Indexed OCR Text
Pages 21-40
الاتباع
على ذلك: دعوة إبراهيم عليه السلام لأبيه، [المؤمنون: ٢٤].
وقد صورها القرآن في مواضع كثيرة.
ومن المهم الإشارة إلى أن الراغب
الأصفهاني عد العلماء والمعلمين داخلين
في مفهوم الآباء، فقال: ((الأب: الوالد،
ویسمی کل من كان سببًا في إيجاد شيء
أو صلاحه أو ظهوره أبًا، .... ، وسمي معلم
الإنسان أبًا لما تقدم ذكره.
وقد حمل قوله تعالى: ﴿وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا
عَلَى أُمَّدٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَزِهِم مُّهْتَدُونَ
[الزخرف: ٢٢] على ذلك؛ أي: علماؤنا الذين
ربونا بالعلم بدلالة قوله تعالى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّا
أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلًا
[الأحزاب: ٦٧])) (١).
وعلى هذا؛ فالمعنى يأخذ بعدًا أوسع من
المعنى القريب للأب.
هذا وقد توسع القرآن في الحديث عن
هذه ظاهرة اتباع الآباء، عارضًا أقوالهم،
ومن هذه المظاهر:
١. اتباع الآباء في الشرك.
لقد كان اتباع الآباء سببًا رئيسًا في رد
دعوات الأنبياء عليهم السلام إلى التوحيد.
فهذا نبي الله نوح عليه السلام يدعو قومه
إلى التوحيد؛ فيجيبه الملأ: ﴿مَاهَذَآ إِلََّ بَشَرٌ
◌ِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَآءَ اللّهُ لَأَنَلَ
مَلِكَةُ مَّا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ ءَابَآَنَا الْأَوَّلِينَ ﴾
(١) المفردات، الراغب ص ٥٧.
وحین سأل إبراهيم عليه السلام قومه عن
سبب عبادتهم الأصنام؛ أجابوا: ﴿وَجَدْنَاً
مَابَآَةَنَا لَهَا عَيِدِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥٣].
ومثل ذلك نبي الله هود عليه السلام
دعاهم إلى توحيد الله فأجابوا: ﴿أَجِئْتَنَا
لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ، وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ
ءَابَآؤُنَا ﴾ [الأعراف: ٧٠].
وكذا نبي الله صالح وشعيب وموسى
عليهم السلام حتى نصل إلى محمد صلى
الله علیه وسلم، حیث رد علیه کفار قریش
بهذا الرد.
ثم يبين لنا القرآن أن هذه المقولة هي
مقولة جميع الأمم لرسلهم، فيقول تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيٍ إِلَّا
قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَ
ءَاتَرِهِمْ مُقْتَدُونَ ﴾ [الزخرف: ٢٣].
وهذا فيه تسلية لرسول الله صلى الله
عليه وسلم، ليعلم أن كل ما يلاقيه من
صدود وإعراض عن دعوته؛ قد لقيه الأنبياء
جميعًا مع أقوامهم، وأن ردهم كان واحدًا،
وهو يعكس طبيعة المعرضين: ﴿أَتَوَاصَوْاْبِّ.
٣)﴾ [الذاريات: ٥٣].
٢. اتباع الآباء في التحليل والتحريم.
فاتباع الآباء في الشرك هو اتباع لهم في
العقائد، وإذا كانوا قد اتبعوهم في العقائد؛
فمن باب الأولى أن يتبعوهم في الشرائع،
www. modoee.com
٢٥٩
حرف الألف
وما يتعلق بها من التحليل والتحريم،
والإخلال بالأحكام.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَا فِ
الْأَرْضِ حَلًا طَيِّبًا وَلَا تَشَِّعُواْ خُطُوَتِ الشَّيْطَنِّ
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينُ ( إِنَّمَا يَأْمُرَّكُمْ بِالسُّوْءِ
وَالْفَحْشَآءِ وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١)
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنْزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ
أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَأْ أَوَلَوْ كَانَ ءَابَآؤُهُمْ لَا
[البقرة:
يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ()
١٦٨ ١٧٠].
جاء الأمر بالاستمتاع بما أحل الله
والابتعاد عما حرم، وقد عبرت عنه الآية
باتباع خطوات الشيطان.
قال الشاطبي: «فکانھم استندوا إلی دلیل
جملي وهو الآباء؛ إذ كانوا عندهم من أهل
العقل، وقد كانوا على هذا الدین، ولیس إلا
لأنه صوابٌ فنحن علیه؛ لأنه لو كان خطأ؛
(١).
لما ذهبوا إليه)»
وبهذا نفهم أن الشرك الذي كان عليه
الآباء أصبح في نظر هؤلاء ندا لاتباع الحق،
كما أصبح مصدرًا للتشريع، كما نفهم أن
هؤلاء القوم ليس لديهم أدنى استعداد
للبحث في شيء خارج عما وجدوا عليه
آباءهم ألبتة.
٣. اتباع الآباء في المجادلة بغير علم.
وهي صفة ناشئة عن محبة الابن لأبيه،
(١) الاعتصام، الشاطبي ١/ ١٦٤.
فإنه سوف یدافع عما يراه حقًا، ودفاعه هذا
دفاعٌ بغير علم، إذ كيف يتبع أباه في شيء فيه
حتفه؟ ومعلومٌ أن اتباع الآباء لو کان في أمرٍ
من أمور الدنيا، ورأوا بطلانه؛ لم يقبلوا به،
فکیف بأمرٍ من أمور الدين؟!
قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَدِلُ
فِي اَللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدَى وَلَا كِتَبِ مُنِيرٍ
وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَنَِّعُواْ مَآ أَنَزَلَ اَللَّهُ قَالُواْ بَلَّ نَّعُ
مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَاءَنَاْ أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ
﴾ [لقمان: ٢٠
يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ )
٢١].
نعى الله سبحانه عليهم المجادلة بغير
علم، وهذه المجادلة ((مع كونها من غير
علم؛ فهي في غاية القبح؛ فإن النبي صلى
الله علیه وسلم یدعو إلى كلام الله، وهو
يأخذون بکلام آبائهم، وبین کلام الله تعالى
و کلام العلماء بون عظیم، فکیف ما بین کلام
الله وكلام الجهلاء» (٢).
٤. اتباع الآباء في فعل الفاحشة.
وإذا كان هؤلاء القوم يتبعون آباءهم في
التحيل والتحريم؛ فإنهم يتبعونهم فيما يتفرع
عن ذلك، ألا وهو فعل الفواحش.
قال تعالى: ﴿ وَإِذَا فَعَلُواْفَِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا
عَلَيْهَآ ءَابَنَا وَللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ
بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ
٢٨
[الأعراف: ٢٨].
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٥/ ١٣٤.
٢٦٠
مُوتُوابَر النفسيةِ الوضوء
القرآن الكريمِ
الاتباع
الفاحشة في الأصل: اسم ((للعمل عليهم، لأنهم لا يعتمدون إلا على تقاليد
الذميم .. وغلبت الفاحشة في الأفعال بالية يتمسكون بها، وهي قولهم: إن هذا
الشديدة القبح، وهي التي تنفر منها الفطرة
السليمة، أو ينشأ عنها ضر أو فساد)) (١).
وكما تلاحظون؛ فإن القوم لم يكتفوا
باتباع آبائهم في فعل الفاحشة، بل تعدوا
ذلك إلى أمر عظيم زاعمين أن الله أمرهم
بها.
ولا يخفى أن هذين القولين هما النتيجة
الحتمية للولاية الشيطانية المذكورة قبل
هذه الآية: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَآَ لِلَّذِينَ لَا
يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: ٢٧].
٥. اتباع الآباء في رد دعوات الأنبياء.
تلك أسوأ صفة، وهي سببٌ لجميع
الصفات الأخرى، حيث كان اتباع الآباء
سببًا في رد دعوات الأنبياء، وحين يرد
الإنسان دعوة النبي؛ فلاشك أنه سيقع في
ضلال مبين، وتأمل إجابة قوم موسى عليه
السلام حین جاءهم بالبينات حيث قالوا:
﴿مَا هَذَآ إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرَى وَمَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِىّ
ءَبَآَ بِنَا الْأَوَّلِينَ :
[القصص: ٣٦].
