Indexed OCR Text

Pages 21-38

الأجل
المؤقت لعذابهم، انتقم الله منهم، بأن يَشْعُرُونَ﴾ بإتيانه(٢).
أهلكهم بالغرق في البحر؛ بسبب تكذيبهم
بآيات الله التي نزلت عليهم كلها، وكانوا
غافلين عنها وعما يتبعهم من العذاب في
الدنيا والآخرة (١).
ثالثًا: استعجال العذاب لا يغير أجله.
يستعدي ابن آدم بجهله، ويستعجل
وقوع العذاب بطيشه، ويسيء الظن بربه
فيظن أن ربه لا يقدر عليه، فتدفعه رعونته
إلى أن يطلب من الرسل أن ينزل الله بهم
العذاب، ولكن الله تعالى برحمته الواسعة
يمهلهم إلى أجلهم المكتوب لهم.
يقول سبحانه: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابَّ
وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَّءَ هُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْنِيَنَهُم بَفْتَةً
وَهُمْ لَا يَشْعُونَ ))
﴾ [العنكبوت: ٥٣].
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾، نزلت في
النضر بن الحارث حين قال: فأمطر علينا
حجارة من السماء،
،
أجل مَسْمّى
قال ابن عباسٍ: ما وعدتك أني لا أعذب
قومك، ولا أستأصلهم وأؤخر عذابهم إلى
يوم القيامة، كما قال: ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾
[القمر: ٤٦]. وقال الضحاك مدة أعمالهم؛
لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى العذاب، وقيل:
يوم بدرٍ، ﴿أََّ هُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْنِيَنَّهُمْ﴾ يعني:
العذاب، وقيل: الأجل، ﴿بَغْتَّةُ وَهُمْ لَا
(١) التفسير الوسيط، الزحيلي، ٧١٤/١ ٧١٥.
ورحمة الله تعالى سابقة سابغة فهو لا
يعاجل المستعجل بالعقوبة رحمة به ورأفة
بعباده، وقد بين سبحانه سبب عدم معاجلة
المستعجل بالعقوبة وحكمة تأجيل الآجال
والعذاب.
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ
يقول:
أُسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ
فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرَجُونَ لِقَآءَنَا فِ تُغْيَنِهِمْ
يَعْمَهُونَ ١﴾ [يونس: ١١].
وهذا إجمال ينبىء بأن الله جعل نظام
هذا العالم على الرفق بالمخلوقات واستبقاء
الأنواع إلى آجالٍ أرادها، وجعل لهذا البقاء
وسائل الإمداد بالنعم التي بها دوام الحياة،
فالخيرات المفاضة على المخلوقات في
هذا العالم كثيرةٌ، والشرور العارضة نادرةٌ
ومعظمها مسببٌ عن أسبابٍ مجعولةٍ في
نظام الكون وتصرفات أهله ... فهذه الجملة
معطوفةٌ على جملة ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ
لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧] الآية.
فحیث ذکر عذابهم الذي هم آیلون إليه
ناسب أن يبين لهم سبب تأخير العذاب
عنهم في الدنيا لتكشف شبهة غرورهم
وليعلم الذين آمنوا حكمةً من حكم تصرف
الله في هذا الكون.
فبينت هذه الآية أن الرفق جعله الله
(٢) معالم التنزيل، البغوي، ٣/ ٥٦٤.
www. modoee.com
٤٠١

حرف الألف
مستمرًا على عباده غير منقطع عنهم؛ لأنه
أقام علیہ نظام العالم إذ أراد ثبات بنائه، وأنه
لم يقدر توازي الشر في هذا العالم بالخير؛
لطفًا منه ورفقًا، فالله لطيفٌ بعباده، وفي
ذلك منٌ عظيمةٌ علیهم، وأن الذين يستحقون
الشر لو عجل لهم ما استحقوه لبطل النظام
الذي وضع عليه العالم (١).
ومن جهة موازية فإن الله تعالى يبين أن
الآجال لا ترتبط بحجم ظلم البشر وطغیانھم
وفسادهم وإفسادهم على هذه الأرض، وإلا
لو کان ذلك کذلك ما بقي على وجهها أحد.
يقول تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اَللَّهُ النَّاسَ
◌ِظُلْمِهِمِ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِرُهُمْ إِلَى
أَبَلٍ مُسَنَّ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَنْخِرُونَ
سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (١)﴾ [النحل: ٦١].
﴿ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِ﴾ أي:
بشركهم ومعصيتهم، ﴿مَاتَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَائَةِ﴾
أي: لم يترك على ظهر الأرض من دابة،
ودل الإضمار على الأرض؛ لأن الدواب
إنما هي على الأرض، يقول: أنا قادر على
ذلك. ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ أي:
إلى وقت معلوم، ويقال: ﴿مَاتَرَكَ عَلَيْهَا مِن
دَآبَّةٍ﴾؛ لأنه لو أخذهم بذنوبهم لمنع المطر،
وإذا منع المطر لم يبق في الأرض دابة إلا
أهلكت، ولكن يؤخر العذاب إلى أجل
مسمی.
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١٠٦/١١.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لو
عذب الله الخلائق بذنوب بني آدم، لأصاب
العذاب جميع الخلائق، حتى الجعلان في
جحرها، ولأمسكت السماء عن الأمطار،
ولكن يؤخرهم بالفضل والعفو». ثم قال:
﴿فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ أي: أجل العذاب
ولا
يَسْتَشْخِرُونَ﴾ أي: لا يتأخرون عن الوقت
﴿سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أي: لا يتقدمون
قبل الوقت (٢).
(٢) تفسير السمر قندي، ٢٧٩٩/٢.
٤٠٢
جَوَسُوعَر النفسية المضوي
القرآن الكريم

