Indexed OCR Text

Pages 41-50

إبراهيم عليه السلام
إبراهيم وذريته عليهم السلام
أولًا: التبشير بالذرية الصالحة:
مضت سنة الله سبحانه وتعالى أن يكافئ
على الإحسان بالأحسن، وأن من ترك شيئًا
من أجله؛ أن يعوضه الله خيرا منه، كما جاء
في الحديث المسمى بحديث الأعرابي عن
النبي صلى الله عليه وسلم: (إنك لن تدع
شيئًا اتقاء الله إلا أعطاك الله خيرًا منه) (١).
وقد هجر إبراهيم عليه السلام أباه وقومه؛
فأبدله بالذرية الصالحة، وجعل النبوة فيها،
كما هجر العراق؛ فأبدله الله بيت المقدس
ومكة، وقد جاءته البشارة بالذرية الصالحة،
علی کبره، وتقدم سنه.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّ ذَاهِبٌ
إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ ) رَبِّ هَبْ لِ مِنَ الصَّالِحِينَ
فَبَشَّرْنَهُ بِغُلَمٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٩٩-١٠١].
وهي البشارة بإسماعيل عليه السلام،
ومن بعدها البشارة بإسحاق في قوله
تعالى: ﴿وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ بِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾
[الصافات: ١١٢].
وقد جاء لنا وصف البشارة بإسحاق،
والحالة التي كان عليها إبراهيم عليه السلام،
والتي كانت عليها زوجه سارة عند البشارة.
(١) أخرجه أحمد في مسنده، ٣٤٢/٣٤، رقم
٢٠٧٣٩.
وصححه الألباني، في السلسلة
الضعيفة، ١/ ٦٢ في كلامه عن الرقم٥.
يقول الله جل جلاله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَتْ
رُسُلُنَاْ إِتَزَهِيَمَ بِالْبُشْرَى قَالُواْسَلَمَا قَالَ سَلَمَّ
فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيدٍ ﴿ فَلَمَّارَءَآ
أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ
خِيفَةٌ قَالُوا لَا تَّخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَآ إِلَى قَوْمِ لُوطٍ
وَأَمْرَأَتُ قَآيِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَتَّرْنَهَا بِإِسْحَقَ
٧٠
وَمِن وَرَآءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ ) قَالَتْ يَوَيِّلَى ءَأَلِدُ
وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِى شَيْئًا إِنَّ هَذَا لَشَىْءُ
عَجِيبٌ ﴿ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِّ رَحْمَتُ
اللَّهِ وَبَرَّكَانُهُ، عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ تَجِدٌ﴾
[هود: ٦٩ - ٧٣].
وما أعظمها من نعمة، أفردها إبراهيم
عليه السلام بالحمد لربه جل جلاله؛
استشعارًا منه بعظمتها عليه، حيث أخبر
الله عز وجل عنه بذلك: ﴿ اَلْحَمْدُ لِلَّهِالَّذِى
وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِِّ
◌َسَمِيعُ الدُّعَ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
وذلك أنها جاءته على حال عجز،
وانقطاع أمل ممن هو في مثل حاله، الأمر
الذي دعا سارة رضي الله عنها أن تعجب
منه؛ فذكروها بأنها إرادة الله الذي
أَمْرُهُ إِذَا أَرَدَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُكُنْ فَيَكُونُ ﴾
[يس: ٨٢].
وزادوهم بالدعاء والرحمة من الله تبارك
وتعالى على ما قاموا به من حق الله جل
جلاله، وصبروا.
www. modoee.com
٢٠١

حرف الألف
ثانيًا: النبوة في ذريته:
وجعل الله في ذريته عليه السلام النبوة
والرسالة كما جعلها في ذرية نوح عليه
السلام.
يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا
نُوحًا وَإِبْرَهِيمَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ
وَالْكِتَبِّ فَمِنْهُمْ تُهْتَّدٍ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ
فَسِقُّونَ﴾ [الحديد: ٢٦].
وقد خصه الله بالذكر في هذا الأمر في
موضع آخر من کتابه حيث يقول جل جلاله:
﴿وَوَهَبْنَالَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَّتِهِ
النُّبُوَّةَ وَالْكِنَبَ وَءَاتِيْنَهُ أَجْرَهُ فِ الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ
فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ﴾ [العنكبوت: ٢٧].
وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عددًا
ممن كان من الأنبياء من ذرية إبراهيم عليه
السلام في قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا
ءَاتَيْنَهَا إِبْرَهِيمَ عَلَى قَوْمِدْ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن
نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُو
إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَّ كُلَّا هَدَيْنَاً وَنُوحًا
هَدَيْنَا مِن قَبْلٌ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ، دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ
وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونٌّ وَكَذَلِكَ نَهْزِى
الْمُحْسِنِينَ ، وَذَكَرِيَّا وَيَحْبِى وَعِيسَى وَإِلَيَاسَّ
كُلّ مِنَ الصَِّحِينَ ﴿ وَإِسْمَعِيلَ وَاَلْيَسَعَ
وَيُونُسَ وَلُوطَأْ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَلَمِينَ﴾
[الأنعام: ٨٣-٨٦].
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن
أکرم الناس فيما رواه عنه أبو هريرة رضي
الله عنه: قيل يا رسول الله: من أكرم الناس؟
قال: (أُتقاهم) فقالوا: ليس عن هذا نسألك،
قال: (فیوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن
نبي الله، ابن خليل الله) قالوا: ليس عن هذا
نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألون؟
خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام،
إذا فقهوا) (١).
فالإجابة الأولى كانت من النبي صلى
الله عليه وسلم باعتبار الإيمان الذي هو
ميزان التفاضل بين عامة الناس، فلما أخبر
الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم
أن هذا ليس مقصدهم من السؤال؛ كانت
الإجابة الثانية، حيث إن يوسف نبي، ابن
يعقوب نبي، ابن إسحاق نبي، ابن إبراهيم
النبي خليل الله -عليهم جميعًا الصلاة
والسلام-، فهو الكريم ابن الكريم ابن
الكريم ابن الكريم، والإجابة الثالثة كانت
باعتبار خيرية الصفات التي جبلت عليها
العرب بحسب القبائل وما اختصت به.
الشاهد من الحديث الإجابة الثانية
التي تبين منها أن اتصال النسب بالنبوة إلى
إبراهیم علیه السلام جعل حامله أکرم الناس
نسبًا، فهي ذرية طيبة من أصل طيب.
يقول الله جل جلاله: ﴿أُوْلَكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيْنَ مِنْ ذُرِيَّةِ ءَآدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث
الأنبياء، باب قوله: (واتخذ الله إبراهيم
خليلاً)، ١٤٠/٤، رقم ٣٣٥٣.
٢٠٢
القرآن الكريمِ

إبراهيم عليه السلام
نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةٍ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَّهِيلَ وَمِمَنْ هَدَيْنَا وَأَجْنَبِينَأَ
إِذَا نُثْلَى عَلَيْهِمْ ءَأَيْتُ الرَّحْمَنِ خَرُواْ سُجَّدًا وَيُكِيًّا﴾
[مريم: ٥٨].
فهم صفوة الله من خلقه، وكانوا بعد
إبراهيم كلهم من ذريته، عليه وعليهم
الصلاة والسلام، وعلى رسولنا أطيب
الصلاة وأفضل السلام.
ثالثًا: قصة الذبيح:
الذبيح هو أحد أبناء إبراهيم عليه السلام،
وقد زعم اليهود أنه إسحاق علیه السلام،
وقد استندوا في ذلك لنص موجود في
التوراة المحرفة عندهم يقول: ((اذبح ولدك
بكرك، ووحيدك إسحاق))(١)، وهو أمر
يختلف مع ما جاء في شريعتنا، وعليه فهو
مما ينبغي رده-وإن حصلت الموافقة لهم
في ذلك من بعض علماء المسلمين-، إلا
أن جمهور أهل العلم على أن الذبيح إنما هو
إسماعيل عليه السلام.
ولا يعد هذا انتقاصًا من قدر إسحاق
عليه السلام، فقد تقدم في الحديث الذي
مر آخرًا من أنه کریم ابن كريم، ولا يزعجنا
-نحن كمسلمين- أن يكون إسحاق عليه
السلام هو الذبيح -إن ثبت هذا بما يدفع
كون الذبيح هو إسماعيل عليه السلام -.
لكن القول بهذا الأمر مردود من وجوه
(١) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم ٣٥٥/٢.
عديدة ذكرها ابن القيم في كتابه إغاثة
اللهفان (٢) في بيان بطلان النص آنف الذكر
المثبت في توراتهم.
وقد جاء ذكر هذا الأمر في سورة الصافات
بما يجزم أن الذبيح إنما هو إسماعيل عليه
السلام، وليس إسحاق عليه السلام.