٢٦
وكان لقريش الإجابة نفسها: ﴿مَا هَذَآ
إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَاؤُكُمْ
﴾ [سبأ: ٤٣].
٤٣
إن هؤلاء القوم حين واجههم القرآن
بحججه وبيناته؛ أحسوا بخطورة ذلك
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٨٢/٨.
النبي يريد أن يصد الناس عما كان يعبد
آباؤهم، وهم يشعرون أنهم قاوموا الحجة
بالحجة، وما دروا أنها حجة ساقطة مرجعها
التقليد الأعمى!
ولم يكتف القرآن بعرض ردود القوم؛ بل
بين أن الأنبياء والقرآن ردوا عليهم، وأظهروا
عوار تفکیرهم من خلال عدة أمور، ومنها
المناقشة العقلية والتنزل للخصم، والتذكير
بالله تعالى وبنعمه، والتحقير والتوبيخ،
والتعجب والإنكار، والتذكير بقدرة الله
عليهم وأخيرًا التهديد بالعذاب.
اتباع الطواغيت من السادة والكبراء.
حين نأتي على دعوات الأنبياء عليهم
السلام؛ نجد أن دور الملأ واضحًا في
صد الناس عن دين الله، والملأ: ((جماعة
يجتمعون على رأي فيملؤون العيون رواءً
ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالًا)) (٢).
لقد كان اتباع الطواغيت من الكبراء من
أسباب الصدود عن الحق، والتمرد على
الأنبياء وعصيانهم، فهاهو ذا نوٌ عليه
السلام يناجي ربه: ﴿رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنٍ وَأَنَّبَعُواْ
مَنْ لَمْ يَزْدَهُ مَالُهُ، وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا ﴾ [نوح:
٢١].
لقد عصى القوم نوحًا عليه السلام
(٢) المفردات، الراغب، ص ٧٧٦.
www. modoee.com
٢٦١
حرف الألف
فلم يستجيبوا له، على الرغم بأنه وعدهم عنده) (٣).
بالمغفرة وأن يرسل السماء عليهم مدرارًا
بالمطر، ويمدهم بالمال والولد وتتحول
أراضیھم علی جنات وأنهار. وإضافة إلى
العصيان؛ اتبعوا رؤساءهم في الكفر وعدم
اتباع دعوة نبي الله نوح عليه السلام.
قال الألوسي: ((والظاهر أن اتباع عامتهم
وسفلتهم لأولئك الرؤساء وفي وصفهم
بذلك؛ إشعارٌ بأنهم اتبعوهم لوجاهتهم
الحاصلة لهم بسبب الأموال والأولاد، لما
شاهدوا فيهم من شبهة مصححة للاتباع في
الجملة)) (١).
كذبه قومه اتباعًا لكبرائهم.
يقول الله تعالى: ﴿وَتَلْكَ عَادٌّ جَحَدُواْ
بِشَايَتِ رَيْهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ، وَأَتَّبَعُواْ أَمْرَكُلِّ جَبَّارٍ
عَنِيدٍ ﴾ [هود: ٥٩] وكما هو واضح؛
فالآية بينت لنا ثلاثة أمور: جحودهم آیات
الله، وعصيانهم الرسل واتباع الجبابرة
المعاندين.
يقال: لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من
التعالي لايستحقها، وهذا لا يقال إلا
على طريق الذم)) (٢)، وأما العنيد؛ فيقول:
((المعجب بما عنده، والمعاند: المباهي بما
(١) روح المعاني ١٥ / ٧٦.
(٢) المفردات، الراغب، ص ١٨٣.
ويتردد مثل هذا الكلام في قصة صالح
وشعيب مع قومهما، وقد ساقها القرآن
بتفاصيلها، وكانت النتيجة أن هذا التكذيب
كان سبب العذاب.
ويبقى أن أشير إلى فرعون الذي بلغ
منزلة عالية في الكبر عن الحق، ونتيجة
لذلك؛ ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ، وَمَا هَدَى
[طه: ٧٩].
ولذلك يقول تعالى: ﴿فَبَّعُواْ أَغَ فِرْعَوْنٌ
وَمَآ أَقْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ [هود: ٩٧].
لقد أرسل الله موسى عليه السلام
ثم ننتقل إلى هود عليه السلام وكيف بالحجج والآيات الباهرة والظاهرة إلى
فرعون وملئه، فاتبع القوم أمر فرعون في
تكذيب موسى عليه السلام، ورد ما جاء
به من الحق، ولذلك رد الله عليهم مباشرة
بقوله: ﴿وَمَآ أَقُفِعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾؛ لأن من
يكذب الأنبياء ويرد دعوتهم لا يمكن أن
یکون أمره رشیدًا، «وإنما هو غيّ صريح،
وضلالٌ ظاهر مكشوفٌ، وإنما يتبع العقلاء
قال الراغب: ((الجبار: في صفة الإنسان: من يرشدهم ويهديهم، لا من يضلهم
ویغویھم» (٤).
[انظر: القدوة: الكبراء والرؤساء]
# اتباع الباطل.
الباطل عامٌ في كل ما هو خلاف الحق،
(٣) المصدر السابق، ص ٥٩٠.
(٤) الكشاف، الزمخشري ٢/ ٢٣٣.
٢٦٢
القرآن الكريم
الاتباع
والحق راجعٌ للوحيين: الكتاب والسنة، الذم؟ (١)
ولذلك؛ فالمؤمن یتبع الحق دائمًا، والكافر
يتبع ضده وهو الباطل.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ
وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَلَهُمْ وَالَّذِينَ
ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ وَءَامَنُواْ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَهُوَ لَلَْقُّ مِن ◌َّهُمْ كُفَّرَ عَنْهُمْ سَيِئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ
٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَتَّبِعُواْ الْبَطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ
ءَامَنُواْ أَتَّبَعُواْ الْحَّ مِن ◌َّيْهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ لِلنَّاسِ
أَمْثَلَهُمْ ﴾ [محمد: ١ ٣].
السبب الموصل إليها، ففي الأولى؛ يبين
الله سبحانه وتعالى إضلال الذين كفروا
وصدوا عن سبيل الله، ثم يبين تكفيره
لسیئات المؤمنین وإصلاح بالھم، ثم یبین
علة هذا الإضلال بأنه كان بسبب كفرهم
وصدهم عن سبيل الله واتباعهم الباطل.
والملاحظ أنه تكرر الاسم الموصول
(الذي) عدة مرات، وهذا له فائدة بلاغية
ذكرها الجرجاني، وملخص كلامه: إن
الإنسان حینما یؤتی له بصفات رجلٍ ما،
فیمدح علیها دون أن یذکر اسمه؛ فإنه لابد
أن يتساءل: هل سمع بهذه الصفات؟ وهل
حصل معناها؟ و کیف ينبغي أن يكون هذا
الرجل حتى يحصل المدح أو يبتعد عن
وعليه؛ فالمستحقون للذم هم الذين
يتبعون الباطل، واتباعهم الباطل كان سبب
كفرهم وصدهم عن سبيل الله، ولذلك؛
أضل أعمالهم، بينما المستحقون للمدح
متبعو الحق، وسبب ذلك إيمانهم بالله
وعملهم الصالح، ولذلك كفر عنهم سيئاتهم
وأصلح بالهم.
ویرخي ختام الآيات بظلاله على العمل،
فبين إضلال العمل، وتكفير السيئات
يبين الله في الآيات حال فريقين من وصلاح البال؛ بون شاسع، حيث يأتي
الناس من خلال بيان النتيجة ثم تفصيل إضلال الأعمال بضياع وضنك وشقاوة في
الدنيا والآخرة، بينما يأتي تكفير السيئات
وإصلاح البال بسعادة نفسية وبدنية في الدنيا
والآخرة.
