Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
الاجْتَاعُ
عناصر الموضوع
مفهوم الاجتماع
٣٢٣
الاجتماع في الاستعمال القرآني
٣٢٤
الألفاظ ذات الصلة
٣٢٦
أسباب الاجتماع
٣٤٨
أنواع الاجتماع
٣٦٣
معوقات الاجتماع المحمود
٣٧٠
الاجتماع يوم القيامة
٣٢٢
المُجَلَدَ الأول

حرف الألف
مفهوم الاجتماع
أولًا: المعنى اللغوي:
(جمع) الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء
جمعًا، وجمع الشيء عن تفرقة یجمعه جمعًا، وجمعه وأجمعه فاجتمع.
واجتمع القوم واستجمعوا بمعنى: تجمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، واتحدوا واتفقوا.
و(الجماعة) العدد الكثير من الناس، والشجر والنبات، وطائفة من الناس يجمعها غرض
واحد.
و(الاجتماع) علم الاجتماع، علم يبحث في نشوء الجماعات الإنسانية ونموها وطبيعتها
وقوانينها ونظمها، ويقال: رجل اجتماعي مزاول للحياة الاجتماعية، كثير المخالطة للناس.
و(المجتمع) موضع الاجتماع.
و(المجمع) موضع الاجتماع والملتقى، ومنه: مجمع البحرين، ومؤسسة للنهوض باللغة
أو العلوم أو الفنون ونحوها (محدثة)(١).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف الجرجاني الاجتماع بأنه: تقارب أجسام بعضها من بعض (٢).
وعرفه السيوطي بقوله: الاجتماع: وجود أشياء كثيرة يعمها معنىّ واحد(٣).
وقال المناوي: الاجتماع: مجاورة جوهرين في حيزين، ليس بينهما ثالث، وضده
الافتراق، وهو وقوع جوهرين بينهما حيز(٤). وكذا قال الكفوي(٥).
ولا يختلف معنى الاجتماع في الاصطلاح عن المعنى الذي يفيده في أصل اللغة، وإن
كان مقصود الشرع من الاجتماع هو ما يحمد شرعًا، وهو أن يلتقي المسلمون، وينضم
بعضهم إلى بعض، ولا يتفرقوا.
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤٧٩/١ لسان العرب، ابن منظور، ٥٣/٨، تاج العروس، الزبيدي،
٢٠/ ٤٥١، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ١٣٦/١.
(٢) التعريفات، ص١٠.
(٣) معجم مقاليد العلوم، ص١٣٧ .
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، ص٣٨.
(٥) الكليات، ص٤٦.
مُوسُوبة النفسية
القرآن الكريم
٣٢٢

الاجتماع
الاجتماع في الاستعمال القرآني
لم يرد لفظ (الاجتماع) في القرآن، ولكن ورد جذره، وهو: (جمع)، والذي يعني: تأليف
المتفرق وانضمامه(١).
ولكن القرآن الكريم تحدث عن الاجتماع والتوحد وجمع الكلمة، من خلال الحديث
عن الائتلاف، ونبذ الفرقة، والاعتصام بحبل الله.
(١) ١ انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص٩١٦.
www. modoee.com
٣٢٣

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
اللقاء:
١
اللقاء لغةً:
الملاقاة، وتوافي الاثنين متقابلين، ولقيته لقوةً، أي: مرةً واحدةً، ولقاءةً، ولقيته لقيًا
ولقيانًا، واللقية فعلةٌ من اللقاء، والجمع لقى (١).
اللقاء اصطلاحًا:
قال الرازي: وصول أحد الجسمين إلى الآخر؛ بحيث يماسه بشخصه(٢).
وقال الراغب: مقابلة الشيء ومصادفته معًا، وقد يعبر به عن كل منهما(٣).
الصلة بين الاجتماع واللقاء:
اللقاء حسي، أما الاجتماع فقد یکون حسیًا، وقد يكون معنويًا.
وأيضًا فاللقاء: هو الاجتماع على وجه المقاربة والاتصال، والاجتماع قد يكون على غير
المقاربة والاتصال (٤).
الاعتصام:
٢
الاعتصام لغةً:
العصم: الإمساك، والاعتصام: الاستمساك، قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا
وَلَا تَغَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. أي: تمسكوا بعهد الله(٥).
والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن(٦).
الاعتصام اصطلاحًا:
ولا يختلف معنى الاعتصام في الاصطلاح عن معناه في اللغة.
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس، ٢٦٠/٥، مختار الصحاح، الرازي، ص ٢٨٤، تاج العروس
، الزبيدي، ٣٩/ ٤٧٣.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٤٩٢/٣.
(٣) المفردات، ص٧٤٥.
(٤) الفروق اللغوية، العسكري، ص ٤٦٧.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤١٨/٣، تاج العروس، الزبيدي، ٢٠٥/٩.
(٦) المفردات، الراغب، ص ٥٦٩، لسان العرب، ابن منظور، ١٣٥/١١، تاج العروس،
الزبيدي، ١٠١/٣٣.
٣٢٤
جَوَسُو ◌َر النفسي
القرآن الكريم

الاجماع
الصلة بين الاجتماع والاعتصام:
الاعتصام: الاستمساك بالشيء، والمقصود: الاستمساك بحبل الله، وهو بهذا الاعتبار
وسيلة للاجتماع، وطريق إليه؛ ولهذا يقال: الاستمساك بحبل الله سبب للاجتماع.
٣ الاختلاف:
الاختلاف لغةً:
ضد الاتفاق (١)، وهو منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حقٍ أو لإبطال باطل (٢).
الاختلاف اصطلاحًا:
عرفه الراغب بقوله: ((والاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر
في حاله أو قوله))(٣).
الصلة بين الاجتماع والاختلاف:
الخلاف والاختلاف هو المضادة والمعارضة، وعدم المماثلة، وهو بهذا المعنى ضد
الاجتماع، الذي جاء الحث عليه في نصوص القرآن الكريم.
التفرق:
٤
التفرق لغةً:
خلاف التجمع، تفرق القوم وتفارقوا، والاسم الفرقة (٤).
والتفريق: خلاف التجميع، يقال: فرق الشيء تفريقًا وتفرقة: بدَده، وهو متعدٍ، أما التفرق
فلازم. والتفريق أبلغ من الفرق؛ لما فيه من معنى التكثير (٥).
التفرق اصطلاحًا:
لا يخرج معناه عن المعنى اللغوي.
الصلة بين الاجتماع والتفرق:
التفرق خلاف التجمع، وهو ضد الاجتماع، الذي جاء الحث عليه في القرآن الكريم.
(١) القاموس المحيط، الفيروزآبادي، ص ٨٠٨.
(٢) التعريفات، الجرجاني، ص ١٠١.
(٣) المفردات، ص ٢٩٤.
(٤) انظر: المخصص، ابن سيده، ٣/ ٣٦٠.
(٥) انظر: القاموس المحيط، الفيروز آبادي، ص ٩١٨.
www. modoee.com
٣٢٥

