Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَام
عناصر الموضوع
التعريف بإبراهيم عليه السلام
١٦٢
١٦٤
ذكر إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم
١٦٥
مكانة إبراهيم عليه السلام
١٧٣
صفاته وأخلاقه عليه السلام
١٨٤
دعوته عليه السلام
١٩٣
محاجته عليه السلام لقومه وللملك
١٩٦
إبراهيم عليه السلام والبيت الحرام
٢٠١
إبراهيم وذريته عليهم السلام
٢٠٧
الدروس المستفادة من قصة إبراهيم
المُجَلَدَ الأول
حرف الألف
التعريف بإبراهيم عليه السلام
أولًا: اسمه ونسبه:
ورد ذکر نسب نبي الله إبراهيم عليه السلام في موضعين من كتابه -جل وعلا-، وفي كل
موضع کان ذكره باعتبار خاص، وذلك كما يلي:
الموضع الأول: جاء على سبيل التشريف وذلك في سورة آل عمران، حيث يقول الله
تعالى: ﴿إِنَّاللَّهَ اصْطَفَ ءَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ ) ذُرِيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضِرُ
وَاللّهُ سَمِعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٤
وفي هاتين الآيتين ذكر اصطفاء الله للأنبياء المذكورين على العالمين بالنبوة، وأخبر أنهم
يرجعون لأصل واحد، فآل عمران من إبراهيم، وإبراهيم من نوح، ونوح من آدم، فآدم أبو
البشر الأول، وهو الذي خلقه الله بيده، وأسجد له الملائكة، ونوح هو أبو البشر الثاني، وهو
أطول الأنبياء عمرًا، قضاه في تبليغ دين الله، وإبراهيم أبو الأنبياء، وإمام الحنفاء، وصاحب
الهجرات العديدة لله، في سبيل إعمار الأرض بعبادة الله وتوحيده كما سيأتي، فهم ذرية
طيبة بعضها من بعض عليهم السلام.
الموضع الثاني: جاء في سورة الأنعام، وهو على سبيل ذكر النسب من حيث الأصل
وفرعه، وأن إبراهيم هو ابن آزر الذي هو تارخ كما هو عند جمهور المفسرين وعلماء
الأنساب، يقول تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا ءَالِهَةِّ إِىْ أَرَئِكَ وَقَوْمَكَ فِى
ضَلَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: ٧٤].
هذا ما ورد في القرآن، أما ما ورد في كتب التاريخ والأنساب، فقد جاء ذاكرًا للآباء بين
آزر ونوح زيادة على ما جاء في القرآن على النحو التالي:
هو إبراهيم نبي الله عليه السلام ابن آزر واسمه تارخ بن ناحور بن شاروخ بن أرغو بن
فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام، لا يختلف جمهور أهل
النسب، ولا أهل الكتاب في ذلك إلا في النطق ببعض هذه الأسماء(١).
(١) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، ١/ ١٦٠، تاج العروس، الزبيدي، ٢٨٠/٣١.
مَوَسُ رُ النفسية للوضوء
القرآن الكريم
١٦٢
إبراهيم عليه السلام
ثانيًا: زمانه عليه السلام:
ذكر الإمام الطبري في تاريخه أماكن كثيرة ذكرها أهل العلم من أن مولد سيدنا إبراهيم
عليه السلام كان فيها، غير أنها في مجملها تبين أن ميلاده كان في أرض العراق، وقد كان
النمرود هو حاكمها، وكان اسمه زرهي بن طهما سفان (١)، وقد ظهر ملكه وملك قومه
بالمشرق قبل ملك فارس، وبلغ فيما ذكره أهل التاريخ مشارق الأرض ومغاربها، ونسب
الطبري في أثر عن بعض الصحابة، ولم يسمهم، أن النمرود بن كنعان هو أول ملوك الأرض
شرقها وغربها، وأن الذين ملكوا الأرض كلها أربعة: نمرود، وسليمان بن داود، وذو القرنين،
ويختنصر: مؤمنان وكافران (٢).