# اتباع الهوى.
إن أعظم مظاهر الاتباع المذموم؛ اتباع
الهوى؛ فكم صد أقومًا عن الحق، وكم
صرف آخرین إلی الباطل، وحين نتأمل سیر
الأنبياء؛ نجد أن كثيرًا ممن عارضهم من
أقوامهم إنما كان بسبب الهوى، ألست ترى
أن اتباع الآباء في أصله اتباعٌ للهوى.
والهوى: ((ميل النفس إلى الشهوة، ويقال
ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل: سمي
ذلك؛ لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلی کل
(١) دلائل الإعجاز، الجرجاني، وقد توسع في
ذلك، ص ١٨٢ -١٨٥.
www. modoee.com
٢٦٣
حرف الألف
داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية)) (١).
تأت إلا من قبل الظن والهوى، «لأنهم لم
يأخذوا ذلك عن وحي جاءهم من الله، ولا
ما تستلذه من الشهوات من غير داعية من رسوله الله أخبرهم به)) (٣).
وعرفه بعضهم بأنه: ((ميل النفس إلى
الشرع)»(٢).
وكعادة القرآن في معالجة هذه
المواضيع؛ فإنه يطرقها من جميع جوانبها؛
فقد تحدث عن خطورة الهوى في الحكم
والقضاء والشهادة، وأنه يؤدي إلى أن يكون
إلهًا يعبد .. إلخ، كما تحدث عن أشخاص
معينين أضلهم هواهم، وحذر من اتباع
العوى، ولم يغفل بيان خطورة اتباع الهوى،
ومن مظاهر اتباع الهوى ما يأتي:
١. اتباع الهوى في الشرك.
إن اتباع الهوى في الشرك أعظم الأنواع،
حيث يعبد المرء ما سوى الله سبحانه
وتعالى تبعًا لهواه.
قال تعالى: ﴿أَفَرََّيُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْفَ
٢ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَى (١) إِنْ هِىَ إِلَّ أَسْمَةُ
سَمَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَمَابَا ؤُكُمْ مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَيَّ
إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الََّنَّ وَمَا تَهْوَى اَلْأَنفُسُّ وَلَقَدْ
جَآءَ هُم مِّن رَّيِّهِمُ الْهُدَىَ (٣)﴾ [النجم: ١٩ ٢٣].
أبانت الآيات أن تلك الأصنام التي
عبدت من دون الله، وسميت بأسماء
مخترعة ليس عليها دليلٌ ولا برهان؛ إنها لم
(١) المفردات، الراغب، ص ٨٤٩.
(٢) التعريفات، الجرجاني ص ٢٥٧.
ومما يزيد أمر اتباع الهوى في الشرك
وضوحًا: قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا
مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُمْ مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَئُكُم مِّن
شُرَكَآءَ فِىِ مَا رَزَقْنَكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَآءُ
تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ
تُفَصِّلُ الْأَيَتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴿ بَلِ أَتَّبَعَ
الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ أَهْوَآءَ هُم بِغَيْرِ عِلٍَّّ فَمَن يَهْدِى
مَنْ أَضَلَ اللَّهٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّصِرِينَ
[الروم: ٢٨ ٢٩].
٢. اتباع الهوى في الحكم والقضاء.
القضاء والحكم بين المتخاصمين مظنة
وقوع الميل لأحد الأطراف، مالم يعصم الله
القاضي من ذلك، وقد یکون هذا المیل لأمر
من أمور الدنيا أو لحظ من حظوظ النفس،
ولأهمية ذلك.
فقد أمر الله سبحانه نبيه داوود عليه
السلام بالحكم بین الناس بالحق وحذره من
اتباع الهوى.
فقال تعالى: ﴿يَدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً
فِ الْأَرْضِ فَأَحْكُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَنَّبِعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ
٢٦
[ص: ٢٦].
(٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣/ ٣٨٤.
٢٦٤
مُوسُو ◌َ النَّسيد
القرآن الكريمِ
الاتباع
وإذا جاء الأمر للأنبياء بذلك على لمصلحة كما قديرى ويسوغ البعض.
٣. اتباع الهوى في الشهادة.
أهميتهم وعصمتهم من الخطأ، فما بالك
بمن سواهم !.
وفي الآية تقسيم واضح لطريق الحكم
بين الناس: إما الحق، وهو الوحي المنزل،
وإما الهوى، وهو كل ما سوى الوحي.
ثم بين أن اتباع الهوى علة للضلال عن
سبيل الله، لأن الفاء في قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَن
سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ((تدل على العلية)) (١)، ومن ثم؛
فإن الضلال موصلٌ إلى العذاب الشديد
يوم القيامة، والمحصلة: ((إن متابعة الهوى
توجب سوء العذاب» (٢).
وكما خاطب الله نبيه داوود عليه السلام
بالبعد عن الهوى في الحكم؛ خاطب نبيه
محمدًا صلى الله عليه وسلم قائلًا له:
﴿فَأَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعَ
أَهْوَاءَ هُمْ عَمَّاجَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ
شِرْعَةً وَمِنْهَاجَأً ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ أَحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَّ أَنَزَلَ اَللَّهُ
وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ هُمْ وَأَحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ
بَعْضِ مَآ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٤٩].
ومعلومٌ أن النبي صلى الله عليه وسلم
لیس واقعًا في الهوى، لكن القصد أن يتقرر
هذا الأمر عند الناس، فلا يقعوا فيه، وهذا فيه
تشدید علی متبعي الهوی، حتى لو كان ذلك
(١) أضواء البيان، الشنقيطي، ٢٥/٧.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦/ ١٧٥.
بعد أن تحدثت عن اتباع الهوى في
الحكم؛ آتي إلى أمر مقترن به وهو الشهادة،
سواء أكان ذلك أمام القاضي أو الحاكم،
أو في التعاملات الأخرى بعيدًا عن الحكم
والقضاء من خلال ذم شخص أو جماعة أو
مدحهما.
قال الله تعالى: ﴿﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا
كُونُواْ قَوَّمِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى
أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِنَّ إِن يَكُنْ غَنِيًّا
أَوْ فَقِيْرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَّاً فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ
تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا
تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ [النساء: ١٣٥].
إن أول ما يقابل القارئ نداء المؤمنين،
فهو يخاطبهم بأحب الأوصاف إليهم،
ويخاطبهم لأنه قد يقع منهم الجور على
الرغم من إيمانهم، وتكون الشهادة حتى
على النفس والوالدين والأقربين، ولا شك
أن هذا أمر صعب أن تشهد على نفسك
ووالديك والأقربين منك، قال الطبري:
«وذلك أن یکون علیه حقٌّ لغيره، فیقر لله به،
فذلك قيامٌ منه له بالشهادة على نفسه، وهذه
الآية عندي تأديبٌ من الله جل ثناؤه عباده
المؤمنين)) (٣).
ويؤيد هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا
(٣) جامع البيان ٣٢١/٥.
www. modoee.com
٢٦٥
حرف الألف
الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُونُواْ قَوَمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ
بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَكَانُ قَوْمٍ
عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ أَعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَلَ﴾
[المائدة: ٨].
ففي الآية الأولى حديث عن العدل مع
الأقربين خوف الميل لهم، وفي هذه الآية
حديث عن العدل مع الأعداء خوف الجور
عليهم، واتباع الحق يضبط ذلك، واتباع
الهوى يميل إلى إحدى الطرفين.
٤. اتباع الهوى في العبادة والدعوة.
یوجه الله نبينا محمدًا صلی الله علیه
وسلم بأن یدعو إلى ملة التوحید التي شرعها
إنسان يظهر الدعوة إلى الله وهو في الحقيقة
إنما يدعو لنفسه.
له، ويستمسك بها ويثبت عليها، فكم من الأخرى.
ولذلك يقول تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعٌ
وَأَسْتَقِمْ كَمَآ أُمِرْتٌّ وَلَا نَّبِعْ أَهْوَهُمْ﴾
[الشورى: ١٥].
کما ینهاه عن اتباع أهوائهم؛ لأنها مخالفة
للاستقامة على طريق الحق.
