Indexed OCR Text

Pages 21-40

الآخذ
الطائفتين الإجابة إلی حکم کتاب الله
له، وعليه وتعدت ما جعل الله عدلًا بين
خلقه، وأجابت الأخرى منهما ﴿فَقَئِلُواْ الَّتِى
تَبْغِى﴾ يقول: فقاتلوا التي تعتدي، وتأبى
الإجابة إلى حكم الله ﴿حَّى تَفِىّءَ إِلَى أَمْرِ
اللَّهِ﴾ يقول: حتى ترجع إلى حكم الله الذي
حكم في كتابه بين خلقه ﴿فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا بِالْعَدّلِ﴾ يقول: فإن رجعت الباغية
بعد قتالكم إياهم إلى الرضا بحكم الله في
كتابه، فأصلحوا بينها وبين الطائفة الأخرى
التي قاتلتها بالعدل: یعني بالإنصاف بينهما،
وذلك حكم الله في كتابه الذي جعله عدلًا
بین خلقه(١).
ويقول تعالى ذكره لأهل الإيمان به
﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ في الدين ﴿فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ إذا اقتتلا بأن تحملوهما على
حكم الله وحکم رسوله، ومعنی الأخوين
في هذا الموضع: كل مقتتلين من أهل
الإيمان، وبالتثنية قرأ قراء الأمصار، وذكر
عن ابن سيرين أنه قرأ بين إخوانكم بالنون
على مذهب الجمع، وذلك من جهة العربية
صحيح، غير أنه خلاف لما عليه قراء
الأمصار ﴿وَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُوْنُرْحَمُونَ﴾ يقول
تعالى ذكره: وخافوا الله أيها الناس بأداء
فرائضه عليكم في الإصلاح بين المقتتلين
(١) جامع البيان، الطبري ٣٨٦/١١.
عَلَى الْأُخْرَى﴾ يقول: فإن أبت إحدى هاتين من أهل الإيمان بالعدل، وفي غير ذلك
من فرائضه، واجتناب معاصيه، ليرحمكم
ربكم، فيصفح لكم عن سالف إجرامكم إذا
أنتم أطعتموه، واتبعتم أمره ونهيه، واتقيتموه
بطاعته(٢).
تنبيهات:
الأول: الاقتتال لا يكون إلا للميل إلى
الدنيا، والركون إلى الهوى، والانجذاب
إلى الجهة السفلية، والتوجه إلى المطالب
الجزئية، والإصلاح إنما يكون من لزوم
العدالة في النفس التي هي ظل المحبة،
التي هي ظل الوحدة، فلذلك أمر المؤمنون
الموحدون بالإصلاح بينهما، على تقدير
بغيهما، والقتال مع الباغية على تقدير بغي
إحداهما، حتى ترجع؛ لكون الباغية مضادة
للحق، دافعة له.
الثاني: في الآية وجوب الصلح بين أهل
العدل والبغي، وقتال البغاة وهو شامل لأهل
مکة کغیرهم، وأن من رجع منهم وأدبر لا
يقاتل، لقوله حتى تفيء.
الثالث: في الآية فوائد: منها أنهم لم
يخرجوا بالبغي عن الإيمان، وأنه أوجب
قتالهم، وأنه أسقط عنهم التبعة فيما أتلفوه
في قتالهم، وإجازة كل من منع حقًا عليه،
ووجوب معاونة من بغي عليه، لقوله:
﴿فَقَتِلُواْ﴾ [الحجرات: ٩].
(٢) المصدر السابق، ٣٨٩/١١.
www. modoee.com
١٥٧

حرف الألف
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ
وعلى وجوب تقديم النصح، لقوله: تعالى:
أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠].
فأصلحوا بينهما، وعلى السعي في
المصالحة، وذلك ظاهر.
الرابع: وجه الجمع في اقتتلوا، مع
أنه قد يقال: مقتضى الظاهر (اقتتلتا) هو
الحمل على المعنى دون اللفظ؛ لأن
الطائفتين في معنى القوم والناس، والنكتة
في اعتبار المعنی أولًا، واللفظ ثانیًا عكس
المشهور في الاستعمال، ما قيل: إنهم أولًا
في حال القتال مختلطون مجتمعون، فلذا
جمع أولًا ضميرهم، وفي حال الإصلاح
متميزون متفارقون، فلذا ثنى الضمير ثانيًا
وسر قرن الإصلاح الثاني بالعدل، دون
الأول؛ لأن الثاني لوقوعه بعد المقاتلة
مظنة للتحامل عليهم بالإساءة، أو الإبهام
أنهم لما أحوجوهم للقتال استحقوا الحيف
عليهم(١).
وقوله: ﴿وَإِن طَآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: ٩].
فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على
أن غیرهم لیس کذلك كما هو ظاهر(٣)،
وقوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ
بينِكُمْ﴾ [الأنفال: ١ ] یدل على أن من رجا
صلاح ما بين متعاديين من المؤمنين أن عليه
الإصلاح بينهما (٤).
و﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، أي: لا أخوة إلا بين
المؤمنین، وأما بين المؤمن والكافر فلا؛ لأن
الإسلام هو الجامع ولهذا إذا مات المسلم
وله أخ كافر يكون ماله للمسلمين ولا
يكون لأخيه الكافر، وأما الكافر فكذلك؛
لأن في النسب المعتبر الأب الذي هو أب
شرعًا، حتى أن ولدي الزنا من رجل واحد
وهذه الآية فيها دلالة قوية على تقرر لا يرث أحدهما الآخر، فكذلك الكفر
كالجامع الفاسد فهو كالجامع العاجز لا
يفيد الأخوة، ولهذا من مات من الكفر-
أي: أهل الكفر- وله أخ مسلم ولا وارث
له من النسب لا يجعل ماله (أي: لا يترك
إرثه ليتقوى به الكفار فيأخذه أخوه المسلم
لا للإرث ولكن لينفق في مصالح المسلمين
غیر المحترمة والله أعلم) للكفار، ولو كان
وجوب الأخوة بين المسلمين(٢).
والمراد بالناس المرغب في الإصلاح
بینهم في قوله تعالى: ﴿﴿لَاخَيْرَفِیڪَثیرِ
مِّن نَّجْوَئُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ
إِصْلَحِ بَيْنَ النَّاسِّ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَآءَ
مَرْ ضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ تُؤْنِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا
[النساء: ١١٤] هم المسلمون خاصة، كقوله
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٤٢٨/٨.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٩/ ٢٤٣.
(٣) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ١/ ٣٠٧.
(٤) أحكام القرآن، الجصاص ٢٨٥/٥.
١٥٨
مَوَسُولَة البقية
القرآن الكريم

