Indexed OCR Text

Pages 21-40

الاجتماع
الكافرين أن يكونوا على هذا الولاء الذي
بینهم، وإنما هو تقرير لأمر واقع، يرى
منه المؤمنون كيف يجتمع أهل الضلال
على الضلال؟! وكيف يقوم بينهم الولاء
والتناصر؟! فأولى للمؤمنين ثم أولى لهم أن
يجتمعوا على الإيمان، وأن يتناصروا على
الحق والخير (١).
فالكفار -کما نعلم- وکما تحدثنا
الآية الكريمة بعضهم أولياء بعض، فإن لم
يتجمع المؤمنون ليترابطوا، ويكونوا على
قلب رجل واحد، فالكفار يتجمعون بطبيعة
كفرهم ومعاداتهم للإسلام، وإن لم يتجمع
المسلمون بالترابط، نجد قول الحق تحذيرًا
لهم من هذا ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى
اَلْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: ٧٣].
وقال تعالى في شأن المنافقين:
الْمُنَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾
[التوبة: ٦٧].
فالمنافقون والمنافقات من طينة واحدة،
وطبيعة واحدة، المنافقون في كل زمان،
وفي كل مكان، تختلف أفعالهم وأقوالهم؛
ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين
واحد، سوء الطوية، ولؤم السريرة، والغمز
والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن
عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة، أما
(١) التفسير القرآني للقرآن ٥/ ٦٨٦.
الذي يقرره القرآن الكريم دعوة لجماعات سلوكهم فهو الأمر بالمنكر، والنهي عن
المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء
الناس، وهم حین یأمرون بالمنکر، وینهون
عن المعروف، يستخفون بهما، ويفعلون
ذلك دسًا وهمسًا وغمزًا ولمزًا(٢).
فقوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يعني:
في الاجتماع على الضلال، كما قال:
وَأَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
[التوبة: ٧١] أي: في الاجتماع على الهدى (٣).
قال البغوي: ((قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُم
مِّنْ بَعْضٍ﴾ أي: هم علی دین واحد، وقيل:
أمرهم واحد بالاجتماع على النفاق)» (٤).
فالمنافقون والمنافقات وصفهم الله
بقوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: أنهم
كلهم متشابهون وسلوكهم مبني على التقليد
والاتباع، فهم يقلدون بعضهم بعضًا، وبما
أنهم قد أقاموا عقيدتهم على الشر فكلهم
شر، ولا يوجد بينهم من ينصحهم بالخير،
أو یحاول ردهم عن النفاق، بل هم يمضون
في تیار الشر إلى آخر مدی.
ولما كان مرضهم واحدًا، وهو الكفر
الباطني كان سلوكهم متشابهًا، قال الإيجي
في تفسير هذه الآية: أي: هم على دين
وطريق واحد، وبعضهم مشابه ومقارب من
(٢) في ظلال القرآن ٣/ ١٦٧٣.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ١٣.
(٤) معالم التنزيل، ٤ / ٧١.
www. modoee.com
٣٤١

حرف الألف
بعض، كأبعاض الشيء الواحد(١).
والحاصل: أن المنافقين يربط بينهم
عامل مشترك، وهو أن بعضهم يشبه بعضًا
في الشك والنفاق والارتياب، ولكن لا صلة
بينهم ولا تآلف؛ إذ الولاية والصلة والأخوة
هي من صفات المؤمنين أصحاب العقائد
الراسخة.
فإن قيل: لمَ قال تعالى في وصف
المنافقين: ﴿بَعْضُهُم مِّنْ بَعْضٍ﴾ وقال في
وصف المؤمنين: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ما
الحكمة في ذلك؟
أجیب: بأنہ لما کان نفاق الأتباع حصل
بسبب التقليد لأولئك الأكابر لسبب
مقتضى الهوى والطبيعة والعادة، قال فيهم:
﴿بَعْضُهُم ◌ِنْ بَعْضٍ﴾ ولما كانت الموافقة
الخالصة بين المؤمنين بتوفيق الله تعالى
وهدایته لا بمقتضى الطبيعة، وهوی النفس،
وصفهم بأن بعضهم أولياء بعض، فظهر
الفرق بين الفريقين، وظهرت الحكمة(٢).
والمقصود: أن الكفر صفة مشتركة
قد جمعت بين الكافرين، كما أن الشك
والنفاق والارتياب صفة مشتركة قد جمعت
بين المنافقين، كما أن المؤمنين بعضهم
من بعض، أي: بعضهم أولياء بعض في
الاجتماع على الهدى.
(١) جامع البيان، الإيجي ٢ / ٨٠.
(٢) السراج المنير، الشربيني ٦٣١/١.
٥. العاقبة.
ومما يجمع الناس العاقبة المشتركة،
سواء كانت خیرًا أو شرًا، وقد أخبر الله تعالى
أن المجرمين تجمعهم عاقبة واحدة، وهي
أنهم جميعًا في العذاب، التابع والمتبوع.
قال تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ
إِذ ◌َلَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ
٣٩
[الزخرف:٣٩].
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَيِدٍ فِ اَلْعَذَابِ
مُشْتِكُونَ ﴾ [الصافات: ٣٣].
فذكر العذاب الذي سیحل بهم جميعًا
رؤساء ومرؤوسین، فقال: ﴿ فَإِنَّهُمْ یومیذٍفِی
الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: إن الفریقین المتسائلين
حينئذٍ مشترکون في العذاب لا محالة، كما
اشتركوا في الضلال والغواية.
فَحُقَ لهؤلاء أن يجتمعوا ويشتركوا
هم وقرناؤهم في العذاب، كما كانوا
مشترکین ومجتمعین في سببه، وهو الكفر
والمعاصي، فقد اجتمعوا واشتركوا؛ ولكنه
بئس الاجتماع والاشتراك.
ولا يخفف هذا الاجتماع والاشتراك
عنهم شيئًا من العذاب؛ لأن لكل واحد
من الكفار والشياطين الحظ الأوفر من
العذاب(٣).
فكأن الله تعالى منعهم التأسي بما يُسَمِل
(٣) انظر: التفسير الوسيط، الواحدي ٧٣/٤
بتصرف.
٣٤٢
مَوَسُولَةُ النَّفَبِد
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الاجتماع
على الإنسان المصيبة والعقوبة، فإنه إذا كان
في مصيبة فرأى غيره في مثلها سهل عليه،
كما قالت الخنساء في أخيها صخر(١):
وَلَوْلا كَثْرة الباکِین حَوْلي
على إِخْوانِهِم لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَنْكُون مثلَ أخِي ولكِنْ
أَسْلِي النَفْسِ عَنْهُ بِالتَأْسِي
ففي هذا حرمان التأسي، وهي نعمة
يسلبها الله أهل النار؛ ليكون أشد لعذابهم،
فإن التأسي قد يخفف كثيرًا عن المتأسي من
حزنه (٢).
وقد بين الله تعالى أن حصول الشركة في
هذا العذاب لا يفيد التخفيف، كما كان يفيده
في الدنيا، والسبب فيه وجوه:
الأول: أن ذلك العذاب شدید، فاشتغال
كل واحد بنفسه يذهله عن حال الآخر، فلا
جرم أن الشركة لا تفيد الخفة.
الثاني: أن قومًا إذا اشتركوا في العذاب
أعان کل واحد منهم صاحبه بما قدر عليه،
فيحصل بسببه بعض التخفيف، وهذا المعنى
متعذر في القيامة.
الثالث: أن جلوس الإنسان مع قرينه
يفيده أنواعًا كثيرة من السلوة، فبين تعالى أن
الشيطان وإن كان قرينًا إلا أن مجالسته في
القيامة لا توجب السلوة، وخفة العقوبة (٣).
(١) البيتان في ديوانها ص ٧٢.
(٢) غرائب التفسير، النيسابوري ٢/ ١٠٦٤.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٦٣٣/٢٧.
بل إن الإنسان إذا قرن في العذاب بمن
کان سبب عذابه كان أشد في ألمه وحسرته؛
ولهذا المعنى يقرن الكفار بشياطينهم التي
أضلتهم.
قال معمر عن سعيد الجريري: بلغنا
أن الكافر إذا بعث يوم القيامة من قبر شفع
بشيطانه فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى
النار، فذاك حين يقول: ﴿يَلَيْتَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ
بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فِئْسَ اَلْقَرِينُ﴾ [الزخرف: ٣٨].
وقد أخبر الله تعالى عن حنق الكفار على
من أضلهم بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُ واْ رَبَّا
أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا
◌َّحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُوْنَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ
٢٩
[فصلت: ٢٩].
فإذا قرن أحدهم بمن أضله في العذاب
كان أشد لعذابه، فإن المكان المتسع يضيق
على المتباغضين باقترانهما في المكان
الضيق، وأخبر الله تعالى عن اختصام الكفار
مع من كان معهم من الشياطين، ومن عبدوه
من دون الله تعالى (٤).
ومع اشتراكهم في العذاب إلا أن
للمتبوعين عذابًا زائدًا للإغواء، ولكن الزيادة
لا تنافي الاشتراك في أصل الشيء كما دلت
عليه أدلة أخرى؛ لأن المقصود هنا بيان عدم
إجداء معذرة كلا الفريقين وتنصله.
قال السعدي: ((ولكنه من المعلوم أن
(٤) تفسير ابن رجب الحنبلي ١/ ٩٩.
www. modoee.com
٣٤٣