ومن خلال الآية؛ يلمس المرء صرامة
في النهي عن اتباع الأهواء، وذلك لتبتعد
هذه الدعوة عن أماكن الانزلاق ومواضع
الاضطراب، وتبقى واحدة موحدة؛ مرجعها
الأول والأخير هو الوحي، حيث الصفاء
والنقاء والبعد عن الأهواء.
هذا ما كان من أمر الدعوة؛ أما ما كان من
أمر الشريعة والعبادة.
فيقول تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ
مِّنَ الْأَمْرِ فَتَّبِعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ أَلَّذِينَ لَا
[الجاثية: ١٨].
١٨
يَعْلَمُونَ
هذه الآية - على إيجازها حوت معاني
عظيمة؛ وذلك أنها بينت أن شريعة الإسلام
أفضل الشرائع؛ لأنها الخاتمة لجميع
الشرائع السابقة من جهة، ولأنها من عند الله
تعالی من جهة ثانية، ولذلك أمر رسول الله
صلى الله عليه وسلم باتباعها، والمقصود
بذلك المداومة على اتباعها، ودعوة الأمة
إلى ذلك، وعدم التفريط فيها إلى الأهواء
وفي مقابل ذلك؛ فإن كل مالم يأمر الله به
ولا رسوله صلى الله عليه وسلم فهو باطلٌ
وضلالٌ، وهو من أهواء الذين لا يعلمون.
٥. اتباع الهوى في الصد عن الحق.
لا یتوقف اتباع الهوى عند حد، بل يمتد
ليشمل الصد عن الحق، لأن الحق نقيض
الهوى، فلا يكتفي البعض بعدم اتباع الحق
بل يتجاوزون ذلك للصد عنه.
وقد حذر الله نبيه موسى عليه السلام من
اتباع الذين يصدون عن الحق: ﴿إِنَّ السَّاعَةً
ءَائِيَةُ أَكَادُ أَخْفِيَهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى
﴿ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَأَتَّبَعَ
هَوَيُهُ فَتَرْدَى ﴾ [طه: ١٥ ١٦].
قال ابن كثير: ((المراد بهذا الخطاب:
٢٦٦
جوبيع
القرآن الكريمِ
الاتباع
آحاد المكلفين، أي: لا تتبعوا سبيل من لنفسه إلهًا إلا هواه)» (٣)، ويقول الزمخشري:
((أي هو مطواعٌ لهوى النفس، يتبع ماتدعوه
إلیه، فكأنه یعبده کما یعبد الرجل إلهه)) (٤).
كذب بالساعة، وأقبل على ملاذه في الدنیا،
وعصی مولاه، واتبع هواه» (١).
وقد وضحت الآية نتيجة اتباع هؤلاء
بكلمة واحدة وهي قوله: ﴿فَتَرْدَى ﴾، قال
ابن كثير: «أي: تهلك وتعطب)) (٢).
عبادة الھوی:
إن كثرة اتباع الهوى؛ تصير المرء عبدًا
لهواه يعبده من دون الله، ويصدر في
أقواله وأفعاله من الهوى الظاهر أو الخفي،
ولذلك يقول الله تعالى: ﴿أَرَدَّيْتَ مَنِ أَشَخَذَ
إِلَهَهُ, هَوَنُهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٢)
أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونٌ®
إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَّ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا )﴾
[الفرقان: ٤٣ ٤٤].
ويقول تعالى أيضًا: ﴿أَفْرَءَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ.
هَوَنُهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَّمْعِهِ، وَقَلْبِهِ، وَجَعَلَ
عَلَى بَصَرِهِ غِشَوَّةً فَمَن يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهُّ أَفَلَا
تَذَكَّرُونَ ﴾ [الجاثية: ٢٣].
ففي الآيتين نجد الخطاب لمحمد صلى
الله عليه وسلم -وهو عامٌ لجميع أفراد
الأمة- ينعي على أولئك الذين اتخذوا
الهوى إلهًا، والتعبير بقوله: ﴿أَرَّيْتَ مَنِ آَخَذَ
إِلَهَهُ, هَوَلَهُ﴾؛ يفيد الحصر، أي ((لم يتخذ
(١) تفسير القرآن العظيم ٣/ ١٥٢.
(٢) المصدر السابق.
وتأمل التعقيب في الآيتين، ففي الآية
الأولى؛ وصفهم بالأنعام بل أضل منها،
وفي الآية الثانية؛ بين أن الله ختم على سمعه
وقلبه، وجعل على بصره غشاوة؛ ولأن الله
ختم على سمعهم وقلوبهم وجعل على
أبصارهم غشاوة؛ صاروا كالأنعام، بل أضل
من ذلك، ولعل هذا سبب عدم سمعهم
وعقلهم الذي عبرت عنه الآية الثانية، فهل
يتوقع لهم الهداية بعد ذلك؟
[انظر: الهوى: مجالات اتباع الهوى]
اتباع الظن.
لابد من معرفة الظن المقصود؛ فقد عرفه
الراغب بقوله: ((الظن: اسم لما يحصل عن
إمارة، ومتى قويت؛ أدت إلى العلم، ومتى
ضعفت جدّا؛ لم يتجاوز حد التوهم، والظن
في كثير من الأمور مذموم، ولذلك قال
تعالى: ﴿وَمَا يَتَبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنَّا﴾))(٥) [يونس:
٣٦].
والظن يختلف من حيث القوة
والضعف(٦)، ولكن تبقى الظنون جميعًا
تحت سقف الیقین، تقترب منه أو تبتعد عنه.
(٣) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٤/ ٧٥.
(٤) الكشاف ٤٣٩/٣.
(٥) المفردات، ص ٥٣٩.
(٦) الكلیات، الكفوي، ص ٥٩٤.
www. modoee.com
٢٦٧
حرف الألف
ولقد عرض القرآن الكريم لمظاهر اتباع نجد أنهم يحتجون على هذا العمل بحجة
الظن من جوانبها المختلفة، ومنها:
داحضة باطلة ألا وهي القدر، أي: أن الله
شاء لهم ذلك: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوْلَوَشَآءَ
١. اتباع الظن في الشرك.
اُللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَحْ
إن عبادة الله سبحانه وتعالى ينبغي أن
تقوم على اليقين، وبخاصة في أمور العقائد،
و ألا يتطرق إليها أدنى شك أو شبهة، لأنها
كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَقَّى ذَاقُواْ
بَأْسَتَأْ قُلْ هَلْ عِندَكُمْ مِنْ عِلٍّ فَتُخْرِجُوهُ لَناً
متعلقة في الأصل بالقلب، فما بالك إذا إِن تَنَّبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ
بنيت على ظنون وأوهام وشبهات، وحين
﴾ [الأنعام: ١٤٨].
١٤٨)
يتطرق الظن إلى العقائد؛ بطل كونها من عند
الله تعالى، كما بطل الاحتجاج بها؛ لأنها
أصبحت مدخلًا لكل طاعنٍ، ومرتعًا لكل
مبطل، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا يَشَُّ أَكْثَرُهُزِْلَّا
◌َّا إِنَّ الََّنَّ لَا يُغْنِيِ مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا
يَفْعَلُونَ (٣)﴾ [يونس: ٣٦].
والمعنى: ((هل عندكم بدعواكم ما
تدعون على الله من رضاه بإشراككم في
عبادته ماتشركون، وتحريمكم من أموالكم
ما تحرمون، على يقين من خبر من يقطع
الخبر عذره، أو حجة توجب لنا اليقين من
العلم فتخرجوه لنا» (١).
٢. اتباع الظن في الإضلال عن سبيل
الله.
لم يكتف هؤلاء المشركون بضلالهم
عن سبيل الله؛ بل أرادوا إضلال غيرهم،
وهذا كما مر طبيعة كل امريء أن يدعو
وقد تبين أن هذه الآلهة المزعومة لا
في التصرف والتدبير، وبذلك حجهم رسول
الله صلى الله عليه وسلم.
تملك من ذلك شيئًا؛ لأنها ليس لها من حق الناس إلى معتقده، وأن يصد الناس عن
اتباع المعتقدات التي تشغب أو تشوش على
معتقده، وهؤلاء هم غالبية الناس.