حرف الألف
أسباب الاجتماع
أسباب الاجتماع التي يجتمع الناس
علیھا کثيرة، منها:
أولًا: الاجتماع لهدف واحد:
من أسباب الاجتماع أن يجتمع الناس
على هدف واحد، ومن هذه الأهداف:
١. الاجتماع للعبادة.
حث الله تعالى على صلاة الجماعة لما
فيها من تظاهر النفوس عند مناجاة الله،
وإيجاد الألفة بين المؤمنين؛ ولأنه عند
اجتماعهم يتشاورون في دفع ما ينزل بهم
من البأساء، أو يجلب لهم السراء (١).
قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْالزَّكَوَةَ
٤٣ ﴾ [البقرة: ٤٣].
وَأَزْكَعُواْ مَعَ الَّكِينَ
ومما يدل على فضل الاجتماع على هذه
العبادة، وهي الصلاة.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ
لَهُمُ الصَّلَوَةَ فَلْنَهُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ
وَلْيَأْخُذُّوَاْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ
مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى
لَمْ يُصَلُواْ فَلْيُصَلُواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ
وَأَسْلِحَتَهُمُّ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ
عَنْ أَسْلِحَيْكُمْ وَأَمْتِعَتِّكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةٌ
وَحِدَةٌ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ
(١) انظر: تفسير المراغي ١٠٣/١.
مؤشُّوابَرُ النَّبِ الوضوء
القرآن الكريم
أَذَى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُوّا
أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ
لِلْكَفِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١)﴾ [النساء: ١٠٢].
قال ابن كثير: ((فقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ
فِيِهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوةَ ﴾ أي: إذا صليت
بهم إمامًا في صلاة الخوف، وهذه حالة غير
الأولی، فإن تلك قصرها إلی رکعة، کما
دل عليه الحدیث، فرادی ورجالًا ورکبانًا،
مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، ثم ذكر
حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد، وما
أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب
الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث
اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا
أنها واجبة لما ساغ ذلك))(٢).
والحاصل أن الله تعالى جعل للمسلمين
مناسبات دينية يومية وأسبوعية وسنوية
يجتمعون فيها، ومن هذه الاجتماعات
الأسبوعية يوم الجمعة، قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ
فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ
إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ [الجمعة: ٩].
فأمر تعالى عباده المؤمنين بالحضور
لصلاة الجمعة، من حين ينادى لها، والسعي
إليها، والمراد بالسعي هنا: المبادرة إليها،
والاهتمام لها، وجعلها أهم الأشغال،
وقوله: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ أي: اتركوا البيع إذا
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٢/ ٤٠٠.
٣٢٦

الاجتماع
نودي للصلاة، وامضوا إليها، فإن
خَيْرٌلَكُمْ﴾ من اشتغالکم بالبيع، وتفویتکم
الصلاة الفريضة، التي هي من آكد الفروض
﴿إِن كُتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أن ما عند الله خير
وأبقى، وأن من آثر الدنیا علی الدین فقد
خسر الخسارة الحقيقية من حيث ظن أنه
يربح، وهذا الأمر بترك البيع مؤقت مدة
الصلاة (١).
وإنما سميت الجمعة جمعة لأنها مشتقة
من الجمع، فإن أهل الإسلام يجتمعون فيه
في كل أسبوع مرة بالمعابد الكبار، وفيه
كمل جميع الخلائق (٢). أو لأنه جمع في
هذا اليوم خلق آدم (٣). وقيل: لأن الله تعالى
فرغ فيه من خلق الأشياء، فاجتمعت فيه
المخلوقات، وقيل: لاجتماع الجماعات
فيها (٤). وهذه الأقوال كلها صحيحة.
فالحاصل: أن يوم الجمعة يوم يجتمع
المسلمون، وما سميت جمعة إلا لما فيها
من الاجتماع، وقد اشترط العلماء العدد في
صلاة الجمعة، واختلفوا في أقل عدد تنعقد
به الجمعة، على أقوال كثيرة، بلغت ثلاثة
عشر قولًا، ومحل بسطها كتب الفقه.
فصلاة الجمعة هي الصلاة الجامعة
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٨٦٣.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١١٩/٨.
(٣) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٤٣٤/٥.
(٤) انظر: معالم التنزيل، البغوي ٨٤/٥.
التي لا تصح إلا جماعة، وهي صلاة
أسبوعية يتحتم أن يتجمع فيها المسلمون،
ویلتقوا، ويستمعوا إلى خطبة تذكرهم بالله،
وهي عبادة تنظيمية على طريقة الإسلام
في الإعداد للدنيا والآخرة في التنظيم
الواحد، وفي العبادة الواحدة، وكلاهما
عبادة، وهي ذات دلالة خاصة على طبيعة
العقيدة الإسلامية الجماعية ... ، وقد وردت
الأحاديث الكثيرة في فضل هذه الصلاة،
والحث عليها، والاستعداد لها بالغسل
والثياب والطيب(٥).
وأمر الله المسلمين بالسعي إلى ذكر
الله؛ لأن الغالب في الجُمع أن يكون فيها
ذكر الله سبحانه وتعالى، وذكر جنته وناره،
وفي قوله: ﴿وَذَرُواْ الْبَيْعَ﴾ أي: من أجل
الاجتماع والصلاة وذكر الله.
وفيه: تذکرة بأمر أعظم، وهو أنه سيأتي
يوم عظيم يجتمع الناس فيه، وهو يوم
المعاد، وهذا اليوم نعته الله جل وعلا
بقوله: ﴿لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَعَةٌ﴾
[البقرة: ٢٥٤] فيترك الإنسان البيع في الدنيا،
ويلجأ إلى الله في مثل هذا اليوم العظيم
تذکرة لنفسه بالیوم الذي یغدو الناس فیه بین
يدي رب العالمين، والإنسان لا بد أن يكون
له باعث من نفسه.
(٥) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب،
٣٥٦٩/٦.
www. modoee.com
٣٢٧