والنمرود هو الذي جاء ذكره في القرآن في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَجَّ إِبَهِكْمَ
فِىِ رَبِّهِ أَنْ ءَاتَنَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
(١) انظر: تاريخ الرسل والملوك، الطبري، ١/ ٢٣٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٣٤/١.
www. modoee.com
١٦٣
حرف الألف
ذكر إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم
ورد ذكر إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم (٦٩) مرة، في (٢٥) سورة.
وأما قصته عليه السلام فقد وردت في السور الآتية:
السورة
الآيات
البقرة
١٢٥- ٢٦٠،٢٥٨،١٢٧
الأنعام
٧٤ - ٨٠
هود
٦٩-٧٥
مريم
٤١ -٥٠
الحج
٢٦-٢٩
العنكبوت
١٦-٣١،١٨-٣٢
الزخرف
٢٦-٢٨
الذاريات
٢٤-٣٧
الممتحنة
٤
١٦٤
القرآن الكريم
إبراهيم عليه السلام
مكانة إبراهيم عليه السلام
وإبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء جميعًا،
منزلة نبي الله إبراهيم عليه السلام بين قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِ ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ﴾
الأنبياء:
أما عن منزلته بين الأنبياء، فهو أحد
أولي العزم من الرسل، وهم حسب الترتيب
في الفضل: محمد صلى الله عليه وسلم
وهو أفضلهم، وأعلاهم منزلة، ويأتي بعده
إبراهيم عليه السلام، ثم موسی، ثم عیسی،
ثم نوح، والله أعلم(١)، وقد اجتهد أحد
الشعراء فجمعهم في بيت شعر قال فيه (٢):
أولو العزم نوح والخليل بن آزر
وموسی وعیسی و الحبيب محمد
وقد ذكرهم الله مجتمعين في كتابه
مرتین.
في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّيْنَ
مِشَقَّهُمْ وَمِنِكَ وَمِنْ تُرْجَ وَلِبْهِيَمَ وَمُوسَى
وَعِيسَى أَبْنِ مَنْيَمْ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِشَقًا غَلِيِظًا﴾
[الأحزاب: ٧].
وفي قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ
مَا وَصَّى بِه نُوحًا وَالَّذِىّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا
وَضَّيْنَا بِهِ إِبْرَهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَىٌّ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ
وَلَا تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ كُبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَانَدْعُوهُمْ
إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَّبِىّ إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِىّ إِلَيْهِ
انظر: شرح العقيدة الواسطية، الهراس،
(١)
ص٦٤، الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد،
الفوزان، ص١٧٩.
الکلیات، الکفوي، ص٦٥١.
(٢)
مَن يُنِيبُ ﴾ [الشورى: ١٣].
[العنكبوت: ٢٧].
فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا
نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا
بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم
وعليهم أجمعين. وهذا من أعظم المناقب
والمفاخر، أن تكون مواد الهداية والرحمة
والسعادة والفلاح في ذريته، وعلى أيديهم
اهتدی المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح
الصالحون (٣).
١. مرتبة الخلة.
والخلة هي أعلى منزلة بلغها عبد عند
الله تبارك وتعالى، ولم يثبت في كتاب الله
ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم أنه
قد حازها إلا اثنان:
الأول: نبينا محمد صلى الله عليه وسلم،
وذلك بما رواه عنه جندب رضي الله عنه أنه
قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل
أن يموت بخمسٍ، وهو يقول: (إني أبرأ إلى
الله أن یکون لي منکم خليلٌ، فإن الله تعالى
قد اتخذني خلیلًا، کما اتخذ إبراهيم خليلًا،
ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا؛ لاتخذت
أبا بكرٍ خليلًا) (٤).