ثم جاءت هذه الآية عقب الآيات السابقة
لتبين أن هؤلاء القوم إنما يعبدون ويتبعون
الظن، أي: ظنهم بأن هذه الآلهة تنفع أو
تشفع، وأنها حقًّا آلهة.
وفي مقابل شركهم بالله واتباعهم الظن؛
يقول تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى
الْأَرْضِ يُضِلُّوَكَ عَن سَبِيلِ اَلَّهِ إِن يَتَِّعُونَ إِلَّا
الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ﴾
[الأنعام:
١١٦].
(١) جامع البيان، الطبري ٧٩/٨.
٢٦٨
مُوسُو ◌َة النفسية
القرآن الكريم
لقد جاءت الآية بعد مناظرة طويلة بين
الرسول صلى الله عليه وسلم والمشركين
في إثبات من يملك الرزق، ومن يملك
الإحياء والإماتة، والهداية.
الاتباع
ینھی الله سبحانه نبيه صلی الله عليه
وسلم عن طاعة هؤلاء المشركين، وهم أكثر
من في الأرض.
قال ابن عباس: ((الأرض هنا: الدنيا))(١).
ثم بین سبب النهي عن طاعتهم باتباعهم
الظن، «وكثيرٌ من المفسرين يقولون: المراد
من ذلك الظن رجوعهم في إثبات مذاهبهم
إلى تقليد أسلافهم، لا إلى تعليل أصلًا)) (٢).
٣. اتباع الظن في تحريف الأسماء.
وكما في اتباع الهوى؛ ابتدع المشركون
بدعة أخرى ما أنزل الله بها من سلطان،
أضافوها لاتباع الهوى؛ وذلك بتحريف
الأسماء، فمدحوا من لا يستحق المدح
باشتقاقهم أسماء لآلهتهم من أسماء الله
تعلی، وذموا من لا یستحق الذم؛ إِذ سموا
الملائكة تسمية الأنثى، وفي کلا الأمرین لا
مستند لهم إلا اتباع الظن.
تأمل قوله تعالى: ﴿أَفَرَّهَ يْتُمُ اللَّتَ وَالْعُزَّى
١٩
وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ◌ْ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ
اَلْأُنْفِ تِلْكَ إِذَا قِسْمَةٌ ضِيرَىٌ { إِنْ هِىَ إِلَّ
أَسْمَاءُ سَيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَءَابَآ ؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنِ
سُلْطَنَّ إِن يَتَبِعُونَ إِلَّا الَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُّ
وَلَقَدْ جَآءَ هُمْ مِن ◌َّيِّهِمُ اَلْهُدَى ﴾ [النجم: ١٩
٢٣].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ
(١) المحرر الوجيز، ابن عطية ٦/ ١٣٦.
(٢) مفاتيح الغيب، الرازي ١٣/ ١٣٣.
لَيُسَمُّونَ الْمَتَكَةَ تَسِيَةَ آلْأُنَىِ ) وَمَا لَمُ بِه ◌ِمِنْ
عِلَّ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا النَِّنُّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِى مِنَ الْحِّ
شَيْئًا (٨)﴾ [النجم: ٢٧ ٢٨].
ففي الأولى اشتقوا لآلهتهم أسماء من
أسماء الله دون دليلٍ، وفي الثانية سموا
الملائكة إناثًا دون دلیل أيضًا، وكل مستندهم
الخرص والظن.
٤. اتباع الظن في عدم التثبت.
إن من يتبع الظن في الأمور العظام وهي
أمور العقيدة ولا يبني عقيدة على مستمسك
صحيح وصريح من الوحي؛ فلا شك أن
أعماله يغلب عليها عدم التثبت، وهي نتيجة
طبيعية؛ لأنه لا يبحث عن الدليل والبرهان؛
بل مبنى عمله على الحدس والخرص،
ويعظم الأمر حين يكون الظن في مسألة
العقائد.
وهذا ما توضحه الآية: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا
قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى أَبْنَ مَنْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَثَلُوهُ
وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُّبِّهَ لَهُمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ آَخْتَلَقُواْ فِيهِ
لَفِى شَكِ مِنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا الْبَعَ الَّنِّ وَمَا
قَثَلُوهُ يَقِينًا ) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا
حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١٥٧ ١٥٨].
فالآية تنفي قتل المسيح أو صلبه، وتثبت
أنهم في شبهة من ذلك على الرغم من
تظاهرهم باليقين.
والحاصل أن كل الغيبيات؛ لا تقبل إلا
بنص صحيح صريح، ولا يقبل فيها مجرد
www. modoee.com
٢٦٩
حرف الألف
اتباع الظنون والأوهام، أيًا كان مصدر ذلك، تَمِيلُواْ مَيْلًا عَظِيمًا ﴾ [النساء: ٢٧].
وهو ما يورث العقائد الباطلة.
* اتباع الشهوات.
إن اتباع الشهوات متفرع عن اتباع
الهوى، فما الشهوة إلا بضعة من الهوى
وبعض منه، يقول تعالى: ﴿فَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ
خَلْفُّ أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَأَتَّبَعُواْ الشَّهَوَتِّ فَسَوْفَ
يَلْقَوْنَ غَيَّا ﴾ [مريم: ٥٩].
جاءت هذه الآية بعد جملة من الآيات
تحدثت عن الأنبياء وذكرت صفاتهم، ثم
ذهب هؤلاء القوم وجاء بعدهم قومٌ أضاعوا
الصلاة ونتج عن ذلك أن اتبعوا الشهوات.
قال القرطبي: ((الشهوات: عبارة عما
يوافق الإنسان ويشتهيه، ويلائمه ولا
یتقیە))(١).
((ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة
أن: الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة
ولا يتبعون الشهوات» (٢).
هذا وإنه من المعلوم أن من ابتلي بأمر؛
فإنه يحب أن يكون الناس على شاكلته
ومنهجه، ولذلك فإن من ابتلي بالشهوات
يود أن يسير الناس كلهم في هذا الطريق،
وأن يبتعدوا عن طريق الاستقامة.
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ
(١) الجامع لأحكام القرآن ١١/ ٨٢.
(٢) أضواء البيان، الشنقيطي، ٣١٠/٤.
قررت الآية إرادتين: إرادة الله التوبة
على عباده، وإرادة الذين يتبعون الشهوات
أن نميل إليها، وتأمل في قوله ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ
أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ولم يقل: ((يريد الله
أن یتوب علیکم»، حیث «قدم المسند إليه
على الخبر الفعلي؛ ليدل على التخصيص
الإضافي، أي: هو الله وحده، وهو الذي
يريد أن يتوب عليكم، أي: يحرضكم على
التوبة والإقلاع عن المعاصي)) (٣).
إذًا؛ هذا مایریده الله منا، إنه یرید أن یلم
شعٹنا ویجمع تفرقنا، ویقرب بعیدنا، وهذا
مراد الله تعالى وتلك مراد أتباع الشهوات
والشيطان، فأي الإرادتين أحق بالاتباع؟
(٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢١/٥.
٢٧٠
موسوعة النفسية
القرآن الكريم
الاتباع
الأساليب القرآنية في عرض الاتباع
المتأمل في الآيات القرآنية التي عرضت
موضوع الاتباع بشقيه المحمود والمذموم
يلاحظ أنها استخدمت أساليب لغوية
وبلاغية غاية في الروعة.
ولقد كانت هذه الأساليب تتخذ جانب
الحث والدعوة والطلب في جانب الاتباع
المحمود، فترغيب فيه مطلقًا.
و تستخدم جانب النھي والزجر والإنكار
في جانب الاتباع المذموم، فتحذر منه
مطلقًا.
أولًا: أسلوب الطلب للحث على اتباع
الخير:
أسلوب الطلب أحد أساليب القرآن
الكريم في الحث على الاتباع المحمود،
ويتضمن الطلب أنواعًا كثيرة، لكن حديثي
سوف يركز هنا على الأمر والاستفهام فقط.
