Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الإِحْسَان
عناصر الموضوع
مفهوم الإحسان
٤٢٠
الإحسان في الاستعمال القرآني
٤٢١
الألفاظ ذات الصلة
٤٢٢
الإحسان في حق الله تعالى
٤٢٥
٤٣٣
مجالات الإحسان
٤٤٩
جزاء المحسنين
المُجَلَدَ الأول

حرف الألف
مفهوم الإحسان
أولًا: المعنى اللغوي:
الإحسان لغة: مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة(١)،
قال ابن فارس: (((حسن) الحاء والسين والنون أصل واحد، فالحسن ضد القبح، يقال: رجل
حسن وامرأة حسناء وحسانة، والمحاسن من الإنسان وغيره: ضد المساوي)) (٢). وهو مصدر
أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه، أو بغيره، تقول: أحسنت كذا، إذا أتقنته، وأحسنت إلى
فلان، إذا أوصلت إليه النفع(٣).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.
قال الراغب: الإحسان يقال على وجهين:
أحدهما: الإنعام على الغير، يقال: أحسن إلى فلان.
والثاني: إحسان في فعله، وذلك إذا عَلِمَ عِلْمًا حسنًا، أو عمل عملًا حسنًا))(٤).
وقال ابن العربي: ((الإحسان مأخوذ من الحسن، وهو كل ما مدح فاعله))(٥).
وعرف الإمام القرطبي الإحسان بأنه: ((إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصححة
والمكملة، ومراقبة الحق فيها، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشروع، وحالة
الاستمرار))(٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١٧/١٣.
(٢) مقاييس اللغة ٢ / ٥٧.
(٣) انظر: تعليق محب الدين الخطيب على فتح الباري ابن حجر ١٦٤/١.
(٤) المفردات، ص ٢٣٥.
(٥) أحكام القرآن ١ / ١٦٧.
(٦) الجامع لأحكام القرآن ١٠/ ١٦٧.
٤٢٠
مُؤَسُولَةُ النَّفِي
القرآن الكريم

الإحسان
الإحسان في الاستعمال القرآني
وردت مادة (حسن) في القرآن (١٩٤) مرة، يخص موضوع البحث منها (١٠٨)
مرات (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
١٧
﴿ثُمَّ ءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ تَمَامًا عَلَى الَّذِى أَحْسَنَ
وَتَفْصِيلًاً لِكُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٤]
الفعل المضارع
خَبِيرًا
﴿وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
(١٢٨)] [النساء: ١٢٨]
فعل الأمر
٢
﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: ٧٧]
أفضل التفضيل
٣٦
﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ﴾ [النساء: ٥٩]
﴿اَلْطَّلَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَنِ)
١٢
[البقرة: ٢٢٩]
اسم الفاعل
٣٩
بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ، لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
[البقرة: ١١٢]
وجاء الإحسان في الاستعمال القرآني بمعنى: إجادة العمل وإتقانه وإخلاصه، وهو ضد
الإساءة. ويأتي متعديًا بنفسه، كقولك: أحسنت كذا، و في كذا، إذا حسنته و كملته، ومتعديًا
بحرف جر، كقولك: أحسنت إلى كذا، أي: أوصلت إليه ما ينتفع به (٢).
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الحاء، ص ٤٣٣ -٤٣٧.
(٢) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥٧/٢، لسان العرب، ابن منظور ١٣/ ١١٧، بصائر ذوي التمييز،
الفيروزآبادي ٦٨/٢- ٧٠.
www. modoee.com
٤٢١
المصدر
٢

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الإفضال:
١
الإفضال لغةً:
هو: الإحسان، يقال: ورجل مفضال وامرأة مفضالة على قومها إذا كانت ذات فضل
سمحة، وأفضل عليه وتفضل بمعنى (١)، قال ابن فارس: (((فضل) الفاء والضاد واللام أصل
صحيح يدل على زيادة في شيء، من ذلك الفضل: الزيادة والخير(٢).
الإفضال اصطلاحًا:
يستعمل لمطلق النفع(٣).
وقد وردت آيات في كتاب الله تعالى تدل على أن الإفضال هو الإحسان
منها قوله تعالى: ﴿فَنْقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَهُواْرِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو
فَضْلٍ عَظِيمٍ (
(١٧٢ ٢﴾ [آل عمران: ١٧٤]
وقوله تعالى: ﴿ وَلَيِنْ أَصَبَّكُمْ فَضْلُ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَلَيَّتَنِى
كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٧٣].
فالمراد به بالفضل في الآيتين: الإحسان من الله بالعافية والسلامة والغنيمة ﴿وَاللهُ ذُو
فَضّلٍعَظِيمٍ﴾ يعني: «والله ذو إحسان وطول عليهم بصرف عدوهم الذي كانوا قد هموا
بالكرة إليهم، وغير ذلك من أياديه عندهم وعلى غيرهم بنعمه عظيم عند من أنعم به عليه
من خلقه))(٤).
الصلة بين الإحسان والإفضال:
أن في كليهما نفعًا للغير لكن الإحسان لفظ عام؛ لأن فيه معنى الإتقان والإحكام، وفيه
معنى الإحسان من العبد مع الله تعالی.
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١١ / ٥٢٤.
(٢) مقاييس اللغة ٤/ ٥٠٨.
(٣) انظر: الكليات، الكفوي، ص٦٨٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٤١٤/٧
٤٢٢
صَوَسُو ◌َرُ النَّفِيَّة
القرآن الكريمِ