حرف الألف
ومن صور الاجتماع: الاجتماع في
الحج، ففي الحج يجتمع المسلمون من
جميع أقطار العالم، في مكان واحد، وزمان
واحد، وقد أمر الله قريشًا أن يفيضوا من
حيث تفيض جماعة الناس حرصًا على
الاجتماع، واقتداء بأبيهم إبراهيم عليه
السلام، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ
حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩].
فالحج هو مؤتمر المسلمين الجامع
الذي يتلاقون فيه مجردین من كل آصرة
سوی آصرة الإسلام، متجردین من کل سمة
إلا سمة الإسلام، عرایا من كل شيء إلا من
ثوب غير مخيط يستر العورة، ولا يميز فردًا
عن فرد، ولا قبيلة عن قبيلة، ولا جنسًا عن
جنس، إن عقدة الإسلام هي وحدها العقدة،
ونسب الإسلام هو وحده النسب، وصبغة
الإسلام هي وحدها الصبغة (١).
والمقصود: أن الاجتماع مقصد عظيم،
یظهر فيه وحدة المسلمین، وجمع كلمتهم،
ووحدة صفهم، وهذا المقصد العظيم يظهر
جليًا في صلاة الجماعة التي تتكرر في اليوم
خمس مرات في المساجد، فهي اجتماع
مصغر، يلتقي فيه أصحاب الحي في اليوم
خمس مرات في بيت من بيوت الله عز
وجل، يؤدون فريضةً من فرائض الله، ثم
یآتي اجتماع أکبر وهو يوم الجمعة، وهو
اجتماع أسبوعي، ثم يأتي اجتماع في السنة
مرتين وهو الاجتماع لصلاة العيدين (عيد
الفطر وعيد الأضحى، ثم يأتي الحج، وهو
الاجتماع السنوي للمسلمين، وهو واجب
في العمر مرة، وفي هذا الاجتماع منافع
كثيرة.
وقد ذکر العلماء رحمهم الله تعالی کثیرًا
من المنافع التي تترتب على الاجتماع في
الحج، فمنها: تعرف المسلمين على بلاد
بعضهم، وعلى أحوالهم، ويتعرف التاجر
على مواطن التجارة في البلدان المختلفة،
ويتعرف على ما يحتاج إليه المسلمون في
كل مكان من بقاع الأرض، بالإضافة إلى
أن هذا الاجتماع مظهرٌ من مظاهر وحدة
المسلمين؛ لأنهم يظهرون بلباس واحد،
ويجتمعون في مكان واحد، يدعون ربًا
واحدًا، ويقومون بأعمال واحدة، ولا فرق
بين غنيهم وفقيرهم، فهذا مظهر أيضًا من
مظاهر اجتماعهم، ووحدة کلمتهم.
ومن الاجتماعات الموسمية،
والمناسبات العبادية العظيمة: صوم
رمضان، فهو عبادة موسمية من مواسم
الخير، تكون في شهر رمضان، تقترب فيه
القلوب إلى بارئها، وتفتح فيه أبواب الجنة،
وانظر كيف جاء الأمر به بشكل جماعي،
حيث قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] أي: فُرِضَ
(١) انظر: المصدر السابق، ٢٠٠/١.
موسوعة النشيد
القرآن الكريمِ
٣٢٨

الاجتماع
﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ من واحدًا.
الأنبياء والأمم، وأولهم آدم عليه السلام(١).
وفي هذه الآية: إشعار بوحدة الدين
أصوله ومقصده، وتأكید لأمر هذه الفرضية،
وترغيب فيها.
والمقصود: أن الله سبحانه يعلم أن
التكليف أمر تحتاج النفس البشرية فيه
إلى عون، ودفع واستجاشة لتنهض به،
وتستجيب له، مهما يكن فيه من حكمة
ونفع، حتى تقتنع به، وتتعود علیه؛ ولهذا فإن
كثيرًا من العبادات اتخذت طابع الجماعية.
ففي هذه الفريضة -الصوم- نجد أن
التكليف بدأ بذلك النداء الحبيب إلى
المؤمنين ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ المذكر
لهم بحقيقتهم الأصيلة، ثم يقرر لهم بعد
ندائهم ذلك النداء أن الصوم فريضة قديمة
على المؤمنين بالله في كل دين، وأن الغاية
الأولى هي إعداد قلوبهم للتقوى، والشفافية
والحساسية، والخشية من الله (٢)
٠
٢. الاجتماع لقتال الكفار.
أمر الله تعالى بالاجتماع عند قتال
الكفار.
قال تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ
حِذْرَكُمْ فَأَنِفِرُواْ تُبَاتٍ أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا
[النساء: ٧١] أي: مجتمعين جيشًا
٧١
(١) الكشف والبيان، الثعلبي ٢/ ٦٢.
(٢) انظر: في ظلال القرآن ١٦٨/١ بتصرف.
ومعنى الآية: الأمر لهم بأن ينفروا على
أحد الوصفين؛ ليكون ذلك أشد على
عدوهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء
إذا نفر كل واحد منهم وحده، أو نحو ذلك.
وثُباتٍ: جماعات متفرقة، سرية بعد
سرية، وفرقة بعد فرقة، إظهارًا للجرأة ﴿أَوِ
اُنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ مجتمعین، کرکبة واحدة ... ،
والغرض النهي عن التخاذل، وإلقاء النفس
إلى التهلكة(٣).
قال القاسمي: ((﴿أَوِ أَنِفِرُواْ جَمِيعًا﴾ إيقاعًا
للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز
عن الخطر، قال الحاكم: اتفق العلماء على
أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام)» (٤).
وقال الآلوسي: ((قوله: ﴿أَوِ أَنِفِرُواْ
جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين جماعة واحدة))(٥).
ومما جاء في الاجتماع في القتال قوله
تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَتِلُونَ
فِي سَبِيلِهِ، صَفًّا﴾ [الصف: ٤] أي: صافين
(٦)
أنفسهم (٦).
والصف: عدد من أشياء متجانبة منتظمة
الأماكن، فيطلق على صف المصلين،
وصف الملائكة، وصف الجيش في ميدان
القتال، فالجیش إذا حضر القتال کان صفًا،
(٣) غرائب القرآن، النيسابوري ٢/ ٤٤٦.
(٤) محاسن التأويل ٢٢١/٣.
(٥) روح المعاني ٧٨/٣.
(٦) مدارك التنزيل، النسفي ٣/ ٤٧٥.
www. modoee.com
٣٢٩

حرف الألف
من رجالة أو فرسان، ثم یقع تقدم بعضهم
إلى بعض فرادى أو زرافات، فالصف هنا:
كناية عن الانتظام والمقاتلة عن تدبر، وأما
حركات القتال فتعرض بحسب مصالح
الحرب في اجتماع وتفرق، وکر وفر،
وانتصب (صفّا) على الحال، بتأويل:
صافین، أو مصفوفين(١).
ثم قال: ﴿كَنَّهُمْ مُنْيَنُ مَّرْصُوص﴾ لاصق
بعضه ببعض، وقيل: أريد به استواء نياتهم
في حرب عدوهم، حتى يكونوا في اجتماع
الكلمة كالبنيان الذي رص بعضه إلى بعض،
وهو حال أيضًا (٢).
وقد اختلف علماء التفسير في المراد
بالبنيان المرصوص، فنقل بعضهم عن
الفراء: أنه المتلاحم بالرصاص لشدة
قوته، والجمهور: أنه المتلاصق المتراص
المتساوي.
والواقع أن المراد بالتشبيه هنا هو وجه
الشبه، ولا يصح أن يكون هنا هو شكل
البناء، لا في تلاحمه بالرصاص، وعدم
انفكاكه، ولا تساويه وتراصه؛ لأن ذلك
يتنافى وطبيعة الكر والفر في أرض المعركة،
ولكل وقعة نظامها حسب موقعها.
قال الشنقيطي: ((والذي يظهر -والله
تعالى أعلم - أن وجه الشبه المراد هنا: هو
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٧٦/٢٨.
(٢) انظر: مدارك التنزيل، النسفي ٣ / ٤٧٥.
عموم القوة والوحدة))(٣).
والحاصل: أن في الآية الحث على
الجهاد في سبيل الله صفًا متراصًا متساويًا،
من غير خلل يقع في الصفوف، وتكون
صفوفهم على نظام وترتيب، به تحصل
المساواة بين المجاهدين، والتعاضد
وإرهاب العدو، وتنشيط بعضهم بعضًا،
والمرصوص: المتلاصق بعضه ببعض،
والتشبيه في الثبات، وعدم الانفلات.
فليس هو مجرد القتال؛ ولكنه هو القتال
في سبيله، والقتال في تضامن مع الجماعة
المسلمة داخل الصف، والقتال في ثبات
وصمود ﴿صَفَّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَنٌ مَّرْصُوصٌ﴾.
٣. الاجتماع على إيطال الحق.
لما جاء موسى عليه السلام إلى فرعون
بالمعجزة، وكانت قلب العصا ثعبانًا،
وإظهار اليد البيضاء، جمع فرعون السحرة،
وحشروهم من المدائن، يعني من القرى،
واختار الطاغية الكافر وجماعته تكذيب
هذه المعجزة الخارقة، وادعی کون موسى
ساحرًا، فتشاور مع كبار رجال دولته،
فأشاروا بالمبارزة بين سحرة مصر المهرة
وبين موسى.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَرْجِه وَآَخَاهُ واْعَثْ فِ
لْدَايِنِ خَشِرِينَ ) يَأْتُكَ بِكُلِّ سَخَارٍ
عَلِيمٍ (٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
(٣) أضواء البيان، ٨/ ١٠٦.
٣٣٠
مُوسُوبَةُ الْبَقِنَّة
القرآن الكريم

