرب ونتأثر في
ممارسة الشعائر التعبدية بسبب موقف ألم
بنا؛ لأن حياتنا كلها أصلًا عبادة، والغاية من
إيجادنا في هذه الحياة أصلًا هو العبادة.
ويشرع لمن أنعم الله عليه بنعمة
إظهارها؛ فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته
على عبده، كما يشرع له بذلها لمن يحتاجها
على حسب الاستطاعة.
قال تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُوسَعَةٍ مِّنِ سَعَيْهِ، وَمَن
قُدِرَ عَلَيَّهِ رِفْقُهُ، فَلْيُنفِقْ مِمَّآ ءَانَنَهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ
نَفْسًا إِلَّا مَآ ءَاتَنِهَاْ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرِ يُتْرًا﴾
[الطلاق: ٧].
قال الحسن البصري: إن الله تعالى أدب
عباده فأحسن أدبهم، قال تعالى: ﴿لِنُفِقْ ذُو
سَعَدِيِّن سَعَيٍِّ﴾ [الطلاق: ٧]. ما عاب قومًا
ما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا، ولا
٣٤٠
موسوعة البقية
القرآن الكريم

الاجتماع
عذر قومًا زواها عنهم فعصوه(١).
فعلى المؤمن أن يجتنب تحريم الطيبات
التي أحلها الله له، وأن يتمتع بها بدون
إسراف أو تقتير، وأن يداوم على شكر الله
علی نعمه وآلائه، وأن يجعل جانبًا من هذه
النعم للإحسان إلى الفقراء والمحتاجين.
ويجب الحذر من التعامل مع نعم الله
عز وجل، إذ يعتبر کل إهمال أو تقصير أو
عدم استعمال جید لأي نعمة من نعم الله عز
وجل غبنا فيها، كأن يغبن الإنسان في وقته
وفي صحته وهما من أكبر النعم التي أنعم
الله عز وجل به علينا.
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبون
فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ)(٢).
أي: أن هاتين النعمتین إن لم يستعملهما
الإنسان وفق ما أراد الله فاستمتع بالصحة
واسترخى وأطال النوم ولم يقم بالواجبات
المطلوبة منه، واستمتع بالفراغ فأمضاه
باللهو واللعب، ونعمة الصحة لم يستفد منها
في الأعمال الصالحة التي تفيد المسلمین،
ونعمة الفراغ لم يستفد منها في طلب العلم،
تأخذه الحسرة والندامة يوم القيامة.
فالحدیث یشیر إلی أن الذي يوفق للعمل
(١) التفسير الوسيط، سيد طنطاوي ٤ / ٢٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الرقاق،
باب لا عيش إلا عيش الآخرة، ٨٨/٨، رقم
٦٤١٢.
الصالح، واستغلال أوقات الصحة والفراغ
إنما هم قليل، أما أكثر الناس فهم في خسارة
وفي ضياع، فكيف بمن له الاستطاعة وعنده
النعمة، وتجده يتقاعس ويتكاسل ويعلل
ذلك بعدم الاستطاعة وأن هذا ما يطيقه وأن
الله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان
صحیحًا ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش،
وقد یکون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا
اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو
المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة
وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة،
فمن استعمل فراغه وصحته فى طاعة الله
فهو المغبوط، ومن استعملهما في معصية
الله فهو المغبون، فالفراغ يعقبه الشغل،
والصحة يعقبها السقم(٣).
فعلى المرء استغلال هذه النعم فى طاعة
الله ما استطاع فقد قال المفسرون: المغبون
من غين أهله ومنازله في الجنة، ويظهر
يومئذ غبن كل كافر بترك الإيمان، وحسرة
كل مؤمن بتقصيره في الإحسان وتضييعه
الأيام (٤).
ولا يجب أن يكون نعم الله عز وجل
التي أنعمها علينا نقمًا، وقال الحسن وقتادة:
إن التغابن أي: ((الحسرة والندامة» في ثلاثة
(٣) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني ٢٣٠/١١.
(٤) انظر: عمدة القاري، العيني ١١١/٢٣.
www. modoee.com
٣٤١

حرف الألف
أصناف: «رجل علم علمًا فعلمه وضيعه هو
ولم يعمل به فشقي به، وعمل به من تعلمه
منه فنجا به، ورجل اكتسب مالًا من وجوه
يسأل عنها وشح عليه، وفرط في طاعة ربه
بسببه، ولم یعمل فيه خيرًا وترکه لوارثه،
فعمل ذلك الوارث فيه بطاعة ربه، ورجل
كان له عبد فعمل العبد بطاعة ربه فسعد،
وعمل السيد بمعصية ربه فشقي)»(١).
لذا علينا استخدام نعم الله عز وجل في
الطاعات وفي القربات وفي المعرفة، وفي
الطاعة، وفي الأعمال الصالحة، والوقت
والقوة في خدمة عباد الله و في معرفة الله،
وحضور مجالس العلم، وأداء الصلوات
الخمس بإتقان، وصوم رمضان، وحج
البيت الحرام، وأداء زكاة المال، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر.
من استعمل صحته وفراغه في طاعة الله
فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله
فهو النادم؛ لأن كل فراغ يعقبه انشغال وأن
كل صحة يعقبها مرض، ومن لم يشغل نفسه
بالحق شغلته بالباطل أما إذا استعد الإنسان
للقاء الله عز وجل، استغل النعم التي
أسبغها عليه من مال وصحة ووقت وعلم
وغير ذلك من النعم أعظم استغلال، فهو في
سعادة دائمة (٢).
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٣٧/١٨،
اللباب، ابن عادل الحنبلي ١٣١/١٩.
(٢) انظر: موسوعة الأخلاق، ياسر عبد الرحمن
إن الله سبحانه عادلٌ في أحكامه في
عباده، وإنه لا يكلفهم بما لا يطيقون،
ولا يطالبهم بالمستحيل، ولا يريد من
التشريعات إرهاق عباده، أو إيقاعهم في
العسر والحرج والإثم والتقصير، فإن الله
سبحانه قال: ﴿هُوَ أَجْتَبَنِكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ
فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْمُسْرَ وَلَا
يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وإن الله عليمٌ حكيم، لطيف خبير،
يعلم طاقة النفس الإنسانية ومقدار تحملها
و وسعھا.
وقال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اَللَّطِيفُ
الْخِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
ولذلك أوجب عليها التكاليف الشرعية،
وهو يعلم أنه بمقدور هذه النفس الالتزام
بها، وهو يعلم أنها كلها ضمن (وسعها)
وطاقتها؛ لذا كان من الواجب على من ملك
أدوات الاستطاعة أن يكون منصاعًا لأوامر
الله عز وجل دون تردد.
ومن الواضح من الآيات السابقة:
١. في واقعنا المعاصر نجد الشباب الذين
أعطاهم الله عز وجل أقوى مرحلة
الشباب التي هي مرحلة قوة بين
ضعفين الطفولة والشيخوخة، يضيع
الشباب وقته وصحته وماله في اللهو
٣٤٢
جوببو
القرآن الكريم
٢/ ٣٢٣.

الإجماع
والعبث وضعف التحصيل، فلا يهتم
بنعمة الوقت وهو جالس بالساعات
الطوال في الانترنت وشبكات التواصل
الاجتماعي، لا يأخذ وقتًا للعبادة ولا
لطلب العلم، ملك كل أدوات الصحة
ولا يستغلها الاستغلال الأمثل.
٢. من تمتع بنعمة الصحة والعافية وملك
الجوارح والمال عليه أن يبادر إلى
طاعة الله، وإلى التقرب إليه لئلا يتحسر
على هذه النعم، ويصعق يوم القيامة أن
كيف أمضى حياته في أعمال لا ترضي
الله عز وجل.
٣. علينا حمد الله عز وجل على النعم
التي حرم منها الكثيرون، ونحمده أن
جعل فينا القدرة على عبادته، فكم من
عاجز عن الحركة يتمنى أن يقوم لله
ساجدًا راكعًا، وكم من فاقد القدرة
على الكلام والسمع يتمنى أن يقرأ
القرآن ویذکر الله عز وجل بلسانه.
٤. الآيات القرآنية المتحدثة عن
الاستطاعة تطالب جميع المسلمين
الالتزام بكافة التكاليف الشرعية،
وتعلمهم أنه في وسعهم وطوقهم أن
يقوموا بهذا الالتزام؛ لأن الله هو الذي
يعلم مقدار تحملهم وطاقة قدرتهم،
ولذلك ألزمهم بها وهذه الآيات
تقرر حقيقةً هامةً في قواعد التشريع
الإسلامي، وهي أن هذا التشريع
بكافة جوانبه ومجالاته يراعى فيه
الطاقة والوسع، وهذا التشريع يتصف
بالسماحة واليسر، فلا عسر فيه ولا
حرج، وهذا كله من مظاهر فضل
الله على المسلمين، وإرادته اليسر
والرحمة والخير بهم، عندما كلفهم
بکل ما کلفهم به.