الإحسان
الامتنان:
٢
الامتنان لغةً:
الامتنان لغة: الإحسان والإنعام، من عليه يمن مَنّا: أحسن وأنعم، والاسم المنة، والمن
القطع، ويقال النقص(١).
الامتنان اصطلاحًا:
إحسان المحسن غير معتد بالإحسان، وفي أسماء الله تعالى: الحنان المنان، أي: الذي
ينعم غير فاخر بالإنعام(٢)، قال ابن الأثير: ((هو المنعم المعطي من المن في كلامهم بمعنى
الإحسان إلى من لا يستثيبه ولا يطلب الجزاء عليه))(٣).
الصلة بين الإحسان والامتنان:
أن الامتنان هو الإحسان والإنعام وأن الإحسان أعم منه.
الإنعام:
٣
الإنعام لغةً:
من النعمة، بالفتح، وهي المسرة والفرح والترفه، ومعنى قولهم: أنعمت على فلان، أي:
أصرت إليه نعمة (٤)، والنعيم والنعمى والنعماء والنعمة، كله: الخفض والدعة والمال، وهو
ضد البأساء والبؤسى. والتنعم: الترفه، والاسم النعمة، ونعم الرجل ينعم نعمة، والنعمة: اليد
البيضاء الصالحة والصنيعة والمنة وما أنعم به عليك، ونعمة الله، بكسر النون: ما أعطاه الله
العبد مما لا يمكن غيره أن يعطيه إياه؛ كالسمع والبصر (٥).
الإنعام اصطلاحًا:
إيصال النعمة والإحسان إلى الغير (٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور ١٣ / ٤١٧.
(٢) لسان العرب، ابن منظور ١٣ / ٤١٨.
(٣) النهاية في غريب الحديث والأثر ٣٦٥/٤.
(٤) انظر: المصدر السابق ٥/ ٨٣.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٧٩/١٢، تاج العروس، الزبيدي ٥٠٢/٣٣.
(٦) انظر: الكليات، الكفوي، ص ٩١٢، التوقيف على مهمات التعاريف المناوي ص ٦٥.
www. modoee.com
٤٢٣

حرف الألف
الصلة بين الإحسان والإنعام:
أن الإنعام لا يكون إلا من المنعم على غيره؛ لأنه متضمن بالشكر الذي يجب وجوب
الدين، ويجوز إحسان الإنسان إلى نفسه، تقول لمن يتعلم العلم: إنه يحسن إلى نفسه، ولا
تقول: منعم على نفسه، والإحسان متضمن بالحمد ويجوز الحامد لنفسه(١).
الإكرام:
٤
الإكرام لغةً:
الإكرام والتكريم لغة هو: أن يوصل إلى الإنسان بنفع لا تلحقه فيه غضاضة، أو يوصل
إليه بشيء شريف (٢).
الإكرام اصطلاحًا:
الإكرام والتكريم اصطلاحا هو: التفضيل والاحترام (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ
كُرَّمْنَا بَنِيّ ◌َادَمَ وَحَلْنَهُمْ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ وَفَضَّلْنَهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا
تَفْضِيلًا
﴾ [الإسراء: ٧٠].
وفي الإكرام المذکور في الآية أقوال: روي عن ابن عباس أنه قال: هو أكلهم باليد، وسائر
الحيوانات يأكلون بأفواههم، وقيل: امتداد القامة وانتصابها، والدواب منكبة على وجوهها،
وقيل: بالعقل والتمييز، وقيل: بأن سخر جميع الأشياء لهم، وقيل: بأن جعل فيهم خير أمة
أخرجت للناس، وقيل: بالخط والقلم(٤).
الصلة بين الإحسان والإكرام:
أن الإكرام هو الإحسان مع التفضيل والتشريف.
(١) انظر: معجم الفروق اللغوية، العسكري، ص ٨١.
(٢) انظر: تاج العروس، الزبيدي ٣٣/ ٣٣٧.
(٣) انظر: معجم لغة الفقهاء، محمد رواس وحامد قنيبي، ص١٤٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٣/ ٢٦٢.
٤٢٤
مُوسُو ◌َ النَّبـ
القرآن الكَرِيْمِ

الإحسان
الإحسان في حق الله تعالى
إن الإحسان في حق الله تعالى يتمثل في
كون الإحسان صفة من صفات الله تعالى،
وفي إحسان الله تعالى الخلق، وفي إحسان
الله تعالى في الرزق، وفي إحسان الله تعالى
في الحكم، وفي إحسان الله تعالى في الأجر
والثواب، وبيان ذلك في المطالب الآتية:
أولًا: الإحسان من صفات الله تعالى:
إن الإحسان صفة من صفات الله
عز وجل الفعلية الثابتة بالكتاب والسنة،
والإحسان في حق الله تعالى يأتي بمعنيين:
١. الإنعام على الغير، وهو زائد على
العدل، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ
اَللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١]. وقوله تعالى:
﴿وَأَحْسِنْ كَمَّا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾
[القصص: ٧٧].
٢. الإتقان والإحكام، ومنه قوله تعالى:
الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ
اُلْإِنسَنِ مِن طِينٍ ﴾ [السجدة: ٧].
﴿ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكة
وقوله تعالى:
وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [التغابن: ٣](١).
الدليل من القرآن الكريم:
قوله تعالى: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اَللَّهُ لَّهُ رِزْقًا﴾
[الطلاق: ١١]. وقوله تعالى: ﴿وَرَزَقَنِىِ
(١) انظر: الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها،
محمد بن خليفة التميمي، ص ٦٥.
مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ [هود: ٨٨].
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَآ أَحْسَنَ
اللَّهُ إِلَيْكَ ﴾ [القصص: ٧٧].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِىَّ أَحْسَنَ كُلَّ شَوْءٍ
◌َخَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ اْإِنسَنِ مِنْ طِينٍ
[السجدة: ٧].
وقوله جل شأنه: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
[التغابن:
صُوَرَّكُمْ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾
٣].
الدليل من السنة النبوية:
● ما رواه أنس رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إذا حكمتم؛ فاعدلوا، وإذا قتلتم؛
فأحسنوا؛ فإن الله محسن يحب
الإحسان)(٢).
ما رواه شداد بن أوس رضي الله عنه؛
قال: حفظت من رسول الله صلى
الله عليه وسلم اثنتين؛ أنه قال: (إن
الله عز وجل محسن يحب الإحسان،
فإذا قتلتم؛ فأحسنوا القتلة)(٣) (٤).
(٢) أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط
رقم ٦٥٧٣٥/ ٠٤٠
صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
وزيادته رقم ٣٧٤/١،١٨٢٤.
(٣) أخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه
رقم ٨٦٠٣، ٤٩٢/٤، والطبراني في المعجم
الكبير رقم ٧،٧١٢١ / ٢٧٥.
صححه الألباني في صحيح الجامع الصغير
وزيادته رقم ١،١٨٢٤/ ٣٧٤.
(٤) انظر: صفات الله عز وجل الواردة في الكتاب
www. modoee.com
٤٢٥