الاجتماع
وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ تُمْتَيِعُونَ
٣٨
[الشعراء: ٣٦-٣٩].
وتم جمع السحرة من أنحاء المملكة،
قیل: کانوا سبعين رجلا أو ثلاثة وسبعين،
ودل قوله: ﴿وَتْعَثْ فِ الْدَإِنِ خَشِينَ﴾ على
أن السحرة کانوا کثیرین في ذلك الزمان.
فقرر أن يكون مكان الاجتماع -للمناظرة
والمغالبة في زعمه- مكانًا سوى، وأصح
الأقوال في قوله: ﴿سُوَّى﴾ على قراءة
الكسر والضم: أنه مكان وسط، تستوي
أطراف البلد فيه لتوسطها بينها، فلم يكن
أقرب للشرق من الغرب، ولا للجنوب من
الشمال، وهذا هو معنى قول المفسرين
مكانًا سوى، أي: نصفًا وعدلًا؛ ليتمكن
جميع الناس أن يحضروا(١).
فَجُيِعَ السَّحَرَةُ﴾ أي: بأيسر أمر؛ لما زيادة في الاستظهار للمحقين، والانقهار
﴿المِيقَتِ يَوْمٍ مَّعْلُو
له عندهم من العظمة
واليوم المعلوم: يوم الزينة، وميقاته: وقت
الضحى؛ لأنه الوقت الذي وقته لهم موسی
﴾ [طه: ٥٩](٢).
﴿وَقِيلَ لِلنَّاسِ﴾ أي: كافة؛ حثّا لهم على
الإسراع إلى الاجتماع بأمر فرعون، وامتحانًا
لهم هل رجعوا عن دينه ﴿هَلْ أَنْتُم ◌ُجْتَمِعُونَ﴾
(١) انظر: أضواء البيان، الشنقيطي ٤ /٢٨.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣١١/٣.
أي: اجتمعوا، وعبر بالاستفهام حثًا على
الاجتماع.
كما يقول الرجل لغلامه: هل أنت
منطلق؟ إذا أراد أن يحركه، ويحثه على
الانطلاق، كأنما يخيل له أن الناس قد
انطلقوا ﴿لَعَلَنَا نَّبِعُ السَّحَرَةَ ﴾ أي: في دينهم،
إن غلبوا موسى (٣).
وهدف هذا الاجتماع ليشاهدوا ما يكون
من موسى والسحرة، ولمن تكون الغلبة،
وكان ذلك ثقة من فرعون بالظهور، وطلبًا
أن یکون بمجمع من الناس، حتی لا یؤمن
بموسى أحد منهم، فوقع ذلك من موسى
الموقع الذي يريده؛ لأنه يعلم أن حجة الله
هي الغالبة، وحجة الكافرين هي الداحضة،
وفي ظهور حجة الله بمجمع من الناس
للمبطلين (٤).
ولعل معنى: ﴿هَلْ أَنْتُمْ تُجْتَمِعُونَ﴾ أي:
اجتماعًا أنتم راسخون فيه؛ لكونه بالقلوب
-صلوات الله عليه- من يوم الزينة في قوله: كما هو بالأبدان، كلكم ليكون أهيب
قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحَى لكم(٥).
والحاشرون: هم الذين يتولون جمع
السحرة وحشدهم وحشرهم إلى ساحة
فرعون، والتعبير بالحشر هنا يشير إلى أن
الأمر عظيم، وأنه لا بد له من حشر الناس
(٣) المصدر السابق.
(٤) انظر: فتح القدير، الشوكاني ١١٥/٤.
(٥) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٤/ ٣١.
www. modoee.com
٣٣١

حرف الألف
إليه، وبعثهم سراعًا من كل أفق، ليلقوا ويجعلهم أعوانه، وأصحاب الكلمة والرأي
عنده، ولا يذكر القرآن هنا اجتماع السحرة
موسى، ويقفوا في وجه هذا الخطر الذي
دهمهم به.
بموسى، والاتفاق معه على موقع المعركة
وزمانها؛ فذلك متروك لتقدير من يتلو هذه
القصة، وتصوره لملء هذا الفراغ الذي لا
یغیب عن فطنته(١).
وحُشر السحرة على عجل، وأقبلوا من
کل أفق، وغصت بهم ساحة فرعون، وما
كانوا قد رأوا رأى العين ما كان من فعل
موسى بعصاه ویده مع فرعون، وإن كانوا قد
سمعوا به، وتصوروه على ما روي لهم، ومن
هنا وقع في أنفسهم أنه ساحر مثلهم، وأنه إذا
كان على شيء من القوة بالنسبة لهم، فإن في
جمعهم هذا ما يتغلب على كل قوة.
ومن هنا أيضًا وقع في أنفسهم أنهم
أصحاب الموقف المنتظر بينهم وبين
موسی، فكانت لهم بذلك دالة على فرعون،
وقد أطمعهم فيه ما وجدوه عليه من ذلة
وانكسار، فجاءوا إليه يسألونه الأجر مقدمًا،
ويسألونه الجزاء الذي لهم عنده، بعد أن
يكون لهم الغلب! ولا يملك فرعون في
هذا الموقف إلا أن یستجيب لهم، ویترضى
مشاعرهم، حتى يبذلوا كل ما يملكون
من حول وحیلة، إنهم الآن لا يعملون إلا
بأجر، وقد كانوا من قبل هذا الموقف عبيدًا
مسخرين! فليس الأجر وحده، ولا المال
وحده هو الذي سیبذله لهم، إن هم انتصروا
علی موسی، وأبطلوا کیده، وأفسدوا تدبيره،
ولكن لهم إلى هذا المال الوفير الذي
سیغدقه علیهم أن يقربهم إليه، ویدنیهم منه،
والحاصل: أن هذا من لطف الله أن
يري العباد بطلان ما موَه به فرعون الجاهل
الضال المضل أن ما جاء به موسى سحر،
قيضهم أن جمعوا أهل المهارة بالسحر
لينعقد المجلس عن حضرة الخلق العظيم،
فيظهر الحق على الباطل، ويقر أهل العلم
وأهل الصناعة بصحة ما جاء به موسى، وأنه
ليس بسحر، فعمل فرعون برأيهم، فأرسل
في المدائن، من يجمع السحرة، واجتهد في
ذلك و جد.
وانقمع الباطل في ذلك المجمع، وأقر
رؤساؤه ببطلانه، ووضح الحق وظهر، حتى
رأی ذلك الناظرون بأبصارهم، ولکن أبی
فرعون إلا عتوًا وضلالًا وتماديًا في غيه
وعنادًا، فقال للسحرة: ﴿مَامَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ
ءَذَنَ لَكُمْ﴾ [الشعراء: ٤٩] يتعجب ويعجب
قومه من جراءتهم عليه، وإقدامهم على
الإيمان من غير إذنه ومؤامرته ﴿إِنَّهُ، لگِيُكُمْ
الَّذِى عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ [الشعراء: ٤٩] هذا وهو
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
٤٥٣/٥.
٣٣٢
جوب
القرآن الكريم