الأجل
أجل الكون
أبدع الله سبحانه وتعالى هذا الكون
بعلمه وقدرته، وبدأه بأمره وإرادته، وقدر
له أجلا تكون فيه نهايته، وقضى فيه سننه
ونواميسه وقوانينه التي بها يكون حفظه
واستمراريته، وقد حظي هذا الكون بعناية
خاصة في آيات كتاب الله تعالى توجيهًا
للنظر فيه وتدبر إتقان صنعته لإدراك عظمة
الباري وتمام حكمته، وقد برزت حكمة الله
تعالى وتجلت في تلك الدقة المتناهية في
هذه الصنعة المنسجمة على عظم حجمها
وارتفاع سمائها وانبساط أرضها، فجعل
لهذا الكون برمته قدرًا وأجلًا دقيقًا دقةً ما
زال البشر يطلعون على جانب ضئيل منها
ویکتشفون في کل یوم جدیدًا عنها.
أولًا: أجل الأجرام السماوية:
أجل السماوات والأرض والشمس
والقمر والنجوم هو المدة التي قدرها الله
لدوام سيرها، وهي مدة بقاء النظام الشمسي
الذي إذا اختل انتثرت العوالم وقامت
القيامة (١).
وقد بين سبحانه هيمنته على هذه
العوالم وتسخيرها إلى أجل مسمى حيث
يقول: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَاَلْقَمَرَّ كُلّ يَجْرِى لِأَجَلٍ
تُسَمَّى﴾ [الرعد: ٢])) والتسخير حقيقته تذليل
(١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٨١/١٣.
ذي عمل شاقٍ أو شاغلٍ بقهٍ وتخويفٍ أو
بتعليم وسياسةٍ بدون عوضٍ، فمنه تسخير
العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس
والرواحل، ومنه تسخير البقر للحلب،
والغنم للجز. ويستعمل مجازًا في تصريف
الشيء غير ذي الإرادة في عملٍ عجيبٍ أو
عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه،
بحيلةٍ أو إلهامٍ تصريفًا يصيره من خصائصه
وشؤونه، كتسخير الفلك للمخر في البحر
بالريح أو بالجذف، وتسخير السحاب
للأمطار، وتسخير النهار للعمل، والليل
للسكون، وتسخير الليل للسير في الصيف،
والشمس للدفء في الشتاء، والظل للتبرد
في الصيف، وتسخير الشجر للأكل من
ثماره حيث خلق مجردًا عن موانع تمنع من
اجتنائه مثل الشوك الشدید.
وقد أطلق التسخير في السماوات
والأرض والشمس والقمر مجازًا على
جعلها خاضعةً للنظام الذي خلقها الله عليه
بدون تغييرٍ، مع أن شأن عظمها أن لا يستطيع
غيره تعالى وضعها على نظامٍ محدودٍ
منضبطٍ ... والجري: المشي السريع استعير
لانتقال الشمس في فلكها وانتقال الأرض
حول الشمس وانتقال القمر حول الأرض،
تشبيهًا بالمشي السريع لأجل شسوع
المسافات التي تقطع في خلال ذلك.
وزيادة قوله: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾؛ للإشارة
www. modoee.com
٤٠٣

حرف الألف
الطريق مغايرًا؛ لأن الأول معناه انتهاؤهما
إلی أن لهذا النظام الشمسي أمدا يعلمه الله،
فإذا انتهى ذلك الأمد بطل ذلك التحرك إلى وقت معلوم، وهو للشمس آخر السنة،
وللقمر آخر الشهر ...
والتنقل، وهو الوقت الذي يؤذن بانقراض
العالم، فهذا تذكيرٌ بوقت البعث.
فيجوز أن یکون والت آجَلٍ﴾ ظرفًا لغوًا
متعلقًا بفعل ﴿يَجْرِى﴾، أي: ینتهي جریه،
أي: سيره عند أجلٍ معينٍ عند الله لانتهاء
سيرهما، ويجوز أن يكون ﴿إِنَّ أَجَلٍ﴾ متعلقًا
بفعل ﴿وَسَخَّرَ﴾ أي: جعل نظام تسخير
الشمس والقمر منتهيًا عند أجلٍ مقدرٍ (١).
لطيفة لغوية:
ورد جري الأجرام السماوية متعديًا
بحرف (اللام) ثلاث مرات فى كتاب الله
تعالى: ﴿كَلَّ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّى﴾ [الرعد: ٢]
[فاطر: ١٣] [الزمر: ٥].
وورد مرة واحدة متعديًا بـ(إلى) وذلك لمشية الشمس والقمر قبل وصولهما
الأجل.
في [لقمان: ٢٩].
وقد نحا كثير من اللغويين إلى تعاقب
الحروف فقالوا: إن (اللام) بمعنى (إلى)
والعكس.
وكأن هذا الحرف (إلى) يدعو الإنسان
ولكن هناك فرق تعبيري تصويري لطيف إلى أن ينظر ويتفكر في سير هذه الأجرام
الباهرة العظيمة؛ كي يدرس جريانها
ومسارتها، ويقف على عظمة خالقها أكثر
فأکثر.
يشير إليه النيسابوري في تفسيره حيث
يقول: وقوله هاهنا - أي: في موضع سورة
لقمان -: ﴿يَجْرِى إِلَى أَجَلٍ مُستَى﴾، وقوله
في فاطر والزمر ﴿لِأَجَلٍ مُسَتَّى﴾ [الزمر: ٥]
[فاطر: ١٣] يؤول إلى معنى واحد، وإن كان
(١) المصدر السابق، ١٨٦/٢١،١٦٩/٨.
والثاني: معناه: اختصاص الجري بإدراك
أجل معلوم كما وصفنا. ووجه اختصاص
هذا المقام بـ(إلى) وغيره بـ(اللام): أن هذه
الآية صدرت بالتعجيب فناسب التطويل (٢).
وقد وضح الشيخ الشعراوي هذا المعنى
بقوله: وفي هذه الآية ورد التعبير بلفظ ﴿إنى
أَجَلٍ مُسَتَّى﴾ [لقمان: ٢٩]، وفي مواضع
أخرى ورد بلفظ: ﴿لِأَجَلٍ مُسَمَّى﴾ [الرعد:
٢] بـ (اللام) بدلًا من (إلى)، وكذلك في
سورتي فاطر والزمر.
ولكل من الحرفين معنى:
﴿إِلَىَ أَجَلٍ﴾ [لقمان: ٢٩] تعطينا الصورة
إنما ﴿لِأَجَلِ مُسَتَّى﴾ [فاطر: ١٣] أي:
(٣)
الوصول المباشر للأجل
(٢) غرائب القرآن، النيسابوري، ٤٣٠/٥.
(٣) تفسير الشعراوي، ١١٧٤١/١٩.
٤٠٤
جَوَسُولَة النَّفِي
القرآن الكريمِ