أسلوب الأمر:
جاء في الكليات تعريف الأمر بأنه:
((استعمال صيغة دالة على طلب من
المخاطب على طريق الاستعلاء .... )) (١)،
وسوف أعرض كيف جاء الأمر بالاتباع.
لقد عرض القرآن آیات الأمر بأسالیب
كثيرة، ومن هذه الأساليب مايلي:
(١) الكليات، الكفوي، ص ١٧٦ - ١٨١.
١. جاء الأمر بالاتباع ردًا على المشركين
حين قالوا عن القرآن: إنه تقاليد بالية، وعن
محمد صلى الله عليه وسلم بأنه درس
الآيات على الآخرين، وكأن في ذلك
تحصينًا لتصرفات النبي صلى الله عليه
وسلم من النقض والنقد، والدعوة للاعتصام
بالوحي فقط.
قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَتِ
وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ )
أَبِعْ مَآ أُوحِىَ إِلَيْكَ مِن رَّيِّكَّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَّ
وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (
[الأنعام: ١٠٥
١٠٦
١٠٦].
ولذلك جاء الأمر لمحمد صلى الله عليه
وسلم بألا يلتفت ولا يأبه بذلك، وأن يلتزم
الوحي واتباعه، ويعرض عن المشركين،
ولا يلتفت لأقوالهم.
٢. جاء الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم
باتباع الوحي في خاصة نفسه، وإذا كان اتباع
الوحي أمر به وطبقه النبي صلى الله عليه
وسلم في خاصة نفسه، فلأن يأمر به الناس
من باب الأولى.
قال تعالى: ﴿وَأَتَِّعْ مَا يُوحَىّ إِلَيْكَ وَأَصِْرْ
حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ (١٦)﴾ [يونس:
١٠٩].
٣. قد يجيء الأمر بالاتباع بعد بيان أهمية
الدين الذي هو عليه الرسول صلى الله عليه
وسلم: ﴿ثُمَّ جَعَلْتَكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ
www. modoee.com
٢٧١
حرف الألف
فَأَتَّبِعْهَا وَلَا نَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (*)﴾
[الجاثية: ١٨].
((وبين قوله: ﴿فَتَِّعْهَا﴾، وقوله:
﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ محسن
المطابقة بين الأمر والاتباع، والنهي عن
اتباع آخر)) (١).
٤. إن الله قد اختصنا بأن أنزل علينا
أفضل الكتب، وجعل هذا کتاب مصدقًا لما
بین یدیه من الکتب ومھیمنًا علیھا، و کتابٌ
هذه صفاته؛ لا بد من اتباعه.
قال تعالى: ﴿وَهَذَا كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ مُبَارٌَ
فَأَتَّبِعُوهُ وَأَتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ()﴾ [الأنعام:
١٥٥].
أثنى الله على هذا الكتاب، ولما (بين
أن إنزال الكتب رحمة منه، لأن غايتها
الدلالة على منزلته، فتمتثل أوامره وتتقى
مناهیہ وزواجره؛ بين أنه لم يخص تلك
الأمم بذلك، بل أنزل على هذه الأمة كتابًا،
ولم يرض لها كونه مثل تلك الكتب، بل
جعله أعظمها بركة وأبينها دلالة)) (٢)، فقال:
﴿وَهَذَا كِتَبُ أَنزَلْنَهُ مُبَارَكٌ﴾ ولما كان
هذا شانه أمر باتباعه.
٥. وما دامت هذه الشريعة أفضل
الشرائع وهذا الكتاب أفضل الكتب؛ فلا
بد من اتباعه، ولا یتصور سوی ذلك، حیث
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٣٤٨/٢٥.
(٢) نظم الدرر، البقاعي، ٣٢٩/٧.
لا يحيد عن اتباعه إلا مفتونٌ أو جاهل، لأنه
يؤدي إلى الصراط المستقيم، ولا عجب أن
نؤمر باتباعه في آيات كثيرة، منها قوله تعالی:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَّطِى مُسْتَقِيمًا فَتَّبِعُوهٌ﴾
[الأنعام: ١٥٣].
قال الزمخشري: ((ولأن هذا صراطي
مستقيمًا فاتبعوه)) (٣)، كما جاء في حوار
إبراهيم عليه السلام مع أبيه قوله: ﴿يَأَبَتِ
إِنِىِ قَدْ جَآءَنِ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَأَتَّبِعْنِىّ
أَهْدِكَ صِرَطَاسَوِيًّا ﴾ [مريم: ٤٣].
وقوله صلى الله عليه وسلم لقريش:
﴿وَأَتَّبِعُونِ هَذَا صِرَطٌ مُسْتَقِيمٌ
[الزخرف: ٦١] وقوله تعالى: ﴿فَأَسْتَمْسِكْ
بِالَّذِىّ أُوْحِىَ إِلَيْكٌ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (
٤٣
[الزخرف: ٤٣].
٦. ومادام أن هذا النوع من الاتباع يؤدي
إلى الصراط المستقيم؛ فهو بالتأكيد يؤدي
إلى محبة الله ومغفرته، إضافة إلى هداية
العباد للصواب، فأما المحبة والمغفرة؛ فقال
تعالى: ﴿قُلٌ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَأَنَّبِعُونِ يُحْبِبْكُمُ
اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)
[آل عمران: ٣١].
وأما الهداية للصواب، ففي قوله تعالى:
﴿قَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّ الَّذِى
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ
(١٩٨)﴾ [الأعراف: ١٥٨].
تَهْتَدُونَ
٢٧٢
مَوَسُوعـ
القرآن الكريم
(٣) الكشاف ٤٨/٢.
الاتباع
ثانيًا: أسلوب الاستفهام الإنكاري:
الاستفهام: طلب الفهم، وله عددٌ من
الأدوات، وقد تستعمل هذه الأدوات في
غير معناها الحقيقي، وتفهم من سياق
الكلام بقرينة.
١. ورد الاستفهام الإنكاري في قوله
تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ
وَجْهَدُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ
حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥].
والسر في هذا الاستفهام الإنكاري
((ليتنبه السامع، حتى يرجع على نفسه،
فيخجل ويرتدع، ويعيى بالجواب؛ إما لأنه
قد ادعى القدرة على فعل مالا يقدر عليه، ...
وإما لأنه هم بأن يفعل ما لا يستصوب فعله،
وإما لأنه جوز وجود أمرٍ لا يوجد مثله)) (١).
كما يبين هذا الاستفهام أنه لا أحد
أحسن ممن أسلم وجهه لله وهو محسن،
وإسلام الوجه كناية عن إخلاص العبد
لربه، وانقیاده وإذعانه له، ثم أردف ذلك
بقوله: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾، ومع إسلام الوجه
والإحسان؛ اتباع ملة إبراهيم حنيفا، بمعنى
أنه «اتبع الدین الذي کان علیه إبراهيم خليل
الرحمن، وأمر به نبیه من بعده» (٢).
واختصاص إبراهيم عليه السلام بالاتباع
بوصفه «وصل إلى غاية ما يتقرب به العباد
(١) دلائل الإعجاز، الجرجاني، ص ١١٩.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٢٩٧/٥.
له؛ فإنه انتهى إلى درجة الخلة، التي هي
أرفع مقامات المحبة)) (٣).
وعلى تعريف الجرجاني؛ يتبين أنه لا
دين أفضل من دين الإسلام، ولا متابعة أتم
من متابعة ملة إبراهيم الحنيفية عليه السلام.
٢. وقريب من هذه الآية قوله تعالى:
﴿ قَالَ يَهَرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْنَهُمْ ضَلُواْ (١) أَلَّا
تَتَِّعَنَّ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى ﴾ [طه: ٩٢ ٩٣].
فالآية تحكى تعارض مصلحتين:
أحدهما: مصلحة حفظ العقيدة، بما
تعني هذه الكلمة من اتباع موسى عليه
السلام.
والأخرى: مصلحة حفظ وحدة بني
إسرائيل، وعدم تفرق جامعتهم.