حرف الألف
عذاب الرؤساء وأئمة الضلال أبلغ وأشنع ولا أنسًا، فلما كان لا يتمتع بمنفعة من منافع
الاجتماع کان کأنه وحید.
من عذاب الأتباع، كما أن نعيم أئمة الهدى
ورؤسائه أعظم من ثواب الأتباع، قال تعالى:
﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَهُمْ
عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ
:[النحل: ٨٨].
فهذه الآيات ونحوها دلت على أن سائر
أنواع المكذبين بآيات الله مخلدون في
العذاب، مشترکون فیه، وفي أصله، وإن
كانوا متفاوتين في مقداره بحسب أعمالهم
وعنادهم وظلمهم وافترائهم، وأن مودتهم
التي كانت بينهم في الدنيا تنقلب يوم القيامة
عداوة وملاعنة))(١).
والمقصود: أن المجرمين اجتمعوا
على هذه العاقبة السيئة، وهي الاشتراك في
العذاب، کما اشتركوا في سببه في الدنیا،
ولكن لن ينفعهم اشتراکهم في العذاب كما
ينفع الواقعين في شدائد الدنيا اشتراكُهم
فيها؛ لتعاونهم في تحملِ أعبائِها، وتقسمِهم
لعنائها؛ لأنَ لکل منھم ما لا تبلغُه طاقتُه كما
قيلَ؛ لأنَ الانتفاعَ بذلكَ الوجهِ ليسَ مما
يخطر ببالِهم.
بل إن في هذا الاجتماع تعذيب وحسرة،
فمن قذفه عصيانه لله ولرسوله في النار، فإن
له من العذاب ما يمنعه عن الأنس بغيره،
فهو وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٢٨٨.
فالعذاب إذن كامل، لا تخففه الشركة،
ولا يتقاسمه الشركاء فيهون! ولهذا تقع
الملاحاة بين الأتباع والمتبوعين، ويتبرأ
المتبوعون من الأتباع، وتتقطع بينهم
أسباب التقارب والتواصل، ويترامون
بالعداوة والبغضاء! والأتباع والمتبوعون
هنا: هم جميعًا من أهل الضلال، أما الأتباع
فهم العامة، وأما المتبوعون فهم العلماء
وأصحاب القيادة الدينية فيهم؛ إذ هم الذين
زينوا للعامة هذا الضلال، وهم الذين حرفوا
لهم الكلم عن مواضعه، فأهلكوهم وهلكوا
معهم جميعًا.
فالمشهد هنا بين الأتباع والمتبوعين قائم
على شفير جهنم التي يساق إليها الأتباع
والمتبوعون معًا؛ ولما كان هؤلاء المتبوعون
هم الذين زينوا لأتباعهم هذا الضلال الذي
أوردهم موارد الهلاك، فقد وقع في أنفسهم
حين رأوا العذاب الذي ينتظرهم أن أتباعهم
سوف یتعلقون بهم، ویسوقونھم للقصاص
منهم، بتهمة التحريض والغواية لهم، عندئذٍ
بادر هؤلاء المتبرعون، وتبرؤوا من أتباعهم،
ونفضوا أيديهم من کل صلة بهم!
وحین یجد الأتباع أنهم وقادتهم حصب
جهنم، کما یقول الله تعالی: ﴿ فَإِنَّهُمْ یومیذٍفِى
الْعَذَابِ مُشْتَكُونَ﴾ يتضاعف حزنهم، وتشتد
٣٤٤
القرآن الكريم

الاجتماع
حسرتهم، ويقطع اليأس نياط قلوبهم، حین
لم ينالوا منالًا من هؤلاء الذين غرروا بهم،
وأوردوهم هذا المورد الوبيل!
وإذ ذاك تنطلق ألسنتهم بكلمات تتميز
غيظًا ويأسًا: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَاكَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا
تَبَرَّهُوأ مِنَا﴾ [البقرة: ١٦٧].
فهم إنما يتمتمون -في يأس مغلق-
أن یردوا هم ورؤساؤهم إلى هذه الدنيا
ليراجعوا حسابهم معهم، على ضوء ما
تکشف لهم في هذا الموقف؛ ولیصموا
آذانهم عن کل دعوة باطلة يدعونهم إليها،
أما تبرؤهم منهم في الآخرة فإنه لا يجدى
نفعًا، فقد دعوا إلى الضلال وأجابوا.
﴿ وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذََّلَمْتُمْ آَنگُوْفِى
الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ الخطاب هنا للفريقين،
التابعين والمتبوعين، إنه لن ينفعهم
اشتراکھم جمیعًا في العذاب، ولن یشفی
ما بصدور الضالين من نقمة وحنق على
من کانوا سببًا في إغوائهم وإضلالهم، أن
يلقى هؤلاء المغرون ما يلقون من عذاب
وبلاء(١).
٦. التناسب.
ومن العوامل المشتركة التي تجمع بين
الناس: الاشتراك في صفة واحدة أو أكثر،
سواء أكانت حسنة أم سيئة.
(١) التفسير القرآني للقرآن، الخطيب ١٣/ ١٣٣
بتصرف ..
قال تعالى: ﴿اَِّ لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ
مُشْرِكَةً وَالزَِّيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾
[النور: ٣].
يعني: الغالب أن المائل إلى الزنا
والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من
النساء، وإنما يرغب في نكاح فاسقة من
شكله، أو مشركة، والمسافحة لا يرغب
في نكاحها الصلحاء، وينفرون عنها، وإنما
يرغب فيها فاسق مثلها، أو مشرك، فإن
المشاكلة سبب الائتلاف والاجتماع، كما
أن المخالفة سبب الوحشة والافتراق.
وقدم الزاني في هذه الآية لأن الرجل
أصل في النكاح من حيث أنه هو الطالب،
ومنه تبدأ الخطبة؛ ولأن الآية نزلت في فقراء
المهاجرين الذين رغبوا في نكاح موسرات
كانت بالمدينة من بقايا المشركين لينفقن
عليهم من أكسابهن على عادة الجاهلية،
فاستأذنوا رسول الله في ذلك فنفر عنه ببيان
أنه من أفعال الزناة، وخصائص المشركين،
كأنه قيل: الزاني لا يرغب إلا في نكاح
إحداهما، والزانية لا يرغب في نكاحها إلا
أحدهما، فلا تحوموا حوله، كيلا تنتظموا
في سلكهما، أو تتسموا بسمتهما (٢).
فالآية تفيد نفور طبع المؤمن من نكاح
الزانية، ونفور طبع المؤمنة من نكاح الزاني،
واستبعاد وقوع هذا الرباط بلفظ التحريم
(٢) روح البيان، إسماعيل حقي ٦/ ١١٦.
www. modoee.com
٣٤٥