الأرض
الدین یجمعهم لکان مال الكافر للكفار، کما
أن مال المسلم للمسلمین عند عدم الوارث،
فإن قيل: قد ثبت أن الأخوة للإسلام أقوى
من الأخوة النسبية، بدليل أن المسلم يرثه
المسلمون ولا یرثه الأخ الكافر من النسب،
فلم لم يقدموا الأخوة الإسلامية على الأخوة
النسبية مطلقًا حتى يكون مال المسلم
للمسلمين لا لأخوته من النسب؟ نقول:
هذا سؤال فاسد؛ وذلك لأن الأخ المسلم إذا
کان أخا من النسب فقد اجتمع فيه أخوتان
فصار أقوى والعصوبة لمن له القوة، ألا ترى
أن الأخ من الأبوين يرث ولا يرث الأخ من
الأب معه فكذلك الأخ المسلم من النسب
له أخوتان فیقدم على سائر المسلمين، والله
أعلم (١).
وقد قال ابن عباس رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أتى
مکان كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا، فله كذا
تحت الرایات، فلما فتح الله علیھم، جاؤوا
يطلبون ما قد جعل لهم النبي عليه الصلاة
والسلام، فقال لهم الأشياخ: لا تذهبون
به دوننا، فإنا کنا ردًا-أي: معینین- لکم،
فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١](٢).
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/ ١٨٣.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الصلح،
ذکر السبب الذي من أجله أنزل الله(وأصلحوا
ولو اختصم الإخوة ولم يعلم بهم
أحد ولم يصلوا إلى نتيجة، فينبغي عليهم
البحث عن المصلحين وإشهار القضية فيهم
ليتمكنوا من الإصلاح فيها، وهذا كما ذكره
الله -عن المختصمين الذين جاءا داود عليه
السلام ليصلح بينهم - بقوله: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِى
لَهُ، تِسْعُ وَتَسْعُونَ نَّعْمَةٌ وَلِ تَعْجَةٌ وَحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا
وَعَزَّبِى فِ اْخِطَابِ ﴾ [ص: ٢٣].
فنص على الأخوة في الدين أو النسب
أو الصداقة، لاقتضائها عدم البغي، وأن بغيه
الصادر منه أعظم من غيره (٣).
والمراد أخوة الدين، أو أخوة الصداقة
والألفة، أو أخوة الشركة والخلطة، لقوله
تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَِّ لَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى
بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٤].
كل واحدة من هذه الأخوات تدلي بحق
مانع من الاعتداء والظلم (٤).
والأصل أن رسول الله صلى الله عليه
وكذا)) فتسارع إليه الشبان، وبقي الشيوخ وسلم بين لأمته منهج الأخوة الصحيح،
بأسهل الأمور ابتداءً من طلاقة الوجه، إلى
نهيه عن المعاملات التي تضر بالأخوة
ليكونوا عباد الله إخوانًا، فجعل في هذا
قاعدة أساسية ذكرها بقوله صلى الله عليه
وسلم: (سباب المسلم فسوق، وقتاله
ذات بينكم)، رقم ٤٩١/١١،٥٠٩٣.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٨٣٦.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٣٢٣/٣.
www. modoee.com
١٥٩

حرف الألف
كفر)(١).
وقد أكد رسول الله صلى الله عليه
وسلم حقوق الأخوة بين المسلمين في
حرمة دمائهم وأعراضهم وأموالهم يوم والمراد بها الإنشاء، وهذا النهي الأكيد،
والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله، وإيراد
الإنشاء بلفظ الخبر أقوى وأوكد، من إيراده
الإنشاء (٤).
النحر فكانت قاعدة عظيمة يسير عليها أهل
الإيمان في إخوتهم، ويحافظ عليها جميع
المسلمين في تعاطفهم ومودتهم(٢).
خامسًا: الولاء والنصرة:
مما لا شك فيه أن الأخوة أصل الولاء،
وقد بيّن الله الولاء الحقيقي ولمن يكون
فقال عز وجل: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ
بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآَدُونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، وَلَوْ كَانُواْ ءَابَآءَ هُمْ أَوْ أَبْنَآءَ هُمْ
أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ
فِي قُلُوبِهِمُ آلْإِيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِنْهٌ
وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَّجْرِى مِن ◌َِّنِهَا آَلْأَنْهَرُ
خَلِدِينَ فِيهَا رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ
أُوْلَئِكَ حِزْبُ اَللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
[المجادلة: ٢٢].
٢٢
فلا تجد یا محمد قومًا يصدقون الله،
ويقرون باليوم الآخر يوادون من حاد الله
ورسوله وشاقهما وخالف أمر الله ونهيه
﴿وَلَوْ كَانُوْ ءَابَآءَهُمْ﴾ يقول: ولو كان
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا
يشعر، رقم ٤٠/١،٤٨.
(٢) انظر: فتح الباري، ابن حجر ٢١٤/١.
الذين حادوا الله ورسوله آباءهم ﴿أَوْ
أَبْنَاءَ هُمْ أَوْ إِخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَّهُمْ﴾(٣).
ووردت هذه الآية الكريمة بلفظ الخبر،
فكأنك تقول: إن هذا بين الإخوة يكون
أُو لا یکون إن کان خبرًا، لكنه جاء بلفظٍ
إنشائي يفيد النفي، وهو أن المؤمن الحق لا
یواد أخاه في شيء مع محادته لله عز وجل.
فروابط الدم والقرابة هذه تتقطع عند
حد الإيمان: إنها يمكن أن ترعى إذا لم تكن
هناك محادة وخصومة بين اللوائين: لواء
الله ولواء الشيطان، والصحبة بالمعروف
للوالدین المشر کین مأمور بها حین لا تكون
هناك حرب بين حزب الله وحزب الشيطان،
فأما إذا كانت المحادة والمشاقة والحرب
والخصومة فقد تقطعت تلك الأواصر التي
لا ترتبط بالعروة الواحدة وبالحبل الواحد،
ولقد قتل أبو عبيدة أباه في يوم بدر، وهمَ
الصديق أبو بكر بقتل ولده عبد الرحمن،
وقتل مصعب بن عمير أخاه عبيد بن عمير،
وقتل عمر وحمزة وعلي وعبيدة والحارث
أقرباءهم وعشيرتهم، متجردين من علائق
(٣) جامع البيان، الطبري ١٠/ ٢٥٧.
(٤) أضواء البيان، الشنقيطي ٧ / ٥٦٦.
١٦٠
مُؤَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم

الأرض
الدم والقرابة إلى آصرة الدين والعقيدة،
وكان هذا أبلغ ما ارتقى إليه تصور الروابط
والقيم في ميزان الله(١).
فهذا أصل في الولاء والنصرة وأنها كائنة
بين العشيرة ومنهم الإخوان، شريطة الإيمان
﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَايِهِمْ
بالله واليوم الآخر،
هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَ هُمْ
فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا تَحِيمًا ﴾
[الأحزاب: ٥].
يقول الله تعالى ذكره: انسبوا أدعياءكم
الذين ألحقتم أنسابهم بكم لآبائهم، يقول
لنبيه محمد صلی الله عليه وسلم: ألحق
نسب زيد بأبيه حارثة، ولا تدعه زيد بن
محمد.
وقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ﴾ يقول:
دعاؤكم إياهم لآبائهم هو أعدل عند
الله، وأصدق وأصوب من دعائكم إياهم
لغير آبائهم ونسبتكم لهم إلى من تبناهم
وادعاهم وليسوا له بنين، فعن قتادة في قوله:
﴿أَدْعُوهُمْ لِّبَآِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾: أي
أعدل عند الله.
وقوله:
فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِكُمْ﴾ يقول تعالى
ذكره: فإن أنتم أيها الناس لم تعلموا آباء
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ١٥٥/٧.
أدعيائكم من هم فتنسبوهم إليهم، ولم
تعرفوهم، فتلحقوهم بهم، ﴿فَإِخْوَنُكُمْفِى
آلِینِ ﴾ يقول: فهم إخوانكم في الدین، إن
كانوا من أهل ملتكم، ومواليكم إن كانوا
محرریکم ولیسوا بینیکم(٢).
ثم صرح لهم بترك الحالة الأولى،
المتضمنة للقول الباطل فقال:
أَدْعُوهَمْ
أي: الأدعياء ﴿لِأَّبَابِهِمْ﴾ الذين ولدوهم
﴿هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللّهِ﴾ أي: أعدل، وأقوم،
وأهدى.
﴿فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ ءَابَآءَ هُمْ ﴾ الحقيقيين
﴿فَإِخْوَنُكُمْ فِ الدِّينِ وَمَوَلِيَكُمْ﴾ أي:
إخوتكم في دين الله، ومواليكم في ذلك،
الإيمانية الصادقة،
فادعوهم بالأخوة
والموالاة على ذلك، فترك الدعوة إلى من
تبناهم حتم، لا يجوز فعلها.
وأما دعاؤهم لآبائهم، فإن علموا، دعوا
إليهم، وإن لم يعلموا، اقتصر على ما يعلم
منهم، وهو أخوة الدين والموالاة، فلا
تظنوا أن حالة عدم علمكم بآبائهم، عذر
في دعوتهم إلى من تبناهم؛ لأن المحذور لا
يزول بذلك(٣).
فالنصرة والولاء للأخوة في الدين،
﴿فَإِنِ لَّمْ تَعْلَمُوَاْ ءَابَآءَهُمْ أما ما عداهم فلا أخوة لهم ولا نصرة ولا
ولاء، والباب متسع للجميع؛ لأن المؤمنين
(٢) جامع البيان، الطبري ١٢/ ٢٦.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٧٧٣.
www. modoee.com
١٦١