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص٦٢٩.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساجد،
www. modoee.com
١٦٥
حرف الألف
الثاني: إبراهيم الخليل عليه السلام، كما علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو امتثالاً منه ومنا لقول الله تبارك
وتعالى: ﴿وَأَتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء:
١٢٥].
وقد أصبح ذكر هذه المنزلة مصروفًا عند
ورودها في الكلام له عليه السلام، وكأنها
صارت علمًا علیه؛ فیقال إبراهيم الخليل،
أو خليل الله إبراهيم، أو الخليل، فلا يعلم
أنه يراد غيره عليه السلام وهذا لأنه مذكور
في القرآن من قول الله عز وجل: ﴿وَأَّخَذَ
اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥].
يقول الشيخ السعدي رحمه الله تعالى:
((والخلة أعلى أنواع المحبة، وهذه المرتبة
حصلت للخليلين محمد وإبراهيم -عليهما
الصلاة والسلام-، وأما المحبة من الله فهي
لعموم المؤمنين، وإنما اتخذ الله إبراهيم
خلیلا؛ لأنه وفی بما أمر به، وصبر على ما
ابتلي به))(١).
٢. الملة الخالدة.
شرع لنا رسولنا صلى الله عليه وسلم
ذكرًا نقوله في الصباح والمساء، نقر فيه
باتباعنا لما أمرنا الله به في كتابه، فنحن
نقول: (أصبحنا على فطرة الإسلام، وعلى
كلمة الإخلاص، وعلى دين نبينا محمدٍ
صلى الله عليه وسلم، وعلى ملة أبينا إبراهيم
حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين)(٢)
باب النهي عن بناء المساجد على القبور،
٣٧٧/١، رقم ٥٣٢.
(١) تيسير الكريم الرحمن، ص٢٠٦.
(٢) أخرجه أحمد في المسند، ٢٤/ ٧٧.
وصححه شعيب الأرناؤوط.
وذلك أنه باتباع ملته ينال شرف الانتساب
إليه، وخاب وخسر من دنس دينه بالشرك،
أو التحريف والتضلیل والتزییف، فلا یمکن
أن يكون من أتباعه، فملته هي الملة المائلة
عن طريق الشرك، المستقيمة على طريق
التوحيد، الحنيفية السمحة، أحب الأديان
إلى الله، التي التزمت ما جاءها من عند
مولاها.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أحب
الدين إلى الله الحنيفية السمحة)(٣).
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ أَوْلى
النَّاسِ بِإَِّهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَإِىُّالْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨].
آمنوا بكل ما جاءهم من عند الله، متبعين
لا مبتدعين، يتأولون القرآن والسنة بأفعالهم
لا بأهوائهم، وذلك بتطبيقه في حياتهم واقعًا
عمليًا.
٣. جعل النار عليه بردًا وسلامًا عليه
الصلاة والسلام.
إن عداوة المبطلين والمعاندين لأهل
الحق سنة ماضية، وطريقة متبعة، ضاربة
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان،
باب الدين يسر، ١/ ١٦.
مُوسُوبَةُ التَّقِ
القرآن الكريم
١٦٦
إبراهيم عليه السلام
بجذورها في أعماق التاريخ، منذ أن أرسل
الله الرسل عليهم السلام لأهل الشرك في
الأرض، فحين يعجز أهل الباطل عن الدفاع
عن باطلهم، ولا يقبلون الاستسلام والانقياد
للحق.
ويسعون في إظهار باطلهم في صورة
يخدعون بها أهل الحق؛ ليوهموهم أن
الباطل حق، والحق باطل، بزخرفة القول،
والإغراءات المادية، وأساليب الترغيب
والترهيب؛ فإنهم يلجؤون إلى الأساليب
القمعية في أشنع صورها، ولا يدخرون
عذابًا إلا واستعملوه في التنکیل بمخالفيهم.