وبين هاتين المصلحتين؛ ((حفظ الأنفس
والأموال والأخوة بين الأمة))(٤).
فقدم المصلحة الثانية على الأولى،
فغضب موسى عليه السلام؛ ((لأن مصلحة
صلاح الاعتقاد هي أم المصالح التي بها
صلاح المجتمع)» (٥)، ووفق كلام الجرجاني
الآنف؛ فلعل مراجعة موسى عليه السلام
لهارون عليه السلام تنبيه له ليعرف موضع
الخطأ.
ومثل ذلك؛ قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ أَتَّبَعَ
رِضْوَنَ اللَّهِ كَمَنْ بَآءَ بِسَخَطٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَنُ
(٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١/ ٥٧٢.
(٤) التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢٩٣/١٦.
(٥) المرجع السابق.
www. modoee.com
٢٧٣
حرف الألف
هُمْ دَرَجَتُ عِندَ اللَّهِّ ١٨].
جَهَنَّةٌ وَبِئْسَ المَصِيرُ
١٣﴾ [آل عمران:
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ
١٦٢ ١٦٣].
یتعجب المرء من دقة القرآن في عرض
هذه المقارنات بطريقة تحبب في أحدهما
وتبغض بالأخرى، وهذا أحد معاني
((المثاني في القرآن)) بذكر الشيء وضده (١)،
كما في الآية.
وهذا الأسلوب؛ فيه مقابلة بين فريقين،
فريقٍ في الجنة، وهم من اتبع رضوان الله،
وفريق في السعیر، وهم من لم يتبعوا رضوان
الله، فباؤوا بسخطه.
وحين يتأمل العاقل الحكيم هذه
المتقابلات التي عرضت لحال الفريقين
ومصيرهم؛ فإنه بلاشك لابد أن يختار اتباع
رضوان الله على ولاية الباطل المؤدية إلى
سخط الله ومن ثم جهنم وبئس المصير.
ثالثًا: أسلوب الثناء على الذين يتبعون
أحسن القول:
إن من أهم الأساليب التي تحث على
فعل شيء ونحبب فيه؛ الثناء على فاعليه،
حيث يعطي ذلك قدوة وتأسيًا بهم، يقول
الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ
اَلْقَوَّلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ؛ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَئُهُمُ
اللَّهُ وَأُوْلَكَ هُمْ أُوْلُواْ الْأَلْبَبِ ﴾ [الزمر: ١٧
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤/ ٥٥.
قد يسأل سائل: من هؤلاء الذين وصفهم
الله بالهداية وجعلهم أصحاب العقول
وضمن لهم البشرى؟ وكيف الطريق
لاستحقاق هذه الرتبة؟ فيجاب هم: ﴿ الَّذِينَ
يَسْتَمِعُونَ أَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَّهٌُ﴾.
وفي الآية ثناء على قوم يسمعون كل
شيء من القول، لكنهم يتبعون أحسنه.
قال ابن تيمية: ((والمحمودون الذین أثنی
الله عليهم؛ هم المتبعون لذلك استماعًا
وتدبرًا وعملًا))(٢)
٠
والتعبير بالفعل المضارع في
﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ و﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾ دالٌ على
التجدد، قال الجرجاني: «وبيانه أن موضوع
الاسم على أنه يثبت به المعنى للشيء من
غير أن يقتضي تجدده شيئًا بعد شيء، وأما
الفعل؛ فموضوعه على أن يقتضي تجدد
المعنى المثبت به شيئًا بعد شيء))(٣).
وعليه؛ فالتعبير يدل على تجدد
الاستماع، الأمر الذي يؤدي إلى تجدد
الاتباع، مما يجعل المرء طيلة عمره متابعًا
للوحي.
رابعًا: أسلوب النهي عن اتباع الشر:
النهي: طلب الكف عن الفعل على
وجه الاستعلاء، وقد يخرج النهي عن هذه
(٢) الاستقامة، ابن تيمية، ١/ ٢٧٧.
(٣) دلائل الإعجاز، ص (١٧٤).
٢٧٤
صَوَسوبر التشيك العضو
القرآن الكريم
الاتباع
الصيغة إلى صيغ مجازية أخرى(١).
وحين نعود إلى الآيات التي جاء فيها
أسلوب النهي؛ نجد نوعين من النهي:
١. النهي غير المعلل، وذلك بأن ينهى عن جامعًا للنهي عن ثلاث مراتب من مراتب
الاتباع المذموم دون بیان علة النهي أو
سببه.
٢. النهي المعلل، وذلك ببيان علة النهي
وسببه.
والنهي المعلل يراعي أسلوب الإقناع
وحاجات بعض الناس إليه، نظرًا لاعتمادهم
على المنطق والحجة والبرهان، وأما غير
المعلل؛ فيراعي أن يلتزم المرء بالنهي التزامًا
بأمر الله سبحانه وتعالى وإخلاصًا له.
كما نلاحظ على الآيات توجه النهي
إلى الأنبياء عليهم السلام قبل أن يتوجه
إلى الأمة، وإن كانوا المقصودين بذلك،
مع الإشارة إلى وجود بعض الآيات التي
توجهت إلى الأمة مباشرة.
النهي غير المعلل:
يقول تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِهِ
هَرُونَ أَخْلُفْنِ فِ قَوْمِى وَأَصْلِحْ وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ
الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)
[الأعراف: ١٤٢].
يأمر موسى عليه السلام أخاه هارون
بأمر وهو: إصلاح الدین بالرفق والإحسان،
كما ينهاه عن أمر وهو: عدم اتباع سبيل
المفسدين، وهذا تأكيد للأمر بالإصلاح، إذا
(١) انظر: المنهاج الواضح للبلاغة، حامد عوني،
٠١٠٣/٢
لا یجتمع الإصلاح واتباع سبیل المفسدين.
قال ابن عاشور: «فلا جرم أن كان قول
الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَِّعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
الإفضاء إلى الفساد، وهو العمل المعروف
بالانتساب إلى المفسد، وعمل المفسد إن
لم يكن مما اعتاده، وتجنب الاقتراب من
المفسد ومخالطته» (٢).
وقريبٌ من هذه الآية قوله تعالى:
﴿فَأَسْتَقِيمَا وَلَا نَتَّبِعَانٍ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ
﴾ [يونس: ٨٩] حيث أمرهما بالاستقامة
(٨٩)
على الحق والبعد عن سبل الضلال.
النهي المعلل:
ورد النهي المعلل في مواضع كثيرة من
القرآن، وقد تنوعت العلة، فمنها:
١. النهي عن اتباع الشيطان بسبب عداوته
للإنسان.
٢. النهي عن اتباع الشيطان بسبب أمره
بالسوء والفحشاء.
٣. النھي عن الاتباع المذموم لكونه سبب
التفرق.
وقد مرت جميعها ومر الحديث عنها
مفصلا بما يغني عن إعادته هنا، وحاصل
الكلام أن الله سبحانه وتعالى حذر وزجر
عن الاتباع المذموم بشتى أنواعه مبرزًا
خطورته، وقبح من يسلك هذا المسلك.
(٢) التحرير والتنوير، ٨٧/٩.
www. modoee.com
٢٧٥
حرف الألف
عواقب الاتباع وآثاره في الدنيا الآخرة
إن من يسر الله له تجريد الاتباع الحق
للوحيين الكتاب والسنة وابتعد عن سبل
الضلال الأخرى؛ فلاشك أنه سيجد حلاوة
ذلك في جملة من الثمرات في الدنيا
والآخرة، التي ربما كانت من عاجل بشرى
المؤمن.
وبإزاء ذلك؛ فإن من ابتلوا باتباع سبل
الغواية؛ سيجدون علقم ذلك ومره في الدنيا
والآخرة، وهي ربما تكون من عاجل شؤم
المعصية.
وهذه عادة القرآن بل عادة هذه الشريعة
أن تثيب الطائع وتعاقب العاصي، وألا
تجعلهما في منزلة واحدة في الدنيا والآخرة.
أولًا: آثار الاتباع المحمود:
إن أي إنسان حین یعمل عملا؛ فإنه ينتظر
جزاءًا وأجرة دنيوية من البشر، أو أخروية من
الله سبحانه وتعالى.