حرف الألف
والمحسن من أسماء الله تعالى، ومعناه:
(إن المحسن مشتق من أحسن يحسن
إحسانًا، ومعناه: أن الإحسان وصف لازم له
لا يخلو موجود من إحسانه طرفة عين، فلا
بد لکل مکون من إحسانه إليه بنعمة الإيجاد
ونعمة الإمداد، والله جل وعلا يحب
من خلقه أن يتقربوا إليه بمقتضى معاني
أسمائه، فهو الرحمن يحب الرحماء، وهو
الكريم يحب الكرماء، وهو المحسن يحب
المحسنين)) (١).
وبعبارة أخرى: فإن المحسن في صفات
الله معناه: المنعم المتفضل الذي أحسن
للناس عقيدة ودينًا وأحسن لهم خلقًا ورزقًا
وأحسن لهم مثوبة وأجرًا كرمًا منه وتفضلًا،
وبهذا يتبين أن اسم الله المحسن من صفات
الذات الثابتة بالسنة النبوية.
ومن خلال الأدلة السابقة يتبين أن
الإحسان من صفات الله الفعلية الثابتة
بالقرآن والسنة، والصفات الفعلية هي: التي
تتعلق بالمشيئة والقدرة، ومنها: الخلق -
الرزق الإحسان العدل، وضابط: الصفات
الفعلية أنها هي التي تنفك عن الذات، على
والسنة، علوي السقاف، ص ٥٠.
(١) انظر: بحث: إثبات أن المحسن اسم من
أسماء الله الحسنى، د. عبد الرزاق بن عبد
المحسن العباد البدر، منشور في مجلة
البحوث الإسلامية العدد ٣٦ ص٣٧٤
الإصدار ربيع الأول- جمادي الثانية لسنة
١٤١٣ هـ
معنى أن الله إذا شاء لم يفعلها، وأن الصفات
الذاتية لا تنفك عن الذات، أما الصفات
الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات، ولكن
مع ذلك فإن كلا النوعين يجتمعان في أنهما
صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل ولا يزال
متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًاP لائقان بجلال
(٢)
الله عز وجل
٠
ثانيًا: الإحسان في الخلق:
إن الله تعالى أحسن في الخلق بصفة
عامة، قال تعالى: ﴿الَّذِىّ أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ
خَلَقَةٌ: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ
[السجدة: ٧].
والإحسان في الخلق معناه: أتقن كل
شيء وأحكمه، هو مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِىّ
أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّهَدَى ﴾ [طه: ٥٠].
فلم يجعل خلق البهائم في خلق الناس،
ولا خلق الناس في خلق البهائم ولكن خلق
الَّذِىّ
كل شيء فقدره تقديرًا، قال مجاهد ﴿
أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾: أعطى كل شيء
خلقه، قال: الإنسان إلى الإنسان، والفرس
للفرس، والحمار للحمار(٣).
يقول تعالى مخبرًا: إنه الذي أحسن خلق
الأشياء وأتقنها وأحكمها، وقال مالك عن
زيد بن أسلم ﴿ الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُ﴾
(٢) انظر: الصفات الإلهية تعريفها، أقسامها،
محمد بن خلیفة التميمي، ص ٦٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠/ ١٧٠.
٤٢٦
مُوسُوبَةُ النفسية
القرآن الكريم

الإحسان
قال: أحسن خلق كل شيء، كأنه جعله من لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَلَةُ بِنَآءُ
وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر:
المقدم والمؤخر (١).
٦٤] (٤).
أما الإحسان في خلق الإنسان على وجه
الخصوص، فقال تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ
صُوَرَّكُةُ وَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [التغابن: ٣].
يقول: ومثلكم فأحسن مثلكم، وقيل: أنه
عني بذلك تصويره آدم، وخلقه إياه بيده(٢)
٠
قال القرطبي: ((﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكٌ
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ يعني: آدم عليه السلام،
خلقه بيده كرامة، له، قاله مقاتل، الثاني:
جميع الخلائق، معنى التصوير: أنه التخطيط
والتشکیل. فإن قيل: کیف أحسن صورهم؟
قيل له: جعلهم أحسن الحيوان كله وأبهاه
صورة، بدليل أن الإنسان لا یتمنى أن تكون
صورته على خلاف ما يرى من سائر الصور،
ومن حسن صورته أنه خلق منتصبًا غير
منكب، كما قال عز وجل: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ
فيَّ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: ٤]))(٣).
والمعنى: ﴿وَصَوَّرَكُنْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُ﴾ أي:
أحسن أشكالكم، كقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
اَلْإِنسَنُ مَا غَرِّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيِ الَّذِى خَلَفَكَ
فَسَوَّنَكَ فَعَدَلَكَ فِيْ أَبِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رََّّبَكَ
[الانفطار: ٦-٨].
﴿اَللَّهُ الَّذِى جَعَلَ
وكقوله تعالى:
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٢١/٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣ /٤١٦.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
١٣٤/١٨.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَنَ فيِ أَحْسَنِ
تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: ٤].
قال الإمام ابن جرير: ((ومعناه: في أعدل
خلق، وأحسن صورة، قال ذلك ابن عباس،
وقال آخرون: بل معنى ذلك: لقد خلقنا
الإنسان، فبلغنا به استواء شبابه وجلده
وقوته، وهو أحسن ما يكون، وأعدل ما
يكون وأقومه، وقال آخرون: قيل ذلك لأنه
لیس شيء من الحیوان إلا وهو منکب على
وجهه غير الإنسان. قال ذلك عن ابن عباس:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِسَنَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ قال: خلق
كل شيء منکبًا على وجهه، إلا الإنسان.
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب: إن
معنى ذلك: لقد خلقنا الإنسان في أحسن
صورة وأعدلها)»(٥)
ولهذا أنكر الله تعالى على من يدعو
من لا يخلق فضلاً عن أن يكون محسنًا في
الخلق، قال تعالى: ﴿أَنَّدْعُونَ بَعْلًا وَتَذَرُونَ
أَحْسَنَ الْخَلِفِينَ ﴾ [الصافات: ١٢٥].
وبَعْلًا:
والمعنى: ﴿ أَنَدْعُونَ﴾ أتعبدون
هو علم لصنم كان من ذهب وكان طوله
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١٥٩/٨.
(٥) جامع البيان ٢٤/ ٥٠٧.
وانظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٥٪
٣٤٣.
www. modoee.com
٤٢٧