وقد كان إبراهيم عليه السلام ممن بلغت
عداوة قومه له مداها، والرغبة في الانتقام
منه منتهاها، حين حطم آلهة قومه الجوفاء
من كل مضمون للألوهية باطنًا، والعارية
من كل موجب للربوبية ظاهرًا، فدعاهم،
واستهداهم، وخاطبهم بكل ألوان الخطاب
المقنعة، وأقام عليهم الحجج الدامغة،
ولكنهم زين لهم سوء عملهم؛ فافتعل تلك
المشكلة المثقلة، التي أوقفتهم حائرين
ضالين، أعماهم حبهم لآلهتهم عن اكتشاف
انتفاء قدرتها، وامتهان قدرها؛ فهالهم
قهرها؛ فطارت لذلك عقولهم، وانخلعت
له قلوبهم؛ فعموا وصموا، وتساءلوا عمن
قام بهذه الفعلة النكراء، فتذكروا ما كان
من إبراهيم عليه السلام من التوعد والوعيد
لها؛ فانقلبت لديهم الموازين، وجعلوا
التعدي على آلهتهم فعلًا لا يفعله إلا أعظم
الظالمين، فجعلوا شركهم عدلًا، وتوحيد
إبراهيم عليه السلام ظلمًا.
فقرروا الانتقام؛ فاستنفروا كل قوتهم،
وجمعوا جماعتهم؛ ليوقعوا عليه نقمتهم؛
فقابلهم الله تبارك وتعالى بأن عطل ناموسًا
من نوامیس الكون وقوانينه، ردًا على قلب
الموازين الذي فعلوه؛ فجعل النار التي
من سنتها أن يكون أثرها إتلافًا وإحراقًا،
أن تصير نعيمًا وسلامًا وإشراقًا، فقد كانت
هذه الحادثة صفحة مشرقة من صفحات
التاريخ، نتلو خبرها في كتاب الله عز وجل
إلى قيام الساعة، وذلك حين نصر الله عز
وجل نبيه ووليه إبراهيم عليه السلام، على
أعدائه الطغام.
وخبر هذه الحادثة جاء في قوله جل
جلاله: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِيَزْهِيَمَ رُشِّدَهُ، مِن قَبْلُ
وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيِهِ وَقَّوِْ، مَا
هَذِهِ التَّمَاثِلُ الَّتِيِّ أَنْتُمْ لَهَا عَنكِفُونَ
قَالُواْ
٥٢
وَجَدْنَاَ ءَابَاءَ نَا لَمَا عَيِدِينَ ) قَالَ لَقَدْ كُمْ
أَنْتُمْ وَمَابَآ ؤُكُمْ فِي ضَّلَلِ مُّبِينٍ ﴾ قَالُواْ
أَجِثْتَنَا بِذْقِ أَمْ أَنْتَ مِنَ الَِّعِينَ ﴾ قَالَ بَلَ رَّبِّكُمْ
رَبُّ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَأَنَاْ عَلَى
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ
ذَلِكٌ مِنَ الشَّهِدِينِ ٥
أَصْنَمَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ ﴿ فَجَعَلَهُمْ
جُذَاذَا إِلَّا كَبِيرًا لَّهْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ
www. modoee.com
١٦٧
حرف الألف
قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِثَالِهَتِنَآ إِنَّهُ، لَيْنَ
اٌلَّالِمِينَ * قَالُواْ سَمِعْنَا فَتَى يَذْكُرُ هُمْ يُقَالُ لَهُمر
إِبْرَهِيمُ ، قَالُواْ فَأَتُواْ بِهِ، عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ
٨٥٠٠
الله عز وجل، ورد كيدهم في نحرهم،
ورفع مكانة إبراهيم عليه السلام، وحط
قدرهم، ونجاه من کیدهم، هو ومن آمن به،
وأبدلهم أرضًا خيرًا من أرضهم، ونزلًا خيرًا
قَالُّوْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا
يشهدون
◌َإِبْرَهِيمُ (٣) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُهُمْ هَذَا
فَسْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ آ فَرَجَعُواْ
من نزلهم، ومكانة ورفعة خيرًا من نسبهم؛
فجعل منهم الأنبياء صلوات وسلام عليهم
من ربهم.
