Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ الأَجَّلُ عناصر الموضوع مفهوم الأجل ٣٨٢ الأجل في الاستعمال القرآني ٣٨٣ الألفاظ ذات الصلة ٣٨٤ حقيقة الآجال ٣٨٦ أجل الإنسان ٣٩٤ أجل الأمم ٣٩٩ أجل الكون ٤٠٣ الأجل في العبادات والمعاملات ٤٠٧ ٤١٥ الأجل في الآخرة المُجَلَدَ الأول حرف الألف مفهوم الأجل أولًا: المعنى اللغوي: أصل مادة (أج ل) تدل على خمس معانٍ مختلفة، كل واحدةٍ أصلٌ في نفسها(١). وأما (الأَجَل): فغاية الوقت، سواء في الموت، أو الدين، وغير ذلك (٢). ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل، فيقال: دنا أجله، عبارة عن دنو الموت (٣) واسْتَأْجَلْتُه فَأَجَلَنِي، جعلني إلى مدةٍ (٤). ثانيًا: المعنى الاصطلاحي: يطلق الأجل في الاصطلاح على الوقت الذي ينتهي عنده الأجل (٥). ويطلق على مدة الحياة كلها (٦). فالأجل: الوقت الذي قدر الله تعالى فيه انقضاء الأشياء الكونية والشرعية، أو الموعد الذي حدده غاية لمعاملاتهم. مقاييس اللغة، ابن فارس، ١ /٦٤. (١) (٢) انظر: العين، الفراهيدي، ١٧٨/٦، تهذيب اللغة، الأزهري، ١١/ ١٣٢. (٣) المفردات، الراغب الأصبهاني، ص ٦٥. (٤) الصحاح، الجوهري ٤ / ١٦٢١. (٥) معجم وتفسير لغوي لكلمات القرآن، الجمل، ٥٨/١. (٦) الكليات، الكفوي ٤٩/١. ٣٨٢ القرآن الكريم الأجل الأجل في الاستعمال القرآني وردت مادة (أجل) في القرآن (٥٦) مرة، يخص موضوع البحث منها (٥٥) مرة (١). والصيغ التي وردت بها هي: الصيغة عدد المرات المثال الفعل الماضي ٢ ﴿لِأَِّ يَوْمٍ أَِّلَتْ ﴾ [المرسلات: ١٢] ١٢ اسم المفعول ١ ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا ﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللَّهِ لَتِ﴾ الاسم المفرد ٥١ [العنكبوت: ٥] الاسم المثنى ١ ﴿أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَ عُدْوَنَ عَلَىَّ﴾ [القصص: ٢٨] وجاء الأجل في الاستعمال القرآني بالمعنى اللغوي، وهو: المدة المضروبة للشيء؛ سواء أكانت مضروبة لحياة الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلُّ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ﴾ [يونس: ٤٩]. أو لعدة المرأة كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَابَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْفَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]. أو غير ذلك(٢). (١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي، ص ١٤ - ١٥، المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهمزة ص ٢٥-٢٦. (٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، ١٠٨/٢-١٠٩، عمدة الحفاظ، السمين الحلبي، ٦٧/١ - ٦٩. www. modoee.com ٣٨٣ حرف الألف الألفاظ ذات الصلة العمر: ١ العمر لغةً: أصل مادة (ع م ر) تدل على معنین: أحدهما: بقاءٌ وامتداد زمانٍ. والآخر: شيءٌ يعلو، من صوتٍ أو غيره. فالأول العُمُر، وهو الحياة، وهو العَمْر أيضًا(١). العمر اصطلاحًا: اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، والتعمير: إعطاء العمر بالفعل أو بالقول على سبيل الدعاء (٢). الصلة بين الأجل والعمر: فرق العسكري بينهما بقوله: الأجل: هو آخر مدة العمر المضروبة في علمه تعالى، فهو لا يتبدل، والعمر: هو ما يتبدل ويحتمل الزيادة والنقصان)» (٣). الوقت: ٢ الوقت لغةً: وقت: قال اللیث: الوقت: مقدارٌ من الزمان. و کل شيءٍ قدرت له حینًا فهو موقت، و کذلك ما قدرت غايته فهو موقت. والميقات: مصدر الوقت ... ويقال: وقتٌ موقوتٌ وموقت (٤). الوقت اصطلاحًا: المقدار المحدود من الزمن (٥). الصلة بين الآجل والوقت: وبالنظر في تعريف الوقت وتعريف الأجل نجد أن بينهما خصوصًا وعمومًا مطلقًا، فكل مقاييس اللغة، ابن فارس، ٤ / ١٤٠. (١) (٢) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ٢٤٧. معجم الفروق اللغوية، أبو هلال العسكري، ١٨. (٣) (٤) تهذيب اللغة، الأزهري، ١٨٩/٩. (٥) التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ٣٤٠. ٣٨٤ مُوسُق ◌َد لِلْقُرآن الكَرِيْمِ الأجل وقتٍ أجلٌ على اعتبار أن الوقت هو: نهاية الزمان المفروض للعمل (١). وهذا هو الأجل كما رأينا سابقًا -، وليس العكس فليس كل أجل وقتٌ على اعتبار أن الوقت هو: المقدار من الدهر (٢). المدة: ٣ المدة لغةً: مددت الشيء فامتد والمادة الزيادة المتصلة، ومد الله في عمره. ومده في غيه، أي أمهله وطول له ... ورجلٌ مديد القامة، أي: طويل القامة، ومدةٌ من الزمان: برهة منه (٣). المدة اصطلاحًا: هي حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها مع تلاصق أجزائها وتعاقب أبعاضها (٤). الصلة بين الأجل والمدة: أما الفرق بينهما فالأجل في الأصل موضوع للمدة المضروبة للشيء. قال الله تعالى: ﴿وَلِنَّبْلُغُوْ أَجَلًا مُسَنَّىَ﴾ [غافر: ٦٧]. في المدة المضروبة لحياة الإنسان (٥). وعليه فالأجل نهاية المدة المعلومة. (١) الكليات، أبو البقاء الكفوي، ٩٤٥. (٢) نفس المصدر السابق. (٣) الصحاح، الجوهري، ٢/ ٥٣٧. (٤) الكليات، أبو البقاء الكفوي، ٨٧٤. (٥) بصائر دوي التمييز، الفيروزابادي، ١٠٨/٢. www. modoee.com ٣٨٥ حرف الألف حقيقة الآجال ارتبطت الآجال التي قدرها الله تعالى ارتباطًا وثيقًا بقدر الله في هذا الكون، فبعضها قد استأثر الله بعلمه وبعضها قد عرفه لخلقه وبعضها قد وضعه البشر مواقيت بينهم، وكل ذلك بحكمة الله وعلمه وتقديره وأسرار حكمته وتشريعه. أولًا: العلم بالآجال: ظهر لنا من التعريف القرآني للأجل أن الأجل إما أن يكون كونيًا أو شرعيًا مقدرًا من الله تعالى، أو أن يكون أجلًا مضروبًا بين الناس بعضهم بعضًا، وعليه فإن العلم بالأجل فرعٌ عن هذه الأقسام على