الأجل
ثانيًا: الإعجاز العلمى وتحديد أجل
الكون:
مما لا ريب فيه أن هذا الكون قائمٌ على
نظام دقیق بدیع ینبئ عن خالق علیم حکیم،
ومما بات معلومًا لدى العلماء تضمن هذا
الكتاب العزيز إشارات بينة على حقائق
كونية باهرة يكتشف العلم في كل يوم منها
قدرًا يزيد اليقين بصدق هذا الكتاب الحكيم،
وقد ذكر القرآن الكريم كما مر أعلاه أن الله
تعالى جعل لهذا الكون بأجرامه وسمواته
وأرضه قدرًا معلومًا وأجلًا محتومًا يسير
في كنفه هذا الكون العظيم إلى أن يبلغ أجلًا
مسمّى تنقضي عنده الدنيا بأجرامها.
وقد أشارت النظريات العلمية الحديثة
التي تفسر نشوء الكون إلى هذه الحقيقة؛ إذ
إن البراهین کلها تشير إلى أن هذا الكون كله
في حركة تمدد دؤوب مستمرة، وقطعًا فإن
هذا التمدد سيصل إلى نقطة يتلاشى عندها
الكون، وتنبئ الأجهزة التي يستخدمها
علماء الفلك بأن المجرات والنجوم
والكواكب جميعًا في حركة دائبة، وأن هذه
الحركة تؤدي إلى تمدد مستمر ...
ومن هذه الحسابات، أن سرعة تمدد
الجزء الذي تدركه حواسنا من هذا الكون
هي ٢٣٥ مليون ميل في الدقيقة، وأن هذا
التمدد قد نشط من ١٨ ألف مليون سنة من
السنين التي نعرفها على الأرض، وأنه بدأ
بانفجار هائل تعارف العلماء على تسميته:
(بج بانج/ Big Bang)، وكل المجرات
وما تضمنه من أجرام تتحرك في نظام
وتوقيت رباني محكم، بما يؤكد التوزان
المطلق الذي شاء الرحمن أن يكون في كل
مخلوقاته، كبيرها وصغيرها، فهناك تجاذب
بين الأجرام السماوية والأرض، كالتجاذب
بين الأرض والأجسام الواقعة على
سطحها، وهناك توازن بين قوى التجاذب
بحيث لا تختل حركة الأجرام في دورانها
في أفلاكها(١).
يقول الدكتور محمد دودح: عرض
القرآن الكريم لأهوال نهاية العالم في صور
بيانية تعكس الحقيقة بتلطف؛ والتي بالكاد
أوشكت أن تدركها الفيزياء الفلكیة الیوم،
وفي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُنشَقَّتِ السَّمَآءُ
فَكَانَتْ وَرْدَةً كَلَدِّهَانِ ﴾ [الرحمن: ٣٧].
المعنى المتبادر: أن يفسح جو الأرض
والمعهود بالزرقة حين يبدأ في التفسخ
والتلاشي عن كتلة حمراء ضخمة ملتهبة
تتأجج وتغطي معظم السماء، بدلا عن
الشمس؛ أشبه في اللون والتضخم بوردة
حمراء تتفتح، وفي الالتهاب والسيولة
واللمعان والتموج بزيت الدهان وهو يتأجج
على النار، ونطالع في التصورات العلمية
(١) القرآن وعلوم الأرض، محمد سميح عافية،
ص٢٧.
www. modoee.com
٤٠٥

حرف الألف
المتوقعة لمصير الشمس؛ أنها ليست من الشمس وتطوى كلفافة وتكور لتصبح
قزمًا أبيض White Dwarf ثم تموت،
ويمنح السياق فسحة كبيرة لتتصور المخيلة
ما لم تصرح به الكلمات من مشاهد القدرة
المفزعة؛ التي أحالت كل العالم خراب (١).
الضخامة بحيث تنتهي إلى ما يسمى فيزيائيًا
ثقب أسود Black Hole، أو إلى ما يسمى
نجم نيوتروني Neutron Star؛ وإنما
تنتفخ وتتحول إلى عملاق أحمر Red
Giant من شدة الحرارة، يبلغ قطره من
١٥ إلى ٤٥ مرة مثل قطر الشمس حاليًا،
ويعادل لمعانه حوالي مائة مرة أو أكثر
مثل لمعان الشمس، ويبتلع في طريقه ما
يجاوره، والحد الذي يحدد مصير النجم
بعد انفجاره قيمته ١٫٤ قدر كتلة الشمس
(حد تشاندراسيخار)، يتحول النجم دونه
لقزم أبيض؛ وهذا هو حال الشمس.
وفي المقابل يعرض القرآن الكريم
لمشاهد تكمل الصورة؛ كإبادة الكواكب
وجمع الشمس والقمر وانشقاق الجو
لينفتح المشهد على عملاق أحمر ينتفخ
من شدة الانفجار ويدفع بألسنة النار في
كل صوب مثل وردة حمراء تتفتح أوراقها؛
وكزيت الدهان يتأجج نائثرًا قطرات حارقة،
وتقترب الشمس فتطال الأرض وتصهر
كل ما عليها، وتصبح عملاقًا أحمر ووردة
حمراء في الأسفل.
وتنفجر الأرض وتطرح ما فيها من أثقال
وتتخلى عن كل ما عليها؛ وتمحى كل مظاهر
الحیاة، ولا وجود حينئذ لبشر یشاهد فخلی
الوصف من المشاهد؛ وفي الختام تنكمش
(١) مصير الشمس في ضوء القرآن، مقال للدكتور
محمد دودح، نشر بتاريخ ٢٠١٤/٥/١ م على
موقع صوت القرآن: quran-m.com.
٤٠٦
جوب
القرآن الكريم

الأجل
الأجل في العبادات والمعاملات
وكما جعل خالق هذا الكون لمخلوقاته
أجلاً ينتهون إليه وقدرًا معلومًا يصيرون
إليه، فقد جرت سنته هذه أيضًا في ما شرع
وقدر لعباده فجعل شرائعه قائمة على
آجال تنضبط بها أحوال الناس من عبادات
ومعاملات بينهم، ولذا فإننا نجد هذه
الآجال في الكتاب العزيز على نوعين: آجال
في العبادات، وآجال في المعاملات.
ويعرف الفقهاء الأجل بأنه: المدة
المستقبلة التي يضاف إليها أمرٌ من الأمور،
سواءٌ كانت هذه الإضافة أجلاً للوفاء
بالتزام، أو آجلا لإنهاء التزام، وسواء كانت
هذه المدة مقررةً بالشرع، أو بالقضاء، أو
بإرادة الملتزم فردًا أو أكثر.
وهذا التعريف يشمل:
أولًا: الأجل الشرعي، وهو المدة
المستقبلة التي حددها المشرع الحكيم سببًا
لحكم شرعي، كالعدة.
ثانيًا: الأجل القضائي: وهو المدة
المستقبلة التي يحددها القضاء أجلًا لأمرٍ
من الأمور كإحضار الخصم، أو البينة.
ثالثًا: الأجل الاتفاقي، وهو المدة
المستقبلة التي يحددها الملتزم موعدًا
للوفاء بالتزامه (أجل الإضافة)، أو لإنهاء
تنفيذ هذا الالتزام (أجل التوقيت) سواء كان
ذلك فيما يتم من التصرفات بإرادة منفردة أو
بإرادتين(١). (٢)
والذي ورد في كتاب الله تعالى من
هذه الآجال هو الأجل الشرعي ويكون
في العبادات، والأجل الاتفاقي وهو في
المعاملات.
أولًا: الأجل في العبادات:
في شريعة الإسلام
تميزت العبادات
بانضباطها بأوقات وأماكن وأحوال
مخصوصة فالصلاة والزكاة والصوم
والحج، أمهات العبادات هذه كلها ذوات
أوقات بدء وانتهاء متناهية في الدقة
والانضباط، وهذه العبادات وغيرها مما هو
بین العبد وربه، ولكن هناك عبادات تكون
في المعاملات بين الناس كالزواج والطلاق
والوصية والميراث، وهذه معاملات شرع
الله تعالى فيها أحكامًا تعبدية وضبطها
بآجال معلومة كي لا يقع فيها الخطأ أو تعمد
الضرر؛ إذ إن هذه الأمور مما يكون للنفس
(١) الإرادتان هما الإيجاب والقبول، وهذا
من شأنه أن يرتب التزامًا في جانب كلٍ من
الطرفين كالبيع والإجارة والمزارعة، أما
الإرادة الواحدة فهو إيجاب الطرف الملتزم
وحده كالوقف والوصية لغير معينٍ والضمان
والهبة. الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة
الأوقاف والشئون الإسلامية الكويت،
١٤٦/٦.
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف
والشئون الإسلامية، ٢/ ٥.
www. modoee.com
٤٠٧