حرف الألف
عشرين ذراعًا وله أربعة أوجه، فتنوا به
وعظموه حتى أخدموه أربعمائة سادن،
وجعلوهم أنبياء، و کان موضعه يقال له: بك،
فرکب وصار بعلبك، وهو من بلاد الشام،
﴿وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَلِقِينَ﴾ وتتركون عبادة
الله الذي هو أحسن المقدرين(١).
ثالثًا: الإحسان في الرزق:
إن الله سبحانه وتعالى أحسن في الرزق
كما أحسن في الخلق.
قال تعالى: ﴿قَالَ يَقَوْمِ أَرَءَ يْتُمْ إِن كُتُ
عَلَى بَيْنَةٍ مِّن رَّبِ وَرَزَّقَنِى مِنْهُ رِزْقًا حَسَنَاْ وَمَا
أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَئِكُمْ عَنْهُ إِنْ
أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَحَ مَا أُسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيّ إِلَّ ◌ِاللَّهِ
عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أَنِيبُ ﴾ [هود: ٨٨].
قال أبو جعفر الطبري: ((يقول تعالى
ذكره: قال شعیب لقومه: یا قوم أرأيتم إن
كنت على بيان وبرهان من ربي فيما أدعوكم
إليه من عبادة الله، والبراءة من عبادة الأوثان
والأصنام، وفيما أنهاکم عنه من إفساد المال
﴿وَرَزَقَنِ مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾، يعني: حلالًا
طيبًا))(٢).
قال الماوردي: ﴿وَرَزَّقَنِى مِنْهُ رِزْقًا
حَسَنًا﴾ فيه تأويلان: أحدهما: أنه المال
الحلال، قاله الضحاك، قال ابن عباس،
وكان شعيب كثير المال، الثاني: أنه النبوة،
(١) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ١٣٥/٣.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٥/ ٤٥٣.
ذكره ابن عيسى (٣)، قال الإمام ابن كثير:
(قيل أراد النبوة وقيل أراد الرزق الحلال
ویحتمل الأمرین»(٤).
وقال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَتِ النَّخِيلِ
وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنَا إِنَّ
فِ ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (
(٦٧) ﴾ [النحل: ٦٧].
فقد رزق الله تعالى من ثمرات النخيل
والأعناب، الرزق الحسن، وهو يؤكل من
الأعناب والتمور(٥)، قال ابن عباس: ﴿وَرِزْقًا
حَسَنًا﴾ فهو الحلال من الخل والزبيب
والنبيذ وأشباه ذلك، فأقره الله وجعله حلالًا
للمسلمين(٦).
قال الماوردي: «قوله عز وجل: ﴿وَمِن
ثَمَرَتِ اٌلَّخِيلِ وَالْأَعْنَبِ نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا
وَرِزْقًا حَسَنًا﴾.
فيها أربعة تأويلات:
أحدها: أن السكر: الخمر، والرزق
الحسن: التمر والرطب والزبيب، وأنزلت
هذه الآية قبل تحريم الخمر، ثم حرمت
من بعد، قال ابن عباس: السكر: ما حرم من
شرابه، والرزق الحسن: ما حل من ثمرته،
وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير:
(٣) انظر: النكت والعيون ٢ / ٤٩٧.
(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/
٢٩٦.
(٥) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٣/
٢٠٩.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٧/ ٢٢٨٨.
٤٢٨
مَوَسُوبة النفسية
القرآن الكريم

الإحسان
والسكر: الخمر، والنبيذ المسكر.
أي: رزقهم الله الجنة التي لا ينقطع نعيمها،
واختلف من قال بهذا هل خرج مخرج ولا يزول(٢).
الإباحة أو مخرج الخبر على وجهين:
أحدهما: أنه خرج مخرج الإباحة ثم
نسخ، قاله قتادة.
الثاني: أنه خرج مخرج الخبر أنهم
يتخذون ذلك وإن لم يحل، قاله ابن عباس.
الثاني: أن السكر: النبيذ المسكر،
والرزق الحسن: التمر والزبيب، قاله
الشعبي والسدي، وجعلها أهل العراق دليلاً
على إباحة النبيذ.
الثالث: أن السكر: الخل بلغة الحبشة،
الرزق الحسن: الطعام.
الرابع: أن السكر: ما طعم من الطعام،
وحل شربه من ثمار النخيل والأعناب،
وهو الرزق الحسن، وبه قال أبو جعفر
الطبري))(١).
وإحسان الله تعالى في الرزق لا يقتصر
على الدنيا، بل ذلك يشمل أيضًا الآخرة.
قال تعالى: ﴿وَاَلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِ
سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُواْ أَوْ مَاتُواْ لَيَرْزُقَنَّهُمُ
اللَّهُ رِزْقًا حَسَنَّا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوْ خَيْرُ
الزَّزِقِينَ ﴾ [الحج: ٥٨].
﴿وَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ
وقوله تعالى:
صَلِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَّجْرِىٍ مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ
فِيَهَا أَبْدَا قَدْ أَحْسَنَّ اللّهُ لَهُ رِزْقًا ﴾ [الطلاق: ١١]
(١) انظر: النكت والعيون، ٣/ ١٩٨.
ويعني بالرزق: ما رزقهم فيها من
المطاعم والمشارب، وسائر ما أعد لأوليائه
فيها، فطیبه لهم(٣).
رابعًا: الإحسان في الحكم:
بین الله تعالی أنه أحسن الحاکمین، قال
تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونٌّ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ
اُللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: ٥٠].
قال تعالى موبخًا اليهود الذين أبوا قبول
حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم
عليهم ولهم من اليهود، ومستجهلاً فعلهم
ذلك منهم، ومن هذا الذي هو أحسن
حکمًا، أيها اليهود، من الله تعالی ذکره عند
من كان يوقن بوحدانية الله، ويقر بربوبيته؟
يقول تعالى ذكره: أي حكم أحسن من حكم
الله، إن كنتم موقنین آن لکم ربًا، و کنتم أهل
توحید وإقرار به؟ (٤).
والمعنى: أن الجاهلية كانوا يجعلون
حكم الشريف خلاف حكم الوضيع،
وكانت اليهود تقيم الحدود على الضعفاء
الفقراء، ولا يقيمونها على الأقوياء الأغنياء،
فضارعوا الجاهلية في هذا الفعل(٥).
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٨٨/٥.
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري ٤٦٩/٢٣، التفسير
الوسيط، الواحدي ٣١٦/٤.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٣٩٤/١٠.
(٥) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
www. modoee.com
٤٢٩