النحو الآتي: ١. آجال اختص الله بعلمها. وهي الآجال التي قدرها الله تعالى في هذا الكون والحياة الدنيا والآخرة من الخلق والتكوين والعمر والموت والعذاب والإهلاك والبعث والقيامة ومقادير السماوات والأرض والأفلاك. قال تعالى في بيان استئثاره بعلم أجل الخلق والموت والنشور ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَقَ أَجَلًاٌ وَأَجَلٌ مُسَمَّ عِندَةٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ( ٣)﴾ [الأنعام: ٢]. ومعنى قوله ﴿عندهُ﴾ أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّ لَا يُحَلِيَهَا لِوَقِها إِلَّاهُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. وكقوله: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَانَ مُرُسَهَا ٢ فِيمَ أَنْتَ مِن ذِكْرَهَ إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَا )) [النازعات: ٤٢-٤٤](١). وقال جل ثناؤه في تقدير وقوع الهلاك على الأمم المستحقة له: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِّ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمَّى لَّةَ هُمُ الْعَذَّابُ وَلَيَأْنِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُونَ [العنكبوت: ٥٣]. «يقول تعالى ذكره: ويستعجلك يا محمد هؤلاء القائلون من قومك: لولا أنزل عليه آية من ربه بالعذاب، ويقولون: ﴿اَللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةٌ مِّنَ السَّمَلِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. ولولا أجل سمیته لهم فلا أهلكهم حتى يستوفوه ويبلغوه، لجاءهم العذاب عاجلًا. وقوله: ﴿وَلَيَأْنِّنَهُمْ بَغْنَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يقول: وليأتينهم العذاب فجأة، وهم لا يشعرون بوقت مجيئه قبل مجيئه)»(٢). أما أجل الحياة وانقضاؤها بالموت ففيه آیات كثيرة. قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَتَوَّنَّكُم ◌ِأَلَيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَىَ أَجَلٌ مُسَمَّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْ جِعُكُمْ ثُمَّ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٣/ ٢١٤. (٢) جامع البيان، الطبري، ٢٠/ ٥٤. ٣٨٦ مَوْسُورَة الَِّيَة القرآن الكريم الأجل يُنَبِّئُكُمْ بِمَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأنعام: ٦٠]. (يعني تعالى ذكره: ﴿ثُمَ يَبْعَثُكُمْ﴾، ﴿فِیهِ ﴾ يثيركم ويوقظكم من منامكم يعني: في النهار، و(الهاء) التي في ﴿فِيهِ ﴾ راجعة على ﴿يَالنَّهَارِ﴾ ﴿لَيُقْضَى أَجَلٌ مُسَنَّىٌ﴾، يقول: ليقضي الله الأجل الذي سماه لحياتكم، وذلك الموت، فيبلغ مدته ونهايته(١). وقد کتب الله لهذه الدنيا أجلاً وختامًا هو وقت البعث والنشور لا يعلم وقته إلا هو. قال جل ذكره: ﴿إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيَةٌ لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَؤُّ ذَلِكَ يَوْمٌ تَجْمُوعُ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ﴿ وَمَا تُؤَخِرُهُ: إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُودٍ ﴾ [هود: ١٠٣-١٠٤]. أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناسٍ معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة. ولهذا قال: ﴿وَمَاتُؤَخِرُهُ: إِلَّا لِأَجَلِ مَعْدُورٍ﴾ أي: لمدةٍ مؤقتةٍ لا يزاد عليها ولا ينتقص منها (٢). وبين سبحانه أنه خلق الأفلاك وقدر سيرها وانقضاء أجلها بعلمه: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَّ كُلْ يَجْرِى لِأَجَلٍ مُسَتَّى﴾ [الرعد: ٢]. (١) المصدر السابق، ٤٠٧/١١. (٢) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٣٠٠. يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في سماء ﴿لِأَجَلٍ مُسَتَّى﴾: أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، (٣) (٤) وتنكدر النجوم ٠ ومما استأثر الله بعلمه من آجال الخلق والتكوين أيضًا مدة مكث الجنين في رحم أمه، قال تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِ الْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَنَّى﴾ [الحج: ٥]. والأجل: الأمد المجعول لإتمام عملٍ ما، والمراد هنا: مدة الحمل ... ولكل مولودٍ مدةٌ معینةٌ عند الله لبقائه في رحم أمه قبل وضعه. والأكثر استكمال تسعة أشهرٍ وتسعة أيام، وقد يكون الوضع أسرع من تلك المدة لعارضٍ، وكلٌّ معينٌ في علم الله تعالى (٥). مراتب الغيب: إن لعلم الغيب مراتب، أعلاها: ما اختص بعلمه الله وحده، ومن الغيب ما أطلع عليه ملائكته، ولكنه غيبٌ بالنسبة لبقية الملائكة وللبشر عمومًا، فهذا غیب نسبي. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا في تفسيره، لقوله تعالى ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ ◌ُسَنَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. حيث بين علة (٣) تكوير الشمس: ذهاب ضوئها، وانكدار النجوم: انتثارها وذهاب نورها. انظر: التفسير الميسر، نخبة من المفسرين، ص ٥٨٦. (٤) جامع البيان، الطبري، ٣٢٦/١٦. (٥) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٠٠/١٧. www. modoee.com ٣٨٧ حرف الألف تقييد الأجل المسمى الثاني بـ(عنده) فقال: أما قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَنَّى عِندَهُ﴾ [الأنعام: ٢]. فالأجل الأول هو أجل كل عبدٍ؛ الذي ينقضي به عمره، والأجل المسمى عنده هو: أجل القيامة العامة. ولهذا قال: ﴿ُسَمِّى عِندَهٌ﴾ فإن وقت الساعة لا يعلمه ملكٌ مقربٌ ولا نبيِّ مرسلٌ، كما قال: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَنَ مُرْسَهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَّ لَا ◌ُجَلِّهَا لِوَقِهَا إِلََّ هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. بخلاف ما إذا قال: ﴿مُسَتَّى﴾ کقوله: ﴿إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. إذ لم يقيد بأنه مسمّى عنده فقد يعرفه العباد، وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيدٌ، كما قال في الصحيحين عن ابن مسعودٍ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلماتٍ فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح)(١). (١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الحق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٨، ٠١١١/٤ فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده. وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو (٢). ٢. آجالٌ شرعها الله لبعض معاملات البشر. وهي بطبيعة الحال آجالٌ عرفها الله عباده ليتعبدوه بالتزامها واتباعها فهي معلومة مرقومة جعلها الله آجالًا لبعض العبادات والمعاملات كعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها وكتابة الدين ووقت نحر الهدي. ﴿لَكُرُّ فِيهَا مَنَفِعُ إِلَ أَجَلٍ قال تعالى: ◌ُسَنَّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَنِيقِ ٣٣ [الحج: ٣٣]. والأجل المسمى هو وقت نحرها، وهو يومٌ من أيام منّى. وهي الأيام المعدودات(٣). ٣. ما ضربه الناس بينهم من آجال باختیارهم. وهو معلوم أيضًا بطبيعة الحال کسابقه، ولكنه يخالفه في أن القسم الثاني أجلٌ شرعيٌّ مقدرٌ من عند الله وهذا أجلٌ وضعه البشر فيما بينهم وقد ورد عليه مثال واحدٌ في كتاب الله تعالى وهو الأجل الذي جعله أبو المرأتين اللتين سقا لهما نبي الله موسى عليه السلام على موسى. قال تعالى: ﴿قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ (٢) مجموع الفتاوى، ١٤ /٤٨٩. (٣) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٢٥٨/١٧. ٣٨٨ مُوسُوبة النفسية القرآن الكريم الأجل إِحْدَى أَبْنَتَنَّ هَنتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَّ سَتَجِدُفِىَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ ، قَالَ ذَلِكَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا اَلْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَلَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ )) [القصص:٢٧ -٢٨]. ﴿قَالَ﴾ صاحب مدين لموسى ﴿إِنّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَتَنَّ هَنتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَّبِ﴾ أي: تصير أجيرًا عندي، ﴿ثَمَتِىَ حِجَجٍ﴾ أي: ثماني سنين، ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ﴾ تبرع منك، لا شيء واجب عليك، ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ فأحتم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالًا شاقة، وإنما استأجرك لعمل سهل يسير لا مشقة فيه ... فـ ﴿ قَالَ﴾ موسی عليه السلام - مجيبًا له فيما طلبه منه -: ﴿ذَلِكَ بَيْنِ وَبَيْنَكَ﴾ أي: هذا الشرط، الذي أنت ذكرت، رضيت به، وقد تم فيما بيني وبينك، ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَنَ عَلَّ﴾ سواء قضيت الثماني الواجبة، أم تبرعت بالزائد عليها، ﴿وَاللّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ حافظ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه (١). فهذا عقدٌ بين أبي المرأتين وموسى عليه السلام بأن يكون مهر تزويج موسى لابنته عملًا، وليس الأجل المضروب هنا أجلًا (١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٦١٤. شرعيًا؛ كونه اندرج في معاملة شرعية، وهي مهر الزواج فالمهر هو العمل وليس الأجل ولم يرد في شرع الله تأقیتٌ لأي عملٍ يكون مهرًا، فالتأقيت هنا عقدٌ بشري والدليل على ذلك أن الرجل خیر موسی بین أجلین. ثانيًا: الأجل بين المحو والإثبات: قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ وَحَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَجَا وَذُرِّيَّةٌ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِكَايَةٍ إِلََّّ بِذْنِ اللّهُ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ ) يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ وَيُشْبِتُّ وَعِندَهُ: أُمّ ٣٨ الْكِتَبِ ﴾ [الرعد:٣٨-٣٩]. لكل أجل كتابٌ، يقول: لكل أمرٍ قضاه الله کتابٌ قَد کتبه فيه، وقيل: فيه تقدیمٌ وتأخيرٌ، تقديره أي: لكل كتابٍ أجلٌ ومدةٌ أي: الكتب المنزلة لكل واحدٍ منها وقتٌ ینزل فيه (٢). لم يقع الخلاف بين السلف في معنى ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ إلا على قولين متقاربين كما رأيت أعلاه، ولكن الخلاف الکبیر وقع بينهم في معنی المحو والإثبات في الآية التي تليها والمتصلة بها اتصالًا وثيقًا. قال تعالى: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِثٌ وَعِنْدَهُأُمُ الْكِتَبِ لـ ﴾ [الرعد: ٣٩]. وسأسوق باختصار أقوالهم قبل أن (٢) معالم التنزيل، البغوي، ٢٦/٣. www. modoee.com ٣٨٩ حرف الألف أحاول الوقوف على أرجحها وأكثرها تعالى: ﴿فَحَوْنَاَ ءَايَةَ الَّيْلِ وَجَعَلْنَآ ءَايَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةٌ﴾ [الإسراء: ١٢]. ارتباطًا بالنص القرآني: سعيد بن جبيرٍ وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ینسخه. ابن عباس: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة. عمر وابن مسعود: يمحو السعادة والشقاوة أيضًا، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء. الضحاك