حرف الألف
فيها حظ الأثرة وحب جلب المنفعة ولو
على حساب الآخرين، وهي مما يقع فيه
الخلاف كثيرًا بين الناس، ولذا فإنك ترى
أن القرآن الكريم اعتنى بشكل بين بضبط
آجال أحوال انقضاء الحياة الزوجية سواء
بالطلاق أو الوفاة، وكذلك ذکر أجل انقضاء
المنفعة بالأنعام التي تهدی إلی الحرم حتی
لا يتجاوز فيها الأنسان فيظلم الفقير.
١. أجل المرأة المتوفى عنها
زوجها.
قال تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ يُتَوَفَوْنَ مِنكُمْ وَيَذِرُونَ
أَزْوَجَا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا
بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ
أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ()﴾
[البقرة: ٢٣٤].
يعني: شرعًا؛ فما وجد من متوفى عنها
زوجها لم تتربص فليس ذلك من الشرع،
فجرى الخبر على لفظه ... والتربص: هو
الانتظار، ومتعلقه ثلاثة أشياء: النكاح،
والطيب والتنظف، والتصرف والخروج ...
والمقصود بهذه العدة براءة الرحم من ماء
الزوج؛ فامتناع النكاح إنما هو لأجل الماء
الواجب صيانته أولًا. وامتناع عقد النكاح
إنما هو لاستحالة وجوده شرعًا على محل
لا يفيد مقصوده فيه وهو الحل ... وقوله
تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ يعني: انقضت
العدة.
﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِىّ
أَنفُسِهِنَ﴾ هذا خطابٌ للأولياء، وبيان أن
الحق في التزویج لهن.
﴿فِيمَا فَعَلَنَ فِىّ أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
أي: من جائز شرعًا، یرید من اختيار أعیان
الأزواج، وتقدير الصداق دون مباشرة
العقد؛ لأنه حقٌ للأولياء(١).
٢. أجل المطلقة.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ الْنِسَآءَ فَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ
يِّعْرُوفٍ وَلَا تُنِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْنَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَ نَفْسَهُ، وَلَا نَتَّخِذُوْاْ ءَايَتِ اللَّهِ
هُزُوَأْ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ
مِّنَ الْكِتَبِ وَالْحِكْمَةِ يَمِظُكُم بِّ وَأَتَّقُواْ اللَّهَ
وَأَعْلَمُواْ أَنَّاللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ () وَإِذَا طَلَّقْتُمُ
اَلْنِسَآءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ
أَزْوَجَهُنَّ إِذَا تَرَضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِّ ذَلِكَ يُوعَظُ
إِ مَن كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاَلْيَّوْمِ الْآَخِرِّ ذَلِكُنْ
أَزْكَى لَكُمْ وَأَْهَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا نَعْلَمُونَ ﴾
[البقرة: ٢٣١-٢٣٢].
وهاتان آيتان تجيئان في سياق الحديث
عن الطلاق وأحكامه في سورة البقرة.
يقول الصابوني متحدثًا عن أجل
المطلقة: يقول الله تعالى ما معناه: الأزواج
المطلقات اللواتي طلقهن أزواجهن لسبب
من الأسباب على هؤلاء انتظار مدة من
(١) أحكام القرآن، ابن العربي، ٢٧٩/١ -٢٨٤.
٤٠٨
القرآن الكريم

الأجل
حيض)؛ لمعرفة براءة الرحم حتى لا تختلط
الأنساب، وأزواجهن أحق بهن في الرجعة
من الأجانب، إذا لم تنقض عدتهن، وكان
الغرض من هذه الرجعة (الإصلاح) لا
(الإضرار) ولهن من حسن الصحبة والعشرة
بالمعروف على أزواجهن، مثل الذي عليهن
من الطاعة فيما أمر الله عز وجل (١).
ويأتي الأجل في الآية الأولى احترازًا عن
فعل كان يفعله العرب في الجاهلية ويفعله
كثير من الناس عمومًا وهو مضارة المرأة
بجعلها معلقة لا زوجة ولا مطلقة فقد.
أخرج الطبري بسنده عن الحسن أنه
سئل عن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَآءَ
فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِحُوهُنَّ
◌ِمَعْرُوفٍ، وَلَا تُمِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِيَعْنَدُواْ﴾ قال:
((كان الرجل يطلق المرأة ثم يراجعها ثم
يطلقها ثم يراجعها، يضارها، فنهاهم الله
عن ذلك))(٢).
ولذا فقد أمر تعالى في الآية بأحد فعلين:
إما الإمساك بإحسان، أو التسريح بإحسان.
أما الأجل في الآية الثانية فيأتي احترازًا
عن فعل يكون من جهة أهل المطلقة عضلًا
ومنعًا لها أن تعود إلى زوجها نکایة فیه لما
حصل بينهم من سوء وطلاق آنفًا، وقد
(١) تفسير آيات الأحكام، محمد علي الصابوني،
٣٢١/١.
(٢) أخرجه الطبري في تفسيره ٨/٥.
الزمن هي مدة (ثلاثة أطهار)، أو (ثلاث نزلت هذه الآية في معقل بن يسار وأخته
رضي الله عنهما، فعن الحسن أن أخت
معقل بن يسارٍ طلقها زوجها فتركها حتى
انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقلٌ»،
فنزلت: ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَجَهُنَّ
[البقرة: ٢٣٢] (٣).
إِشکال:
قال الشيخ الشنقيطي: ظاهر قوله تعالى
في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾
[البقرة: ٢٣٢] انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه
بين في موضعٍ آخر أنه لا رجعة إلا في
زمن العدة خاصّةً، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَبُولَهُنَّ أَحَقُّ ◌َِوْ مِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨]؛
لأن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعةٌ إلى
زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروءٍ (٤) في قوله
تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ
ثَلَثَةَ فُرُوٍَ﴾ [البقرة: ٢٢٨
فاتضح من تلك الآية أن معنى ﴿قَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَّ﴾ أي: قاربن انقضاء العدة، وأشرفن
على بلوغ أجلها (٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وإذا طلقتم النساء فبلغن
أجلهن فلا تعضلوهن)، رقم ١٦/٦،٤٥٢٩.
(٤) قروء: جمع قرء بالفتح والضم، ويطلق في
كلام العرب على الحيض وعلى الطهر فهو
من الأضداد.
انظر: تفسير آيات الأحكام، الصابوني،
٣١٨/١.
(٥) أضواء البيان، الشنقيطي، ١٤٩/١.
www. modoee.com
٤٠٩