٥. ليس الإنسان هو الذي يحدد مقدار
استطاعته، ولا هو الذي يحدد صورة
الواجب بالنسبة له، ولكنه الشرع. إن
الله عز وجل هو الذي يعلم مقدار
الطاقة البشرية وحدود الاستطاعة فيها،
ولذلك جاءت الرخص في الدين في
بعض الحالات ولبعض الأشخاص،
مراعاة لبعض الأعذار والأحوال.
٦. ينبغي على المؤمن أن يحذر من
أن یتساوی یومه مع أمسه، فالإنسان
ينبغي أن يتطور وأن يكون في ازدياد
لكل ما يرضي الله عز وجل، ويستغل
النعم التي منحنا الله إياها في طاعته،
فالمؤمن الساعي في السير إلى الله
يعمل لاستمرار عمله حتى بعد
مماته فتجده ينشر العلم ويعمل على
صدقات الجارية ويربي أبناءه خير
تربية حتى يستمر أثره الإيجابي بعد
وفاته.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الألف
نفي الاستطاعة عما يعبد من دون الله
هناك من البشر من ظلم نفسه باتخاذه آلهة
من دون الله، يعبدونها ويقيمون لها الشعائر،
وهي لا تستطيع لنفسها نفعًا ولا ضرّا، فهم
إما يعبدون جمادات يحتار العقل في إمكانية
عبادتها، وإما يعبدون مخلوقات خلقها
الله عز وجل، مخلوقات ضعيفة لا تجلب
النفع لنفسها فضلًا عن جلبه لغيرها، بل هي
ضعيفة تحتاج إلى من يقوم على أمورها.
قال تعالى: ﴿وَأَّخَذُواْ مِن دُونِ ءَالِهَةً
لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ
لِأَنْفُسِهِمْ ضَرَّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا
حَيَوَةٌ وَلَا نُشُورًا ﴾ [الفرقان: ٣].
ففي هذه الآية تقريع للمشركين بعبادتهم
ما دون الله، وتنبيه لهم على موضع خطأ
فعلهم ببيان أن آلهتهم التي يعبدونها لا
تخلق شيئًا، بل هي مخلوقة ومع ذلك فهي لا
تملك دفع ضر عن نفسها، ولا جلب منفعة
إليها، ولا تملك إماتة ولا إحياء ولا بعثًا،
فهذه هي صفتها فهي لا تستحق العبادة(١).
وهذه الآيات كنظيراتها من الآيات التي
تؤكد أن الله هو الإله الواحد القادر، الذي
بيده ملكوت كل شيء وغيره من المعبودات
لا تضر ولا تنفع، ولا تسطيع فعل أي شيء.
قال تعالى: ﴿قُلّ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ
(١) انظر: موسوعة الصحيح المسبور من التفسير
بالمأثور، حكمت بن بشير بن ياسين ١٧٨/٣.
اللّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا نَفْعًاً وَاللَّهُ هُوَ
السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [المائدة: ٧٦].
ويقول عز وجل: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن
دُونٍ اَللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ﴾
[يونس: ١٨].
وفي استفهام مليء بالتقريع والتوبيخ،
یخاطب الله عز وجل الذين أشركوا به أن
کیف تجعلون لله شریگًا لا يخلق شيئًا،
ولا يقدر على نفع لهم ولا دفع عنهم، وهم
يُخلَقُون ولا يخلقون شيئًا، ولا يستطيعون
لمن جعلهم شركاء نصرًا إن طلبه منهم ولا
لأنفسهم أيضًا، فالمعبود الذي تجب عبادته
يكون قادرًا على إيصال النفع ودفع الضر،
وهذه الأصنام ليست كذلك، فكيف يليق
بالعاقل أن يعبدها، ومن عجز عن نصر نفسه
فهو عن نصر غيره أعجز(٢).
قال تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا
وَهُمْ تُخْلَقُونَ (١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَآَ
أَنْفُسَهُمْ يَنصُرُونَ ﴿ وَإِن تَّدْعُوهُمْ إِلَى
الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَهُ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ
صَمِتُونَ (٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ
اللَّهِ عِبَادُّ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُواْ
لَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَدِقِينَ ﴾ [الأعراف:
١٩١ - ١٩٤].
وقال تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
(٢) انظر: لباب التأويل، الخازن ٢/ ٢٨٢، فتح
القدير، الشوكاني ٢/ ٣١٣.