الاجتماع
الذي جمع السحرة، وملأه الذين أشاروا الأنبياء عليهم السلام بالائتلاف والجماعة،
ونهاهم عن الافتراق والاختلاف.
علیه بجمعهم من مدائنھم، وقد علموا أنهم
ما اجتمعوا بموسى، ولا رأوه قبل ذلك،
وأنهم جاءوا من السحر بما يحير الناظرين
وبهيلهم، ومع ذلك فراج عليهم هذا القول،
الذي هم بأنفسهم وقفوا على بطلانه، فلا
يستنكر على أهل هذه العقول أن لا يؤمنوا
بالحق الواضح، والآيات الباهرة؛ لأنهم لو
قال لهم فرعون عن أي شيء کان إنه على
خلاف حقيقته صدقوه (١).
ثانيًا: الاجتماع على قاسم مشترك:
ومن أسباب الاجتماع بين الناس وجود
قاسم مشترك يجمع بينهم، ويؤلف بين
قلوبهم، ومن هذه القواسم المشتركة:
١. الدین.
الدين من أعظم الأسباب الموحدة بين
الناس، بل هو السبب الأول، وقد أمر الله
عباده أن يتمسكوا به، ويجتمعوا علیه، وعلى
هذا بعث الله الأنبياء كلهم بإقامة الدین،
والألفة والجماعة، وترك الفرقة.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ آلِينِ مَا
قال تعالى:
وَصَّى بِهِ، نُوحًا وَأَلَّذِىّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا
◌ِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ أَلْدِّينَ وَلَا
نَتَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ [الشورى: ١٣].
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص ٥٩١.
فذكر في هذه الآية الطرفين والوسط،
الفاتح والخاتم، ومن بينهما على هذا
الترتيب، فهذه هي الوصية التي أخذ عليهم
الميثاق بها، وهي إقامة الدين، وعدم التفرق
فیه.
وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ أَلْدِّينَ وَلَا نَنَفَرَّقُواْ فِيهِ﴾
مشعر بأن حصول الموافقة أمر مطلوب في
الشرع والعقل، وبيان منفعته من وجوه:
الأول: أن للنفوس تأثيرات، وإذا تطابقت
النفوس، وتوافقت على واحد قوي التأثير.
الثاني: أنها إذا توافقت صار كل واحد
منها معينًا للآخر في ذلك المقصود المعین،
وكثرة الأعوان توجب حصول المقصود، أما
إذا تخالفت تنازعت، وتجادلت فضعفت،
فلا يحصل المقصود.
الثالث: أن حصول التنازع ضد مصلحة
العالم؛ لأن ذلك يفضي إلى الهرج والمرج،
والقتل والنهب؛ فلهذا السبب أمر الله
تعالى في هذه الآية بإقامة الدين على وجه
لا يفضي إلى التفرق، وقال في آية أخرى:
﴿وَلَا تَنَزَعُواْ فَنَفْشَلُواْ﴾ [الأنفال: ٤٦](٢).
فالعقيدة أقوى الروابط التي تربط بين
الناس، وبخاصة إذا سلمت وصحت
أي: وصى الله سبحانه وتعالى جميع وقويت في نفس صاحبها، ومنشأ ذلك أن
(٢) انظر: مفاتح الغيب، الرازي ٥٨٨/٢٧.
www. modoee.com
٣٣٣

حرف الألف
صاحب العقيدة القوية يرى نفسه مفردًا عظيمًا؛ بما أشار إليه إثبات التاء، وكان ذلك
إشارة إلى التحذير من التفرق في الأصل.
بسبب هذه العقيدة عن الناس، وحيدًا
بینهم، غريبًا فيهم، فهو في مسيس الحاجة
إلی من تسكن إليه نفسه، ویأنس به قلبه،
ويشتد به أزره، وليس في ذلك إلا رجل
اعتقد مثل عقيدته، وآمن بمثل ما آمن به،
هنالك تلتئم الروحان، ويتحد القلبان،
وتسكن ثائرة النفس، ويستشعر كل منهما
بالآخر روح الأنس، ويود أحدهما لو يفتدي
الآخر بالدنيا وما فيها، وما قيمة الدنيا وما
فيها إذا خلت من أنيس يرتاح إليه القلب،
وتسكن معه النفس؟! هذا هو منشأ الوحدة
والارتباط في نفوس أهل العقيدة الواحدة،
والمبدأ المتفق.
وإنك لترى بين الناس روابط كثيرة من
نسبية وعصبية؛ وصداقة ومعرفة، واشتراك
في تجارة؛ أو مصلحة؛ أو غاية مما يرتبط
بهذه الأغراض الزائلة، فترى كل الروابط
سريعة الزوال، وشيكة الانحلال، على حين
ترى أهل العقيدة الواحدة على قلب واحد،
وشعور واحد(١).
والحاصل: أن من الأسباب التي تربط
بين الناس الدين والعقيدة المشتركة؛ ولهذا
عظم الله أمر الاجتماع عليه، وأتبع ذلك
التعظيم بالنهي عن الافتراق فيه، فقال:
﴿وَلَا تَنَفَرَّقُواْ فِيهِ ﴾ أي: في الدين، تفرقًا
(١) انظر: نظرات في كتاب الله ص ٤٥٠ بتصرف.
فإن التفرق سبب الهلاك، والاجتماع
سبب النجاة (٢).
قال ابن کثیر رحمه الله: «فأهل الأدیان
قبلنا اختلفوا فيما بينهم على آراء وملل
باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنها على
شيء، وهذه الأمة اختلفوا فيما بينهم على
نحل كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل
السنة والجماعة، المتمسكون بکتاب الله،
وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم،
وبما كان عليه الصدر الأول من الصحابة
والتابعين، وأئمة المسلمين، في قديم الدهر
وحديثه))(٣).
وقال الطاهر بن عاشور رحمه الله عند
تفسيره لهذه الآية: ((وهذه حالة ذميمة من
أحوال أهل الشرك، يراد تحذير المسلمين من
الوقوع في مثلها؛ فإذا اختلفوا في أمور الدين
الاختلاف الذي يقتضيه الاجتهاد، واختلفوا
في الآراء والسياسات لاختلاف العوائد؛
فليحذروا أن يجرهم ذلك الاختلاف إلى أن
يكونوا شيعًا متعادين متفرقين، يلعن بعضهم
بعضًا، ويذيق بعضهم بأس بعض)» (٤).
والمقصود: أن الله تعالی أوجب علينا
إقامة الدين، بالتمسك بكتابه وسنة نبيه،
(٢) انظر: نظم الدرر، البقاعي ١٧/ ٢٦٦.
(٣) تفسير القرآن العظيم، ٦/ ٣١٧.
(٤) التحرير والتنوير ٢١ / ٩٦.
٣٣٤
مُوسوبر التفسير
القرآن الكريم