حرف الألف
الدال على شدة الاستبعاد:
ذَلِكَ عَلَى
وَحَرِم.
الْمُؤْمِنِينَ﴾ وبذلك تقطع الوشائج التي تربط
هذا الصنف المدنس من الناس بالجماعة
المسلمة الطاهرة النظيفة (١).
والحاصل: أن الزاني لا يطأ إلا زانية،
أي: لا یتھیأ له الحصول علی من یشاركه هذا
الإثم إلا امرأة فاسدة فاسقة مثله، فهو فاسد
فاسق، لا يستجيب له إلا فاسدة فاسقة، أو
مشرکة لا تؤمن بالله، ولا تخشی حسابًا
أو جزاء، فهي لهذا مستخفة بكل معنى من
معاني الخلق والفضيلة؛ إذ لا ترجو بعثًا،
ولا تطمع في ثواب، ولا تخشى من عقاب،
وكذلك الشأن في الزانية، إنها لا تدعو إليها
إلا فاسدًا فاسقًا، يستجيب لها، ويواقع
المنکر معها، أو مشرگا لا يؤمن بالله، ولا
باليوم الآخر، وفي هذا تغليظ لهذا الجرم،
واستخفاف بأهله، وأنهم أهل سوء، يجتمع
بعضهم إلى بعض، فليس فيهما صالح
وفاسد، وإنما هما كائنان فاسدان، ينجذب
بعضهما إلى بعض، کما ینجذب الذباب إلى
القذر والعفن.
فالآية الكريمة تحکي بأسلوب بديع ما
تقتضيه طبيعة الناس في التآلف والتزاوج،
وتبين أن المشاكلة في الطباع علة للتلاقي،
وأن التنافر في الطباع علة للاختلاف.
وصدق رسول الله صلى الله عليه
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب ٤ / ٢٤٨٨.
وسلم حیث یقول: (الأرواح جنود مجندة،
فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها
اختلف)(٢) (٣).
ومن الأدلة على أن من أسباب الاجتماع
التناسب والتجانس في بعض الصفات: قوله
تعالى: ﴿الْخَبِيشَتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ
لِلْخَبِشَتِّ وَالطَّيِّبَتُ لِلَِّينَ وَالطَّيِّبُونَ
لِلطَّيِّبَتِ﴾ [النور: ٢٦].
﴿اَلَْبِشَتُ لِلْخَبِيِنَ﴾ أي: إن الخبيثات
لا يرغب فيهن إلا الخبيثون، والآية مبنية
على الآية السابقة: ﴿اَلَِّ لَا يَنْكِحُ إِلََّّ زَائِيَةٌ
لأن الخبيثات والخبيثين هم
أوْ مُشْرَكَةٌ
الزواني ﴿وَالَّيِّبَتُ لِلَِّبِينَ﴾ وهم العفائف؛
فلا يجوز أن يتزوج عفيف إلا عفيفة مثله،
ولا أن تتزوج عفيفة إلا عفيفًا مثلها، وهذه
هي سنة النفوس الفاضلة، والخلق الكامل،
هذا ولم تخرج أوامره تعالى وإرشاداته
لخلقه عن أسمى الأخلاق التي تصبو إليها
الإنسانية، وتنتظم بها الأسر، فلا يختلط
الخبيث بالطيب، ولا يدنس العفيف نفسه
بمخالطة البغى، ولا تنزل العفيفة إلى درك
الزاني الفاجر ﴿أُوْلَئِكَ﴾ الطيبون والطيبات
(٢) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء،
باب الأرواح جنود مجندة ١٣٣/٤، رقم
٣٣٣٦، ومسلم في كتاب البر والصلة
والآداب، باب الأرواح جنود مجندة
٢٠٣١/٤، رقم ٢٦٣٨.
(٣) التفسير الوسيط، طنطاوي ١٠/ ٨٠.
٣٤٦
القرآن الكريم

الاجتماع
﴿مُبَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ أي: مما يقوله
فيهم الخبيثون والخبيثات، الوالغون في
الأعراض، الطاعنون في الكرامات(١).
وقال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ
اُلَّيِّبِ وَيَجْعَلَ اُلْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضِ
فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَتُّمَ أُوْلَئِكَ
[الأنفال: ٣٧] أي:
هُمُ الْخَسِرُونَ ﴾
ويجعل الله الخبيث بعضه منضمًا متراكبًا
على بعض، بحسب سنته تعالى في اجتماع
المتشاكلات، واختلاف المتناكرات (٢).
فقوله: ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ﴾ أي:
الفريق الكافر ﴿مِنَ اَلَطَيِّبِ﴾ أي: من الفريق
المؤمن ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ، عَلَى بَعْضِ
فيرڪُمُجميعًا﴾ أي: يجمعه متراكمًا بعضه
على بعض (٣).
فيجمع الله الخبيث على الخبيث فيلقي
به في جهنم، وتلك غاية الخسران، والتعبير
القرآني يجسم الخبيث حتى لكأنه جرم
ذو حجم، وكأنما هو كومة من الأقذار،
يقذف بها في النار، دون اهتمام ولا اعتبار
﴿فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِ جَهَنَّمَ﴾
وهذا التجسيم يمنح المدلول وقعًا أعمق
في الحس، وتلك طريقة القرآن الكريم في
التعبير والتأثير (٤).
(١) انظر: أوضح التفاسير ١/ ٤٢٦ بتصرف.
(٢) تفسير المراغي ٩/ ٢٠٦.
(٣) السراج المنير، الشربيني ١ / ٥٦٩.
(٤) في ظلال القرآن ٣/ ١٥٠٧.
فیجمع الله بین من كانوا يجتمعون في
هذه الدنيا على الباطل، ويستحبون الاجتماع
معهم أن يجمعوا في عذاب الآخرة، على
ما كانوا يستحبون الاجتماع في الملاهي
والطرب في هذه الدنيا ويجتمعون على
ذلك؛ فيجمع بين أولئك وبين قرنائهم
في جهنم، ويقرن بعضهم إلى بعض في
العذاب، كما قال تعالى ﴿وَأَلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
أي: من مات منهم على الكفر ﴿إِلَى جَهَنَّمَ
يُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦] أي: يجمعون،
وعلة هذا الجمع أن يميز الله تعالى الخبيث
من الطيب، فالطيبون وهم المؤمنون
الصالحون يعبرون الصراط إلى الجنة دار
النعيم، وأما الخبيث وهم فريق المشركين
فیجعل بعضه إلى بعض فیرکمه جميعًا كومًا
واحدًا، فيجعله في جهنم.
www. modoee.com
٣٤٧