والكلبي: یکتب القول کله حتى إذا کان یوم الخمیس طرح منه كل شيء لیس فیه ثوابٌ ولا عقابٌ. عطية عن ابن عباسٍ: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالةٍ، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بطاعة الله، فیموت وهو في طاعة الله عز وجل، فهو الذي يثبت. الحسن: ﴿يَمْحُواْ اللّهُ مَا يَشَآءُ﴾ أي: من جاء أجله يذهب به، ويثبت من لم يجئ أجله إلى يوم أجله. سعيد بن جبير: يمحوا الله ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ویثبت ما يشاء فلا يغفرها. السدي: ﴿يَمْحُواْ اللَّهُ مَا يَشَآءُ﴾ يعني: القمر، ويثبت يعني الشمس، بيانه قوله الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موته محاه فأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عز وجل: ﴿اَللَّهُ يَتَوَلَى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢](١). ويمكن إجمال هذه الأقوال في اتجاهات خمسة هي: ١. أن الآية تتحدث عن القدر الذي كتبه الله تعالى سواء في اللوح المحفوظ أو کتبته الملائكة في الصحف. ٢. أن الآية تتحدث عن الشرائع السماوية نسخًا وإثباتًا. ٣. أن الآية تتحدث عن كتابة الحسنات والسيئات على الأعمال. ٤. أن الآية تتحدث عما نفذ من قضاء الله تعالى وما لم يزل مؤجلًا في الأزل. ٥. أن الآية تتحدث عن أحداث كونية لبعض مخلوقات الله كالأفلاك والروح. ولكي نحاول ترجيح أولى الأقوال بمعنى الآية فإننا ينبغي أن نقف على سياق الآية، فإن السياق من المقیدات والمحددات کما هو معلوم عند أهل التفسير، فهذه الآيات تتحدث عن رجوع الأمر إلى الله في كل ٣٩٠ مُوسُو ◌َةُ النَّطِّ القرآن الكريم (١) المصدر السابق. الأجل شأن، حتى في شأن أوليائه الأنبياء وشأن وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه المعجزات التي يأتون بها تأييدًا لدعوة الله، وسلم أنه قال: (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه)(٢). فحتى هذا النبي الذي إنما يأتي بالمعجزات نصرة لدین الله وتأييدًا له، لا يمكن أن يأتي بهذه الآية إلا بإذن الله تعالى وتقديره. يقول ابن كثير: وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِىَ بِشَايَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [الرعد: ٣٨]. أي: لم يكن يأتي قومه بخارقٍ إلا إذا أذن له فیه، لیس ذلك إلیه بل إلی الله عز وجل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي: لكل مدةٍ مضروبةٍ، كتابٌ مكتوبٌ بها، وكل شيءٍ عنده بمقدارٍ ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضُِّ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَبٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [الحج: ٧٠] (١). إذًا فأرجح الأقوال في تفسير المحو والإثبات هو القول الأول المتعلق بما قدره الله تعالی و کتبه علی عباده، ولكن ما معنی المحو والإثبات هنا؟ وهل يتغير قدر الله كما يظهر من لفظ الآية؟ لن نخوض في أقوال العلماء في هذه المسألة التي خاضوا فيها كثيرًا، وهي من مسائل العقيدة في مبحث القضاء والقدر ولكننا نختار ألصق الأقوال بحديث رسول الله صلی الله عليه وسلم، وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة فقال: (١) تفسير القرآن العظيم، ٤/ ٤٠٣. وقد قال بعض الناس: إن المراد به: البركة في العمر بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير، قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان، فيقال لهؤلاء: تلك البركة، وهي الزيادة في العمل والنفع، هي أيضًا مقدرةٌ مكتوبةٌ وتتناول لجميع الأشياء، والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب. ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته، فأراه إياهم فرأى فيهم رجلًا له بصيص فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنةً، قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنةٍ، قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنةً، فكتب علیه کتابٌ، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنةً، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب من أحب البسط في الرزق، رقم ٢٠٦٧، ٥٦/٣. www. modoee.com ٣٩١ حرف الألف فأخرجوا الكتاب، قال النبي صلى الله عليه كانت عندي وفُقِدَت في حادثة بغداد، ألفت وسلم: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم في هذه المسألة، وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي، فجحدت ذريته)(١). واستدل لذلك بأمور: فهذا داود كان عمره المكتوب أربعین سنةً ثم جعله مائةً. وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت کتبتني شقیًا، فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت (٢). والله سبحانه عالمٌ بما كان وما يكون، وما لم یکن لو کان کیف کان یکون؛ فهو يعلم ما كتبه له، وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا یختلف، ولا يبدو له ما لم یکن عالمًا به، فلا محو فیه ولا إثبات(٣). وقد ساق الألوسي شواهد كثيرة على تحقق وقوع المحو والإثبات في قضاء الله عز وجل، نذكر بعضها هنا من كلامه: ((ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل (١) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الأعراف، رقم ٢٦٧/٥،٣٠٧٦. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. (٢) أخرجه الدولابي في الكنى والأسماء، رقم ٤٨١/٢،٨٧٢. (٣) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، ١٤/ ٤٩٠ - ٤٩٢. ١. منها: أنه قد صح من دعائه صلى الله عليه وسلم في القنوت: (وقني شر ما قضيت) (٤)، وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأولي، ولو لم یمکن تغییره ما صح طلب الحفظ منه. ٢. ومنها: ما صح في حديث التراويح من عذره صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليها، وقد اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: (خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) (٥)، فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض، وإن سبق القضاء بأنها لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو (٤) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب القنوت في الوتر، جزء من رقم ١٤٢٥، ٥٦٣/٢. قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح. (٥) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب قيام شهر رمضان، جزء من رقم ١٣٧٣، ٠٥٢٤/٢ قال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح. صَوَسُ بَرُ النَّهِ القرآن الكريم ٣٩٢ الأجل ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا غير، فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل. ٣. ومنها: ما صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشدید حتى أنه لا ينام، و کان يقول في ذلك: (أخشى أن تقوم الساعة)، فإنه لا معنی لهذه الخشية أيضًا مع إخبار الله تعالی أن بین یدیھا ما لم یوجد إذ ذاك؛ کظهور المهدي، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك مما يستدعي تحققه زمانًا طويلًا، فلو لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أن القضاء يمكن تغييره، وأن ما قضي من أشراطها يمكن تبديله، ما خشي صلى الله عليه وسلم من ذلك. ٤. ومنها: أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفًا من النار، حتى أن منهم من كان يقول: ((ليت أمي لم تلدني»، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: «لو نادى منادٍ: كل الناس في الجنة إلا واحدًا، لظننت أني ذلك الواحد»، وهذا مما لا معنى له مع اخبار الصادق وتبشيره له بالجنة، والعلم بأن القضاء لا يتغير. ٥. ومنها: أنه لولا إمكان التغيير لَلُغِيَ الدعاء؛ إذ المدعو به إما أن يكون قد سبق القضاء بكونه، فلا بد أن يكون، وإلا فمحال أن یکون، وطلب ما لا بد أن يكون، أو محال أن يكون، لغوٌ مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى و کفی بذلك فائدة، یأباه ظاهر قوله: ﴿أَدْعُونِيّ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. ٦. وأيضًا: أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: ((لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر))(١))(٢). ثالثًا: أسرار إخفاء الآجال: کما ذكرنا سابقا فإن من الأجل ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما يعلمه البشر فما هي الأسرار والحكم التي تكون وراء إخفاء هذه الآجال عن البشر؟ لقد أخفى الله تعالى الآجال المرتبطة بحياة الإنسان؛ من انقضاء عمرٍ، وحلول عذابٍ، ويوم بعثٍ ونشورٍ، وإنما كان هذا (١) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الدعاء والتكبير والتهليل والتسبيح والذكر، رقم ٠٦٦٩/١،١٨١٣ حسنه الألباني في صحيح الجامع الصغير رقم ٠١٢٧٩/٢،٧٧٣٩ (٢) روح المعاني، الألوسي ٧/ ١٦١ - ١٦٢. www. modoee.com ٣٩٣ حرف الألف لحكمٍ كثيرة، لعل من أهمها فتح باب الاجتهاد والعمل، وإغلاق باب التفريط والتسويف وطول الأمل، فإن العبد الذي لا يدري متى ينقضي عمره وینتهي أجله، یبقی في ترقبٍ دائمٍ، وتوقعٍ مستمرٍ لمفارقة هذه الدنيا، وبالتالي فإن صاحب كل ذي عقلٍ ينبغي أن يستعد ليوم الحساب، ويتأهب لیوم الفراق الذي لا یعرف متی وقوعه، فهذا يحمله على دوام التأهب، والحرص على ألا يغادر إلا وهو علی عمل خير وخاتمة رشد. قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَائِهِ، وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ (١)﴾ [آل عمران: ١٠٢]. قال ابن عاشور: ((وهذا المركب مستعملٌ في غير معناه؛ لأنه مستعملٌ في النهي عن مفارقة الدين بالإسلام مدة الحياة، وهو مجاز تمثيلي علاقته اللزوم، لما شاع بين الناس من أن ساعة الموت أمرٌ غير معلومٍ كما قال الصديق (١): كل امرئٍ مصبحٌّ في أهله والموت أدنى من شراك نعله فالنهي عن الموت على غير الإسلام يستلزم النهي عن مفارقة الإسلام في سائر أحيان الحياة))(٢). (١) البيت ينسب إلى حكيم النهشلي، كان يرتجز به وهو يقاتل. انظر: نهاية الأرب، النويري، ٣٨١/١٥. (٢) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ٤ /٣١. أجل الإنسان الإنسان هو المخلوق الذي كرمه الله تعالى في هذا الكون، وشرفه بعبادته، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، واتصاله بذلك بوحي السماء، ولذا كان لهذا الإنسان النصيب الأعظم في كتاب الله تعالى؛ هدايةً وعنايةً وتربيةً وبيانًا وإرشادًا، وقد حظيت مراحل خلق هذا الإنسان وحياته بالبيان القرآني، بدءًا بإيجاده من عالم الذر، ومرورًا بخلقه في بطن أمه وخروجه، وحياته على وجه هذه الأرض، وليس انتهاءً بموته وإقباره، بل خروجه ونشوره يوم البعث. وسيتناول هذا المبحث ما قدره الله تعالى من آجال الإنسان منذ تكوينه في بطن أمه حتی مفارقته هذه الدنيا. أولًا: أجل الخلق والتكوين: يقول الله تعالى في معرض الحث على التفكر في مخلوقاته من الإنسان والسماوات والأرض: ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْفِىّ أَنْفُسِهِمٌ مَا خَلَقَ اللّهُ السَّمُوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَاً إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَتَّىٌّ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَآٍ رَبِّهِمْ لَكَفِرُونَ ﴾﴾ [الروم: ٨]. يقول