حرف الألف
٣. أجل المطلقة الحامل.
يقول تعالى في عدة المطلقة ذات
الحمل: ﴿وَِّى بَيِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُتْ
إِنِ أَرْتَبْتُمُّ فَعِذَّتُهُنَّ ثَلَئَةُ أَشْهُرٍ وَلَِّى لَمْ يَحِضْنَّ
وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعَّنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن
يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْيِفْرً﴾ [الطلاق:
٤].
﴿وَأُوْلَتُ الْأَعْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ
حَلَهُنَّ﴾ أجل الشيء الانتفاع بها على
هذا القول، وأجله أيضًا آخر مدته، والمراد
بالأجل هنا: آخر المدة التي تتربصها المرأة،
أي: آخر عدتهن أن يضعن حملهن، وظاهر
هذا أن المعتدة الحامل تنتهي عدتها بوضع
الحمل، سواء أكانت معتدة عن طلاق أم عن
وفاة (١).
وقد دل على أن عدة الحامل المتوفى
عنها زوجها هي وضع حملها: حديث
سبيعة بنت الحارث الأسلمية، فعن عبد الله
بن عتبة قال: أن سبيعة بنت الحارث أخبرته:
(أنها كانت تحت سعد ابن خولة، وهو من
بني عامر بن لؤيٍ، وكان ممن شهد بدرًا،
فتوفي عنها في حجة الوداع وهي حاملٌ، فلم
تنشب أن وضعت حملها بعد وفاته، فلما
تعلت من نفاسها(٢)، تجملت للخطاب،
(١) تفسير آيات الأحكام، السايس، ٧٨٤.
(٢) تعلت من نفاسها: أي ارتفعت وطهرت.
ويجوز أن يكون من قولهم: تعلى الرجل من
علته إذا برأ: أي خرجت من نفاسها وسلمت.
فدخل علیھا أبو السنابل بن بعکكٍ، رجلٌ
من بني عبد الدار، فقال لها: ما لي أراك
تجملت للخطاب، ترجين النكاح؟ فإنك
والله ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة
أشهرٍ وعشرٌ، قالتَ سبيعة: فلما قال لي ذلك
جمعت علي ثيابي حين أمسيت، وأتيت
رسول الله صلی الله علیه وسلم، فسألته عن
ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حین وضعت
حملي، وأمرني بالتزوج إن بدالي) (٣).
وفي ختام ذكر هذه الآجال يؤكد القرآن
الكريم على الالتزام بها والوقوف عندها
حتى تستقيم أحوال العباد، ولا يتجرأ من
يتجرأ على حدود الله وحرمات الناس
وأعراضهم.
يقول تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا
عَرَّضْتُم بِهِ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِىّ
أَنفُسِكُمَّ عَلِمَ اَللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَّا
تُوَاعِدُ وهُنَّ سِرًّا إِلَّ أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَّعْرُوفَاً وَلَا
تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِكَاجِ حَتَّى يَبْلُغَ اُلْكِنَبُ
أَجَلَةً، وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِيَّ أَنفُسِكُمْ
فَاحْذَرُوهُ وَأَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ )
[البقرة: ٢٣٥].
إن المرأة في عدتها ما تزال معلقة بذكرى
لم تمت، وبمشاعر أسرة الميت، ومرتبطة
انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن
الأثير، ٢٩٣/٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المغازي، رقم ٣٩٩١، ٨٠/٥.
٤١٠
جوبي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأجل
كذلك بما قد يكون في رحمها من حمل لم التشريع وخشية الله المطلع على السرائر.
فللهواجس المستكنة والمشاعر المكنونة
هنا قيمتها في العلاقات بين رجل وامرأة،
تلك العلاقات الشديدة الحساسية، العالقة
بالقلوب، الغائرة في الضمائر.
يتبين، أو حمل تبين والعدة معلقة بوضعه ..
وكل هذه الاعتبارات تمنع الحديث عن
حياة زوجية جديدة. لأن هذا الحديث لم
یحن موعده، ولأنه یجرح مشاعر، ویخدش
ذكريات.
ومع رعاية هذه الاعتبارات فقد أبيح
التعريض - لا التصريح - بخطبة النساء،
أبيحت الإشارة البعيدة التي تلمح منها
المرأة أن هذا الرجل يريدها زوجة بعد
انقضاء عدتها ... كذلك أبيحت الرغبة
المكنونة التي لا يصرح بها لا تصريحًا ولا
تلميحًا؛ لأن الله يعلم أن هذه الرغبة لا
سلطان لإرادة البشر عليها، وقد أباحها الله
لأنها تتعلق بميل فطري، حلال في أصله،
مباح في ذاته، والملابسات وحدها هي التي
تدعو إلى تأجيل اتخاذ الخطوة العملية فيه.
والإسلام يلحظ ألا يحطم الميول الفطرية
إنما يهذبها، ولا يكبت النوازع البشرية إنما
يضبطها، ومن ثم ينهى فقط عما يخالف
نظافة الشعور، وطهارة الضمير ... ولم يقل:
ولا تعقدوا النكاح، إنما قال: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا
عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾، زيادة في التحرج،
فالعزيمة التي تنشئ العقدة هي المنهي عنها،
وذلك من نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧]، توحي بمعنى
في غاية اللطف والدقة، وهنا يربط بين
وخشية الله، والحذر مما يحيك في
الصدور أن يطلع عليه الله هي الضمانة
الأخيرة، مع التشريع، لتنفيذ التشريع (١).
٤. أجل الشعائر.
يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَكَبِرَ
اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَىَ الْقُلُوبِ ﴿ لَكُرُّ فِهَا
مَنَفِعُ إِلَى أَجَلِ مُسَمَّى ثُمَّ عِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ
العبّيقِ
﴾ [الحج: ٣٢- ٣٣].
فضمير الغائب (ها) هنا في قوله تعالى:
﴿لَكُرُفِيهَا﴾ عائد على الشعائر وبحسب
اختلاف أهل التفسير في معنى الشعائر
اختلفوا في معنى الأجل المرتبط بها، وقد
سرد الطبري أقوالهم وجمع بينها كما يلي:
القول الأول: عنى بالشعائر: البدن،
واختلفوا في منافعها؛ فقال قومٌ: منافعها قبل
تسميتها بدنة وقبل تقليدها أو إيجابها فتكون
منافعها بشرب ألبانها وركوب ظهورها
وأخذ نتاجها وأولادها، وعليه يكون الأجل
المسمى هو وقت إيجابها بتسميتها بدنة أو
هدیًا فينقطع بذلك الانتفاع بها.
(١) في ظلال القرآن، سيد قطب، ٢٥٥/١ -
٢٥٦.
www. modoee.com
٤١١