حرف الألف
أنواع الاجتماع
ليس كل اجتماع محمودًا شرعًا، ولا
كل فُرقة منهي عنها شرعًا، فهناك اجتماع
محمود، واجتماع مذموم، وهناك فُرقة
محمودة، وفرقة مذمومة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
((الاجتماع بالإخوان قسمان، أحدهما: على
مؤانسة الطبع، وشغل الوقت، فهذا مضرته
أرجح من منفعته، وأقل ما فيه أنه يفسد
القلب، ويضيع الوقت، الثاني: الاجتماع
بهم على التعاون على أسباب النجاة،
والتواصي بالحق والصبر؛ فهذا من أعظم
الغنيمة وأنفعها))(١).
وقد ذكر العلماء أن الاجتماع على
ضربين: اجتماع أجسام، واجتماع معانٍ،
وهي الأخلاق والأهواء، وجعل افتراق
الأهواء كافتراق الأجسام (٢)، وهذه تنقسم
إلى ما هو محمود، وما هو مذموم.
وقد سميت سورة من القرآن باسم
سورة (الزمر)، أي: الجماعات، وفيها ذُكر
الاجتماع بنوعيه المحمود والمذموم، وفيها
عرض لحال من اجتمعوا في الدنيا على
الخير زُمرًا، وحال من اجتمعوا في الدنيا
على الشر زُمرًا، وحال الفریقین حین یردون
الآخرة.
(١) الفوائد، ص ٥٢.
(٢) أحكام القرآن، ابن العربي ٢/ ٢٣٧.
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى
جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: ٧١].
وقال في الفريق الآخر: ﴿وَسِيقَ
الَّذِينَ أَنَّقَوْ رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًاْ حَقَّى إِذَا
جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَنُهَا
سَلَمُ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَأَدْخُلُوهَا خَلِينَ
﴾ [الزمر: ٧٣].
٧٣
و﴿زُمَرًا﴾ أي: جماعات، والواحد:
زمرة، ويقال: تزمر القوم إذا اجتمعوا،
وزمرتهم، أي: جمعتهم، وأصله: أن
يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في
الدنيا جماعة جماعة، وأمة أمة، وعلى ما
يجتمعون في هذه الدنيا، أهل الخير على
أهل الخير، وأهل الشر على أهل الشر،
وسروا بالاجتماع في ذلك، لكن أهل الخير
يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون
في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر
يساقون إلى النار على ما كانوا يجتمعون في
هذه الدنيا على الشر حزنين مغتمين(٣).
قال ابن القيم رحمه الله: وتأمل ما في
سَوْقِ الفريقين إلى الدارين ﴿زُمَرًا﴾ من
فرحة هؤلاء بإخوانهم، وسیرهم معهم كل
(زمرة) على حدة، كلُ مشتركين في عمل،
متصاحبين فيه على زمرتهم وجماعتهم،
مستبشرين، أقوياء القلوب، كما كانوا في
الدنيا وقت اجتماعهم على الخير، كذلك
(٣) تأويلات أهل السنة، الماتريدي ٨/ ٧١٠.
٣٤٨
مَوَسُولَةُ النَّقية
القرآن الكريم

الاجتماع
يؤنس بعضهم بعضًا، ويفرح بعضهم ببعض، رضي الله عنه أن حبل الله هو: الجماعة،
وكذلك أصحاب الدار الأخرى يساقون وذكر بأسانيده أقوالًا أخرى عن السلف
إليها ﴿زُمَرًا﴾ يلعن بعضهم بعضًا، ويتأذى
بعضهم ببعض، وذلك أبلغ في الخزي
والفضيحة والهتيكة من أن يساقوا واحدًا
واحدًا، فلا تهمل تدبر قوله: ﴿زُمَرًا﴾(١).
أولًا: الاجتماع المحمود:
الاجتماع المحمود هو الذي يكون على
الحق، والتعاون عليه ونصرته، والاجتماع
على الأعمال الصالحة، ويمكن القول:
إن الاجتماع المحمود هو كل ما تتحقق به
المصالح والواجبات الشرعية، وتندفع به
المضار والمفاسد، وقد أمر الله تعالى في
القرآن بالاجتماع والائتلاف والاتفاق، قال
تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل
عمران: ١٠٣] يريد بذلك: تمسكوا بدين الله
الذي أمرکم به، وعهده الذي عهده إليكم
في كتابه، من الألفة والاجتماع على كلمة
الحق، والتسليم لأمر الله.
والحبل لفظ مشترك، وأصله في اللغة
السبب الذي يتوصل به إلى البغية، وهو
إما تمثيل أو استعارة، أمرهم سبحانه بأن
يجتمعوا على التمسك بدين الإسلام، أو
بالقرآن، والمعاني كلها متقاربة متداخلة،
وذكر ابن جرير عن عبد الله بن مسعود
(١) حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح ص ٥٢.
في تفسير معنى (حبل الله) منها: القرآن،
والإخلاص لله وحده، والإسلام(٢)، وهذه
الأقوال مؤداها واحد، ونتيجتها واحدة، فإن
الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده،
والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به
رسول الله صلی الله عليه وسلم كلها مما
ينتج عنه تآلف المسلمين، واجتماعهم،
وترابطهم، وتماسك مجتمعهم.
قال القرطبي رحمه الله في تفسير هذه
الآية: ((فإن الله تعالى يأمر بالألفة، وينهى
عن الفرقة، فإن الفرقة هلكة، والجماعة
نجاة))(٣).
وزاد الله الأمر تأکیدًا حیث قال:
تَفَرَّقُواْ﴾ أي: بعد الاجتماع، فالافتراق
نقيض الاجتماع، قال الراغب الأصفهاني:
قوله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ حث على الألفة
والاجتماع الذي هو نظام الإيمان، واستقامة
أمور العالم (٤).
ثم أمرهم بتذكر نعمته عليهم، فقال:
وَأَذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءُ
فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ: إِخْوَنًا وَكُنتُمْ
عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنَعَذَكُمْ مِّنْهَا﴾ [آل
عمران : ١٠٣].
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري ٧/ ٧٣.
(٣) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٤/ ١٥٩.
(٤) تفسير الراغب الأصفهاني ٧٦٨/٢.
www. modoee.com
٣٤٩

حرف الألف
بينهم الإحن والعداوات والحروب
المتواصلة، فألف الله بین قلوبهم بالإسلام،
وقذف فيها المحبة، فتحابوا، وتوافقوا،
وصاروا إخوانًا متراحمين متناصحين
مجتمعين على أمر واحد، قد نظم بينهم،
وأزال الاختلاف، وهو الأخوة في الله))(١).
وقال السيوطي: «إِذ کنتم تذابحون فيها،
یأکل شدیدکم ضعيفكم، حتى جاء الله
بالإسلام، فآخی به بینکم، وألف به بینکم،
أما والله الذي لا إله إلا هو إن الألفة لرحمة،
وإن الفرقة لعذاب)) (٢)
٠
وهذا يدل على أن الاعتصام والاجتماع والباطن، يحب بعضهم بعضًا، ويوالي
أصل عظيم في الإسلام.
يقول شيخ الإسلام: ((وهذا الأصل
العظیم وهو الاعتصام بحبل الله جميعًا،
وأن لا يتفرق هو من أعظم أصول الإسلام،
ومما عظمت وصية الله تعالی به في کتابه،
ومما عظم ذمه لمن تركه من أهل الکتاب
وغيرهم، ومما عظمت به وصية النبي صلى
الله عليه وسلم في مواطن عامة وخاصة)) (٣).
وفي قوله: ﴿يَحَبْلِ اللَّهِ﴾ دليل على أن
الاجتماع المطلوب والمرغوب، والثابت
والدائم، هو الاجتماع علی الدین، فدین
الله دین الاجتماع والخير، فإذا خرج الناس
(١) الكشاف، الزمخشري ٣٩٥/١.
(٢) الدر المنثور، ٢٨٧/٢.
(٣) مجموع الفتاوى ٣٥٩/٢٢.
قال الزمخشري: ((كانوا في الجاهلية عن هذا الدين إلى الآراء الهدامة، والأفكار
المنحرفة تفرقوا شيعًا وأحزابًا، وصار
بعضهم عدوًا لبعض، يكفر بعضهم بعضًا،
ويفسق بعضهم بعضًا، ويبدع بعضهم بعضًا.
فالمذاهب الهدامة، والآراء الضالة،
والأفكار المنحرفة كلها تدعو إلى الفرقة
والاختلاف، فتحول الأمة إلى كيانات
متناحرة، یعادي بعضهم بعضًا، كما وصف
الله اليهود، حيث قال: ﴿قَتْسَبُهُمْ جَميعًا
وَقُلُوبُهُمْ شَقَّ﴾ [الحشر: ١٤].
لكن المؤمنين خلاف ذلك تمامًا،
فهم أهل مودة وتناصح ومحبة في الظاهر
بعضهم بعضًا.
ونهى الله تعالى عن ضد الاجتماع، وهو
الاختلاف والتفرق شيعًا وأحزابًا، المؤدي
إلى العداوة والبغضاء والفشل والإتلاف،
﴿وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَلَا
فقال تعالى:
تَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَأَصْبِرُوَّأْ إِنَّ اللّهَ
مَعَ الصَّبِرِينَ ﴾ [الأنفال: ٤٦].
وهذه الآية تحض على الاجتماع، وقد
بينَ القرآن في سورة الحشر أن اختلاف
القلوب، ومعاداة البعض للبعض منشؤه
إنما يكون من ضعف العقول، كما قال في
اليهود: ﴿لَا يُقَائِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِقُرِّي
تُعَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآِ جُدُرِّ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ سَدِيدٌ
تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَقََّّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا
٣٥٠
جَوَسُولَةُ النَّفِيَّ
القرآن الكريمِ