حرف الألف
والمؤمنات بعضهم أولياء بعض.
ولو لم يعلم آباؤهم فهم إخوة في الدين؛
لأن هذه الأخوة كفى بها شرفًا، ويكفي
المؤمنين هذه العزة التي من الله بها عليهم.
العلاقات الاجتماعية بين الإخوة
ذكر القرآن الكريم -من خلال الحديث
عن الأخوة والعلاقات التي تكون بين
الإخوة- أمورًا بين فيها بعض الأحكام التي
تضبط العلاقات الاجتماعية وتجعلها تسير
بيسر وسهولة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ
يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِ مِنَّ وَيَحْفَظْنَ فَرُوجَهُنَّ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَاً
وَلْيَضْرِيْنَ بِخُمُرِ مِنَّ عَ جُوبِنٌّ وَلَا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَّبِهِنَ أَوْ
ءَبَآٌهِ بُعُولَتِهِنَ أَوْ أَبْنَابِهِنَ أَوْ أَبْنَآءِ
بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَنِهِنَّ أَوْ بَنِيّ إِخْوَفِهِنَّ أَوْ
بَنِيَ أَخَوَتِنَّ أَوْ نِسَابِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ
أَوِ التَّبِعِينَ غَيْرِ أُوْلِىِ الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ
الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى عَوْرَتِ النِّسَاءِ
وَلَا يَضْرِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن
زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ اَلْمُؤْمِنُونَ
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [النور: ٣١].
أي: لأن هؤلاء محارمهن الذين تؤمن
الفتنة من قبلهم (١).
وكل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن
تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج(٢).
فالإخوان ها هنا: أشقاء، أو لأب، أو
(١) محاسن التأويل، القاسمي ٣٩٢/٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٠٦/٣.
١٦٢
جوبي
القرآن الكريم

الأرض
لأم(١)، أو بالرضاع؛ لأنه لم يحدد الأخوة بأكل من يدخل عليهم من الأقارب(٣)، أباح
الله لهم الأكل في بيوتهم متى أرادوا.
بالنسب، فيدخل الإخوة من الرضاع فيهم.
فيجوز للمرأة أن تكشف على أخيها
وأبنائه وأبناء أخواتها ولو سفلوا؛ لأنهم في
الحكم سواء وهم محارم المرأة في هذه
الحالة، وهذا لرفع الحرج عنهم وعنهن
ولاحتياج ذلك في الزيارات والمناسبات
ولقاء بعضهم البعض.
وقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ
وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ
وَلَ عَلَ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُواْ مِنْ بُيُوتِكُمْ
أَوْ بُيُوتِ ءَابَآَبِكُمْ أَوْ بُوتِ أُمَّهَئِكُمْ أَوْ
بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَتِكُمْ أَوْ
بُيُوتٍ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَنَّتِكُمْ
أَوْ بُيُوتِ أَخْوَ لِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ خَلَيْكُمْ أَوْ
مَا مَلَكْتُم مَّفَائِحَهُ: أَوْ صَدِيقِكُمْ
لَيْسَ عَلَيَكُمْ جُنَاحُ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعًا
أَوْ أَشْتَائً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُنَا فَسَلِّمُواْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ
تَجِيَّةً مِنْ عِندِ اللَّهِ مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ
كَذَلِكَ يُبَيِّبُّ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١)﴾ [النور: ٦١].
کان الرجل یدخل بيت أبيه أو أخيه أو
ابنه، فتتحفه المرأة بشيء من الطعام، فلا
يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم(٢).
ولما علم بالعادة أن هؤلاء تطيب نفوسهم
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٦٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٣٢٤/٣.
وهؤلاء معروفون (٤)، فهم أهل بيت
واحد وإن تباعدت بهم الديار.
وكذلك في شأن الحجاب قال الله:
﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْهِنَ فِّ ءَابَكِنَّ وَلَا أَبْنَابِهِنَّ وَلَا
إِخْوَبِنَّ وَلَا أَنَّ إِخْوَنِنَّ وَلَآَ أَبْنَاءِ أَخَوَتِهِنَّ وَلَا
نِسَاءِهِنَ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنُّ وَأَتَّقِينَ آللَّهُ
إِنَّ اللَّهُ كَانَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدًا )﴾
[الأحزاب: ٥٥].
فلما أمر تبارك وتعالى النساء بالحجاب
من الأجانب، بين أن هؤلاء الأقارب لا
يجب الاحتجاب منهم(٥)؛ لأنهم ذوو أرحام
أصيلة وأخوة صحيحة.
ولما نزلت آية الحجاب شق عليهن-
نساء النبي صلى الله عليه وسلم- وعلى
النسوان وعلى الرجال في الاستتار، فأنزل
الله عز وجل هذه الآية للرخصة في نظر
هؤلاء إلى النساء، ورؤية النساء لهم على
تفصيل الشريعة (٦).
(٣) تفسير المراغي ٦/ ١٣٦ .
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٦٧٣.
(٥) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/ ١٥٠٠.
(٦) لطائف الإشارات، القشيري ١٦٩/٣.
www. modoee.com
١٦٣