حرف الألف
البدن هدايا وإيجابها، ويكون الانتفاع
بها على هذا القول برکوب ظهورها عند
الحاجة، وشرب ألبانها عند الاضطرار؛
وعليه يكون الأجل المسمى في الآية هو
نحرها.
القول الثاني: عنى بالشعائر: شعائر
الحج، وهي الأماكن التي ينسك عندها لله،
وهؤلاء أيضًا اختلفوا في المنافع؛ فقال قومٌ:
التجارة عند هذه الشعائر والبيع والشراء
والتسبب، وعليه يكون الأجل المسمى
الخروج من هذه الأماكن إلى غيرها.
وقال آخرون: المنافع هنا: هي العمل
لله بما أمر من مناسك الحج، وعليه يكون
الأجل المسمى انقضاء أيام الحج التي
ینسك لله فیھا (١).
ثم قال الطبري بعد سرد هذه الأقوال:
وقد دللنا قبل على أن قول الله تعالى ذكره:
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعََيِرَ اللَّهِ﴾ معني به: كل
ما كان من عمل أو مكان جعله الله عَلَمًا
لمناسك حج خلقه، إذ لم يخصص من ذلك
جل ثناؤه شيئًا في خبر ولا عقل، وإذ كان
ذلك کذلك فمعلوم أن معنى قوله: ﴿ لَ
فِيهَا مَنَفِعُ إِلَى أَجَلِ مُسَنَّى﴾ في هذه الشعائر
منافع إلى أجل مسمى، فما كان من هذه
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ٦٢٣/١٨
٦٢٥.
(٢) المصدر السابق، ٦٢٦/١٨.
٤١٢
مَوَسُولُ النَّقِين
عبرا
القرآن الكَرِيمِ
وقال آخرون: إن المنافع هنا بعد اتخاذ الشعائر بُدنًا وهَذْيًا، فمنافعها لكم من حین
تملكون إلی أن أو جتموها هدایا ویدنًا، وما
کان منها أماکن ینسك لله عندها، فمنافعها
التجارة لله عندها، والعمل بما أمر به إلى
الشخوص عنها، وما كان منها أوقاتًا بأن
يطاع الله فيها بعمل أعمال الحج ويطلب
المعاش فيها بالتجارة، إلی أن یطاف بالبيت
في بعض، أو یوافي الحرم في بعض ويخرج
عن الحرم في بعض (٢).
الأجل في المعاملات:
لا تستقيم معاملات الناس فیما بینهم إلا
بوضوح أركانها وأطرافها وكمها وكيفها،
فالنفس مفطورة على حب التملك، وإذا
أطلق لها العنان في هذا التملك ظلمت
غيرها وتعدت، ولذا فقد قضت حكمة الله
تعالى أن يجعل بين الناس في معاملاتهم
حدودًا وآجالًا تنضبط بها هذه المعاملات،
وقد جاءت هذه الآجال في باب المعاملات
عامة غير مقيدة بأوقات ومدد كتلك التي
رأينا في باب العبادات؛ لأن المعاملات
ترجع إلى ما يتعارفه الناس بينهم إلا ما
حرمه الشارع الحكيم، فالأصل كما يقول
الأصولیون في باب المعاملات الحل، إلا
ما حرمه الشارع الحكيم، وقد ورد الحديث
عن الأجل في باب المعاملات في موضعین،

الأجل
أحدهما يرتبط ببيع السلم أو الأجل، والآخر بثمن حال، وهو السلم (٢).
في المعاملات المتعلقة بالشركات والإجارة
والمضاربة ونحوها.
١. الأجل في البيوع الآجلة.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا
تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى فَاكْتُبُوهُ
وَلْيَكْتُبِ بَيْنَكُمْ كَائِبُ بِالْعَدْلِّ وَلَا يَأْبَ
كَاتِبُ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ
وَلْيُمْلِلِ الَّذِى عَلَيْهِ الْحَىُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ، وَلَا
يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وحقيقة الدين: عبارةٌ عن کل معاملةٍ كان
أحد العوضين فيها نقدًا والآخر في الذمة
نسيئةً، فإن العين عند العرب ما كان حاضرًا،
والدین ما کان غائبًا.
قال الشاعر (١):
وعدتنا بِدِرْ هَمَيْنَا طِلاءً
وشواءً معجلًا غير دين
وعلى هذا المعنى يدخل في هذه الآية
كل بيع نسيئة مما يصح فيه الأجل؛ كبيع
سلعة حاضرة بنقود مؤجلة، أو بسلعة أخرى
مؤجلة، و کبيع سلعة مؤجلة، أي: إلى أجل
مسمّى مع معرفة الجنس والنوع والقدر
(١) البيت منسوب إلى شخص يدعى الأقيشر،.
انظر: المحب والمحبوب والمشموم
والمشروب، ابن السري الكندي الرفاء، ص
١٥٢.
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٠٧٧٣/٣
والأجل المسمى هو المضبوط المبين
بالأيام أو الشهور أو بأي طريقة ترفع الجهالة
عن وقت انقضاء هذا الأجل، فقد كان أهل
المدينة إبان قدوم رسول الله صلى الله عليه
وسلم یتبايعون بأجل مجهول وبکیل مجهول
أيضًا فعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال:
قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وهم
يسلفون بالتمر السنتين والثلاث، فقال: (من
أسلف في شيءٍ، ففي كيلٍ معلومٍ، ووزنٍ
معلومٍ، إلى أجلٍ معلومٍ) (٣).
وقّال ابن عمر: كان أهل الجاهلية
يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة.
وحبل الحبلة: أن تنتج الناقة ثم تحمل التي
نتجت. فنهاهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن ذلك (٤).
وأجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم
على أن السلم الجائز أن يسلم الرجل إلى
صاحبه في طعامٍ معلومٍ موصوفٍ، من طعام
أرضٍ عامٍ لا يخطئ مثلها، بكيلٍ معلومٍ،
إلى أجلِ معلوم، بدنانير أو دراهم معلومةٍ،
يدفع ممن ما أسلم فيه قبل أن يفترقا من
(٢) انظر: تفسير آيات الأحكام، السايس، ١٨٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم،
باب السلم في وزن معلوم، رقم ٢٢٤٠،
٣/ ٨٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب السلم،
باب السلم إلى أن تنتج الناقة، رقم ٢٢٥٦،
٠٨٧/٣
www. modoee.com
٤١٣