حرف الألف
وفي الآية ينكر تعالى على من خرج
عن حکم الله المحکم المشتمل علی کل
خیر، الناهي عن كل شر، وعَدَلَ إلى ما
سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات
التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة
الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به
من الضلالات والجهالات مما يضعونها
بآرائهم وأهوائهم.
قال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَهِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ أي:
يبتغون ویریدون، وعن حكم الله يعدلون،
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ أي:
ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل
عن الله شرعه، وآمن به، وأيقن وعلم أن
الله أحكم الحاكمين، وأرحم بخلقه من
الوالدة بولدها، فإنه تعالى هو العالم بكل
شيء، القادر على كل شيء، العادل في کل
شيء(١).
وبمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ
حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥)﴾ [المائدة: ٥٠].
وردت آيات في كتاب الله تعالى، منها:
قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُ اَلْحَقِّ
وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ ﴾ [الأنعام: ٥٧].
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبِرُواْ حَّ يَحْكُمَ اللَّهُ
[الأعراف:
بَيْنَنَّأْ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِينَ (
٨٧].
٢١٤/٦.
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣/
١١٩.
وقوله تعالى: ﴿وَتَِّعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ
حَقَّى يَحْكُمَ اَللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (١٦﴾ [يونس:
١٠٩].
﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ﴾، أي: أن الله خير
من يفصل وأعدل من يقضي؛ لأنه لا يقع في
حكمه ميل إلى أحد، ولا محاباة لأحد(٢)،
يعني: أنه حاكم منزه عن الجور والميل
والحيف (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَىْ نُوحُ رَّبَّهُ، فَقَالَ
رَبِّ إِنَّأَبْنِىِ مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ
أَعْكُمُ الْحَكِينَ ﴾ [هود: ٤٥].
يعني: أنت وعدتني أن تنجي أهلي
﴿وَأَنْتَ أَعَكُمُ الْحَكِينَ﴾ يعني: وأنت أحكم
الحاكمين بالعدل (٤).
قال الزمخشري: ((أي: أعلم الحكام
وأعدلهم؛ لأنه لا فضل لحاكم على غيره إلا
بالعلم والعدل)»(٥).
وقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْكَّمِ الْحَكِمِينَ
﴾ [التين: ٨].
أي: أتقن الحاكمين صنعًا في كل ما
خلق، وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق،
وعدلًا بين الخلق (٦).
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ١٢ / ٥٦١.
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٥/١٤.
(٤) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٢/ ٤٣٣.
(٥) انظر: الكشاف ٢/ ٣٩٨.
(٦) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ٢٠/
٤١١.
٤٣٠
لِلْعُرآن الكَرِيْمِ

الإحسان
قال ابن جرير الطبري في تفسير قوله
تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَتَكَمِ الْحَكِمِينَ ﴾
[التین: ٨]: ((يقول تعالى ذكره: أليس الله يا
محمد بأحکم من حکم في أحكامه، وفصل
قضائه بین عباده؟»(١).
خامسًا: الإحسان في الأجر والثواب:
إن الإحسان في الأجر والثواب من الله
تعالى لمن آمن وعمل صالحًا ثابت في آيات
كثيرة.
قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا مِن ذَكَرٍ
أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَوَةً طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ
[النحل: ٩٧].
يعني: الإحسان الذي كانوا يعملون في
الدنيا، فيجزيهم بأحسن أعمالهم، ويبقى
سائر الأعمال فضلًا(٢).
قال الماوردي: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم
◌ِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
لايحتمل
و جھین:
أحدهما: أن يجازى على أحسن الأعمال
وهي الطاعة، دون المباح منها.
الثاني: مضاعفة الجزاء وهو الأحسن،
كما قال تعالى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]))(٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٤ / ٥١٦.
(٢) تفسير السمرقندي، ٢/ ٢٩٠.
(٣) انظر: النكت والعيون، الماوردي٢١٢/٣.
وقوله تعالى: ﴿يَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهُ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ
حِسَابٍ ﴾ [النور: ٣٨].
وفي الآية تقرير وتنبيه على كمال القدرة،
ونفاذ المشيئة، وسعة الإحسان؛ لأن ﴿بغيرِ
حِسَابٍ﴾ كناية عن السعة، وأنه لا يدخل
تحت حساب الخلق وعدهم (٤).
والمراد بـ﴿أَحْسَنَ مَا عَيِلُواْ﴾: أعمالهم
الحسنة الصالحة؛ لأنها أحسن ما عملوا؛
لأنهم يعملون المباحات وغيرها، فالثواب
لا يكون إلا على العمل الحسن(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ
الصَّلِحَتِ لَتُكَفِرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَهُمْ
أَحْسَنَ الَّذِى كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [العنكبوت: ٧].
والمعنى: ولنثيينهم على صالحات
أعمالهم في إسلامهم، أحسن ما كانوا
يعملون في حال شركهم مع تكفيرنا سيئات
أعمالهم (٦).
وقيل: نعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن،
كما قال: ﴿مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَّةِ فَلَهُ عَشْرُ
أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠](٧).
وقوله تعالى: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ
أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَشَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِ أَصْحَبٍ
(٤) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٣٩١.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن السعدي، ص
٥٦٩.
(٦) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٠ / ١١.
(٧) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٥٥٠/٣.
www. modoee.com
٤٣١