حرف الألف
فوائد من قصص الإخوة في القرآن
أولًا: قصة يوسف وإخوته:
هو: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن
إبراهيم عليهم السلام.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: من أكرم
الناس؟ قال: (أُکرمهم أتقاهم)، قالوا: يا
نبي الله، لیس عن هذا نسألك، قال: (فأكرم
الناس یوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي
الله، ابن خليل الله ... ) الحديث(١).
وهو أحد أبناء يعقوب، وله شقیق واحد،
والباقون إخوته من أبيه(٢).
مكانته عند والده:
کان یوسف وأخوه بنیامین من أم واحدة،
وكان يعقوب شديد الحب ليوسف، وكان
إخوة يوسف يرون منه من الميل إليه ما لا
يرونه لأنفسهم(٣).
وجعلوا أخاه معه في مرتبة الحب عند وكانوا أحد عشر رجلًا سواه، والشمس
أبیھم.
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب (أم كنتم شهداء ... )، رقم
٣٣٧٤، ٠١٠٤٢/٢
(٢) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ٣٥٠/١ وقال:
((وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن
فيهم نبي غيره، وباقي إخوته لم يوح إليهم،
وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه
القصة يدل على هذا القول)).
(٣) معالم التنزيل، البغوي ٢٥٨/٣.
وهذا ما جعلهم يحسدون يوسف، وبيَن
الله ما آل إليه أمرهم في الحسد وتشاورهم
في التخلص منه، حتى اتفق الجميع على
مشورة ﴿قَالَ قَايِلٌ مِنْهُمْ لَا نَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ
فِي غَيَبَتِ الْجُبِّ يَلْتَفِظُهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ
فَعِلِينَ (١٠)
﴾ [يوسف: ١٠].
رؤيا يوسف عليه السلام:
﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِنِّ رَأَيْتُ
أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ
سَجِدِينَ ، قَالَ يَبُنَّ لَا نَقْصُصْ رُهْيَاكَ عَلَى
إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَنِ
عَدُوٌّ مُبِينٌ ، وَكَذَلِكَ يَجْنَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ
مِن تَأْوِيلِ آلْأَحَادِيثِ وَيُتِؤُّ نِعْمَتَهُ, عَلَيْكَ وَعَلَى
ءَالِ يَعْقُوبَ كَمَآ أَتَّقَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَهِيَمَ
وَإِسْمَقََّانَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [يوسف:٤-
٦].
تكلم المفسرون على تعبير هذا المنام
أن الأحد عشر كوكبًا عبارة عن إخوته،
والقمر عبارة عن أمه وأبيه ... فخشي يعقوب
عليه السلام أن يحدث بهذا المنام أحدًا من
إخوته فيحسدونه على ذلك، فيبغون له
الغوائل حسدًا منهم له، ولهذا قال له: ﴿لَا
نَقْصُصْ رُهْ يَاكَ عَلَىَ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا﴾
[يوسف: ٥].
أي: يحتالوا لك حيلة يردونك فيها (٤).
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩٤٧/٢.
١٦٤
لِلْقُرَآن الكَرِيمِ

الأرض
وإنما قال يعقوب ذلك؛ لأنه قد كان تبين السلام إلى الديار المصرية يمتارون(٣)
طعامًا، وذلك بعد إتيان سني الجدب
وعمومها على سائر العباد والبلاد.
له من أخوته قبل ذلك حسدًا(١).
فكان ما قرروه من الخروج به، ورميه
في البئر، والكذب على والدهم، فتولى الله
أمره، فصار معبرًا للرؤى، ومكن الله له في
الأرض حتى صار حفيظًا على خزائن مصر
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ
لَ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١].
وقد نبهنا رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى لا نقع في مثل هذا، فعن أنس بن
مالك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا،
وكونوا عباد الله إخوانًا، ولا يحل لمسلم
أن یھجر أخاه فوق ثلاث ليال»(٢)، فبین لنا
أن الوصول إلى الإضرار بالإخوة لا يأتي إلا
بالتدرج، فمن تنبه لخطوات الشيطان أول
الأمر عاد إلى رشده وعرف حق أخيه، ومن
اتبع خطوات الشيطان وترك الهدي القويم
ضل عن الحق وتدرجت به الخطوات؛ حتى
توصله إلى الإضرار بإخوانه ومخالفة أمر
الله ورسوله.
وصول إخوة يوسف عليه السلام
و دخولهم علیه:
يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف عليه
(١) جامع البيان، الطبري ٧ / ١٥٠.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأدب،
باب فيمن يهجر أخاه المسلم، رقم ٤٩١٠،
٠١٣٥/٥
وكان يوسف عليه السلام إذ ذاك الحاكم
في أمور الديار المصرية دینًا ودنيا.
فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه؛
لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار إليه يوسف
عليه السلام من المكانة والعظمة، فلهذا
عرفهم وهم له منکرون.
﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِمِمْ﴾ [يوسف: ٥٩].
أي: أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته؛
من إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه
﴿قَالَ أَثْنُونِ يِأَخْ لَّكُمْ مِنْ أَبِكُمْ﴾ [يوسف: ٥٩].
و کان قد سألهم عن حالهم، و کم هم؟
فقالوا: کنا اثني عشر رجلًا، فذهب منا واحد
وبقي شقيقه عند أبينا.
فقال: إذا قدمتم من العام المقبل فأتوني
به معکم.
﴿أَلَا تَرَوَّنَ أَنَّ أُوْفِي الْكَيْلَ وَأَنَاْ خَيْرُ
اَلْمُنْزِلِينَ﴾ [يوسف: ٥٩] أي: قد أحسنت
نزلكم وقراكم، فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم
إن لم يأتوه به فقال: ﴿فَإِ لَّمْ تَأْتُونِ ◌ِهِ، فَلَكَيْلَ
لَكُمْ عِنْدِى وَلَا نَقْرَبُونِ ﴾ [يوسف: ٦٠]
أي: فلست أعطيكم ميرة، ولا أقربكم
بالكلية، عكس ما أسدى إليهم أولًا.
(٣) أي: يأتون بالطعام، والمائر: هو الذي يأتي
بالطعام.
انظر: فتح القدير، الشوكاني ٣/ ٤٣.
www. modoee.com
١٦٥

حرف الألف
فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا
يَعْلَمُونَ (٦٨)
بالترغيب والترهيب.
﴿قَالُوْسَنُرَوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ﴾ [يوسف: ٦١].
أي: سنجتهد في مجيئه معنا وإتیانه إليك
بکل ممکن.
﴿وَإِنَّا لَفَعِلُونَ ﴾ [يوسف: ٦١].
أي: وإنا لقادرون على تحصيله.
ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي فعاملهم بما يرضي الله لينال من الله ما
ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة، في
أمتعتهم من حیث لا يشعرون بها.
﴿فَلَمَّا رَجَمُواْ إِلَىَ أَبِهِمْ قَالُواْ يَتَأَنَا مُنِعَ
مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ
وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ ﴿ قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ
إِلَّا كَمَآ أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلٌ فَاَللَّهُ
خَيْرٌّ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ آ وَلَمَّا فَتَحُواْ
مَتَعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمّ
قَالُواْ يَتَأَبَنَا مَا نَبْغِىّ هَذِهِ، بِضَعَثْنَا رُدَّتْ
إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ
بَعِيْرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ ﴿ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ.
مَعَكُمْ حَّ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْنُنَِّى بِهَ إِلَّ
أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَآ ءَاتَوْهُ مَوْنِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا
نَقُولُ وَكِلٌ ﴿ وَقَالَ يَبَنِىَّ لَا تَدْخُلُواْ مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ
وَأَدْخُلُواْ مِنْ أَبْوَبِ مُتَفَرِقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنَكُمْ مِنَ
اَللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّ ◌ِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتٌ وَعَلَيْهِ
فَلْيَتَوََّلِ الْمُتَوَكِلُونَ (٣) وَلَمَّادَ خَلُواْ مِنْ حَيْثُ
أَمَرَهُمْ أَبُوهُم مَّا كَانَ يُغْنِى عَنْهُم مِّنَ اَللَّهِ
مِن شَىْءٍ إِلَّا حَاجَةٌ فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَمِهَاْ وَإِنَّهُ.
[يوسف: ٦٣-٦٨](١).
فهذا من أهم ما فعله يوسف مع إخوته
دون تجريح، أو شفاء غليل، أو معاملة
بالمثل، بل أحسن استقبالهم وجهز متاعهم،
ورتب للقاء أخيه الأصغر بكل هدوء
وطمأنينة، فهو يعلم أن الله معه وسیوفقه،
یرضیه.
دخولهم على يوسف مع شقيقه:
عندما طلبوا من أبيهم اصطحاب أخيهم
للذهاب معهم إلى مصر من أجل الميرة؛
﴿قَالَ هَلْ ءَامَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّ كَمَآ أَمِنِتُكُمْ
عَلَى أَخِيهِ مِن قَبْلٌ فَاللّهُ خَيْرٌّ حَفِظَاً وَهُوَ أَرْحَمُ
الرَّحِمِينَ ﴾ [يوسف: ٦٤].
وبعد عهود ومواثيق قبل أبوهم ذلك،
وأوصاهم بوصايا تعينهم في السفر.
﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفََ ءَوَىَ
إِلَيْهِ أَخَاةٌ قَالَ إِّ أَنَأْ أَخُوَكَ فَلَا تَبْتَيِسْ بِمَا
كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [يوسف: ٦٩].
يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا
على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين،
وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته، وأفاض
عليهم الصلة والإلطاف والإحسان، واختلى
بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له، وعرفه
أنه أخوه، وقال له: لا تبتئس، أي: لا تأسف
(١) انظر: قصص الأنبياء، ابن كثير ١/ ٣٨٤.
مَوَسُولَةُ النَّسية
القرآن الكريم
١٦٦