فَبَشِّرْنَهُ بِعَلَمِ
قال الله سبحانه وتعالى:
فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبُنَّىَّ إِنّ
١٠١
حَلِيمٍ
أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىّ
قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرِّ سَتَجِدُنِىِّ إِن شَآءَ اللَّهُ
١٠٣
مِنَ الصَِّينَ ﴿١٠ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِّينِ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبَهِيمُ (١٠) قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَأْ إِنَّا
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١٥) إِنَّ هَذَا لَوَ أَلْبَوُا
آلْمُبِينُ (١٦) وَفَدَيْنَهُ بِذِيْجِ عَظِيمٍ (٧) وَتَرَّكْنَاعَلَيْهِ
سَلَمُ عَلَى إِبْرَهِيمَ (١) كَذَلِكَ
١٠٨
فِي الآخِرِينَ
إنّهُ، مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
وَبَشَّرْنَهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّلِحِينَ﴾
[الصافات: ١٠١-١١٢].
فعطف بالبشارة الثانية على البشارة الأولى
عطفًا يقتضي التغاير؛ فكانت النتيجة أن الأول
غیر الثاني، و کانت الثانية مصر حة بأن المبشر
به هو إسحاق عليه السلام، أي: أن المبشر به
الأول الذي هو الذبيح هو غير إسحاق عليه
السلام، فیکون إسماعیل علیه السلام، وهو
الولد البكر لإبراهيم عليه السلام، -وعليهم
جمیعًا صلوات الله وسلامه-، وهذا فيه رد
(٢) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٢٠٣

حرف الألف
علی أهل الكتاب، ومن اشتبه علیه الأمر
من المسلمين (١)، حيث وقعت من بعضهم
الموافقة لليهود في هذا القول(٢)، ومن أراد
التوسع في الاطلاع على مزید من أوجه الرد؛
فلينظر إغاثة اللهفان، وفيها من الفوائد والعبر
ما سنذكره - إن شاء الله- لاحقًا.
رابعًا: الدعاء لذريته:
جعل الله سبحانه وتعالى غريزة حب
البقاء، والنساء في الأثر، والتناسل والتوالد،
غريزة في الإنسان، يشاركه فيها الحيوان،
لکنه ینفرد عن الحیوان إذا ما أراد بهذا الأمر
الحفاظ على ما خلقه الله عز وجل من أجله،
وهو إعمار الأرض بالتوحيد وعبادة الله جل
جلاله، وهذا ما كان عليه أنبياء الله سبحانه
وتعالى، والصالحون من عباده؛ فنجد أبا
الأنبياء إبراهيم عليه السلام لما علم بأن
الله اصطفاه، واختاره لمهمة الإمامة للناس؛
أحب أن يجعل الله هذا في نسله وذريته؛
فأراد منهم أن يكونوا خالصين مخلصين
لرب العالمين.
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَ إِذِ ابْتَلَّ إبرَهِمْ
رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا
قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى أَلظَّالِمِينَ
(١) انظر: مجموع الفتاوى، ابن تيمية ٣٣١/٤،
التحرير والتنوير، ابن عاشور ١٤٩/٢٣،
تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٧٠٦.
(٢) انظر: جامع البيان، الطبري، ٢١/ ٧٩، زاد
المسير، ابن الجوزي، ٣/ ٥٤٩.
[البقرة: ١٢٤].
فأرضاه الله سبحانه وتعالى، بأن بين له
أن هذا كائن له في ذریته لمن قام بحقه مثل
ما قام إبراهیم الذي كافأه الله به بحقه، أما
الظالمون فلن تنالهم دعوته علیه السلام.
لما علم إبراهيم عليه السلام أن ذريته
سيكون منهم الظالم؛ جاء دعاؤه لهم بعد
ذلك يخص به الصالحين منهم، وذلك في
قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ
أَجْعَلْ هَذَا بَلَدًاَ ءَامِنَّا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ
مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ آَلَحِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ
أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة:
١٢٦].
فأخبره الله سبحانه وتعالى أنه قد تكفل
بالرزق لمن آمن ومن كفر، لكن تذکیرًا منه
لنبيه عليه السلام، وبيانًا لنا، أن الذي يتوعد
الله به من کفر به- وإن كان له من المتاع في
الدنيا ما يغتر به- هو العذاب المقيم في نار
جهنم، المکان الذي لا یملکون أن يتحولوا
عنه إلى غيره(٣).