تعالى منبهًا على التفكر في مخلوقاته الدالة على وجوده وانفراده بخلقها، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، فقال ﴿أَوَلَمْ يَنَفَكَّرُواْ فِىَ أَنْفُسِهِم﴾ يعني به: النظر ٣٩٤ مَوَسُورُ النفسية القرآن الكريم الأجل والتدبر والتأمل لخلق الله الأشياء من العالم نطفة ما شاء من هذه الأطوار نقصًا أو تمامًا، العلوي والسفلي وما بينهما من المخلوقات وكل ذلك مؤجلٌ معلوم عند الخالق البارئ البديع. المتنوعة والأجناس المختلفة، فيعلموا أنها ما خلقت سدّى ولا باطلًا، بل بالحق، وأنها مؤجلةٌ إلى أجل مسمى وهو يوم القيامة(١). وقد بين الله تعالى أن أجل هذا الإنسان مكتوب معلوم قبل أن يخرج هذا الإنسان للحياة. يقول تعالى: ﴿هُوَ اُلَّذِى خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ تُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخَاً وَمِنْكُمْ مَّن يُنَوَى مِن قَبْلٌ وَلِنَبْلُغُواْ أَجَلًا مُسَنَّى ﴾ [غافر: ٦٧]. وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿وَمِنكُم مَّن يُنَوَنَّى مِن قَبْلُ﴾ عبارة تتردد في الأدراج المذكورة کلها، فمن الناس من يموت قبل أن يخرج طفلًا، وآخرون قبل الأشد، وآخرون قبل الشيخوخة، وقوله: ﴿وَلِنَبْلُغُوْ أَجَلًا مُسَنَّىَ﴾ أي: هذه الأصناف کلها مخلوقة ميسرة ليبلغ كل واحد منها أجلًا مسمى لا يتعداه ولا يتخطاه (٢). ثانيًا: أجل وضع الجنين: قدر الله تعالى وقتًا معلومًا مقدرًا لكل نسمة تنشأ من نطف ابن آدم وتستقر في الأرحام، فهي تمر في خلقها وتقديرها هذا في أطوارٍ كَتَبَها الله تعالى، وقدر لكل (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢٧٥/٦. (٢) المحرر الوجيز، ابن عطية، ٤ /٥٦٨. يقول تعالى ذاكرًا هذه الأطوار وقدره سبحانه وتعالى فيها: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُمْ فِ رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَكُم مِّن تَُّابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُضْغَةٍ تُخَلَّقَةٍ وَغْرِ مُخَلَّقَةٍ لُِّبَيْنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِ آلْأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ تُسَنَّى ثُمَّ تُخْرِحُكُمْ ◌ِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُنَّكُمْ وَمِنكُم مَّن يُنَوَلَّ وَمِنكُمْ مَن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمْرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدٍ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَّهَا الْمَآءَ أَهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْعِ بَهِيج ٥﴾ [الحج: ٥]. قال: يا أيها الناس إن كنتم في شك من قدرتنا على بعثکم من قبوركم بعد مماتكم وبلاكم، استعظامًا منكم لذلك، فإن في ابتدائنا خلق أبيكم آدم عليه السلام من تراب، ثم إنشاءنا لكم من نطفة آدم، ثم تصريفنا لكم أحوالًا، حالًا بعد حال، من نطفة إلى علقة، ثم من علقة إلى مضغة، لكم معتبرًا ومتعظًا تعتبرون به ... المخلقة المصورة خلقًا تامًا، وغير مخلقة: السقط قبل تمام خلقه ... فمن کنا کتبنا له بقاء وحياة إلی أمد وغاية، فإنا نقره في رحم أمه إلى و قته الذي جعلنا له أن یمکث في رحمها، فلا تسقطه، ولا يخرج منها حتى يبلغ أجله، فإذا بلغ وقت خروجه www. modoee.com ٣٩٥ حرف الألف من رحمها أذنا له بالخروج منها، فيخرج(١). حكمته سبحانه أن يجعل لكل إنسان أجلاً مقدرًا تتم فيه حياته، وينقضي فيه إعذاره. وقد ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه المراحل لتكوين الجنين في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلی الله عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق، قال: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم یکون علقةً مثل ذلك، ثم یکون مضغةً مثل ذلك، ثم ببعث الله ملكًا فیؤمر بأربع كلماتٍ، ویقال له: اکتب عمله، ورزقه، وأجله، وشقي أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح)(٢). فهذه مراحل تكوين الجنين في رحم أمه، ولكن الأجل المذكور في هذا الحديث والذي يؤمر الملك بكتابته ليس هو أجل وضع الجنين نقصًا أو اكتمالًا في بطن أمه وإنما هو أجل عمر من قدر له الحياة. ثالثًا: أجل حياة الإنسان: حياة الإنسان مقدرة معلومة البداية والنهاية، فهي تقدير العزيز العليم، فهو سبحانه ما خلقنا عبثًا، بل لمهمة عظيمة هي عبادته وإقامة شریعته، وجعل هذه الدنیا دار اختبار ومرورٍ لدار الجزاء والقرار، فكان من (١) جامع البيان، الطبري، ١٨ / ٥٦٧ ٥٦٩. (٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الحق، باب ذكر الملائكة، رقم ٣٢٠٨، ٠١١١/٤ يقول تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَوْ أَجَلَاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى عِندَةٌ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ ٢)﴾ [الأنعام: ٢]. ﴿ثُمَّ قَضَوَ أَجَلَّاً وَأَجَلٌ مُسَمَّى «و قوله: عِندَهُ﴾ قال سعيد بن جبير، عن ابن عباسٍ: ((﴿ثُمَّ قَضَىَ أَجَلًا﴾ يعني: الموت ﴿وَأَجُلٌ ◌ُسَنَّى عِندَهُ﴾ يعني: الآخرة». وهكذا روي عن مجاهدٍ، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والضحاك، وزيد بن أسلم، وعطية، والسدي، ومقاتل بن حيان، وغيرهم. وقول الحسن في رواية عنه: ((﴿ثُمَّ قَضَق آجلاً﴾ وهو ما بین أن يُخلق إلی أن يموت ﴿وأجَلٌ مُسمّى عنده,﴾ وهو ما بین أن يموت إلى أن يبعث)). هو يرجع إلى ما تقدم، وهو تقدير الأجل الخاص، وهو عمر كل إنسانٍ، وتقدير الأجل العام، وهو عمر الدنيا بكمالها))(٣). ولما كانت مسألة الآجال وانتهاء الأعمار مما يخشاه