مَوَسُو ◌َةُ النَّفِي
القرآن الكريم
٣٤٤

الاجتماع
لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: ٢٠].
يبين الله هنا مدى عجز ما يعبدون من
دون الله، فهذه الآلهة لا تخلق شيئًا وهي
تُخلَق، فكيف يكون إلهًا وهو مصنوع لا
يملك لنفسه نفعا ولا ضرًا؟ فهم عاجزون
عن الخلق والتدبير ولا يعلمون شيئًا عن
كيفية الخلق وتدبير أمور العباد (١).
وفي هذه الآيات ندد كتاب الله بسخافة
المشرکین وصغر أحلامهم، فهم يعبدون
أصنامًا من دون الله، يتوجهون إلى من لا
یملك لهم رزقًا، ولا یستطیع لهم ضرًا ولا
نفعًا.
قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا
يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا
يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣].
فأولئك الشركاء لا يستطيعون أي قدر
من الاستطاعة في النفع فضلًا عن الضر،
وعبادة الأصنام والأوثان، بدلًا من أن يعبدوا
خالقهم ورازقهم، ويفردوه بالعبادة والطاعة
دون سواه (٢).
وإلى ذلك يشير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوَّثَنَّا وَتَخْلُقُونَ إِفْكَأْ
إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ
لَكُمْ رِزْقًا فَأَبْنَغُواْ عِندَ اللَّهِ الْرِزْفَ وَأَعْبُدُوهُ
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١٤ / ١٩٦.
(٢) انظر: التفسير الوسيط للقرآن الكريم، مجمع
البحوث ٥/ ٦٥٥.
وَأَشْكُرُواْ لَهُهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: ١٧].
فالذين تعبدون أيها السفهاء من دون
الله لا يملكون لكم رزقًا، لا يقدرون
أن يرزقوكم أبدًا، فاطلبوا الرزق من الله
واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون(٣).
ویین الله مدى ضعف ما يعبدون من دونه
فضرب مثلاً قائلًا: ﴿بَأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ
مَثَلُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُمْ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ
مِن دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُواْ ذُبَابًا وَلَوِ أَجْتَمَعُواْ لَّهِّ.
وَإِن يَسْتُهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهٌ
ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج: ٧٣].
قال القرطبي: ((وخص الذباب هنا لأربعة
أمور: لمهانته، وضعفه، واستقذاره، وكثرته،
فإذا كان هذا الذي هو أضعف الحيوان
وأحقره لا يقدر من عبدوه من دون الله عز
وجل على خلق مثله ودفع أذيته، فكيف
يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابًا
مطاعين، وهذا من أقوى حجة وأوضح
برهان))(٤).
وقال ابن عباس: «كانوا يطلون الأصنام
بالزعفران، فإذا جف جاء الذباب واستلب
منه شيئًا، فأخبر الله تعالى أن الأصنام لا
يستنقذون من الذباب ما استلبه)) (٥).
ونظير ذلك تشبيهه تعالى لمن اتخذ غير
الله معبودًا کالعنكبوت التي تتخذ بيتًا واهنا؛
(٣) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٣/ ٥٥٣.
(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ٩٧.
(٥) تفسير القرآن، السمعاني ٣ / ٤٥٦.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الألف
ليكون ملاذها، فهي تبني وتجتهد وأمرها ضر، فكيف يكونون آلهة تعبد؟(٣).
كلها ضعيف متى مسته أدنى هابة أذهبته،
فكذلك أمر أولئك المشركين وسعيهم
مضمحل لا قوة له ولا معتمد(١).
قَلِ أَدْعُواْ
ونظير ذلك قوله تعالى:
الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّنِ دُونِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ
عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٥٦].
قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ أَخَذُواْ مِنْ
دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ اَلْمَنكَبُوتِ
اَّخَذَتْ بَيْئاً وَإِنَّ أَوْهَنَ اُلْبُيُوتِ لَبَيْتُ
اَلْعَنْكَبُوتِّ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾
[العنكبوت: ٤١].
قال تعالى: ﴿قُلِ أَدْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم ◌ِّن
دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّوْ فِي
السَّمَوَتِ وَلَا فِ الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرَاءِ
وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
وهنا وجه الله الخطاب إلی نبیه، آمرًا
إياه أن يتحدى المشركين الذين يزعمون
آلهة أخری غیر الله سبحانه وتعالى، بأن
یطلب منهم دعوة شر کائهم الذين يتمسكون
بعبادتهم، ويعلقون عليهم الآمال بالعون
والغيث، مسجلًا على أولئك الشركاء
العجزة المفاليس، فقرهم المدقع وعجزهم
التام(٢).