حرف الألف
مقامهما الذي تبایعا فيه (١).
٢. الأجل في الشركات.
قال تعالى في قصة نبي الله موسى عليه
السلام مع شعيب: ﴿قَالَتْ إِحْدَمُهُمَا يَتَأَبَتِ
أُسْتَعْجِرَةٌ إِنَ خَيْرَ مَنِ أُسْتَنْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ
قَالَ إِنَّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَىَّ
مَنَّيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٌّ فَإِنْ أَتْمَمْتَ
عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
٢٧
سَتَجِدُفِى إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
فَلَ عُدْوَانَ عَلَىَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
﴾ [القصص: ٢٦-٢٨].
هذه الآيات تتحدث عن جمع عقد
النكاح مع عقد الإجارة، وما یعنینا في بحثنا
هذا عقد الإجارة وتحديدًا ضرب الأجل
فيه، وقد عرف الفقهاء الإجارة بأنها عقد
معاوضةٍ على تمليك منفعةٍ بعوضٍ (٢)،
وبما أن الإجارة عقد معاوضة فإننا يمكن
أن ندخل كل عقود المعاوضة في حكم
الآية من حيث ثبوت الأجل فيها، وعقود
المعاوضة هي: عقد البيع بأنواعه من
المقايضة والسلم والصرف، وعقد الإجارة
والاستصناع، والصلح والنكاح والخلع،
والمضاربة والمزارعة والمساقاة والشركة
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي،
٣٨٧/٣.
(٢) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف
والشئون الإسلامية، ١/ ٢٥٢.
ونحوها (٣)
.
وقد اتفق الفقهاء على صحة الأجل
(فيما يقبل التأجيل) إذا كان الأجل معلومًا،
فأما كيفية العلم به فإنه يحتاج فيها إلى أن
يعلم بزمانٍ بعينه لا يختلف من شخصٍ إلى
شخصٍ ومن جماعةٍ إلى جماعةٍ، وذلك
إنما يكون إذا كان محددًا باليوم والشهر
والسنة ... وإنما اتفقوا؛ لأن جهالة الأجل
تفضي إلى المنازعة في التسلم والتسليم،
فهذا يطالبه في قريب المدة، وذاك في
بعيدها، وكل ما يفضي إلى المنازعة يجب
إغلاق بابه، ولأنه. سيؤدي إلى عدم الوفاء
بالعقود، وقد أمرنا بالوفاء بها (٤).
[انظر: الوقت: الوقت في الأحكام الشرعية]
(٣) المصدر السابق، ٢٣٤/٣٠.
(٤) المصدر السابق، ٣٣/٢.
٤١٤
جَوَسُولَة النَّفِيَّة
القرآن الكْرِيْمِ

الأجل
الأجل في الآخرة
وهذا هو أجل الآجال ومنتهى العمر
والأعمال، فكل شيء عند الله بمقدار، إليه
يرجع الأمر كله، أوله وآخره، علنه وسره،
فإن الله سبحانه بواسع علمه وحكيم صنعته
جعل لهذه الحياة أجلًا عنده تنقضي، ووقتًا
إليه تنتهي، إنه يوم القيامة، يوم البعث
والنشور.
أولًا: أجل يوم القيامة:
وقد وردت الآيات الكثيرة في كتاب الله
تعالى التي تبين أن يوم القيامة مؤخرٌ إلى
وقت معلوم محدود.
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهُ
يقول سبحانه:
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَّا لََّ رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى
الظَّالِمُونَ إِلََّكْفُورً ﴾ [الإسراء: ٩٩].
أي: يوم القيامة يعيد أبدانهم وينشئهم
نشأة أخری کما بدأهم.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾
أي: جعل لإعادتهم وإقامتهم من قبورهم
أجلا مضروبًا ومدةً مقدرةً لا بدمن انقضائها.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا تُؤَخِرُهُ: إِلَّا لِأَجَلٍ
مَعْدُودٍ ﴾ [هود: ١٠٤].
وقوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ أي: بعد قيام
الحجة عليهم ﴿إِلَّكُفُورًا﴾ إلا تماديًا في
باطلهم وضلالهم (١).
وقد قضى الله تعالى هذا الأجل منذ
﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَقَ
الأزل
أَجَلَّاً وَأَجَلٌ تُسَنَّى عِندَةٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾
[الأنعام: ٢].
عن سعيد بن جبيرٍ في قوله: ﴿وَأَجَلٌ
◌ُسَمَّى عِندَهُ﴾ قال: إلى يوم القيامة.
وروي عن سعيد بن جبيرٍ، وعطية،
والضحاك، وعكرمة، والسدي، وعطاءٍ
الخراساني، والربيع بن أنسٍ نحو ذلك (٢).
وأجل يوم القيامة جاء مانعًا من تعجيل
العذاب لأمة محمد صلی الله عليه وسلم؛
إذ هي آخر الأمم.
﴿وَلَوْلَا كَلِمَّةٌ سَبَقَتْ مِنْ زَيِّكَ
يقول تعالى:
(١٢)﴾ [طه: ١٢٩].
لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى
بين تعالى الوجه الذي لأجله لا ينزل
العذاب معجلًا على من كذب و کفر بمحمدٍ
صلی الله عليه وسلم فقال:
﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ
سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمَّى
وفيه تقديمٌ وتأخيرٌ، والتقدير: ولولا
كلمةٌ سبقت من ربك وأجلٌ مسمّى لكان
لزامًا.
ولا شبهة في أن الكلمة هي إخبار الله
تعالی ملائکته و کتبه في اللوح المحفوظ، أن
أمته علیه السلام وإن کذبوا فسیؤخرون ولا
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ١١٣/٥.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم، ٤/ ١٢٦١.
www. modoee.com
٤١٥