الاجتماع
والرجوع إليهما عند الاختلاف، وأمرنا
بالاجتماع على الاعتصام بالكتاب والسنة
اعتقادًا وعملًا؛ وذلك سبب اتفاق الكلمة،
وانتظام الشتات الذي يتم به مصالح الدنيا
والدين، والسلامة من الاختلاف.
ومع أهمية الاجتماع يبقى أن الاجتماع
المأمور به إنما هو بالقلوب الجاعلة لهم
كالجسد الواحد، ولا يضر فيه صرف بعض
الأوقات إلى المعاش، وتنعيم البدن ببعض
المباحات.
ویبین الشافعي رحمه الله أن اجتماع
الأبدان ليس بمعتبر ولا مقصود، بل
المقصود والمعتبر الاجتماع على طاعة الله
ورسوله، والاجتماع على الحق، فيقول بعد
أن بين أن الأمر بلزوم جماعة المسلمين
ليس له إلا معنى واحد؛ ذلك أنه: إذا كانت
جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحد
أن يلزم جماعة أبدان قوم متفرقين، وقد
وجدت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمین
والكافرين؛ ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع
شيئًا، فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا
ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم،
والطاعة فيهما، ومن قال بما تقول به جماعة
المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف
ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف
جماعتهم التي أمر بلزومها (١).
(١) الرسالة، ١ / ٤٧٦.
ومن الآيات الدالة على هذا المعنى
قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةٌ فَبَعَثَ
اللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ
اُلْكِنَبَ بِالْحَقِ لِيَحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا أَخْتَلَفُواْ
فِيَّةٍ وَمَا أَخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُّوهُ مِنْ بَعْدٍ
مَا جَآءَ تُهُمُ الْبَيْنَتُ بَغْيَا بَيْنَهُمَّ فَهَدَى اللَّهُ
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا أَخْتَلَفُواْ فِهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهُ
وَاَللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم
٢١٣)
[البقرة: ٢١٣].
فأخبر الله عز وجل في هذه الآية أن
الناس كانوا أمة واحدة، أمة مجتمعة على
ملة واحدة، ودین واحد، فاختلفوا، فبعث
الله النبيين مبشرين ومنذرين، يقول عبد
الله بن عباس رضي الله عنهما: كان بين
نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من
الحق، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين
ومنذرین(٢).
وقيل: إن وقت كون الناس أمة واحدة
على دين التوحيد يوم استخرج ذرية آدم
من صلبه، فعرضهم على آدم، يقول أبي
بن كعب رضي الله عنه: «كانوا أمة واحدة
حيث عرضوا على آدم، ففطرهم يومئذٍ على
الإسلام، وأقروا له بالعبودية، وكانوا أمة
واحدة مسلمين كلهم، ثم اختلفوا من بعد
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٩٦.
انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/
٥٦٩.
www. modoee.com
٣٣٥

حرف الألف
آدم(١).
فالله سبحانه إنما بعث الرسل، وأنزل
الكتب عند الاختلاف، فالأصل في البشرية
هو الاجتماع على التوحيد الخالص لله عز
وجل، والأصل أن الناس كانوا مجتمعين
على الدين الواحد، دين التوحيد، وأنه ما
إن دب الشرك في الأمة إلا وقارنته الفرقة،
فاستلزم بعثة الأنبياء والرسل رحمة من الله
تعالى بالناس، وإعذارًا لهم، فهو سبحانه
کما في الحديث: (لا أحد أحب إليه العذر
من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشرين
والمنذرین)(٢).
٢. الإيمان.
ومن القواسم المشتركة التي تجمع بين
الناس: الإيمان.
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ
بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ وَأَنَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[الحجرات: ١٠].
يعني: كالإخوة في التعاون؛ لأنهم على
دين واحد(٣).
وفي الآية بيان أن الإيمان قد عقد بين
أهله من السبب القريب، والنسب اللاصق ما
إن لم یفضل الأخوة ولم یبرز علیھا لم ینقص
(١) جامع البيان، الطبري ٢٧٨/٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا
شخص أغیر من الله، ٩/ ١٢٣، رقم ٧٤١٦.
(٣) تفسير السمر قندي ٣/ ٣٢٧.
عنها، ولم يتقاصر عن غايتها، ثم قد جرت
عادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بین
اثنين من إخوة الولاد لزم السائر أن يتناهضوا
في رفعه وإزاحته، ويركبوا الصعب والذلول
مشيًا بالصلح، وبثّا للسفراء بينهما، إلى أن
یصادف ما وهی من الوفاق من یرقعه، وما
استشن (٤) من الوصال من يبله، فالأخوة في
الدين أحق بذلك، وبأشد منه(٥).
و(إنما) للحصر، أي: لا أخوة إلا بين
المؤمنین، وأما بین المؤمن والكافر فلا؛ لأن
الإسلام هو الجامع؛ ولهذا إذا مات المسلم
وله أخ كافر یکون ماله للمسلمين، ولا یکون
لأخيه الكافر (٦).
قال الزجاج: «أَعْلَمَ الله عز وجل أن
الذين يجمعهم وأنهم إخوة إذا كانوا متفقين
في دينهم، فرجعوا في الاتفاق في الدين
إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، ولو
اختلفت أديانهم لافترقوا في النسب، وإن
كان في الأصل أنهم لأب وأم))(٧).
فالصلة التي ينبغي أن تقوم بين المؤمنين
هي صلة أخوة ومودة، دون نظر إلى لون
أو جنس أو وطن، فقد جمعهم الإسلام
في نسب يعلو على نسب الدم والجنس
(٤) قوله: (استشن)) في الصحاح: تشنن الجلد
يبس، واستشن الرجل: هزل.
(٥) انظر: الكشاف، الزمخشري ٤ /٣٦٦.
(٦) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٨/ ١٠٧.
(٧) معاني القرآن وإعرابه ٣٦/٥.
٣٣٦
مَوَسُولَة النَّفِيـ
القرآن الكريم