فمن آثار الاتباع المحمود:
١. الهداية.
وأي شيء يبحث عنه المرء بعد ذلك
إن كان الله قد ضمن له الهداية؟ إذ الهداية
تشمل تيسير الطريق الصحيح للمرء قولًا
وفعلًا، وهذا في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿قَدْ جَآءَ كُم مِّنَ
اُللَّهِ نُورٌ وَحِتَبُ تُبِينٌ (٥) يَهْدِی بِهِ
اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ السَّلَمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ، وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
﴾ [المائدة: ١٥- ١٦].
١٦
وضح الله في الآية أنه يهدي بهذا الكتاب
أقوامًا، لكن من هؤلاء القوم؟ تجيبنا الآية
بأنهم ﴿مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، وأما من
كان همه ((تقرير ما ألفه ونشأ عليه، وأخذه
من أسلافه، مع ترك النظر والاستدلال؛ فمن
کان کذلك؛ فھو غیر متبع لرضوان الله» (١).
إذن فهذه صفة من یهدیهم الله، ولکن
یبقی سؤال آخر إلى أين يهديهم: ﴿ یَهْدِی
وانطلاقًا من ذلك؛ فإن أصحاب الاتباع
المحمود لابد أن يجدوا نتائج و آثار اتباعهم
في الدنيا والآخرة، مع الإشارة إلى صعوبة
الفصل في ذلك بين الدنيوي والأخروي
بِهِ اللَّهُ مَنِ أَتَّبَعَ رِضْوَانَهُ، سُبُلَ
السَّلَمِ﴾، فسبيل السلام ((استعارة لطريق
الحق)) (٢)، ولا شك أن هذه الطريق موصلة
لتداخل الأمرين، والتقسيم هنا تقسيم فني إلى دار السلام ((المنزهة من كل آفة والمؤمنة
بحت.
(١) مفاتيح الغيب، الرازي، ١٥٠/١١.
(٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٥١/٦.
٢٧٦
جَوَسُوع
القرآن الكريم
الاتباع
من كل مخافة)) (١).
الكريم له الفلاح، وهي عامةٌ في الدنيا
ثم زاد الأمر وضوحًا فقال: والآخرة.
قال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ
وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْالنُّورَ الَّذِىَّ أُنْزِلَ مَعَهُ, أُوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ ()﴾ [الأعراف: ١٥٧].
﴿وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَتِ إِلَى
النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيِهِمْ إِلَى صِرَاطِ
مُسْتَقِيمٍ﴾، والظلمات هذه كثيرة،
تشمل الشرك والبدعة والمعصية والجهل
والغفلة، والنور هو نور الإيمان والسنة.
قال ابن کثیر: «أي: ینجیھم من المهالك،
ويوضح لهم أبين المسالك، فيصرف عنهم
المحذور، ويحصل لهم أحب الأمور،
وينفي عنهم الضلالة ويرشدهم إلى أقوم
حالة» (٢).
وإذا هداهم الله سبحانه سبل السلام
وأخرجهم من الظلمات إلى النور؛ فقد تكفل
لهم بالسعادة والهداية في الدنيا والآخرة.
قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَاىَ فَلَا يَضِلُّ
﴾ [طه: ١٢٣].
وَلَا يَشْغَى
قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((تضمن
الله لمن قرأ القرآن واتبع مافيه أن لايضل
في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم تلا هذه
الآية)) (٣)
صلى الله عليه وسلم فقد ضمن القرآن
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٧٩/٦.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ٣٥/٢.
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره، ١٦/ ٢٢٥.
ويقترب السلام من الفلاح، وربما يشمل
سلامًا داخليًا وسعادة للإنسان مع نفسه،
كما يشمل السلام في الآخرة، ودخوله دار
السلام، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَمُ عَلَىمَنِ
◌ٌتَبَحَ اَلْهُدَكَةِ (٧)﴾ [طه: ٤٧].
وقد اختلف المفسرون في معنى السلام
هل هو تحية أم لا؟، وإذا كان ليس بتحية؛ فإن
((المقصود من الكلام ترغيب المخاطبين في
الاهتداء بتصديق الرسول، واتباع ماجاء به
في التكاليف والأحكام، وبشارة المهتدين
بكونهم من أهل الجنة» (٤)، والحصول على
الجنة أعلى مراتب الفلاح بلاشك.
٣. الثبات على الحق.
إن المتأمل لسيرة الأنبياء والمصلحين؛
يجد أن من أهم عوامل ثباتهم على الحق
اتباع الوحي، وكلما اقترب الإنسان من
الوحي وازداد اتباعًا للحق؛ ازداد ثباتًا
٢. الفلاح.
إن من جرد الاتباع للوحي وللرسول وتمسكًا به بتوفيق الله تعالى؛ لأن المرء
یاوي إلی رکن شدید.
يقول تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ
النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَنَّا
(٤) حاشية زاده على البيضاوي، ٣١٨/٣.
www. modoee.com
٢٧٧
حرف الألف
وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ () فَأَنْقَلَبُوا
بِنِعْمَةٍ مِّنَ اَللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوْءٌ وَأَتَّبَعُواْ
رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ {
١٧٤
[آل
عمران: ١٧٣].
قال القرطبي: ((قال علماؤنا: لما فوضوا
أمورهم إليه، واعتمدوا بقلوبهم عليه؛
أعطاهم من الجزاء أربعة معان: النعمة،
والفضل، وصرف السوء، واتباع الرضا،
فرضاهم عنه، ورضي عنهم)) (١)، وهذا
يوضح أن الاتباع سبب رئيس للثبات على
الحق.
٤ . الكفاية والنصرة.
إن من كان الله وليه فحسبك بهذه
الولاية، حيث سيجد النصرة والغلبة على
أعدائه، سواء أكان هؤلاء الأعداء الشيطان
أم غيره.
يقول تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُّكَ اَللَهُ وَمَّنِ
أَتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنفال: ٦٤].
ففي الآية دلالة على أن الله كافٍ رسوله
صلى الله عليه وسلم وأتباعه المؤمنين
((وناصرهم ومؤيدهم على عدوهم، وإن
کثرت أعدادهم وترادفت أمدادهم، ولو قل
عدد المؤمنین)) (٢).
(١) الجامع لأحكام القرآن، ١/ ٤٠٠.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٣٣٧/٢.
وفي الآية خلاف، وللاستزادة يمكن الرجوع
إلى: بدائع التفسير، ابن القيم ٢/ ٣٤١، أضواء
البيان، الشنقيطي ٤١٦/٢.
((وإنما تتخلف الكفاية بتخلف
شروطها))(٣).
وإذا حصلت الكفاية؛ فأي قوة من
البشر يمكنها الوقوف أمام قوة الله سبحانه
وتعالى؟.
وقد حصل ذلك مع رسول الله موسی
عليه السلام وهارون حين أخذ الله على
نفسه العهد بنصرة هذين النبيين، ومنع
عدوهما من الوصول إليهما، وهكذا كان.
قال تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ
وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًّا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِتَايَتِنَآ
أَنْتُمَا وَمَنِ أَتَّبَعَكُمَا الْغَلِبُونَ {
٣٥# [القصص:
٣٥].
فقد قطعت الآية الشك والتردد في قلوب
بعض الذي لا يزالون يترددون في وعود الله
تعالى، وأنه ناصرٌ عباده المؤمنين، ومعلٍ
كلمته لا محالة.
٥. الدخول في ولاية الأنبياء.
إن الناس يبحثون عن شخص ذي قوة أو
مال أو جاه ليدخلوا في ولايته ويلجؤوا إليه،
مع العلم أن ولاية البشر قد يعتريها النقص
والتقلب والضعف أحيانًا، لكن هناك من
ولايته لا تعادلها ولاية في القوة، ولا يعتريها
التغير، وشرطها الوحيد: الاتباع.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ
لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ٣/ ٩٠.
٢٧٨
مَوْزُقُوبَةُ التَّفِي
جومبو
القرآن الكريم