٦٤
إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ
٤. إجابة دعواته:
ثُمَّ تَكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِّمْتَ مَا هَنُؤُلَاءِ
إبراهيم عليه السلام مستجاب الدعوة
وسوف نذكر نموذجًا واحدًا منه.
يَنطِقُونَ ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُّدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُّكُمْ
﴿﴿ أَفِ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا
تَعْقِلُونَ ) قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ إِن
كُنُ فَعِلِينَ (٨ قُلْنَا يَنَارُكُونِي بَرَّدًّا وَسَلَمَا
عَلَىَ إِزَهِيمَ * وَرَدُواْ بِهِ، كَيْدًا فَجَعَلْنَهُمُ
وَجَّيْنَهُ وَلُوطًا إِلَى اْأَرْضِ
الْأَخْسَرِنَ )
اَلَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١-
٧١].
فقد جاءوه یرعدون ویزبدون، ويهددون
ویتوعدون؛ فقابلهم بكل ثبات، وسخر
منهم في موطن لا يسخر فيه من عدوه إلا
العظماء، وذلك أنهم سألوه لا على سبيل
الاستجواب، وإنما من باب إثارة الذعر
والإرهاب؛ فقابلهم بثبات الواثق من نصر
الله سبحانه وتعالى له عليهم، وأحال التهمة
لكبير آلهتهم، ودعاهم -استهزاءً بهم-
لسؤال صنمهم؛ علهم يجدون عنده ما يهدأ
به روعهم، ويذهب بعلمه غيظهم؛ فأخزاهم
يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ
إِبْرَهِيْمُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ ءَامِنًا وَأَجْتُبْنِى
وَيَنِىَ أَنْ تَّعْبُدَ اْأَصْنَامَ ا رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُ، مِنِى وَمَنْ عَصَانِ
فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ٦ زَبَّنَا إِنَّ أَسْكَنتُ مِن
ذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَّم
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ
النَّاسِ تَهْوِىٌّ إِلَيْهِمْ وَأَرْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَتِ
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴿ رَبَّنَآَ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا تُخْفِى
وَمَا نَعْلِنٌ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللّهِ مِن شَىءٍ فِي الأَرْضِ
وَلَا فِي السَّمَكِ نَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِ
عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَّ إِنَّ رَبِ لَسَمِيعُ
الدُّعَدِّ ٦ رَبِّ أَجْعَلْنِ مُقِيمَ الصَّلَوَةِ وَمِن
ذُرِّيَّقِيَّ رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ ٥ رَبََّا أَغْفِرْ
لِ وَلَوَ لِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾
[إبراهيم: ٣٥ - ٤١].
ففي هذا المقطع من سورة إبراهيم يتبين
١٦٨
مُؤَسُولَة النفسية
جوسى
القرآن الكريم
إبراهيم عليه السلام
من دعائه عليه السلام أهم ما يجب أن الموحدون، إلا أن الله سبحانه وتعالى أعطى
إبراهيم ما سأله إياه لمؤمنهم وكافرهم؛ لأنه
یحرص المسلم على سلامته مع توفیقه فیه،
أولًا وآخرًا، ولنستعرض ما جاء من ذلك في
دعائه عليه السلام:
أرحم بخلقه من إبراهيم- ولیس أحد أوفى
بعهده منه سبحانه وتعالى، فقد تكفل لهم
بالأرزاق، فجاء قوله جل جلاله في تمام
* الأمن في الأوطان.
الآية: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَّتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ: إِلَى
عَذَابٍ النَّارِ وَبِئْسَ اَلْمَصِيرُ﴾.
وما كان إبراهيم عليه السلام وهو إمام
الحنفاء؛ ليسأل ربه هذا السؤال مقدمًا حب
الوطن علی توحید الله، فما سأله إلا وهو
مؤمن بربه موحد له، فهو یعلم أنه لا أمن بلا
إيمان، وهو صاحب المقولة التى جاءت عنه
في کتاب الله.