الأرض
أي: ما صح له أن يأخذ أخاه في قضاء
على ما صنعوا بي، وأمره بكتمان ذلك
عنهم، وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه الملك، فدبر تعالى ما حكم به إخوة يوسف
من أنه أخوه، وتواطأ معه أنه سیحتال على
أن يبقيه عنده معززًا مكرمًا معظمًا (١).
احتواؤه لشقيقه والاجتهاد في إصلاح
حال والده:
﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ
فِى رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ أَيَّتُهَا الْعِيْرُ إِنَّكُمْ
لَسَرِقُونَ ﴾ [يوسف: ٧٠] وهي خطة منه
عليه السلام ليحتوي أخاه بین یدیه لأمر
قادم.
عن ابن عباس: تعرف إليه أنه أخوه،
وهو الظاهر، وهو قول ابن إسحاق وغيره،
أعلمه أنه أخوه حقیقة واستکتمه، وقال له:
لا تبالي بكل ما تراه من المكروه في تحيلي
في أخذك منهم (٢).
ويقال: لئن نسب يوسف أخاه للسرقة
فقد تعرف إلیه بقوله: إني أنا أخوك-سرًا-،
فكان متحملًا لأعباء الملامة فى ظاهره،
محمولًا بوجدان الكرامة في سره (٣).
﴿فَبَدَأَ بِأَوْعَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ
اُسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاءِ أَخِيَةٍ كَذَلِكَ كِدْنَا
لِيُوسُفَّ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ اَلْمَلِكِ
إِلَّ أَن يَشَآءَ اللّهُ نَرْفَعُ دَرَحَتٍ مَّن نَّشَلَهُ وَفَوْقَ
كُلِ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ [يوسف: ٧٦].
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢ / ٩٦٠.
(٢) البحر المحيط، أبو حيان ٦/ ٣١٠.
(٣) لطائف الإشارات، القشيري ٢/ ١٩٦.
على السارق، لإيصال يوسف إلى أربه،
رحمة منه وفضلًا، وفيه إعلام بأن يوسف
ما كان يتجاوز قانون الملك، وإلا، لاستبد
بما شاء، وهذا من وفور فطنته وكمال
حكمته (٤).
: قَالُواْ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَفَ أَخٌ
◌َّهُ مِن قَبْلُّ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِ نَفْسِهِ، وَلَمْ
يُبْدِهَا لَهُوَّ قَالَ أَنْتُمْ شَرُّ مَكَانًا وَاللَّهُ
أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: ٧٧].
وبهذه الطريقة المحكمة استطاع يوسف
احتواء أخيه، وأمرهم كبيرهم أن يعودوا
لأبيهم ويخبروه بما حصل وقال عن نفسه
﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِيِّ أَبِ أَوْ يَحْكُمَ اَللَّهُ
◌ِىّ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾ [يوسف: ٨٠].
فازداد حزن يعقوب وذكره هذا الحدث
بفقدان يوسف من قبل، وكل هذا بسوء
التعامل بين الأخوة، واتباع الشيطان،
والکید بمن آتاه الله من فضله.
فقال: ﴿يَبَنِىَّ أَذْهَبُوْ فَتَحَسَّسُواْ مِن
يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَأيْتَسُواْ مِن زَّوْجِ اللَّهِ إِنَّهُ.
لَا يَأْيْشَسُ مِن رَّوْجِ الَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ ﴾
[يوسف: ٨٧].
(٤) محاسن التأويل، القاسمي ٦/ ٢١٠.
www. modoee.com
١٦٧

حرف الألف
يوسف يحزن لحال إخوته يوسف ويذكرهم في إجمال بما فعلوه
فیسعفهم:
ويدخل إخوة يوسف مصر للمرة الثالثة،
وقد أضرت بهم المجاعة، ونفدت منهم
النقود، وجاءوا ببضاعة رديئة هي الباقية
لديهم يشترون بها الزاد، يدخلون وفي
حديثهم انكسار لم يعهد في أحاديثهم من
قبل، وشكوى من المجاعة تدل على ما
فعلت بهم الأيام:
فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ قَالُواْ يَتَأَيُّهَا الْعَزِيزُ
مَسَّنَا وَأَهْلَنَا أَلْقُّرُّ وَجِئْنَا بِضَعَةٍ مُّرْجَنَةٍ
فَأَوْفٍ لَنَا اُلْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَآ إِنَّ اللَّهَ يَجْزِى
الْمُتَّصَدِّقِينَ (٨)﴾ [يوسف: ٨٨].
وعند ما يبلغ الأمر بهم إلى هذا الحد
من الاسترحام والضيق والانكسار لا تبقى
في نفس يوسف قدرة على المضي في
تمثيل دور العزيز، والتخفي عنهم بحقيقة
شخصيته، فقد انتهت الدروس، وحان وقت
المفاجأة الكبرى التي لا تخطر لهم على
بال، فإذا هو يترفق في الإفضاء بالحقيقة
إليهم، فيعود بهم إلى الماضي البعيد الذي
يعرفونه وحدهم، ولم يطلع عليه أحد إلا
الله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمُ مَّا فَعَلْتُ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ
إِذْ أَنْتُمْ جَهِلُونَ ﴿ قَالُواْ أَوِنَّكَ لَأَنْتَ
يُوسُفُّ قَالَ أَنَأْ يُوسُفُ وَهَذَا أَخِى قَدْ مَرَّ
اُللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: ٨٩-٩٠].
بيوسف وأخيه فى دفعة الجهالة، ولا يزيد
سوى أن يذكر منة الله عليه وعلى أخيه،
معللًا هذه المنة بالتقوى والصبر وعدل الله
في الجزاء.
اعتراف الأخوة بالخطأ على أخيهم
والتوبة من ذلك:
أما هم فتتمثل لعيونهم وقلوبهم
صورة ما فعلوا بيوسف، ويجللهم الخزي
والخجل وهم يواجهونه محسنًا إليهم وقد
أساؤوا، حليمًا بهم وقد جهلوا، كريمًا معهم
وقد وقفوا منه موقفًا غير كريم: ﴿قَالُواْ
تََللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِن كُنَّا
لَخَطِينَ ﴾ [يوسف: ٩١].
اعتراف بالخطيئة، وإقرار بالذنب،
وتقرير لما يرونه من إيثار الله له عليهم
بالمكانة والحلم والتقوى والإحسان، يقابله
يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف
المخجل، شيمة الرجل الكريم، وينجح
يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل
في الابتلاء بالشدة.
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمِّ يَغْفِرُ
٩٢
اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّحِمِينَ
[يوسف: ٩٢].
لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم،
فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له
مفاجأة! مفاجأة عجيبة، يعلنها لهم جذور، والله يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم
١٦٨
القرآن الكريم