الاجتماع
يَعْقِلُونَ ﴾ [الحشر: ١٤].
ثم کان قائلا قال: ما الموجب الذي صير
قلوبهم شتى، أي: مختلفة متنافرة؟! وهم أمة
واحدة متفقة في الأهداف والأغراض؟ فبين
العِلة، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ ﴾
وليس المراد هنا نفي العقل من أصله،
وإنما نفي كمال العقل، يعني: أن عقولهم
ليست ناضجة كما ينبغي، أما هم في الحقيقة
فمن جملة العقلاء، وهذا يدل على أن هذه
الفِرَق -التي تدعي الإسلام- المختلفة،
التي يبغض بعضها بعضًا، وإن تجاملت في
ظاهر الأمر أن سبب ذلك إنما هو ضعف
العقول في بعضها، وقد يكون المختلفان
أحدهما عنده عقل كامل يدعو إلى الطريق
المستقيم بعقله المستقيم، والآخر ضعيف
العقل يَفِر من تلك الطريق ويخالف، فهذا
من ضعف العقل(١).
فواضح جدا أن التنازع هو أحد أسباب
الهزيمة الرئيسة، كما أن تجنبه من أسباب
النصر الرئيسة، ومن ينظر إلى الواقع،
ويعتبر بمسيرة التاريخ يدرك أن الفشل
والخذلان الذي لحق بالأمة كان سببه
الفرقة والخلاف، فهذه الآية تأتي ضمن
عوامل النصر الحقيقية: من الثبات، وذكر
الله، وطاعة الله ورسوله، وتجنب الشقاق
(١) انظر: العذب النمير من مجالس الشنقيطي في
التفسير ٥٣٤/٢ بتصرف.
والنزاع والصبر، والحذر من البطر والرياء.
ولا يتنازع الناس إلا بسبب تعدد
القيادات، وبسبب الهوى، حينما يجعل
کل واحد من نفسه قائدًا وموجهًا، ولا يقبل
من غيره ذلك، ثم یر کبه الهوی في تحسين
ذاته ونفسه، فيرى من نفسه الحق المطلق،
أما مجرد اختلاف أوجه النظر في المسألة
الواحدة فليس من أسباب التنازع، لو تجرد
صاحب النظر عن الهوى والإعجاب
بالنفس.
فإذا وقع التنازع بسبب الهوى والعُجب
تغيرت النفوس، وخُدش صفاء الأخوة،
فكان الانتصار للنفس لا للحق والصواب،
وللذات لا للجماعة والأمة، فتذهب القوى
بتشتيتها، وتضعف بتمزيقها، فلو وقعت
الهزيمة لم یکن أمرًا عجبًا.
ومن الآيات الواردة في النهي عن
التفرق، والأمر بالاجتماع قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِيْنَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ
فِي شَىْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِثُهُم بِمَا كَانُواْ
يَفْعَلُونَ( ١٥)﴾ [الأنعام: ١٥٩].
فقوله: ﴿لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَىْءٍ﴾ أي: أنت
منهم برئ، وهم منك براء، أي: لم تتلبس
بشيء من مذاهبهم، والعرب تقول: إن
فعلت كذا فلست مني ولست منك، أي: کل
واحد منا برئ من صاحبه(٢).
(٢) التفسير الوسيط للواحدي ٢/ ٣٤٢.
www. modoee.com
٣٥١

حرف الألف
وفي هذا غاية الحث على الاجتماع، وَأَخْتَلَفُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
ونهاية التوعد على الافتراق(١).
قال ابن كثير رحمه الله: ((والظاهر أن
الآية عامة في کل من فارق دين الله، وكان
مخالفًا له؛ فإن الله بعث رسوله بالهدى،
ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، وشرعه
واحد لا اختلاف فيه، ولا افتراق؛ فمن
اختلفوا فيه ﴿وگانُوا شِيمًا ﴾ أي: فرقًا، کأهل
الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن
الله قد برأ رسول الله صلی الله علیه وسلم
مما هم فيه)»(٢).
وقال السعدي: ((دلت الآية الكريمة أن
الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وینھی عن
التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي
سائر مسائله الأصولية والفروعية)) (٣).
وكذلك نهانا الله أن نكون ممن فرقوا
دينهم، فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُواْدِينَهُمْ
وَكَانُواْ شِيَغًّا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
﴾ [الروم: ٣٢].
﴿فَتَقَطَّعُوْ أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ زُبُّ كُلُّ
وقال:
حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾ [المؤمنون:٥٣].
وهذا نهي عن التفرق، وهو في نفس
الوقت أمر بالاجتماع والتوحد على الحق
والدين.
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ
(١) نظم الدرر، البقاعي ٣٣٥/٧.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣٧٧/٣.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٢٨٢.
وانظر كيف جمع بين ﴿تَغَرَّقُواْ
وَأَخْتَلَفُواْ﴾ قال بعضهم: تفرقوا واختلفوا
معناهما واحد، وذکرهما للتأکید، وقيل : بل
معناهما مختلف، ثم اختلفوا فقيل: تفرقوا
بالعداوة، واختلفوا في الدين، وقيل: تفرقوا
بسبب استخراج التأويلات الفاسدة من تلك
النصوص، ثم اختلفوا بأن حاول كل واحد
منهم نصرة قوله ومذهبه، والثالث: تفرقوا
بأبدانهم؛ بأن صار كل واحد من أولئك
الأحبار رئيسًا في بلد، ثم اختلفوا بأن صار
كل واحد منهم يدعي أنه على الحق، وأن
صاحبه على الباطل (٤).
وأريد بالذين تفرقوا واختلفوا: الذين
اختلفوا في أصول الدين من اليهود
والنصارى من بعد ما جاءهم من الدلائل
المانعة من الاختلاف والافتراق، وقدم
الافتراق على الاختلاف للإيذان بأن
الاختلاف علة التفرق، وهذا من المفادات
الحاصلة من ترتيب الكلام، وذكر الأشياء
مع مقارناتها ... ، وفيه: إشارة إلى أن
الاختلاف المذموم والذي يؤدي إلى
الافتراق هو الاختلاف في أصول الديانة
الذي يفضي إلى تکفیر بعض الأمة بعضًا، أو
تفسيقه، دون الاختلاف في الفروع المبنية
على اختلاف مصالح الأمة في الأقطار
(٤) مفاتيح الغيب، الرازي ٣١٦/٨.
٣٥٢
جوسو
القرآن الكريم