حرف الألف
اْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ
[الأحقاف: ١٦].
﴿ أُوْلَكَ أَلَّذِينَ تَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا
عَمِلُواْ﴾ يعني: أعمالهم الصالحة التي
عملوها في الدنيا، وكلها حسن، والأحسن
بمعنی الحسن، فیثیبهم عليها، وتتجاوز عن
سیئاتهم، فلا نعاقبهم عليها، ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ
الَّذِى كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾، وهو قوله عز وجل:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَتِ جَنَّتٍ
تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ﴾ [التوبة: ٧٢](١).
وقوله تعالى: ﴿فَانَهُمُ اللَّهُ تَوَابَ الدُّنْيَا
وَحُسْنَ ثَوَابٍ الْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[آل عمران: ١٤٨].
قال أبو جعفر الطبري: ((يعني بذلك
تعالی ذکره: فأعطى الله الذين وصفهم بما
وصفهم، من الصبر على طاعة الله بعد مقتل
أنبيائهم، وعلى جهاد عدوهم، والاستعانة
بالله في أمورهم، واقتفائهم مناهج إمامهم
على ما أبلوا في الله ﴿ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾،
يعني: جزاء في الدنيا، وذلك: النصر على
عدوهم وعدو الله، والظفر، والفتح عليهم،
والتمكين لهم في البلاد ﴿وَحُسْنَ ثَوَابٍ
الْآخِرَةَ﴾، يعني: وخير جزاء الآخرة على
ما أسلفوا في الدنيا من أعمالهم الصالحة،
وذلك: الجنة ونعيمها))(٢).
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٤ / ١٩٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧ / ٢٧٥.
وقوله تعالى: ﴿مَلْ جَزَآءُ الْإِحْسَنِ إِلَّا
﴾ [الرحمن: ٦٠].
(٦٠
اَلْإِحْسَنُ
أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن
يحسن الله إليه في الآخرة (٣).
والمعنى: هل ثواب خوف مقام الله عز
وجل لمن خافه، فأحسن فى الدنيا عمله،
وأطاع ربه، إلا أن يحسن إليه في الآخرة ربه،
بأن يجازيه على إحسانه ذلك في الدنيا (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ
أَنِ لَآ أُضِيعُ عَمَلَ عَمِلٍ مِّنْكُم مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنْفِىٌ
بَعْضُكُمْ مِنُ بَعْضٍّ فَلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُوا
مِن دِيَدِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ
لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيْئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ
◌َّجْرِى مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاَللَّهُ
عِنْدَ مُ حُسْنُ الثَّوَابِ ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
أي: أجاب الله دعاءهم، دعاء العبادة،
ودعاء الطلب، وقال: ﴿أَنِ لَا أُضِيعُ عَمَلَ
عَمِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنَ﴾، فالجميع
سيلقون ثواب أعمالهم كاملًا موفرًا(٥).
وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ
مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَاُلْقَنَطِيرِ الْمُقَنَطَرَةِ
مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ
وَالْأَنَْمِ وَالْحَرْثُ ذَلِكَ مَتَعُ الْحَيَوَةِ
(٣) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج٥ /
١٠٣.
(٤) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٣/ ٦٧.
(٥) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
١٦٢.
٤٣٢
القرآن الكريم

الإحسان
الدُّنْيَّا وَاللهُ عِندَهُ حُسْبُ اَلْمَعَابِ )﴾ [آل
عمران: ١٤].
فقوله: ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَشَابِ﴾ أي:
حسن المرجع والمنقلب، وهي الجنة(١).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٢٥٨/٦.
مجالات الإحسان
مجالات الإحسان في القرآن الكريم
أربعة، هي: الإحسان في الاعتقاد،
والإحسان في العبادة، والإحسان في
المعاملات، والإحسان في الأخلاق،
ويمكن بيان ذلك في المطالب الآتية:
أولًا: الإحسان في الاعتقاد:
العقيدة هي: الأمور التي تصدق بها
النفوس وتطمئن إليها القلوب، وتكون يقينا
عند أصحابها لا يمازجها ريب ولا يخالطها
شك مما جاء عن الله تعالى في كتابه الكريم
وصح عن رسوله في سننه (٢).
والإحسان في الاعتقاد يكون بتوحيد
الربوبية والألوهية والأسماء والصفات،
فالإحسان بتوحيد الربوبية هو بإفراد الله
تعالى بالوحدانية، والإقرار بأنه واحد في
أفعاله، لا شريك له فيها، كالخلق والرزق
والإحياء والإماتة، وتدبير الأمور والتصرف
في الكون، وغير ذلك مما يتعلق بربوبيته.
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ )
اللَّهُ الصََّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ
وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوَّا أَحَدٌّ ))﴾
٥
[الإخلاص: ١-٤] (٣).
(٢) انظر: الإحسان في ضوء الكتاب والسنة
النبوية، أحمد الغامدي، ص ١٩٠.
(٣) انظر: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد،
الصنعاني، ص ٩.
www. modoee.com
٤٣٣

حرف الألف
فتوحيد الربوبية هو: توحيد الله تعالى
بأفعاله، والإقرار بأنه خالق كل شيء
وملیکه، وإليه يرجع الأمر كله في التصريف
والتدبير، فهو الذي يحيي ويميت، وهو
الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وهو
الذي يرسل الرسل، ويشرع الشرائع، ليحق
الحق بكلماته، ويقيم العدل بين عباده شرعًا
وقدرًا إلى غير ذلك مما لا يحصیه العد، ولا
تحيط به العبارة، وهذا النوع من التوحيد
قد أقرت به الفطرة، وقام عليه دليل السمع
والعقل(١).
بتوحيده بأفعال العبادة، كالدعاء والخوف
والرجاء والتوكل والاستعانة والاستعاذة
والاستغاثة والذبح والنذر، وغيرها من أنواع
العبادة التي يجب إفراده بها، فلا يصرف
منها شيء لغیرہ، ولو کان ملگا مقربًا، أو نبيًا
مرسلًا، فضلًا عمن سواهما.
وبمعنى آخر فتوحید الإلهية: هو إفراد
الله بالعبادة: قولًا، وقصدا، وفعلا، فلا ينذر
إلا له، ولا تقرب القرابين إلا إليه، ولا يدعى
في السراء والضراء إلا إياه، ولا يستغاث إلا
به، ولا يتوكل إلا عليه، إلى غير ذلك من
أنواع العبادة(٢).
(١) انظر: مذكرة التوحيد، عبد الرزاق عفيفي،
ص ٢٧.
(٢) انظر: مذكرة التوحيد، عبد الرزاق عفيفي،
ص ٢٧.
والإحسان في توحيد الأسماء والصفات:
هو إثبات كل ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله
صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات
علی وجه یلیق بکماله وجلاله، دون تكييف
أو تمثیل، ودون تحریف أو تأويل أو تعطيل،
وتنزيهه عن کل ما لا يليق به.
کَمِثْلهِ،
لَيْسَ
كما قال الله عز وجل:
شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى:
١١].
فجمع في هذه الآية بين الإثبات والتنزيه،
فالإثبات في قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
والإحسان في توحيد الألوهية: يكون والتنزيه في قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾
فله سبحانه وتعالى سمع لا كالأسماع،
وبصر لا كالأبصار، وهكذا يقال في كل ما
ثبت لله من الأسماء والصفات (٣).
وقد وردت في القرآن آیات تدل على
الإحسان في الاعتقاد، قال تعالى: ﴿وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَدُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
وَأَتَّبَعَ مِنَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ
خَلِيلًا {١٢٥)﴾ [ النساء: ١٢٥].
فالآية تدل على أن الإحسان في الاعتقاد
هو لمن استسلم وجهه لله فانقاد له بالطاعة،
مصدقا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم
فیما جاء به من عند ربه وهو محسن، يعني:
وهو عامل بما أمره به ربه، محرم حرامه
(٣) انظر: تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد،
الصنعاني، ص ٩.
٤٣٤
جويق
القرآن الكريم