البشر كثيرًا ويؤملون عدم ورودها، فقد أكد الله تعالى على حتميتها بحیث إن الأجل لا یتقدم ولا يتأخر، بل هو مكتوب من عند الله تعالی. قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَنْ تَمُوتَ (٣) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٢١٤/٣. جَوَسُولَةُ النَّسية لِلْقَرَآن الكَرِيْمِ ٣٩٦ الأجل إِلَّا بِإِذْنِ اُللَّهِ کِنَبًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: ١٤٥]. موتي إلى مدة أخرى قصيرة، فأتصدق جيء في هذا الحكم بصيغة الجحود بمالي، وأكن من الصالحين المستقيمين، وهذا دليل على أن كل مفرط أو مقصر في عمل الخير يندم عند الاحتضار ... للمبالغة في انتفاء أن يكون موتٌ قبل الأجل ... ومثل هذه الحقائق تلقى في المقامات التي يقصد فيها مداواة النفوس من عاهاتٍ ذميمةٍ، وإلا فإن انتهاء الأجل منوطٌ بعلم الله لا يعلم أحدٌ وقته، ﴿وَمَاتَدْرِى نَفْسُ بِأَتِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤] ... والمراد بـ(إذن الله): تقديره وقت الموت، ووضعه العلامات الدالة على بلوغ ذلك الوقت المقدر، وهو ما عبر عنه مرةً بـ(كن)، ومرةً بقدرٍ مقدورٍ، ومرةً بالقلم، ومرةً بالكتاب. والكتاب في قوله: ﴿كِتَبًا مُؤَجَّلًا ﴾ يجوز أن يكون اسمًا، بمعنى: الشيء المكتوب، فيكون(١). وقال أيضًا: ﴿وَلَنْ يُؤَخِرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَآءَ [المنافقون : أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ١١]. جاءت هذه الآية تعقيبًا على أمنية العبد أن يؤخر الله أجله ولو شيئًا یسیرًا يبادر فيه إلى العمل الصالح، ولکن هیهات، فهذا أمر مقضي لا يتأخر، ﴿ وَأَنِفِقُواْ مِنْمَّارَزَقْنَكُمْ﴾ أي: وبادروا إلى الإنفاق من بعض ما رزقناكم، في سبيل الخير العام ... من قبل مجيء أسباب الموت ومشاهدة علاماته، فيقول الواحد منكم: هلا أمهلتني يا رب، وأخرت (١) التحرير والتنوير، ابن عاشور، ١١٤/٤. وقوله: ﴿لَوْلاَ أَخَّرْتَنِيّ إِلَى أَجَلِ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠] مطالبةٌ بالعودة إلى الدنيا والإمهال، ﴿وَلَن يُؤخِرالله﴾ تعالى أي نفس عن الموت أو قبض الروح إذا حضر أجلها، وانقضى عمرها، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها، بالخير خيرًا، وبالشر شرًا، وهذا حض على المبادرة لعمل الخير، ومسابقة الأجل بالعمل الصالح، إن الندم من أي إنسان على التفريط وطلب العودة إلى الدنيا لتدارك التقصير عما فاته، لا یفید الإنسان شيئًا، فلات ساعة مندم، فقد تم القضاء، ونفذ الأمر، ولا أمل في النجاة إلا بالعمل الصالح. وهذا حض على المبادرة لعمل الخير، ومسابقة الأجل بالعمل الصالح (٢). رابعًا: الإعجاز العلمي وتحديد الآجال: برز الإعجاز القرآني في كتاب الله تعالى بحديثٍ دقيق عن مراحل تكوين الجنين في رحم أمه بحيث جاءت متطابقة تطابقًا تامًا مع ما اكتشفه العلم الحديث عبر كل (٢) التفسير الوسيط، الزحيلي، ٢٦٦٨/٣. www. modoee.com ٣٩٧ حرف الألف وسائل التكنولوجيا المتطورة من تصوير وفحص جینی و کیمیائي وغير ذلك، وقد مر بنا آية من كتاب الله ذكرت أطوار الجنين في رحم الأم، وبينت أن كل هذه الأطوار بدءًا وإتمامًا أو نقصًا وسقطًا إنما هي آجال أجلها و كتبها الله عز وجل بعلمه وحکمته، يقول الدكتور محمد علي البار: من خلال آيات القرآن نستطيع أن نحدد معالم أطوار الجنين الإنساني وهي: (١) نطفة، (٢) علقة، (٣) مضغة مخلقة وغير مخلقة، (٤) عظام، (٥) لحم يكسو العظام، (٦) التسوية والتصوير (خلق آخر) والتعديل، (٧) نفخ الروح (١). وقد اتضح هذا الإعجاز القرآني في العصر الحديث، وتجلت بكل وضوح مراحل وأطوار خلق الجنين، فإن ثمة علمٌ تاريخه حديثٌ، اسمه علم الأجنة، وهو علم تکون الجنين في رحم الأم، وقد تقدم هذا العلم في السنوات الأخيرة تقدمًا کبیرًا، حتى أصبح بإمكان الأطباء والعلماء أن يصوروا الجنين وهو في الرحم في مراحل نموه وتطوره، فهناك صورةٌ للجنين في الأسبوع الثالث، وصورةٌ في الأسبوع الرابع، وصورةٌ في الأسبوع الخامس، وصورةٌ في الأسبوع السادس، ويعنينا من كل هذه الصور صورةٌ للجنين في رحم الأم وهو في بداية الأسبوع (١) خلق الإنسان بين الطب والقرآن، محمد علي البار، ص ٣٦٥. السادس، ماذا نرى؟ نرى الأنف مختلطًا بالفم، متصلًا بالعين، نرى اليد كأنها مجدافٌ قصيرٌ، نرى الرأس ملتصقًا بالجذع، هذه صورة الجنين في بداية الأسبوع السادس، فإذا انتهى هذا الأسبوع ابتعد الرأس عن الجذع، وتوضحت معالم العينين، ومعالم الأنف، ومعالم الفم، وملامح اليدين، والرجلين، هذه الملامح هي ملامح نهاية الأسبوع السادس، والأسبوع سبعة أيامٍ، فإِذا ضربنا سبعةً بستةٍ، فالناتج هو: اثنان وأربعون (٤٢). عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلةً، بعث الله إليها ملكًا، فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، ثم قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ویکتب الملك، ثم یقول: يا رب أجله، فیقول ربك ما شاء، ویکتب الملك، ثم يقول: یا رب رزقه، فیقضي ربك ما شاء، ویکتب الملك، ثم يخرج الملك بالصحیفة في يده، فلا يزيد على ما أمر ولا ينقص) (٢) (٣). (٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه وأجله وعمله وشقاوته وسعادته، رقم ٢٠٣٧/٤،٢٦٤٥. (٣) موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة، محمد راتب النابلسي، ١/ ٨٧. ٣٩٨ مُؤَوالَةُ النَِّيَّة القرآن الكريم الأجل أجل الأمم جعل الله الناس شعوبا وقبائل وأممًا ليتعارفوا وتكون بينهم الحياة الطيبة يعمرون هذه الأرض بعبادة الله وبنشر الحق والخير، ولكن الشياطين اجتالتهم وحملت بعض الأمم على بعض فاستكبروا وعتو وسعوا بالباطل في هذه الأرض، ونسوا سنن الله في خلقه فجاءت آيات الكتاب العزيز كي تذكر الأمم بأن الله تعالى جعل لهم أعمارًا وآجالًا إليها ينتهون، وجعل لمن عتا منهم عقوبة بها يرتدعون. قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌّ فَإِذَا جَّةَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ()﴾ [الأعراف: ٣٤]. ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، ورد نصائحهم، والشرك بالله، مع متابعة ربهم حججه عليهم أجل. «يعني: وقت لحلول العقوبات بساحتهم، ونزول المثلات بهم على شركهم، فإذا جاء الوقت الذي وقته الله لهلاكهم، وحلول العقاب بهم لا يتأخرون بالبقاء في الدنيا، ولا يمتعون بالحياة فيها عن وقت هلاكهم وحين حلول أجل فنائهم ساعة من ساعات الزمان ولا يتقدمون بذلك أيضًا عن الوقت الذي جعله الله لهم وقتًا للهلاك)) (١). (١) جامع البيان، الطبري، ٤٠٥/١٢. أولًا: فناء الأمم. ومما هو معلوم مكتوب في أم الكتاب، آجال الأمم والشعوب وما قد قدر لها من آثار على وجه هذه الأرض، فكم من أمةٍ اندرست واندثرت آثارها، وكم من شعوپٍ تتابع بعضها على ديار بعض، وكم من أمةٍ أبقاها الله دهرًا وأمدها، وهكذا. يقول الله تعالى: ﴿قُل لَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرَّا وَلَا نَفْعًا إِلَّ مَا شَآءَ اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَفْخِرُونَ سَاعَةٌ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ ( ٤٩ [يونس: ٤٩]. لكل قوم ميقاتٌ لانقضاء مدتهم وأجلهم، فإذا جاء وقت انقضاء أجلهم وفناء أعمارهم لا يستأخرون عنه ساعة فيمهلون ويؤخرون، ولا يستقدمون قبل ذلك، لأن الله قضى أن لا يتقدم ذلك قبل الحين الذي قدره وقضاه (٢). ثانيًا: هلاك الأمم. وإن لم يكن اندثار الأمم بفنائها وأندراسها مع مرور الزمان جاء فناؤها بهلاكها عقوبةً من عند الله تعالى على انحرافها وسيرها في طريق الشيطان. يقول سبحانه: ﴿ وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَا كِتَابٌ مَعْلُومُ ن ◌َّا تَسْبِقُ مِنْ أُتَةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَنْخِرُونَ ﴾ [الحجر: ٤-٥]. (٢) المصدر السابق، ١٥/ ١٠٠. www. modoee.com ٣٩٩ حرف الألف یخبر تعالی أنه ما أهلك قريةً إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها، وإنه لا يؤخر أمة حان هلاكها عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم، وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإرشادٌ لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك (١). وقد تتتابع العقوبات على أمة ما قبل أن یحین هلاکها فلا یکون تتابعها أو شدتها مظنة لتعجيل هلاكهم، فإن أجل الهلاك لا يتقدم مهما زادت العقوبات. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاَ ءَالَ فِرْعَوْنَ بِاَلْسِنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴿ فَإِذَا جَاءَتَهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُواْ ◌َنَا هَذِهِهُ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن مَّعَدٌُ أَلَّ إِنَّمَا طَبِرُهُمْ عِندَ اَلَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿ وَقَالُواْ مَهْمَا تَأْيِنَا ◌ِء مِنْ ءَايَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا غَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الْتُلُوفَانَ وَاَلْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ (١٣٢ وَالضَّفَائِعَ وَالذَّمَ ءَايَتٍ مُّفَصَّلَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُواْ قَوْمًا تُجْرِمِينَ () وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْرِجْزُ قَالُواْ يَنْمُوسَى أَدْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَبِن كَشَفْتَ عَنَّا الْرِجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَغُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِيَّ إِسْرَائِيلَ ﴿ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَلِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنَكُونَ فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَهُمْ فِى أَلْيَمِّ بِأَنَّهُمْ ١٣٦ كَذَّبُواْ بِشَايَِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَفِلِينَ (١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، ٤/ ٤٥٢. [الأعراف: ١٣٠ - ١٣٦]. حين نزل العذاب الشديد وتواترت ألوان العقاب على فرعون وقومه الكافرين من الجراد والضفادع والدم وطوفان الماء وغیرها من الآيات التسع، حينئذ اضطرب قوم فرعون واشتدفزعهم، وطلبوا من موسى علیه السلام أن يدعو ربه، بسبب ما عهد الله عنده من النبوة والرسالة والكرامة والمحبة وصلة العهد مع الله من طاعة موسى ونعمه علیه، وأقسموا له: لئن كشفت عنا بدعائك ذلك العذاب، لنصدقن برسالتك، ونؤمنن بما جئت به من عند ربك، ولنرسلن معك بني إسرائيل إلى حيث تتوجه وتريد، ليتمكنوا من عبادة ربهم کما شاؤوا. وهذا عهد من فرعون وملئه الذين بيدهم الحل والعقد، ولكن قوم فرعون لما كشف الله عنهم العذاب، وأزال عنهم العقاب مرة بعد مرة، مؤقتًا إلى أجل محدود، منتهون إليه حتمًا، فمعذبون فيه، وهو الغرق، إذا هم ينقضون العهد ويحتثون في كل مرة، ولم ينفعهم ما تقدم في حقهم من الإمهال. ومعنى قوله تعالى: ﴿إِلَى أَجَلٍ هُم بَلِفُوهُ﴾ أي: غاية كل واحد منهم بما يخصه من الهلاك والموت، في الغرق المنتظر ... ولما كشف الله العذاب (وهو الرجز) عن قوم فرعون من قبل مرات ومرات، ولم يقلعوا عن كفرهم وجهلهم، ثم حان الأجل ٤٠٠ لِلْقُرآن الكَرِيْمِ