الاجتماع
والأعصار، وهو المعبر عنه بالاجتهاد، وإذا والصلوات الخمس والجهاد، وغير ذلك
تقصينا تاريخ المذاهب الإسلامية لا نجد من العبادات التي لا تتم ولا تكمل إلا
بالاجتماع لها، وعدم التفرق))(٣).
افتراقًا نشأ بین المسلمین إلا عن اختلاف
في العقائد والأصول، دون الاختلاف في
الاجتهاد في فروع الشريعة (١).
ومن الآيات الواردة في النهي عن التفرق
قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى
◌ِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ»
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىٌّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ
فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣].
والضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى
الدين في قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ﴾(٢).
قال السعدي: ((ولهذا قال: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ
الدِّينَ﴾ أي: أمركم أن تقيموا جميع شرائع
الدين أصوله وفروعه، تقيمونه بأنفسكم،
وتجتهدون في إقامته علی غیرکم، وتعاونون
على البر والتقوى، ولا تعاونون على الإثم
والعدوان ﴿وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ أي: ليحصل
منكم الاتفاق على أصول الدين وفروعه،
واحرصوا على أن لا تفرقكم المسائل،
وتحزبکم أحزابًا، وتكونون شيعًا، يعادي
بعضكم بعضًا مع اتفاقکم علی أصل دینکم،
ومن أنواع الاجتماع على الدين، وعدم
التفرق فيه ما أمر به الشارع من الاجتماعات
العامة، كاجتماع الحج والأعياد، والجمع
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٤/ ٤٣.
(٢) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٧/ ٦١.
ومن الآيات التي تحث المؤمنين على
الاجتماع قوله تعالى: ﴿فَأَتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ
ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: إِن كُنْتُم
مُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: ١].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ
فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
١٠°• [الحجرات: ١٠].
وهذه الأخوّة لا يمكن أن تتحقق إلا
بالاجتماع، ونبذ الفرقة.
فالمسلمون مأمورون بالاجتماع،
وبمحبة بعضهم بعضًا، والسعي إلى ما
تأتلف به القلوب، يقول الله عز وجل:
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾
[التوبة: ٧١].
فالمؤمن ولي للمؤمن، ولاية تقتضي
المحبة والمودة والنصيحة والتوجيه
والدعوة للخير.
والحاصل: أن هذه الآيات تدل على
وجوب الاجتماع والائتلاف وفضله،
والحث عليه، وتحريم التفرق والاختلاف،
وسوء عاقبته، فقد أوجب الله على
المسلمين أن يكونوا إخوة مجتمعين على
الحق، متحابين متعاونين على البر والتقوى،
(٣) تيسير الكريم الرحمن، ص ٧٥٤.
www. modoee.com
٣٥٣

حرف الألف
متناهين عن الإثم والعدوان، وشرع لهم ما ذلك(١)، فقال: ﴿وَلَا تَطْرُ دِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم
بِالْغَدَوَةِ وَالْعَشِيِ﴾ [الأنعام: ٥٢] وأمره أن یصبر
نفسه في الجلوس مع هؤلاء(٢).
يقوي هذه الأخوة والمحبة من الاجتماع
على الصلوات والخمس والجمع والأعياد
والحج، كما شرع لهم تبادل التحية والسلام
والمصافحة، وتشميت العاطس، وإجابة
الدعوة والنصيحة، وعيادة المريض، واتباع
الجنائز، وتبادل الهدايا، و کل هذا من أسباب
المحبة والألفة، وإزالة العداوة والبغضاء.
وقد ذكر القرآن أنواعًا من الاجتماعات
المحمودة، منها:
١. الاجتماع على طاعة الله تعالى.
فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم
والأمر لأمته أيضًا: أن يجلس مع الذين
يذكرون الله ويهللونه ويحمدونه ويسبحونه
ویکبرونه ويسألونه بكرة وعشيا، من عباد
الله، سواء كانوا فقراء أو أغنياء، أو أقوياء أو
ضعفاء، كما قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِّ يُرِيدُونَ
وَجْهَةٌ، وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَوَةِ
الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨].
يقال: إنها نزلت في أشراف قریش حین
طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن
یجلس معهم وحده، ولا يجالسهم بضعفاء
أصحابه كبلال وعمار وصهيب وخباب
وابن مسعود -رضي الله عنهم-؛ وليفرد
أولئك بمجلس على حدة، فنهاه الله عن
والحكمة من الحث على الاجتماع على
الطاعة: أن الاجتماع على الهدى تثبيتٌ
وقوة، وأن كثرة السائرين على الطريق تورث
الأنس، وتهون مشقة السير، بخلاف الانفراد
في السير فإنه يورث الوحشة، ويستجلب
الملل، فالإنسان إذا كان معه سالكون لم
يستوحش، وكلما كثر السالكون شاع الأمن،
ورسخت الطمأنينة، أما السالك وحده فإنه
قد یستوحش، وقد يضعف، وقد يسقط، وقد
تأكله الذئاب، ويد الله مع الجماعة، وإنما
يأكل الذئبُ من الغنم القاصية، وهذا الأمر
حاصل لمن سلك سبل الدنيا، ولمن سلك
سبل المبادئ والقيم سواء بسواء، وهو في
الثانية أظهر وأخطر(٣).
فالاجتماع على الهدى، وسير
المجموعة على الصراط دليل قوة، فإذا
کثر السالکون یزید الأنس، ویقوی الثبات،
وكلما كثر السالكون كان ادعى للاطمئنان
(١) أخرج هذه الرواية الطبري في تفسيره
٣٧٦/١١، والبيهقي في شعب الإيمان
٩٦/١٣، رقم ١٠٠٠٩، والواحدي في
أسباب النزول ص ٢٩٧.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥٪
١٥٢.
(٣) انظر: لمسات بيانية، فاضل السامرائي ص
٥٧.
٣٥٤
ـُ البَسية
القرآن الكريم

الاجتماع
والاستئناس، والاجتماع رحمة، والفرقة بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق
والاختلاف))(٢).
عذاب، ومما یشیر إلى الأنس بالاجتماع،
وطبيعة حب النفس للاجتماع، ما ورد في
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا
اُلْأَنْهَرُ خَلِدِينَ فِيهَا﴾ [النساء: ١٣].
ف(خَلِدِينَ﴾ جاءت بصيغة الجمع؛
لأن المؤمنین في الجنة يستمتعون بالأنس
ببعضهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ,
وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَلِدًا فِيهَا﴾
[النساء: ١٤].
فـ(خَلِدًا﴾ جاءت بصيغة المفرد،
فيزيد على عذاب الكافر عذاب الوحدة،
فكأنما عذبه الله تعالى بشيئين: النار،
والوحدة(١).
والمقصود: أن الاجتماع لا يحمد إلا إذا
كان على الحق.
ولهذا لما شرع الله تعالى لعباده أحسن
شرع وأكمله وأعظمه أمرهم بالاجتماع
عليه، فقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الذِّينِ مَا وَصَّى
◌ِهِ نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ»
إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُواْ
فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣].
قال ابن كثير: «أي: وصى الله سبحانه
وتعالى جميع الأنبياء عليهم السلام
(١) المصدر السابق ص ٢٥.
فالأنبياء كلهم والأمم -أمم الأنبياء
مأمورة بذلك، كلهم مأمورون بالاجتماع،
لكن المراد هنا: الاجتماع على الحق
والخير، فإذا اجتمعت الأمة على الحق
الذي هو لا إله إلا الله، ومنافاة البدع جملة
وتفصيلا، ومنافاة الشر والفجور، حينئذٍ هذا
هو الاجتماع المطلوب، وليس الاجتماع
على أيٍ بدعة أو على أيٍ باطل وشر.
٢. الاجتماع على الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله.
ومن الاجتماعات المحمودة: الاجتماع
على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر،
والدعوة إلى الخير.
قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ
إِلَى الْخَيْرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْغَرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِّ
[آل عمران:
وَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
١٠٤ ].
﴿وَلَتَكُن مِّنَكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى
فقوله:
اٌلْخَيْرِ﴾ أي: جردوا من أنفسكم أمة مجتمعة،
تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.
وسواء أكان الأمر موجهًا إلى الأمة
الإسلامية كلها، أو إلى جماعة منها، فإن
معطيات هذا الأمر واحدة، حيث تكون
الأمة كلها منقادة للقيادة الرشيدة فيها، وهي
(٢) تفسير القرآن العظيم، ١٩٥/٧.
www. modoee.com
٣٥٥