الإحسان
ومحلل حلاله، ﴿وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾
يعني بذلك: واتبع الدين الذي کان علیه
إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام، وأمر به
بنيه من بعده وأوصاهم به، ﴿حَنِيفًا﴾ يعني:
مستقيمًا على منهاجه وسبيله (١).
١٠٠٠٠
﴿ وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ,
وقوله تعالى:
إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىُّ
[لقمان: ٢٢].
٢٢
وَإِلَى اللَّهِ عَقِبَةُ الْأُمُورِ
أي: من أسلم فقد استمسك بقول: لا إله
إلا الله، وهي العروة الوثقى (٢)، وذلك بأن
یخلص عبادته وقصده إلى الله تعالى وهو
محسن؛ لأن العبادة من غير إحسان ولا
معرفة القلب لا تنفع (٣).
ثانيًا: الإحسان في العبادة:
عرف شيخ الإسلام ابن تيمية العبادة،
بأنها: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه
من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة،
فالصلاة والزكاة والصيام والحج وصدق
الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين
وصلة الأرحام والوفاء بالعهود والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد
الكفار والمنافقين والإحسان الجار واليتيم
(١) جامع البيان، الطبري ٩/ ٢٥٠.
وانظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٢/ ١٢٠.
(٢) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ١٩٩/٤،
تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣١٠.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/
٧٤.
والمسكين وابن السبيل والمملوك من
الآدميين والبهائم والدعاء والذكر والقراءة
وأمثال ذلك من العبادة))(٤).
والإحسان فى العبادة يكون بالإخلاص
لله تعالى فيها، وقد أمر الله تعالى
بالإخلاص في العبادة، فقال سبحانه: ﴿إِنّاً
أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللّهَ مُخْلِصًا لَهُ
الدِّينَ ﴾ [الزمر: ٢].
وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَاْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَيُؤْتُواْ
الزَّكَوَةٌ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِمَةِ ﴾ [البينة: ٥].
والإسلام قد أسبغ على أعمال الإنسان
كلها صفة العبادة، إذا تحقق فيها شرطا قبول
العمل، وهما:
أولًا: الإخلاص: بأن يكون العمل
خالصًا لوجه الله الكريم، كما قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ اللّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ أَلِذِينَ
حُنَفَآءَ ﴾ [البينة: ٥].
فينوي العبد أن يكون عمله، وقوله
وإعطاؤه، ومنعه، وحبه، وبغضه لله وحده،
لا شريك له؛ إذ الأعمال لا تقوم إلا بالنيات،
كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال
بالنيات)(٥)؛ فالنية تتحكم في العمل، وتقلبه
(٤) العبودية، ابن تيمية، ص ٤٤.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء
الوحي، باب كيف كان بدء الوحي صلى الله
عليه وسلم، رقم ١،١ / ٦، من حديث عمر بن
الخطاب رضي الله عنه.
www. modoee.com
٤٣٥