الاجتماع
والوطن، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وإنه لمن
قلب الأوضاع أن ينعزل المؤمن بشعوره هذا
من المودة والأخوة عن إخوانه المؤمنين،
وينحاز إلى الكفار، يعطيهم ولاءه ومودته
وأخوته، والإسلام الذي يدعو إلى الحب
والسلام إذ يدعو أتباعه إلى التراحم والتواد
والتآخي فيما بينهم، لا يجعل ذلك على
حساب الصلات الأخوية التي ينبغي أن
تکون بین المسلم وبين سائر الناس (١).
يقول القاسمي: ((وتسمية المشاركة في
الإيمان أخوة تشبيه بليغ، أو استعارة شبه
المشاركة فيه بالمشاركة في أصل التوالد؛
لأن كلا منهما أصل للبقاء؛ إذ التوالد منشأ
الحياة، والإيمان منشأ البقاء الأبدي في
الجنان)»(٢).
والحاصل: أن المؤمنين بسبب إيمانهم
إخوة، أي: في التوالي والتعاضد والتراحم؛
ولهذا فالمؤمنون قلوبهم على قلب رجل
واحد فيما يعتقدونه من الإيمان، وأما
المنافقون فقلوبهم مختلفة، كما قال:
﴿أَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَى﴾ [الحشر: ١٤]
فإذا كان المؤمنون إخوة أمروا فيما بينهم
بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونهوا
عما يوجب تنافر القلوب واختلافها، وهو
إصلاح ذات البين.
(١) انظر: التفسير القرآني للقرآن، الخطيب
٤٢٩/٢.
(٢) محاسن التأويل، ٥٢٩/٨.
حتى الملائكة يجمعهم بالمؤمنين
الإيمان؛ ولهذا يستغفرون للذين آمنوا،
كما قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا﴾
[غافر: ٧] وفي هذا تنبيه على أن المشاركة في
الإيمان يوجب النصح والشفقة وأن تخالف
الأجناس؛ لأنها أقوى المناسبات، كما قال
الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ◌َلْمُؤْمِنُونَ إِخْرَةٌ﴾.
وهذه الأخوة الدينية مما يحسدنا عليها
جمیع أهل الملل، فهي لا تزال أقوی فینا منها
فیھم ترافدًا وتعاونًا، وعاصمة لنا من فوضی
الشيوعية، وأثرة المادية وغيرها، على ما
منيت به شعوبنا من الضعف، واختلال
النظام، واختلاف الجنسيات والأحكام(٣).
ومما يترتب على هذه الأخوة: أن يكون
الحب والسلام والتعاون والوحدة هي
الأصل في الجماعة المسلمة، وأن يكون
الخلاف أو القتال هو الاستثناء الذي يجب
أن يرد إلى الأصل فور وقوعه، وأن يستباح
في سبيل تقريره قتال المؤمنين الآخرين
للبغاة من إخوانهم ليردوهم إلى الصف؛
وليزيلوا هذا الخروج على الأصل والقاعدة،
وهو إجراء صارم وحازم كذلك (٤).
ومما يبين هذه الصلة الإيمانية: قوله
تعالى: ﴿ وَاَلْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضٍ ﴾ [التوبة: ٧١].
(٣) انظر: تفسير المنار، محمد رشيد رضا
١٠/ ١٧٢ بتصرف.
(٤) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٣٣٤٣/٦.
www. modoee.com
٣٣٧

حرف الألف
المؤمنة، طبيعة الوحدة، وطبيعة التكافل،
وطبيعة التضامن، ولكنه التضامن في تحقيق
الخير، ودفع الشر.
﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ
المُنگرِ﴾ وتحقیق الخیر، ودفع الشر یحتاج
إلى الولاية والتضامن والتعاون، ومن هنا
تقف الأمة المؤمنة صفًا واحدًا، لا تدخل
بينها عوامل الفرقة، وحيثما وجدت الفرقة
في الجماعة المؤمنة فئمة ولا بد عنصر
غريب عن طبيعتها وعن عقيدتها، هو الذي
يدخل بالفرقة، ثمة غرض أو مرض يمنع
السمة الأولى ويدفعها، السمة التي يقررها
العليم الخبير ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ يتجهون
بهذه الولاية إلى الأمر بالمعروف، والنهي
عن المنكر، وإعلاء كلمة الله، وتحقيق
الوصاية لهذه الأمة في الأرض(١).
وهذا هو المعلم الواضح البارز على
مفرق الطريق بين نظرة هذا الدين إلى
الوشائج والروابط، وبين نظرات الجاهلية
المتفرقة، إن الجاهليات تجعل الرابطة
آنّا هي الدم والنسب، وآنًا هي الأرض
والوطن، وأنّا هي القوم والعشيرة، وأنّا هي
اللون واللغة، وآنًا هي الجنس والعنصر،
وأنّا هي الحرفة والطبقة! تجعلها أنّا هي
المصالح المشتركة، أو التاريخ المشترك، أو
(١) انظر: في ظلال القرآن ١٦٧٥/٣ بتصرف.
إن طبيعة المؤمن هي طبيعة الأمة المصير المشترك، وكلها تصورات جاهلية
-على تفرقها أو تجمعها- تخالف مخالفة
أصيلة عميقة عن أصل التصور الإسلامي!
والمنهج الرباني القويم -ممثلًا في هذا
القرآن الذي يهدي للتي هي أقوم، وفي
توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم،
وهي من هذا القرآن وعلى نسقه واتجاهه،
قد أخذ الأمة المسلمة بالتربية على ذلك
الأصل الكبير، والمعلم الواضح البارز في
مفرق الطريق (٢).
٣. الهدى.
ومن القواسم المشتركة التي يجتمع
الناس عليها: الهدى.
قال تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَىْ وَفَرِيقًا حَقَّ
عَلَيْهِمُ الضَّكَلَةُ﴾ [الأعراف: ٣٠].
وقال: ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَنْ
حَقَّتْ عَلَيْهِ الصَّلَالَةُ ﴾ [النحل: ٣٦].
فهؤلاء صنفان وجمعان، فالأولون
اجتمعوا على الهدى، والآخرون اجتمعوا
على الضلالة، وشتان بين الجمعين
والفريقين.
والفريق يصدق بالجماعة الكثيرة (٣).
وهذا كله إنذار من الوقوع في الضلالة،
وتحذير من اتباع الشيطان، وتحريض على
توخي الاهتداء الذي هو من الله تعالى، كما
(٢) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ١٨٨٦.
(٣) انظر: التحرير والتنوير ١٨٣/٢٢.
٣٣٨
مُوسَوالَةُ الْبَِّد
القرآن الكريم