حرف الألف
جماعة العلماء العاملين بعلمهم، الداعين
إلى الخير، الآمرين بالمعروف، والناهين
عن المنكر، وبهذا تصبح الأمة كلها على
هذا الطريق المستقيم.
فالأمة في هذه الآية بمعنى الجماعة،
والمعنى: ولتكن منكم أيها المسلمون
أمة لها كيان ونظام، أمة مؤتلفة الأعضاء،
موحدة الجهات، لا ترهب أحدًا، ولا تخاف
شيئًا، دینھا قول الحق، ورفع الظلم، ولو كان
عند سلطان جائر، لا تخشى في الله لومة
لائم، لها رئاسة وقانون، كل ذلك قد أشارت
إليه كلمة واحدة وهي (أمة) إذ هناك فرق
بين قولك: جماعة وأمة، فعلى المسلمين
جميعًا واجب تكوين تلك الأمة؛ لتكون
بهذا الوضع، وعلى الأمة المكونة واجب
أن تقوم بمهمة الدعوة إلى الخير، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، والذب عن
حیاض الدين، ورفع منارة الحق والعدل.
فالمسلمون جميعًا مكلفون بتكوين
جماعة خاصة للدعوة إلى الخير، والأمر
بالمعروف، والنهى عن المنكر، فهذه
الجماعة المكونة بهذا الوضع السابق لها
حق الإشراف والتکوین والتوجيه والحساب
والعمل على خدمة المسلمين، وهذا أشبه
بمجلس الأمة! وعلى الأمة جميعًا اختيار
طائفة خاصة تقوم بتلك المهمة علی سبیل
الوجوب، وفي سبيل قيامها بواجبها يجب
أن تتوافر فيها شروط العلم الديني، والعلوم
التي يحتاج إليها من يخاطب الناس، ويؤثر
فيهم مع التقوى والتخلق بأخلاق الأنبياء،
وأن يكون الداعية مثلًا أعلى في الخلق
الكامل، ولنا في رسول الله أسوة حسنة.
ثم قال: ﴿وَلَا تَكُونُواْ ﴾ أيها المسلمون
﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَأَخْتَلَفُواْ﴾ اختلافًا كثيرًا،
كما حصل لليهود والنصارى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا
جَهُمُ الْبَيْنَتُ﴾ الواضحات التي تهديهم إلى
السبيل لو اتبعوها، وما ذلك إلا لأنهم تركوا
الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولم
تکن فیهم أمة تهدیهم إلى الخير، وترشدهم
إلى الطريق (١).
والمقصود: أن من الاجتماعات المأمور
بها الاجتماع على الدعوة إلى الله، والأمر
بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهذا مستفاد
من قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِّنْكُمْ أُمَّةٌ﴾. والأمة
مأخوذة من أمَ بمعنى قصد؛ والجماعة من
الناس التي تربطها رابطة، وتجمعها جامعة
تسمى أمة؛ لأن كل واحد منها يؤم المجموع
ویقصده، ویعتمد عليه في مدلهم الأمور.
ولقد جاء في مفردات الراغب
الأصفهاني في معنى الأمة ما نصه: ((والأمة:
كل جماعة يجمعهم أمر؛ إما دين واحد،
أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء أكان
الأمر الجامع تسخيرًا أو اختیارًا، وجمعها
(١) التفسير الواضح، حجازي ١/ ٢٦٢.
مَوَسُولَةُ النَّفِيـ
القرآن الكريم
٣٥٦

الاجتماع
أمم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِي الْأَرْضِ
وَلَا طَيْرٍ يَطِيُرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّ أُمُمَّ أَمْثَالُكُمْ﴾
[الأنعام: ٣٨] أي: كل نوع منها على طريقة
قد سخرها الله عليها بالطبع، فهي من بين
ناسجة كالعنكبوت، وبانية كالسُرْفة (١)،
ومدخرة کالنمل، ومعتمدة على قوت وقتها
كالعصفور والحمام، إلى غير ذلك من
الطبائع التي تخصص بها كل نوع)) (٢).
وفي الآية إرشاد من الله للمؤمنين أن
يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى
سبيله، وإرشاد الخلق إلی دینه، كما تدل
عليه الآية الكريمة في قوله: ﴿ وَلْتَكُن مِّنْكُمْ
أُنَّةٌ﴾ الخ، أي: لتكن منكم جماعة يحصل
المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة.
ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء
أمر به وبما لا يتم إلا به، فكل ما تتوقف
هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد
للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية
الأعداء، وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي
يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها
ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد
والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على
تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل
(١) السُرْفة: بضم السين، وسكون الراء: دويبة
تتخذ بیتًا من دقاق العیدان، فتدخله وتموت،
ومنه المثل: أصنع من سُرْفة.
انظر: القاموس المحيط ص ٨١٩.
(٢) المفردات، ص ٨٦.
والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور
عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى
الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن
المنكر هم خواص المؤمنين (٣).
فلا بد إذن من جماعة مجتمعة تدعو
إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن
المنكر، لا بد من سلطة في الأرض تدعو
إلى الخير، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن
المنکر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو
مدلول النص القرآني ذاته، فهناك (دعوة)
إلى الخير، ولكن هناك كذلك (أمر)
بالمعروف، وهناك (نهي) عن المنكر، وإذا
أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن
الأمر والنهي لا یقوم بهما إلا ذو سلطان،
هذا هو تصور الإسلام للمسألة، إنه لا بد من
سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم على الدعوة
إلى الخير، والنهي عن الشر، سلطة تتجمع
وحداتها، وترتبط بحبل الله، وحبل الأخوة
في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين
مجتمعتين لتحقيق منهج الله في حياة البشر،
وتحقيق هذا المنهج يقتضي (دعوة) إلى
الخير، يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج،
ويقتضي سلطة تأمر بالمعروف، وتنهى عن
المنكر فتطاع (٤).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ١٤٢.
(٤) انظر: في ظلال القرآن ١/ ٤٤٤ بتصرف.
www. modoee.com
٣٥٧

حرف الألف
ثانيًا: الاجتماع المذموم:
الاجتماع وإن كان مطلوبًا شرعًا،
ومحمودًا عقلًا، إلا أنه لا يختلف عاقلان
في أن التفرق والتبدد أولى من الاجتماع
على الشرور، والاتفاق على الفجور؛
وعلى الباطل والبدع والضلال، وقد حكى
لنا القرآن أمثلة كثيرة على الاجتماع على
الباطل والشر، ومن هذه الأمثلة:
١. الاجتماع على المكر والخداع.
كاجتماع بني يعقوب، حين أجمعوا
أمرهم على المكر بيوسف عليه السلام،
وجعله في غيابة الجب.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ، وَأَجْمَعُواْ أَنْ
يَجْعَلُوهُ فِى غَيَبَتِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: ١٥] وقال:
﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكٌ وَمَا
كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (
١٠٢
[يوسف: ١٠٢].
والاجتماع والإجماع هو الإعداد
والعزيمة على الأمر، فهؤلاء اجتمعوا على
رأي واحد، واتفقوا على فكرة واحدة،
ولكنها في خانة الباطل، وفي المكر
والخداع، وبمن؟! بأقرب الناس إليهم!
اجتمعوا صفًا واحد ضد أخ لهم؛ حسدًا
وبغيًا، فما أقبحه من اجتماع! ویا ویله من
تلاقٍ!
ومعنى الآية: وما كنت لدى إخوة
يوسف في الوقت الذي أجمعوا فيه أمرهم
على التخلص من يوسف بأي ثمن، وهم
يحتالون على إخراجه من بين يدي أبويه؛
ليلقوه في غيابة الجب؛ تخلصًا منه، حیث
رأوا أنه حجب عنهم وجه أبيهم، وذهب
بعطفه و حنانه دونهم.
قال ابن جرير: أي: وما كنت حاضرًا عند
إخوة يوسف إذ أجمعوا واتفقت آراؤهم،
وصحت عزائمهم، على أن يلقوا يوسف في
غیابة الجب؛ وذلك کان مکرهم الذي قال
الله عز وجل: ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾(١).
فهم قد تشاوروا كثيرًا، وتعاقدوا على
التفريق بينه وبين أبيه، واستقر رأيهم بعد
تكرر المشاورة على ما فعلوا به، واتفقوا
عليه، في حالة لا يطلع عليها إلا الله تعالى،
ولا يمكن أن يصل أحد إلى علمها إلا بتعليم
الله له إياها.
٢. الاجتماع على الإفساد في
الأرض.
من الاجتماع المذموم الاجتماع على
الفساد.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ فِ الْمَدِينَةِ نِسْعَةُ رَهٍْ
يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ ) قَالُواْ
تَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَّسَِّنَّهُ، وَأَهْلَهُ، ثُمَّ لَنَقُولَنَّلِوَ لِّهِ، مَا
شَهِدْ نَامَهْلِكَ أَهْلِهِ، وَإِنَّا لَصَدِقُونَ )﴾
[النمل: ٤٨-٤٩].
(١) جامع البيان، الطبري ٢٨٣/١٦.
٣٥٨
موسوبر البقية
جوبي
القرآن الكريم