حرف الألف
إلى عبادة (١).
ثانيًا: المتابعة: بأن يكون العمل على
منهاج رسول الله صلی الله عليه وسلم،
وهديه القويم، كما قال تعالى: ﴿وَمَآ
ءَاتَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَاتَهَنَّكُمْ عَنْهُ فَأَنْتَهُواْ﴾
[الحشر: ٧].
فالأعمال لا اعتبار لها إلا إذا كانت على
الوجه الذي رسمه الشرع، فقد روت أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن رسول
الله صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث
في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد)(٢).
و کل عمل بلا متابعة، فإنه لا یزید عامله
إلا بعدًا من الله؛ فإن الله عز وجل إنما يعبد
بأمره، لا بالأهواء، ولا الآراء، والمسلك
الحسن ليس في إخلاص العمل لله عز
وجل فحسب، ولا في متابعة الرسول صلى
الله عليه وسلم فقط، بل في مجموعهما
معًا، فإن الله عز وجل ذكر العمل الصالح،
فقال: ﴿فَنْ كَانَ يَرْحُواْلِقَاءَ رَبِّهِ،فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَلِحًا
وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَيِّدِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].
والعمل الصالح هو الخالص الصواب،
(١) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
صوفي، ص ٩٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح،
باب إذا اصطلحوا على جور، فالصلح مردود،
رقم ٢٦٩٧، ١٨٤/٣، ومسلم في صحيحه،
كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة،
ورد محدثات الأمور، رقم ١٧١٨، ٣/
١٣٤٣.
فإذا جمع العمل هذين الشرطين، كان
عبادة(٣).
وبخصوص الإحسان في أعمال الحج.
قال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اَللّهَ لُومُهَا وَلَا
بِمَآؤُهَا وَلَكِن يَنَالَّهُ النَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ
سَخََّهَا لَكُنْ لِتُكَبِرُواْللَّهَ عَلَى مَا هَذَلِكُمْ وَبَثِيرٍ
الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الحج: ٣٧].
قال ابن جرير: «لم يصل إلى الله لحوم
بدنکم ولا دماؤها، ولكن يناله اتقاؤكم إياه
إن اتقیتموه فیھا فأردتم بها وجهه، وعملتم
فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها
وعظمتم بها حرماته ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ النَّقْوَى
رِ
وشـ
قال: ما أريد به وجه الله،
الْمُحْسِنِينَ﴾: يقول: وبشر يا محمد
الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه
في الدنيا بالجنة في الآخرة (٤)، والمحسنون
هم المخلصون في أعمالهم»(٥).
ولا يقتصر الإحسان على أعمال الحج
فقط، بل يشمل جميع العبادات؛ لعموم قوله
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَنِ
تعالى:
وَإِيتَآَيٍ ذِى الْقُرْفَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ
وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِّ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَذَكَّرُونَ ﴾ [النحل: ٩٠].
فإن من معاني الإحسان في الآية: أداء
(٣) انظر: المفيد في مهمات التوحيد، عبد القادر
صوفي، ص ٩٣.
(٤) جامع البيان ١٨/ ٦٤١.
(٥) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٧/ ٢٤٨.
٤٣٦
جَوَسُوبَةُ النَّهِبـ
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الإحسان
الفرائض والإخلاص لله تعالى فيها (١).
ثالثًا: الإحسان في العلاقات
الاجتماعية:
إن الإحسان في المعاملات في القرآن
يأتي في أمور هي:
١. الإحسان إلى الوالدين.
أمر الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين في
آیات کثیرة، منها:
وَأَعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَاَ
قوله تعالى:
تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَلِدَ يْنِ إِحْسَنًا﴾﴾ [النساء:
٣٦].
أي: أحسنوا إليهم بالقول الكريم
والخطاب اللطيف والفعل الجميل بطاعة
أمرهما واجتناب نهيهما والإنفاق عليهما
وإكرام من له تعلق بهما وصلة الرحم التي
لا رحم لك إلا بهما، وللإحسان ضدان،
الإساءة وعدم الإحسان، وكلاهما منهي
عنه(٢).
فكل قول وفعل يحصل به منفعة للوالدين
أو سرور لهما، فإن ذلك من الإحسان، وإذا
وجد الإحسان انتفى العقوق (٣).
﴿وَإِذْأَ خَذْنَا مِثَقَ بَنِىّ
وقوله تعالى:
(١) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٠/ ٢٥٩.
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
١٧٨.
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص
٢٧٩.
إِسْرَّهِيلَ لَا تَعْبُّدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَذِى الْقُرْبَى وَاَلْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَقُولُواْ
لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
الزَّكَوَةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنكُمْ
وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٨٣].
وقوله تعالى: ﴿﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلََّتَعْبُدُوَاْ
إِلَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنَاْ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ
اُلْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُنِّي
وَلَا نَنْهُرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا )﴾
[الإسراء: ٢٣].
ومعنى قضى في الآية: أمر ووصی، قال
ابن عباس: ((یرید: وأمر ربك، ليس هو قضاء
حکم»، وهو قول مجاهد، والحسن، وقتادة،
وعامة المفسرين (٤)، وقرن الأمر بالإحسان
إلى الوالدين بعبادته وحده جل وعلا يدل
علی شدة تأكد وجوب بر الوالدين(٥).
وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ
إِحْسَنَّا حَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهَا وَوَضَعَتْهُ كُرُهًا وَحَمْلُهُ.
وَفِصَلُهُ، تَشُونَ شَهْرًا حَّىَ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ
أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبٍ أَوْزِعْنِىّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ
أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَنَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَنُهُ
وَأَصْلِحْ لِ فِى ذُرِّيَّقٌّ إِنِّ تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ ﴾ [الأحقاف: ١٥].
والمعنى: ووصينا ابن آدم بوالديه
أمرناه بالإحسان إليهما في صحبته إياهما
(٤) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢ /
٤٩، التفسير الوسيط، الواحدي٣/ ١٠٢.
(٥) انظر: أضواء البيان الشنقيطي ٣ / ٨٥.
www. modoee.com
٤٣٧

حرف الألف
أيام حياتهما، والبر بهما في حياتهما وبعد
مماتهما (١).
٢. الإحسان إلى الزوجة والأولاد.
إن الإحسان إلى الزوجة يكون
بالمعاشرة بالمعروف فقد ورد الأمر بذلك
في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِّ فَإِن
كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ
فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾
[النساء: ١٩].
فقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم
وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك
منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى:
﴿وَنَّ مِثْلُ الَّذِى عَلَيِْنَ بِالْعُرُوفِ﴾ [البقرة:
٢٢٨] (٢).
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أكمل
المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقاً، وخيركم
خيركم لنسائهم) (٣).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١١٢/٢٢، معاني
القرآن وإعرابه، الزجاج ٤/ ٤٤٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٢/
٢١٢.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب الرضاع
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما
جاء في حق المرأة على زوجها، رقم ١١٦٢،
٤٥٨/٣، وابن ماجه في سننه، كتاب النكاح،
باب حسن معاشرة النساء، رقم ١٩٧٨،
٠٦٣٦/١
والحديث صححه الترمذي، والبوصيري
في مصباح الزجاجة ١١٨/٢ ، والألباني في
والإحسان إلى الزوجة كما يكون في
حال الزوجية یکون كذلك في حال الطلاق،
قال تعالى: ﴿الطَّلَقُّ مَنَّتَانٍ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ
أَوْتَشْرِيٌ بِإِحْسَنِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].
فالإمساك الذي هو بمعروف بعد الطلقة
الثانية هو أن يحسن صحابتها، أو تسريح
بإحسان، قال ابن عباس رضي الله عنه: أن
یسرحها بإحسان، فلا یظلمها من حقها شيئًا،
بأن يوفيها حقها ولا يؤذيها ولا يشتمها،
وقال: من خالع امرأته فأخذ منها شيئًا
أعطاها، فلا أراه سرحها بإحسان (٤).
كما جعل الله تعالى من الإحسان إلى
الزوجة بعد الطلاق أن أمر لها بالمتعة، وهي
عطية يعطيها الزوج لمطلقته.
قال تعالى: ﴿لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ
اَلْنِسَآءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٌ
وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْوُسِعِ قَدَرُهُ، وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَحَاً
بِالْمَعْرُوفِّ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ
مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَمُنَّ فَرِيضَةً
فَنِصْفُ مَا فَضْتُمْ إِلَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْيَعْفُوا الَّذِى
بِيَدِهِ، عُقْدَةُ النِّكَاحْ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى
، وَلَا تَنسَوأْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ
بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: ٢٣٦-٢٣٧].
أي: هذا التمتيع حق ثابت على
المحسنين الذين يحسنون إلى أنفسهم
صحیح الجامع الصغير وزيادته، رقم ٣٢٦٥،
١/ ٦٢٠.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره، ٤١٩/٢.
جَوَسُو ◌َةُ النَّفِيَّة
القرآن الكريم
٤٣٨