إن من المواطن التي يرفع فيها الدعاء
إلى الله تبارك وتعالى، ويقبله جل جلاله،
الموطن الذي يكون العبد فيه قائمًا بطاعة
الله، ويتأكد هذا الأمر عندما تكون هذه
الطاعة من فرائد الطاعات.
وقد كان الأنبياء أفقه الناس بهذا؛ لذلك
(٣) انظر: جامع البيان، الطبري، ٥٢/٢.
مَوَسُولَة النفسية
القرآن الكريم
٢٠٤

إبراهيم عليه السلام
لما أمر الله سبحانه وتعالى إبراهيم عليه التوحيد، وتحقيق الأمن للبلد الحرام، وأن
ييسر الله سبحانه وتعالى لهم من يؤنسهم
من تلك الوحشة من الناس، وأن يرزقهم
من الثمرات، وأن يجعلهم من المقيمين
الصلاة، وممن امتن الله جل جلاله عليهم
بإجابة الدعاء.
السلام ببناء الكعبة، وأعانه على ذلك ولده
إسماعيل عليه السلام؛ استجابة لله جل
جلاله، استثمروا هذا المقام العظيم الذي
اختارهم الله عز وجل له، وسألا ربهما بهذا
الدعاء.
يقول الله سبحنه وتعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ
إِرَهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ رَبَّنَا نَقَبَّلْ
مِنَّأَ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١) رَبِّنَا وَأَجْعَلْنَا
مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّقِنَآ أُمَّةُ مُسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا
مَنَاسِكَا وَتُبْ عَلَيْنَآَ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
(١٢) رَبَّنَا وَأَبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولَا مِنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ
ءَايَتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِنَبَ وَالْحِكْمَةً وَيُزَكِبِمْ
إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧-١٢٩].
ما أعظمه من نفع، قصداه لمن يأتي من
نسلهما، الإسلام النعمة العظمى، والمنحة
الكبرى، التي تكون به سعادة الأولى
والأخرى، وبيان المناسك التي يرضاها الله
عز وجل، وأن يكرمهم وينعم عليهم برسول
أمين، يتلو عليهم كلام رب العالمين، ويزكي
نفوسهم بما تزكو به نفوس المؤمنين، عليهما
من الله صلاة وتسلیم؛ بما أقاماه أو كانا سببًا
في إقامته من الدين القويم.
وقد ذكرنا أيضًا في ما سبق ما كان من
دعائه حين ترك إسماعيل وأمه هاجر عند
بيته الحرام، والذي ذكره الله في سورة
إبراهیم، وقد جاء فیه من دعائه، بالثبات على
خامسًا: وصية إبراهيم عليه السلام
لذريته:
إذا شعر الإنسان بدنو أجله؛ فإنه يتفقد
أحوال من يحب، وإن كان موسرًا؛ فإنه
يوصي لهم؛ حتى لا يدعهم عالة يتكففون
الناس، فعلم إبراهيم عليه السلام ما أكرمه
الله جل جلاله به من الرضا واستجابة
الدعاء؛ فدعا لهم بکل خیر ینفعهم في الدنيا
والآخرة، وهذه تركته لهم، وكان يعلم عليه
السلام أن الرفعة والمكانة التي أكرمه الله
بها مردها إلى النعمة العظمى، التي حباه الله
عز وجل بها، وهي نعمة الإسلام؛ فأثابه في
عاجل الدنيا، بأن جعل الملة التي رضيها الله
سبحانه وتعالى منسوبة إليه، فلا يقبل سبحانه
وتعالى من عبد غيرها، ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن
مِلَّةٍ إِبْهِمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وَلَقَدٍ أَصْطَفَيْنَهُ
فِي الدُّنْيَاً وَإِنَّهُ، فِ اْلَآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّلِحِينَ ) إِذْ
قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[البقرة: ١٣٠ - ١٣١].
وقد أخبره الله عز وجل أن من ذريته
من سيكون ظالمًا لنفسه؛ فأوصاهم بما
www. modoee.com
٢٠٥

حرف الألف
يحبه لهم من الخير، وأسباب حفظ نعمة اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم
علیه السلام کان علی ملتهم، وفيه رد على
المشركين ببيان الملة الحنيفية الخالصة
من كل ألوان الشرك وأنواعه، وهي التي
كان عليها أبوهم إسماعيل عليه السلام ابن
إبراهيم عليه السلام (٢).