الأرض
الراحمين (١).
فالعزيز الحق عزيز بحق، وليس من
عادة الكرام سرعة الانتقام، بل العفو عند لما بيني وبينكم من الحرمة وحق الأخوة،
المقدرة.
فلما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد
والضيق-بسبب ما وقعوا فيه من الظلم
لأخيهم أولًا ومعصية والدهم لحقدهم
عليه- وقلة الطعام وعموم الجدب، وتذكر
أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولدیه مع ما
هو فيه من الملك والتصرف والسعة، فعند
ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على
أبيه وإخوته، وبدره البكاء فتعرف إليهم(٢).
ومهما يكن من غي وسفه، فالاعتراف
بالخطأ فضیلة، والرجوع إلى الرشد فلاح.
قبول الأخ لاعتذار إخوته وإكرامهم أينما
کانوا:
﴿ قَالُواْ تَأَللَّهِ لَقَدْ ءَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾
[يوسف: ٩١] أي: فضلك علينا بمكارم
الأخلاق ومحاسن الشيم، وأسأنا إليك
غاية الإساءة، وحرصنا على إيصال الأذى
إليك، والتبعيد لك عن أبيك، فآثرك الله
تعالى ومكنك مما تريد ﴿وَ إِن كُنَّا
لَخَطِينَ﴾ [يوسف: ٩١].
وهذا غاية الاعتراف منهم بالجرم
(١) بتصرف: في ظلال القرآن، سيد قطب
٢٠٢٣/٤.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/ ٩٦٣.
الحاصل منهم على يوسف (٣).
فقال لهم: لا تعيير عليكم ولا إفساد
ولكن لكم عندي الصفح والعفو (٤)، وهذه
نعمة تحمد، وخلة تدوم، وصفة تلازم،
فكانت هذه تيجان خلق مضافة إلى تيجان
الملك.
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى
يُوسُفَ ءَاوَىَ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ
إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ ) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى
اٌلْعَرْشِ وَخَرُواْلَهُ، سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ
رُهْيَىَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِىّ
إِذْ أَخْرَجَنِ مِنَ السّجْنِ وَجَّهُ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ
بَعْدٍ أَن تَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَتَّى إِنَّ رَبِىِ
لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِمُ الْحَكِيمُ ﴾
[يوسف: ٩٩- ١٠٠].
فلم يقل: ((نزغ الشيطان إخوتي» بل كأن
الذنب والجهل، صدر من الطرفين، فالحمد
لله الذي أخزی الشيطان ودحره، وجمعنا
بعد تلك الفرقة الشاقة.
وَإِنَّ رَبٍِّ لَطِيفٌ لِّمَا يَشَآءُ﴾ يوصل بره
وإحسانه إلى العبد من حيث لا يشعر،
ويوصله إلى المنازل الرفيعة من أمور
يكرهها، ﴿إِنَّهُ هُوَ اَلْعَلِيمُ﴾ الذي يعلم
ظواهر الأمور وبواطنها، وسرائر العباد
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٨.
(٤) جامع البيان، الطبري ٧/ ٢٩١.
www. modoee.com
١٦٩

حرف الألف
وضمائرهم، ﴿اَلْحَكِيمُ﴾ في وضعه الأشياء غاية الاعتراف منهم بالجرم الحاصل منهم
على يوسف (٣).
مواضعها، وسوقه الأمور إلى أوقاتها
المقدرة لها (١).
إخوة يقتدى بهم في الإصلاح
وحسن العفو:
فلله ما أعظم الحسد في إفساده وداد
الإخوان، وما أقبح الولوج في طاعة
الشيطان، فمن حرم غيره حقه حرمه الله
كذلك، ومن استغنى عن أخيه فقد يحتاج
إليه في أصعب اللحظات، ومن قدر على
الظفر من إخوانه بعد ظلمهم له فليحسن
القضاء، والعظيم يبقى في محله إن لم يزدد
رفعة وسموًا، أعطاهم حين منعوه، ووصلهم
حين قطعوه، وعفا عنهم بعد إذ ظلموه،
وتلك جماع الأخلاق.
جمعها يوسف عليه السلام في أحسن
قصص، وجعلها رایات للسائرين، ومنارات
للعارفين، ومقامات تنفع العامل بها إلى يوم
الدين.
وقد اعترف إخوة يوسف بتعمد خطئهم،
فكان دليلًا على صدق التغيير للأفضل.
فقالوا لأخیھم یوسف عليه السلام: إنا
كنا-بلا استثناء- أي: والحال أن شأننا أنا
كنا مذنبين بما فعلنا معك، وآثمين في أمرك،
والخاطئ: الذي يتعمد الخطيئة (٢)، وهذا
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٧٠.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي ١٣/ ٥٤.
وصار هذا منهجًا عمليًا في تطبيق
الصحابة رضي الله عنهم، فهم خير سلف
لخير خلف.
فعن المعرور بن سويد، قال: مررنا
بأبي ذر بالربذة وعليه برد وعلى غلامه
مثله، فقلنا: يا أبا ذر لو جمعت بينهما كانت
حلة، فقال: إنه كان بيني وبين رجل من
إخواني كلام، وكانت أمه أعجمية، فعيرته
بأمه، فشكاني إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم،
فقال: ((يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك جاهلية))،
قلت: يا رسول الله، من سب الرجال سبوا
أباه وأمه، قال: ((يا أبا ذر، إنك امرؤ فيك
جاهلية، هم إخوانکم، جعلهم الله تحت
أيديكم، فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم
مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن
كلفتموهم فأعينوهم)» (٤).
قصة موسى وأخيه وهارون ودور أخته
في طفولته.
موسى عليه السلام: وهو موسى بن
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٤٦٨.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب المعاصي من أمر الجاهلية، ولا يكفر
صاحبها بارتكابها إلا بالشرك، رقم ٣٠،
١/ ١٥.
١٧٠
مَوَسُولَة المَسيده
القرآن الكريم

الأرض
عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن وعدها، وقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ، عَنْ جُنُّبٍ وَهُمْ
لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص: ١١] يقول تعالى
يعقوب بن إسحق بن إبراهيم عليهم
السلام(١).
ذكره: فقصت أخت موسی أثره، فبصرت
به عن جنب: يقول فبصرت بموسی عن بعد
لم تدن منه ولم تقرب، لئلا يعلم أنها منه
«یذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من بسبيل(٣)، قال الله:
وفي بداية عمره وزمان ولادته، علا
فرعون في الأرض وطغى على بني إسرائيل
المفسدین».
وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح
أن بني إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم
ما يأثرونه عن إبراهيم عليه السلام، من أنه
سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك
مصر علی یدیه.
وذلك - والله أعلم - حین کان جری
على سارة امرأة الخليل من ملك مصر، من
إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها(٢).
ولما وضعته أمه؛ قال الله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ
إِلَى أُمِّ مُوسَىّ أَنْ أَرْضِعِيَةِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِهِ
فِيِ اَلْبَيِّ وَلَا تَخَافِىِ وَلَا تَحْزَبِّ إِنَّا رَآَدُوهُ إِلَيْكِ
وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [القصص: ٧].
دور أخته الکبری في حیاته:
عن ابن عباس ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ، قُضِيهِ﴾
[القصص: ١١].
أي: قصي أثره واطلبيه هل تسمعين
البحر وحيتانه؟ ونسيت الذي كان الله
(١) قصص الأنبياء، ابن كثير ٤٥٥/٢.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢/ ٤٥٦.
وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ
هَلْ أَدُلَكُمُ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ، لَكُمْ وَهُمْ
لَهُ نَصِحُونَ ﴿ فَرَدَدْنَهُ إِلَى أُمِّهِ، كُنْ نَقَرَّ
عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ
حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ )﴾
[القصص: ١٢ - ١٣].
فكانت أعظم أخت سعت لرد الوليد
لوالدته، وأحسنت لأخيها وهو طفل رضيع،
فالأخوة باب واسع، للولوج إلی بیت جمیل.
بركة موسى على أخيه هارون:
حين كبر موسى عليه السلام، وفر من
بلده بعد قتل القبطي، ووصل مدين وتزوج
منها، ثم عاد لأرضه أوحى الله إليه أن يدعو
فرعون وقومه إلى توحيد الله.
فخاف مما مضى عليه السلام وقال
لله:
﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَنْصَحُ مِنِى
لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِيِّ إِنَّ أَخَافُ أَن
[القصص: ٣٤] أي: معينًا
لي.
له ذكرًا، أحي ابني أو قد أكلته دواب يُكَذِّبُونِ ﴾
وهارون اسمٌ أعجميٌّ غير منصرف،
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٧/١٠.
www. modoee.com
١٧١