الاجتماع
دل عليه إسناده إلى ضمير الجلالة في قوله: حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَلَةُ﴾(٢).
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى
﴿هَدَى اَللَّهُ:
اُلْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥].
فيعلم السامعون أنهم إذا رجعوا إليه
فريقين، كان الفريق المفلح هو الفريق
الذين هداهم الله تعالى، كما قال: ﴿أُوْلَكَ
حِزْبُ اللَّهِ أَلََّّ إِنَّ حِزْبَ اَللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[المجادلة: ٢٢].
وأن الفريق الخاسر هم الذين حقت عليه
الضلالة، واتخذوا الشياطين أولياء من دون
الله، كما قال: ﴿أُوْلَكَ حِزْبُ الشَّيْطِنِّ أَلَّ إِنَّ
حِزْبَ الشَّيْطَيِنِ هُمُ الْخَّصِرُونَ﴾ [المجادلة: ١٩](١).
إنها لقطة واحدة عجيبة، تجمع نقطة
البدء في الرحلة الكبرى، ونقطة النهاية،
نقطة الانطلاق في البدء، ونقطة المآب
في الانتهاء ... ، وقد بدأوا الرحلة فريقين:
آدم وزوجه، والشيطان وقبيله، وكذلك
سيعودون، الطائعون سيعودون فريقًا
المؤمنين بالله، المتبعين لأمر الله، والعصاة
سیعودون مع إبليس وقبيله، يملأ الله منهم
جهنم، بولائهم لإبليس، وولايته لهم، وهم
يحسبون أنهم مهتدون.
لقد هدى الله من جعل ولايته لله،
وأضل من جعل ولايته للشيطان، وها هم
أولاء عائدين فريقين: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا
(١) انظر: التحرير والتنوير ٨ /٩٠.
وهذا فيه إشارة إلى أن الهدى من الأمور
التي تجمع بين الناس.
جل وعلا
فقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ ﴾
﴿لَجَمَعَهُمْ﴾ جميعًا ﴿عَلَى الْهُدَى﴾ وَالْهُدَى
هنا بمعناه الخاصِ؛ لأن الْهُدَى يُطْلَقُ في
القرآنِ إطلاقين: يطلق إطلاقًا عامًا، ويطلقُ
إطلاقًا خاصًا، أما الهدى بمعناه العام: فهو
إبانةُ الطريقِ وإيضاحُها وتوضيحُ الخيرِ من
الشَرِ، ومنه بهذا المعنى في القرآنِ: ﴿وَأَمَّا
ثَمُوُدُ فَهَدَيْنَهُمْ﴾ [فصلت: ١٧] أي: أَوْضَحْنَا
لهم طريقَ الخيرِ وَالشَرِ بِينَةً على لسانِ نَبِيِنَا
صالحٍ، وليس هذا الْهُدَى (هُدَى تَوْفِيقٍ)
وإنماً هو (هُدَى بَيَانٍ) فَقَطْ، بدليلٍ قوله:
﴿فَأَسْتَحَبُّواْ أَلْعَمَى عَلَى الْمُدَى﴾ [فصلت: ١٧]
مع أبيهم آدم، وأمهم حواء، المسلمين وأما الْهُدَى بمعناه الخاصِ فهو: التوفيقُ إلى
ما يُرْضِي اللَّهَ.
والحاصل: أن من العوامل المشتركة
بین الخلق الاجتماع علی الھدی، کاجتماع
الملائكة، والأنبياء وأتباعهم.
وسلب الاجتماع على الهدى لا ينافي
اتباع البعض لهذا الهدى، فالاجتماع على
الهدى مطلوب شرعًا، وحاصل واقعًا، إلا
أن تحقق ذلك بيد الله الهادي سبحانه
(٢) انظر: في ظلال القرآن ١٢٨١/٣.
www. modoee.com
٣٣٩

حرف الألف
شَآءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام:٣٥] بعضهم أعوان بعض وأنصاره، وأحق به من
المؤمنين بالله ورسوله، وإنما جعل بعضهم
من بعض؛ لأن دينهم واحدٌ، وطريقتهم
واحدة.
أي: ولو شاء الله تعالی جمعهم على ما
جئت به من الهدی لجمعهم عليه، إما بأن
يجعل الإيمان ضروريًا لهم كالملائكة،
وإما بأن يخلقهم على استعداد واحد
للحق والخير، لا متفاوتي الاستعداد،
مختلفي الاختيار باختلاف العلوم والأفكار
والأخلاق والعادات؛ ولكنه شاء أن يجعلهم
على ما هم عليه من الاختلاف والتفاوت،
وما يترتب على ذلك من أسباب الاختيار (١).
وقيل: لو شاء الله لجمعهم عليه بأن يأتيَهم
بآيةٍ ملجئةٍ إليه، ولكن لم يفعله لخروجه عن
الحِكْمة(٢).
٤ . الكفر.
ومن القواسم المشتركة: الكفر، وقد
أخبر الله تعالى أن الكفار بعضهم من بعض،
فقال:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ
وَالنَّصَرَّ أَوْلِيَاءُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾﴾ [المائدة: ٥١].
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ
وقال تعالى:
أَوْلِيَآءُ بَعْضِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى
الْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ ﴾ [الأنفال: ٧٣].
﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ﴾ أي: في النصرة
والتعاون على قتال المسلمين، فهم في
جملتهم فريق واحد تجاه المسلمين، وإن
كانوا مللًا كثيرة، يعادي بعضها بعضًا؛ إلا أن
(١) تفسير المراغي ٧/ ١١٤.
(٢) إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٣/ ١٢٩.
قال ابن جرير: «قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ
بَعْضٍ﴾ عنى بذلك: أن بعض اليهود أنصار
بعضهم على المؤمنين، ويد واحدة على
جميعهم، وأن النصارى كذلك بعضهم
أنصار بعض على من خالف دينهم وملتهم،
معرِفًا بذلك عباده المؤمنين أن من كان لهم
أو لبعضهم وليًا فإنما هو وليُهُم على من
خالف ملتهم ودينهم من المؤمنين، كما
اليهود والنصارى لهم حَرْب، فقال تعالى
ذكره للمؤمنين: فكونوا أنتم أيضًا بعضكم
أولياء بعض، ولليهودي والنصراني حربًا؛
كما هم لكم حرب، وبعضهم لبعض
أولياء؛ لأن من والاهم فقد أظهر لأهل
الإيمان الحربَ، ومنهم البراءة، وأبان قطع
وَلايتهم»(٣).
ففي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ
أَوْلِيَاءُ بَعْضَِّ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِى
اَلْأَرْضِ وَفَسَاءٌ كَبِيرٌ﴾ هو تقرير لحكم
واقع بين الكافرين، وهو أنهم على ولاء
فيما بينهم، وأنهم حزب واحد، مجتمع على
عداوة المؤمنين، ناصب لحربهم، راصد
للفرصة الممكنة له منهم، وليس في هذا
(٣) جامع البيان، ٣٩٩/١٠.
٣٤٠
مُوسُوبَةُ النَِّيَة
لِلْقُرْآن الكَرِيْمِ