حرف الألف
يفعل بهم ما يفعل بغيرهم من الاستئصال(١).
وأجل القيامة آتٍ لا محالة لا يحابي
أحدًا أو ينتظر أحدًا.
يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ
أَجَلَ اَللَّهِ لَتٍّ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( وَمَن
جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ لِنَفْسِهِ،" إِنَّ اللَّهَ لَغَنِىُّ عَنِ
اَلْعَلَمِينَ ﴾ [العنكبوت: ٥-٦].
يقول تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو ◌ْ لِقَآءَ اللَّهِ﴾ أي:
في الدار الآخرة، وعمل الصالحات ورجا
ما عند الله من الثواب الجزيل، فإن الله
سیحقق له رجاءه ویوفیه عمله كاملا موفرًا،
فإن ذلك كائنٌ لا محالة لأنه سميع الدعاء
بصير بكل الكائنات ...
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَهَدَ فَإِنَّمَا يُجَهِدُ
لِنَفْسِهِ﴾ كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَلِحًا
فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥].
أي: من عمل صالحًا، فإنما يعود نفع
عمله على نفسه، فإن الله تعالى غنيٌ عن
أفعال العباد، ولو كانوا كلهم على أتقى قلب
رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا (٢).
ثانيًا: أجل النعيم والعذاب:
وكما اقتضت سنة الله الحكيم العليم
بمجازاة المحسن على إحسانه والمسيء
على إسائته، فإن هذا الجزاء مرتبط ارتباطًا
وثيقًا بأجل انقضاء الدنيا وحلول البعث
(١) مفاتيح الغيب، الفخر الرازي، ١١٢/٢٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٣٨/٦.
الذي فيه الحساب حيث يصير الناس إلى
فريقين أهل النعيم وأهل العذاب والجحيم.
يقول تعالى: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَةٌ لِّمَنْ خَافَ
عَذَابَ الْأَخِرَةَّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ
وَمَا تُؤَخِرُهُ: إِلَّا لِأَجَلِ
١٠٣
يَوْمٌ مَشْهُودٌ
٢٠ يَوْمَ بَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسُ إِلَّا بِإِذْنِهِ.
مَعْدُودِ
فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى
خَلِدِينَ
النَّارِ لَهُمْ فِهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ
فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكَ
، وَأَمَّا أَلَّذِينَ
إِنَّ رَبَّكَ فَقَالٌ لِمَا يُرِيدُ
سُعِدُواْ فَفِى الْجَنَّةِ خَلِينَ فِيَهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَتُ
وَالْأَرْضُ إِلََّ مَا شَآءَ رَبُّكَّ عَطَاءُ غَيْرَ بَجْذُورٍ ﴾
[هود: ١٠٣- ١٠٨].
يخبر الله تعالى عن تأخير يوم القيامة
وعذابه إلى أجل معين: ﴿وَمَاتُؤَخِّرُهُ إِلَّا
لِأَجَلِ مَعْدُورٍ﴾ أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا
لانتهاء مدة محدودة في علمنا، لا يزاد عليها
ولا ينقص منها، وهي عمر الدنيا، لإعطاء
الفرصة الكافية للناس لإصلاح أعمالهم،
وتصحيح عقيدتهم.
﴿فَمِنْهُمْ شَفِىٌّ﴾ أي: فمن أهل الجمع
من الناس في ذلك اليوم شقي معذب لكفره
وعصيانه، ومنهم سعيد منعم في الجنان
لإيمانه واستقامته، كما أخبر تعالى: ﴿فَرِيقٌ
فِ الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِ السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧].
فمن أريد له الشر فعمل الشر، فهو من
أهل الشقاوة، ومن أريد له الخير فعمل
٤١٦
مَوَسُولَةُ النَِّيـ
القرآن الكريمِ

الأجل
الخير، فهو من أهل السعادة، وكل ميسر لما واجبًا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئة الله
خلق له ... ثم بين الله تعالى حال الأشقياء تعالى، فله المنة عليهم دائمًا، ولهذا يلهمون
وحال السعداء فقال عن الفريق الأول:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ﴾ أي: فأما الأشقياء
فهم في جهنم مستقرهم ومثواهم، بسبب
اعتقادهم الفاسد وعملهم السيء، لهم من
الهم والكرب وضيق الصدر زفير وشهيق،
تنفسهم زفیر، وإخراجهم النفس، وشھیق،
لما هم فیه من العذاب، کما ذکر ابن کثیر،
مع أن الزفير في العادة هو إخراج النفس،
والشهیق: رده.
﴿خَلِينَ فِيَهَا﴾ أي: ماكئين فيها على
الدوام، مدة بقاء السماوات والأرض،
والمراد: التأبيد ونفي الانقطاع، على سبيل
التمثيل وقول العرب: أفعل كذا أو لا أفعله
ما أقام ثبير، وما لاح كوكب، وما تغنت
حمامة.
ثم ذكر الله تعالى جزاء الفريق الثاني
وهم السعداء: ﴿وأمَّا الّذِينَ سُعِدُوا ﴾ أي: وأما
أهل السعادة وهم أتباع الرسل، فمأواهم
الجنة، ﴿خَلِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها أبدًا،
مدة دوام السماء والأرض، بمشيئة الله
تعالى، عطاء غير منقطع ولا ممنوع، ولكنه
ممتد إلى غير نهاية، کقوله تعالى: ﴿هُمْ أَجْر
غيرُ مَمْنُونٍ
• [الانشقاق: ٢٥].
٢٥
قال ابن كثير: معنى الاستثناء هاهنا: أن
دوامهم فيما هم فيه من النعيم ليس أمرًا
التسبيح والتحميد، کما یلهمون النفس.
فكلّ من جزائي أهل النار وأهل الجنة
دائمٌ بمشيئة الله تعالى.
فعذاب أهل النار في النار دائمًا مردود
إلى مشيئته تعالى، وأنه بعدله وحكمته
موافق لأعمالهم.
وثواب أهل الجنة في الجنة بحسب
مشيئته تعالى أيضًا، جزاء بما كانوا يعملون.
إلا أنه تعالى أورد فرقًا في ختام آية كل
من الفريقين، فقال عقب بيان حال الأشقياء:
﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ كما قال:
لآ
يُسْشَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ ﴾ [الأنبياء:
٢٣].
وقال عقب بيان حال السعداء: ﴿عَطَآءُ
غَيْرَ مَجْذُونٍ﴾ تطبيب القلوب، والإشارة إلى
أن جزاء المؤمنين هبة منه تعالى وإحسان
دائم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما
أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي
هريرة: (لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله،
قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا
أن يتغمدني الله برحمته)(١).
وجاء في الصحيحين: (يؤتى بالموت في
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب تمني المريض الموت، رقم
٠١٢١/٧،٥٦٧٣
www. modoee.com
٤١٧

حرف الألف
صورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار،
ثم يقال: يا أهل الجنة، خلود فلا موت، ويا
أهل النار، خلود فلا موت)(١) (٢)
٠
موضوعات ذات صلة:
الدين، الطلاق، العبادة، الوقت
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير
القرآن، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة)،
رقم ٤٧٣٠، ٦/ ٩٣.
(٢) التفسير المنير، الزحيلي، ١٤٩/١٢ - ١٥٣.
٤١٨
موسوعة البقية
القرآن الكريم