حرف الألف
وقيل: معرب أرون، والأرن: النشاط، سمي
به لنشاطه بالطاعة، ثم قيل: هارون.
وقد سماه الله تعالى في التنزيل بعشرة
أسماء تصريحًا وتعريضًا:
٢٩
١. وزيرٌّ: ﴿وَأَجْعَل ◌ِىِ وَزِيرًا مِنْ أَهْلِ {
[طه: ٢٩].
٢. أَخُّ: ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى﴾
[الأعراف: ١٥١].
٣. رسولٌ: ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه:٤٧].
﴿فَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ﴾
٤. مرسلٌ:
[الشعراء: ١٣].
٥. نبىٌّ: ﴿أَخَاهُ هَرُونَ بِيًّا﴾ [مريم: ٥٣].
﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا﴾
٦. رداً:
[القصص: ٣٤].
٧. أفصح: ﴿هُوَ أَنْصَحُ مِِّ لِسَاناً ﴾
[القصص: ٣٤].
٨. مصدقٌ: ﴿يُصَدِّقُّنِىٌ﴾ [القصص: ٣٤].
﴿أَخْلُفْقِ فِ قَوْمى﴾
٩. خلیفةٌ:
[الأعراف: ١٤٢].
١٠. هارون: اسمه.
وقد ذكره الله تعالى بهذا الاسم فى رَّحْمَئِنَا أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّا ﴾ [مريم:٥٣] ليشد
مواضع من التنزيل:
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى وَهَرُونَ
اُلْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨]. ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَرُونَ
﴾ [الأعراف: ١٢٢]، [الشعراء: ٤٨].
٢ ١٢٢)
وقوله تعالى: ﴿لأخِهِ مَرُونَ اخلفنیِفِى
[الأعراف: ١٤٢].
قومى ﴾
وقوله تعالى: ﴿مَرُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِى
لِسَانًا﴾ [القصص: ٣٤].
وقوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَدُرُونَ
[الشعراء: ١٣].
وقوله تعالى: ﴿أَخَاهُ هَرُونَ نِيًّاً﴾
[مريم : ٥٣].
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ
هَرُونَ وَزِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٥].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم
لعلي رضي الله عنه: (يا علي أنت مني
بمنزلة هارون من موسى)(١).
فكان مدح موسی لأخيه هارون بشيء
صحیح یعلمه منه واقعًا، ولم يزد ثناءً عليه.
فطلب أن يعينه الله بمعين من أهله،
هارون أخیه، فهو يعلم عنه فصاحة اللسان
وثبات الجنان وهدوء الأعصاب، وكان
موسی علیه السلام قویًا؛ فطلب إلى ربه أن
يعينه بأخيه يشد أزره ويقويه ويتروى معه في
الأمر الجليل الذي هو مقدم عليه (٢).
﴿وَوَهَبْنَا لَهُمِن
واستجاب الله له فقال:
أزره في أداء الرسالة(٣)، أي: وأجبنا سؤاله
(١) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروزآبادي،
٧٦/٦.
والحديث أخرجه البخاري، كتاب فضائل
أصحاب النبي، باب مناقب علي رضي الله
عنه، رقم ٣،٣٧٠٦/ ٠١١٤٢
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٣٣/٤.
(٣) محاسن التأويل، القاسمي ١٠٨/٧.
١٧٢
جَوَسُولَة الجيـ
القرآن الكريم

الأرض
وشفاعته في أخيه، فجعلناه نبيًا، كما قال في
الآية الأخرى: ﴿وَأَخِى هَرُونُ هُوَ أَنْصَحُ
مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِىَ رِدْءًا يُصَدِّقُتِىّ إِنَّ أَخَافُ
(٣٤)﴾ [القصص: ٣٤].
أَنْ يُكَذِّبُونِ
وقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى (
[طه: ٣٦]
﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَرُونَ وَهُمْ
وقال:
عَلَىَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ
١٤)
[الشعراء: ١٣-١٤].
ولهذا قال بعض السلف: ما شفع أحد
في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة
موسى في هارون أن يكون نبيًا(١).
وفي هذه الشفاعة بيان الحرص العظيم
من الأخ لأخيه في حب الخير له.
وجعله الله منة من مننه عليه فقال:
وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ:
أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرًا ﴾ [الفرقان: ٣٥].
عن قتادة: عونًا وعضدًا(٢)، يوازره
في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك
مشاركته في النبوة؛ لأن المتشاركين في
الأمر متوازرون عليه(٣).
هارون عليه السلام وزيرًا لأخيه
موسى عليه السلام:
صار خطاب القرآن الکریم یتوجه بالأمر
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٦٦/١.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤/ ١٠٤.
(٣) أنوار التنزيل، البيضاوي ٤ / ١٢٤.
للأخوين عليهما السلام، وذلك بعد إشراك
الله لهارون في الرسالة ليكون عضدًا لأخيه،
﴿ وَأَوْحَيْنَّا إِلَى مُوسَى وَلَغِهِ أَنْ تَبَوَّءَا
فقال الله:
لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَأَجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةٌ
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةُ وَبَشْرِ الْمُؤْمِينَ
[يونس: ٨٧].
فالله تعالى أمر موسى وأخاه هارون
عليهما السلام(٤)، والمراد أنهم يجعلون
بيوتهم مستقبلة للقبلة ليصلوا فيها سرًا لئلا
يصيبهم من الكفار معرة بسبب الصلاة،
وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ
ومما يؤيد هذا قوله:
[يونس: ٨٧].
أي: التي أمركم الله بإقامتها فإنه يفيد أن
القبلة هي: قبلة الصلاة إما في المساجد، أو
في البيوت لا جعل البيوت متقابلة، وإنما
جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى
وهارون، ثم جعله لهما ولقومهما في
قوله: ﴿وَأَجْعَلُواْ بُتَكُمْ قِبْلَةُ وَأَقِيمُواْ
الصَّلَوَةَ﴾ [يونس: ٨٧].
ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك،
فقال: وبشر المؤمنين؛ لأن اختيار المكان
مفوض إلى الأنبياء، ثم جعله عامًا في
استقبال القبلة، وإقامة الصلاة؛ لأن ذلك
واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء،
ثم جعل خاصًا بموسى؛ لأنه الأصل في
الرسالة وهارون تابع له، فكان ذلك تعظيمًا
(٤) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٩١٣/٢.
www. modoee.com
١٧٣