الله جل جلاله علیهم، وهي أن يكونوا على
الحالة التي وفقه الله سبحانه وتعالى إليها،
بأن يسلموا لله رب العالمين(١)، ﴿وَوَضَى
◌ِهَآ إِبَّهِهُمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَبَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى
لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم ◌ُسْلِمُونَ﴾
[البقرة: ١٣٢].
وأن يظلوا على العهد الذي فارقهم عليه
إلى أن يموتوا؛ ليكونوا من صفوة الله الذين
اصطفاهم من عباده على العالمين، وقد
صدقوه فيها؛ فكانت وصية يعقوب لأولاده
أيضًا.
وقد أخبر الله عز وجل عن هذه الوصية
التي أوصى بها إبراهيم عليه السلام في
قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ
يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ
مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ
إِنَّهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَ إِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا وَتَحْنُ لَهُ.
مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
وقد ورث هذه الوصية أبناؤه، ممن هم
على طريقته وهداه؛ لما عندهم من العلم
بأهمية هذه الوصية، فأخذ يعقوب عليه
السلام العهد من أولاده؛ بأن يكونوا على
ما كان عليه إبراهيم عليه السلام، وأبناؤه
إسماعيل وإسحاق، وهم آباء يعقوب الذي
کان على ما کانوا علیه، وهذا فيه رد على
(١) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل
٥٠٤/٢.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٤٤٦/١.
٢٠٦
موسُوعة
القرآن الكريم

إبراهيم عليه السلام
الدروس المستفادة من قصة إبراهيم
١. يرفع الله جل جلاله العبد على قدر
ما يبذل في سبيله، ما استقام على
الشریعة، ولا یمکن أن ینال الرفعة بغیر
ذلك، وهو بذل الجهد مع الاستقامة
على الشريعة.
٢. من ترك شيئًا لله؛ عوضه الله عز وجل ١١ أهمية الدعاء للذرية بخيري الدنيا
والآخرة، والابتعاد عن الدعاء عليهم.
خيرًا منه، لما هجر إبراهيم عليه السلام
قومه من أجل الله سبحانه وتعالى؛
اتخذه الله خليلًا.
٣. إمامة الدين لا تنال إلا بالصبر
واليقين (١)، فإبراهيم عليه السلام لما
صبر، وكان من الموقنين؛ صار إمامًا
للعالمین.
من أحیا ذکر الله؛ أحیا الله ذكره، وهذا
٤.
ما رأيناه مع إبراهيم عليه السلام.
٥. حین یدعو العبد الناس لتوحید ربهم
-أجابوه أو لم يجيبوه-؛ یکافئه الله
جل جلاله بإجابة الدعاء.
٦. أهل الإيمان أحق من في الوجود
بالأمن.
٧. أمن الأوطان لا يتحقق إلا بالقيام بحق
الإيمان.
٨. التوحيد أعظم نعم الله على العبيد.
٩. دعاء إبراهيم عليه السلام ربه عز وجل
(١) انظر: الاستقامة، ابن تيمية ٢/ ٢٦١.
ألا يعبد الأصنام، ووصيته لأبنائه؛
يفيدنا أن المؤمن على خطر إلى أن
يتوفاه الله على الإسلام.
١٠. أهل الإيمان والتوحيد بعضهم أولى
ببعض؛ لذلك كنا أولى بإبراهيم من
اليهود والنصارى، وكذلك أولى
بموسی وعیسی منهم.
١٢. حسن البر والمعاملة مع الوالدين- وإن
كانا على غير الإسلام-، ويجب أن
یکون مقترنًا بالحرص على إسلامهم،
ودعوتهم له بالحكمة والأدب؛ فإن أبر
البر أن يكون العبد سببًا في عتق والديه
من النار.
١٣. المؤمن الحق يستسلم لله في كل
شؤونه، وینقاد له في كل أموره.
١٤ . أشد ما يتأذى به المؤمن، ويتألم من
أجله؛ إعراض الناس عن دين الله
سبحانه وتعالى؛ غيرة عليه، وشفقة
عليهم.
١٥. من صفات المؤمن طول القنوت
بين يدي الله عز وجل؛ راجيًا عفوه
ورضاه.
١٦ . من استقام على توحيد الله جل جلاله،
وأكثر من عبادته؛ هو رجل بأمة، خاصة
إذا كثرت الفتن.
www. modoee.com
٢٠٧

حرف الألف
١٧. من كان موقنًا بوعد الله، متوكلا عليه
حق تو کله؛ قد یغیر الله سبحانه وتعالى
من أجله نواميس الكون، فالنار التي
أو قدت انتقامًا؛ صارت بردًا وسلامًا.