قال الله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ
أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم ◌ِاللَّهِ مَا
لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَىُّ الْفَرِيقَيْنِ
أَحَقُّ ◌ِلْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١) الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَنَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم
مُهْتَدُونَ ) وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمُ
عَلَى قَوْمِيَّ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ
عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ٨١-٨٣].
فهو قد سأل الله هذا الدعاء بمقتضى
إيمانه بالله، والقيام بما افترضه عليه.
الثبات على التوحيد الذي هو سبب كل
خير.
ونعمة الإسلام هي النعمة العظمى
التي تصبح بها كل هبة نعمة، وبدونها كل
عطية نقمة، وإبراهيم عليه السلام يعلم أنه
لا معصوم من الضلال إلا من عصمه الله،
فعلی رفعة قدره، وعلو منزلته عند الله، إلا
أنه لم يأمن على نفسه من الشرك، وهذا أمر
لا بد وأن يتنبه له کل مسلم، وعلیه کان دعاء
إبراهيم عليه السلام ووصيته هو ويعقوب
عليهما السلام لبنيهما عند الموت.
قال تعالى: ﴿وَوَصَّى بِهَآ إِنَّهِمُ بَنِيهِ
وَيَعْقُوبُ يَنَبَنِّيَّ إِنَّ اللَّهَ أَصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ () أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَآءَ
إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا
تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ
ءَابَآيَكَ إِبْرَاهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَاحِدًا
وَغَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢ -١٣٣].
وقد ورد ذكر دعاء له في سورة البقرة
یوضح فیه إبراهيم عليه السلام ذلك، يقول
الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِعُ رَبِّ أَجْعَلْ هَذَا
بَلَدًاَ ءَامِنًا وَأَرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَتِ مَنْ ءَامَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ
فالتوحيد هو أمان الأمة، وحصن الناس
وَأَلْيَوْمِ الْآَخِ﴾ [البقرة: ١٢٦]؛ ليظهر ما تقرر
في نفسه أن الذي يستحق هذا الأمن إنما هم أفرادًا وجماعات من عقاب الله تبارك
www. modoee.com
١٦٩
حرف الألف
وتعالى، عن معاذ بن جبل قال: قال النبي
صلی الله عليه وسلم: (يا معاذ أتدري ما
حق الله على العباد؟)، قال: الله ورسوله
أعلم، قال: (أن یعبدوه ولا یشر کوا به شيئًا،
أتدري ما حقهم علیه؟)، قال: الله ورسوله
أعلم، قال: (أن لا يعذبهم) (١).
وما يجب أن يحرص عليه المسلمون
هو النجاة من عقاب الله في الدنيا والآخرة،
وذلك بألا يلبسوا إيمانهم بظلم الشرك، أو
أن يقدموا محبة أي شيء -مهما كان- على
محبة الله، بل يلزمهم توحيده؛ ليتحقق لهم
الأمن، والذي يعد المطلب الأساس والأهم
لجميع المخلوقات، فكلها تسعى لتحقيقه،
ولم ولن يتسنى لها ذلك إلا بالاستجابة
إلى أمر الله، والسير بمقتضى النواميس
التي وضعها الله لها، وهذا أمر قد أدركته
الجمادات، ولم يدركه أكثر الناس الذين
وهبهم الله العقل، لكنهم عطلوه وأهملوه.
يقول تبارك وتعالى: ﴿ثُمَّأُسْتَوَى إِلَى السَّمَآءِ
وَهِىَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ أَثْنِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا
قَالَتَآ أَنْنَا طَآَيِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
* أن يجمعه مع أتباعه، ويغفر لمن عصاه.