الاجماع
«يقول تعالى ذكره: و کان في مدینةصالح،
وهي حجر ثمود، تسعة أنفس، يفسدون في
الأرض، ولا يصلحون، وكان إفسادهم في
الأرض کفرهم بالله، ومعصيتهم إياه، وإنما
خص الله -جل ثناؤه - هؤلاء التسعة الرهط
بالخبر عنهم أنهم کانوا یفسدون في الأرض،
ولا يصلحون، وإن كان أهل الكفر كلهم في
الأرض مفسدين؛ لأن هؤلاء التسعة هم
الذين سعوا في عقر الناقة، وتعاونوا علیه،
وتحالفوا على قتل صالح من بين قوم
ثمود)) (١).
فهؤلاء اجتمعوا على الإفساد في
الأرض، وقتل الناقة، وتعاهدوا وتقاسموا
على ذلك، قال ابن كثير: ((يقال: إنهم اتفقوا
كلهم على قتلها، قال قتادة: بلغني أن الذي
قتل الناقة طاف علیھم کلهم، أنهم راضون
بقتلها، حتى على النساء في خدورهن،
وعلى الصبيان أيضًا -قال ابن كثير -: قلت:
وهذا هو الظاهر؛ لأن الله تعالى يقول:
﴿فَكَذَّبُوُ فَمَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ
رَبُّهُمْ بِذَتِهِمْ فَسَوَّنَهَا ﴾ [الشمس: ١٤].
وقال: ﴿وَءَانَيْنَا تَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُواْ
بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩].
وقال: ﴿فَعَقَّرُواْ النَّاقَةَ﴾ [الأعراف: ٧٧].
فأسند ذلك إلى مجموع القبيلة، فدل
(١) جامع البيان، الطبري ١٩/ ٤٧٧.
علی رضا جمیعهم بذلك، والله أعلم»(٢).
وإنما جاز تمييز التسعة بالرهط لأنه في
معنى الجماعة، فكأنه قيل: تسعة أنفس،
والفرق بين الرهط والنفر: أن الرهط من
الثلاثة إلى العشرة، أو من السبعة إلى العشرة،
والنفر من الثلاثة إلى التسعة ... ، وكانوا عتاة
قوم صالح عليه السلام، وكانوا من أبناء
أشرافهم، وقوله: ﴿وَلايُصْلِحُونَ﴾ يعني:
أن شأنهم الإفساد البحث الذي لا يخلط
بشيء من الصلاح؛ مع أنك قد تجد بعض
المفسدين قد يندر منه بعض الصلاح (٣).
هؤلاء الرهط التسعة الذين تمحضت
قلوبهم وأعمالهم للفساد وللإفساد، بحيث
لم يعد بها متسع للصلاح والإصلاح،
فضاقت نفوسهم بدعوة صالح وحجته،
وبيتوا فيما بينهم أمرًا، وهو قتله عليه السلام.
ومن العجب أن یتداعوا إلى القسم بالله
مع هذا لشر المنكر الذي يبيتونه! وهو قتل
صالح وأهله بياتًا، وهو لا يدعوهم إلا لعبادة
الله! وإنه لمن العجب كذلك أن يقولوا:
﴿َتَقَاسَمُواْ بِاللَّهِ لَتُبَيِّنَّنَّهُ، وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَ لِيْهِه
مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] ولا
حضرنا مقتله ﴿وَإِنَّا لَصَدِقُونَ﴾ فقد
قتلوهم في الظلام، فلم یشهدوا هلاکھم،
أي: لم يروه بسبب الظلام! وهو احتيال
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٤٤١/٣.
(٣) الكشاف، الزمخشري ٣٧٢/٣.
www. modoee.com
٣٥٩

حرف الألف
سطحي، وحیلة ساذجة، ولكنهم يطمئنون
أنفسهم بها، ویبررون کذبهم، الذي اعتزموه
للتخلص من أولياء دم صالح وأهله، نعم
من العجب أن يحرص مثل هؤلاء على أن
يكونوا صادقين! ولكن النفس الإنسانية مليئة
بالانحرافات والالتواءات، وبخاصة حين لا
تهتدي بنور الإيمان، الذي يرسم لها الطريق
المستقيم، كذلك دبروا، وكذلك مكروا،
ولكن الله کان بالمرصاد يراهم ولا يرونه،
ویعلم تدبیرهم، ويطلع علی مکرهم، وهم
لا يشعرون ﴿وَمَكَرُواْ مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا
وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [النمل: ٥٠](١).
وكما في كل جماعة رأس أو رؤوس
تقودها، وتتولی تدبير أمرها، فکذلك کان
في هذه الجماعة أكثر من رأس، لقد كان فيها
تسعة رؤوس، کلهم فاسد، لا يدعون إلا إلى
الشر، ولا يعملون إلا فيما هو شر.
والحاصل: أن هؤلاء النفر قد اجتمعوا
وانتمروا فيما بينهم، على أن يهلكوا صالحًا
وأهله، فأقسموا على ذلك، وجعلوا لتنفيذ
هذه المؤامرة وقتًا هو الليل، ثم اتفقوا
كذلك على الموقف الذي يلقون به ولي
الدم لصالح وأهله؛ وذلك بأن ينكروا أنهم
شهدوا مصرع صالح ومن معه.
٣. الاجتماع على الكفر والاستهزاء
بدين الله.
ومن الاجتماعات المذمومة التي ذمها
الله في القرآن: اجتماع الكفار والمنافقين
على السخرية والاستهزاء بدين الله.
قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِنَبِ
أَنْ إِذَا سَمِعْنُمْ ءَايَتِ اللَّهِ يُكْفَرُبِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا
نَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْرِفِةَ إِنَّكُمْ
إِذَا مِثْلُهُمُ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِرِينَ فِي
جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: ١٤٠].
ونظيره: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيَءَايَلِنَا
فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِى حَدِيثٍ غَيْهٍِّ وَإِمَّا
يُنسِيَتَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىْ مَعَ
[الأنعام: ٦٨].
الْقَوْمِ الفَّالِمِينَ
فهؤلاء اجتمعوا على الكفر، وهو
الاستهزاء بالدين، والخوض في آيات الله
بالباطل، فنهى الله عز وجل عن مجالستهم،
وحضور اجتماعهم المشوؤم.
ثم زاد الأمر تخويفًا بقوله: إن
جالستموهم ورضيتم باستهزائهم ﴿إِنَّكُمْ إِذًّا
مِثْلُهُمْ﴾ أي: في الكفر(٢).
قال أبو جعفر: وفي هذه الآية الدلالة
الواضحة على النهي عن مجالسة أهل
الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسَقة،
عند خوضهم في باطلهم (٣).
(٢) تفسير مقاتل بن سليمان ١/ ٤١٥.
(٣) جامع البيان، الطبري ٣٢١/٩.
٣٦٠
(١) في ظلال القرآن ٢٦٤٥/٥.
جَوَسُوء
القرآن الكريم