١٨ . الوفاء بمعناه الحقيقي هو أن يوفي
العبد بعهد ربه، وأن يقدمه ويقدم حبه
وحب كل شيء أمر بحبه على ما تحبه
النفس وتهواه.
١٩. التجارة مع الله هي الأربح على
الإطلاق، أتم إبراهيم عليه السلام
كلماتٍ ابتلاه الله بها؛ فجعله إمامًا
للناس، وأورثها الله جل جلاله لذريته
من بعده.
٢٠.على المؤمن أن یکون حكيمًا كريمًا،
بارًا راشدًا، شجاعًا کریمًا.
٢١. المراد بسلامة القلب: أن يقوم العبد
بما قام به إبراهيم عليه السلام من
أعمال أهلته لذلك، وهي كما يلي:
إنكاره للشرك.
التوحيد والدعوة إليه.
هجرة المنكرات وأهلها وأماكنها.
الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر.
الثبات على دين الله عز وجل
-مهما كانت التحدیات -.
تقدیم حب الله علی حب من سواه.
تربية الأبناء على التوحيد،
والاستجابة لأمر الله جل جلاله
مهما کلفت من ثمن.
عدم إضمار الغل والغش، والحقد
والحسد لعباد الله تبارك وتعالى.
أن يكون خليًا من أمراضه: التعالي
والكبر، والأشر والبطر والعجب.
٢٢. معالم الدعوة ومرتكزاتها الأساسية في
قصة إبراهيم عليه السلام:
إعلان التوحيد.
إنكار الشرك.
البراءة من الشرك وأهله.
موالاة الحق وأهله
العداء لكل من عبد من دون الله
سبحانه وتعالی ولعابدیه.
٢٣. هجرة البلد والأهل والعشيرة؛ إذا لم
یتمکن العبد من القيام بتوحید ربه،
وطاعته فيها.
٢٤ - التنويع في أساليب الدعوة؛ لأن الناس
ليسوا على طريقة واحدة في الفهم
والإدراك والتفكير، فيخاطب كل فريق
بما يتناسب معه من أسلوب، فالدعوة
فن؛ فينوع ما بين الحوار، والتعريض،
والدعوة إلى التبصر والتأمل، المجادلة
بالتي هي أحسن، وقد يلجأ إلى
الاستهزاء الهادف المنضبط بالآداب
السامية، فلا يكون الغرض منه
الإحراج، وإنما يكون الإيضاح وبيان
موسوعةُ النَّفِيه
لِلْقُرآن الكَرِيمِ
٢٠٨

إبراهيم عليه السلام
الحقائق، وهذه أساليب نظرية.
٢٥. هناك أساليب عملية قد يلجأ إليها
الداعية، وهي: أن يعتزل الناس
عند قيامهم بالمنكرات، والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، باليد
واللسان والقلب،-حسب المصلحة
الراجحة-، والهجران والإعراض
بالكلية.
٢٦. الجدل له آداب لابد وأن يتحلى بها
الداعية، منها:
الشجاعة.
أن يكون الجدال هادفًا.
إغفال المهاترات، وعدم مجاراة
الطرف الآخر فيها.
إظهار النصح، وحب الخير.
عدم إظهار الرغبة في قهر الطرف
الآخر.
أن یکون بالدلیل و البرهان.
٢٧. هجر إبراهيم عليه السلام أرض العراق
لله؛ فأبدله الله عز وجل بها خير بقاع
الأرض، وأكثرها بركة، بيت المقدس
والبلد الحرام.
٢٨. هدم إبراهيم عليه السلام الأصنام؛
فأكرمه الله جل جلاله ببناء المسجد
الحرام.
٢٩. أذن في قومه ببطلان الشرك، وتحقيق
التوحيد؛ فأكرمه الله سبحانه وتعالى
بالأذان بالتوحيد، وتلبية الناس له إلى
قيام الساعة.
٣٠. بشره الله بالذرية، وأكرمه بها في وقت
هو أحوج ما يكون إليها، وأعانه على
تربيتها، جزاءً له على ترك قومه وأهله
من أجل الله.
٣١. صلاح الآباء يحفظ الله به الأبناء.
٣٢. أثر الدعاء في صلاح الأبناء عظيم،
يجدر بكل عاقل ألا يغفله.
٣٣. أنفع الوصايا وأعظمها، هي الوصية
بالثبات علی الدین.
موضوعات ذات صلة:
الأبوة، النبوة، مكة
www. modoee.com
٢٠٩