حرف الألف
للبشارة وللمبشر(١).
وهذا من أحسن النظم وأبدعه، فإنه ثنی
أولًا: إذ كان موسى وهارون هما الرسولين
المطاعين، ويجب على بني إسرائيل طاعة
كل واحد منهما سواء، وإذا تبوءا البيوت
لقومهما فهم تبع لهما، ثم جمع الضمير
فقال: وأقيموا الصلاة؛ لأن إقامتها فرض
على الجميع، ثم وحده في قوله: وبشر
المؤمنين أن موسى هو الأصل في الرسالة
وأخوه ردءًا ووزيرًا، وكما أرسلا برسالة
واحدة كانا رسولًا واحدًا كقوله تعالى: ﴿
إِنِّ رَسُولُ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الزخرف: ٤٦].
فهذا الرسول هو الذي قيل له: ﴿وَبَشْرِ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٨٧](٢).
ولقد ذكر الله موسى بالقوة وكان يأخذه
الغضب، إلا أن ذلك لا يمنع من معرفة
حقوق الأخ لأخيه حتى يكون الأخ مع أخيه
نفسًا واحدة كما تقدم.
خلافة هارون أخاه موسی حین
ذهب للقاء ربه عز وجل:
وَوَعَدْنَا مُوسَى تَثِينَ
قال الله:
لَيْلَةُّ وَأَتْمَمْنَهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ
لَيْلَةُ وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ هَرُونَ أَخْلُفَنِى فِ
قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعَ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (﴾
[الأعراف: ١٤٢].
(١) فتح القدير، الشوكاني ٢/ ٦٥٣.
(٢) انظر: التفسير القيم، ابن القيم ص ٣٠٩.
أي: کن خليفتي فيهم، قال موسى
هذا لما أراد المضي إلى المناجاة -فقال
لهارون- وأصلح أمر بني إسرائيل بحسن
سياستهم والرفق بهم وتفقد أحوالهم ولا
تتبع سبيل المفسدين، أي: لا تسلك سبيل
العاصين ولا تكن عونًا للظالمين(٣).
وهذا مع اعتماد موسى على أخيه؛
لكن لا بد من التوجيه لأخيه وإرشاده
للسياسة الحسنة، والتحذير من طرق سبيل
المفسدين، لكنهم خالفوا موسى وهارون،
والخلاف شر کما یقال، وقد یکون سببًا في
نزاع الأخوة.
التفاهم عند وجود الخطأ والتثبت
بين الأخوة:
﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىَ إِلَى قَوْمِهِ، غَضَْبَنَ أَسِفًا قَالَ
◌ِلْسَمَا خَلَفْتُهُونِ مِنْ بَعْدِىٌّ أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمّ
وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُزُّهُ إِلَيْهٍ قَالَ
أَبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ أَسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِى
فَلَا تُشْمِتْ بِى الْأَعْدَآءَ وَلَا تَّمْعَلْنِى مَعَ الْقَوْمِ
الظَّالِمِينَ ﴾ [الأعراف: ١٥٠].
«أخذ برأس أخيه يجره إلیه»، فإن ذلك
كان من فعل نبي عليه السلام، لموجدته
على أخيه هارون في تركه أتباعه، وإقامته مع
بني إسرائيل في الموضع الذي تركهم فيه،
كما قال جل ثناؤه مخبرًا عن قول موسى
عليه السلام له: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَأُوً )
(٣) فتح القدير، الشوكاني ٣٤٤/٢.
مُوسُوبَةُ النَّفِيَّة
جوسو
القرآن الكريم
١٧٤

الأرض
٩٣﴾ [طه: ٩٢-
أَلَّا تَتَّبِعَنِّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (
٩٣]؟
وحين أخبره هارون بعذره فقبل عذره،
وذلك قوله لموسى: ﴿يَبْنَؤُمَ لَا تَأْخُذْبِلِجْتِى
وَلَ بِرَأْسِّ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَفِىّ
إِسْرَّهِيلَ وَلَمْ تَرْقُّبْ قَوْلِ ﴾ [طه: ٩٤].
وقال: ﴿أَبْنَ أُمَّ إِنَّ أَلْقَوْمَ أُسْتَضْعَفُونِي
وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِ فَلَا تُشْمِتْ بِىَ الْأَعْدَآءَ ﴾
[الأعراف: ١٥٠](١).
ونسبه إلى الأم -في سورة طه- مع کونه
أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور؛ استعطافًا له
وترقیقًا لقلبه(٢)، فذكر له هارون أمورًا تبین
أنه اجتهد في إصلاحهم، فلما خالفوه لم
يستطع عليهم، لكنه لم يرض بما فعلوه ولم
يقرهم على مخالفاتهم لأنبيائهم.
فلما تحقق موسى عليه السلام براءة
ساحة هارون عليه السلام كما قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ قَالَ لَّمْ هَرُونٌ مِن قَبْلُ يَقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُم
بِهٌِّ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَانَبِعُونِ وَأَطِيعُواْ أَمْرِى
: ٩٠] فعند ذلك ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ
لِ وَلِأَّخِى وَأَدْخِلْنَا فِ رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ
الرَّحِينَ
(١٥١) ﴾ [الأعراف: ١٥١].
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (يرحم الله موسى
لیس المعاین کالمخبر، أخبره ربه عز وجل
(١) جامع البيان، الطبري ٦٨/٦.
(٢) فتح القدير، الشوكاني ٤٥٢/٣.
أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح؛ فلما
رآهم وعاينهم ألقى الألواح)(٣).
فلا بد لمن ظن فيه الخطأ أن يبين لأخيه
ما يجب أن يزول عنه، وأن يكون العذر
صحيحًا، مع مراعاة حال أخيه خاصة في
غيرته لله، والأخ الناصح ينظر في عذر أخيه
ويتأمله ليقبله، ولقد قبل موسى عليه السلام
عذر أخيه مباشرة لعلمه بصدقه في ذلك.
لذا قال هارون: ﴿يَبْنَوُّمَ لَا تَأْخُذْ بِلِحْقِ
وَلَا بِرَأْسِىِّ إِ خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ
إِسْرَّهِيَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِيِ ﴾ [طه: ٩٤].
فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم فلو تبعتك
لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك و
﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِىّ إِسْرَّهِيلَ﴾ حيث
ترکتهم وليس عندهم راع ولا خليفة؛ فإن
هذا يفرقهم ويشتت شملهم، فلا تجعلني
مع القوم الظالمين، ولا تشمت فينا الأعداء
فندم موسی على ما صنع بأخيه وهو غير
مستحق لذلك ﴿قَالَ رَبِّ أَغْفِرْ لِ وَلِأَخِى
وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّحِينَ
[الأعراف: ١٥١] (٤).
فكان موسى عليه السلام فاتحة خير
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك، تفسير سورة
طه، رقم ٣٤٣٥، ٤١٢/٢.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه.
ولم يتعقبه الذهبي.
(٤) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٩٦.
www. modoee.com
١٧٥

حرف الألف
لأخيه هارون، فصارا أخوين في النسب
والدين والرسالة، وقد امتن الله عليهما
بذلك، وجعلهما قدوة لمن بعدهما، وخلد
ذكرهما في العالمين، فكانت هذه الأخوة
الحميمة والخصال العظيمة أرقى شيء بقي
لنا ﴿مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَى وَءَالُ هَدُرُونَ:
[البقرة: ٢٤٨].
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، البنوة، الصحبة، العلاقات
الاجتماعية، الوحدة
١٧٦
جوبي
القرآن الكريم