إذا كانوا من العجز والعوز لا يملكون وزن
ذرة في السماوات ولا في الأرض من خير
أو شر، ولا يستطيعون جلب نفع ولا دفع
(١) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٤ / ٣١٨.
(٢) انظر: التيسير في أحاديث التفسير، محمد
الناصري ٥/ ١٨٩.
وفي تساؤل منطقي تطرحه الآية الكريمة
عن هؤلاء الشركاء، عن أي جزء من الأرض
استبدوا بخلقه، وما سندهم في عبادتهم؟
أم لهم شرك في السماوات أم لهم شركة
مع الله في خلق السماوات بكل ما فيها
من عظمة تدل على قدرة الخالق فاستحقوا
بذلك شركة في الألوهية وأن يعبدوا، بل لا
شيء من ذلك، فبطل استحقاقها للعبادة (٤).
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَءَ يْتُمْ شُرَّكَاءَ كُمُّ الَّذِينَ
تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِ مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الْأَرْضِ
أَمْلَهُمْ شِرِكُ فِ السَّمَوَتِ أَمْ ءَاتَيْنَهُمْ كِنَبًا فَهُمْ عَلَى
بَّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِن يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا
غُرُورًا﴾ [فاطر: ٤٠].
إن دعوة الحق تختص به تعالى،
والمقصود بالدعوة الحق، توحيد الله
وشهادة أن لا إله إلا الله(٥).
أما دعوة غيره من الأصنام والحيوانات
فالآية تبين حال آلهتهم الحقيقي، وأنهم والكواكب هي دعوة باطل، وهذه الآلهة
التي يدعونهم من دون الله، لا يجيبونهم
(٣) انظر: التفسير الوسيط، مجمع البحوث ٨٪
٢٦٥.
(٤) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ٢٦١،
البحر المديد، ابن عجيبة ٤ / ٥٥٠.
(٥) انظر: جامع البيان، الطبري ١٦/ ٣٩٧.
مُبُوالَةُ النَِّيَّة
القرآن الكريم
٣٤٦

الاجتماع
بشيء یریدونه من نفع أو دفع ضر، و في
الآية تشبيه لكل من يتوقع من هذه الأصنام
الاستجابة وتحقيق أي أمل يرجوه، إلا
استجابة کاستجابة الماء لمن بسط کفیه إليه،
يطلب منه أن يبلغ فاه، والماء جماد لا يشعر
ببسط كفيه، ولا بعطشه ولا يقدر أن يجيب
دعاءه أو يبلغ فاه، وكذلك ما يدعونه جماد
لا یحس بدعائهم ولا یستطیع إجابتهم، ولا
يقدر على نفعهم(١).
قال تعالى: ﴿لَهُّ دَعْوَةُ اَلِّْ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن
دُونِ، لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّ كَبَسِطِ كَفَيْهِ إِلَى
اَلْمَآءِ لِيَلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَلِهٍ، وَمَا دُعَاءُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى
ضَّلَالٍ﴾ [الرعد: ١٤].
يتضح من الآيات السابقة ما يلي:
١. إن الله وحده هو القادر على النفع
والضر وليس لأي أحد هذه القدرة لا
ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غني
بأمواله ولا صاحب سلطة بقراراته.
٢. ليست فقط الأصنام هي التي تعبد
من دون الله وهي لا تملك لنفسها
فضلاً عن غيرها نفعًا أو ضرًا، فهناك
من يعبد البشر وقوانينهم الوضعية
ويقدمونها على القوانين الإلهية بزعم
أنها تملك حلولًا لمشاكل البشر على
هذه الأرض، هذه القوانين التي أثبتت
ضعفها وفشلها في حل المشاكل، ويقر
(١) انظر: لباب التأويل، الخازن ٣/ ١١.
الغرب أخيرًا أن التشريعات الإلهية
وحدها هي القادرة على تغيير مجرى
العالم وخاصة بعد انهيار الاقتصاد
العالمي بسبب البنوك الربوية.
٣. إن الله عز وجل هو الرازق الكريم
الذي یرزق عباده دون حساب، فعنده
خزائن السموات والأرض ولا ينقص
رزقه لعباده شيئًا إلا كغمس المخيط في
مياه البحر، فعلينا ألا نقلق على رزقنا؛
لأنه بید حکیم علیم یرزق البر والفاجر
المؤمن والكافر.
موضوعات ذات صلة:
السعة، العبادة
www. modoee.com
٣٤٧