يعلم إبراهيم أن رحمة الله لا حد لها،
وأن عفوه عظيم، وعلى ذلك سأل ربه أن
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد،
باب ما جاء في دعاء النبي صلى الله عليه
وسلم أمته إلى توحيد الله، ١١٤/٩، رقم
٧٣٧٣.
يرفع من درجة أتباعه؛ ليجمعهم به، وأن
يغفر لمن عصاه ويهديه، وذلك أن الله أخبره
أنه سيرزقهم في الدنيا؛ فطمع أن يشملهم
برحمته في الآخرة، فقال عليه السلام:
﴿فَمَنْ تَّبِعَنِى فَإِنَّهُ، مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ
زَّحِيمٌ﴾.
ولكن الله أرحم بعباده من إبراهيم عليه
السلام فهو لا يعذب إلا من تمرد عليه(٢)؛
فاستجاب الله جل جلاله له بقوله: ﴿إِنَ
أَوْلَى النَّاسِ بِإِزَهِيمَ لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ
وَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللّهُ وَلِىُّالْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:
٦٨].
الدعاء للذرية.
بعد أن استجاب إبراهيم عليه السلام
لأمر ربه، وذهب بهاجر وإسماعيل عليهما
السلام إلى بلاد الحجاز، وهي غير مأهولة،
وما كان ذلك إلا لأنه علم أن الله سبحانه
وتعالى قد قدر لهم أن يحيوا هذا المكان
الذي هو أشرف بقعة على وجه الأرض؛
فلم يرض عليه السلام أن تكون مهجورة،
خالية من طاعة الله، وجعل هذا هو علة
مجيئه بهم؛ فأشفق عليهم من الوحشة التي
سيعانون منها، فغريزة الإنسان أن يعيش
اجتماعيًا، غير معزول.
فقال كما أخبر المولى جل وعلا عنه:
(٢) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٤٢٦.
١٧٠
مَوْسُو ◌َرُ النَّقِّ
القرآن الكريم
إبراهيم عليه السلام
﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكُنتُ مِنذُرِّيَّقِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْع
عِندَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلَوَةَ فَأَجْعَلْ
أَفْعِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِىٌ إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ
الثَّمَرَتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
فالحال التي هم عليها في هذا المكان
تستدعي الصبر، فهم مفارقون لراعيهم،
وليس عندهم طعام ولا شراب ولا أنيس،
فأراد من الله أن يجمع لهم بين عبادتي
الشكر والصبر، وهو بذلك يحيل الأمر إلى
عالمه، ويفوض الأمر إلى صاحبه، غير
مفتئت على الله، مظهرًا لله إيمانه العميق
بأن الله يعلم ما يدعوه فيه.
فيقول فيما يحكيه القرآن عنه: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ
تَعْلَمُ مَا غُخْفِى وَمَا نَعْلِنٌّ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَىْءٍ
فِ الْأَرْضِ وَلَا فِ السَّمَاءِ ﴾ [إبراهيم: ٣٨].
فهو يعلم حال أهل إبراهيم عليهم السلام
حیث هم، ثم يقر معلنًا إثبات الحمد لربه
على نعمه التي أسبغها علیه، ومن جملتها ما
رزقه به من الذرية، ﴿اَلْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى وَهَبَ
◌ِ عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِنَّ رَبِى لَسَمِيعُ
الدَّعَاء
[إبراهيم: ٣٩].
اعترافًا بالفضل لربه، واستزادة من الكرم
بحمده، وثناءً على الله بلطفه به، إذ إنه سمع
دعاءه فأجاب.
وهي إجابة باقية إلى يومنا هذا، فإنك
تجد کل مسلم، وهو يهوي قلبه إلی ذلك
المكان، معمور بحب آل إبراهيم، وآل
محمد عليهم الصلاة والسلام.
الدعاء بالتثبيت على العبادة، له ولذريته.
فضل الصلاة عظيم، وشأنها خطير،
وهذا ما ظهر من دعاء إبراهيم ربه بأن يثبته
وذريته عليها ﴿رَبِّ أَجْعَلِ مُقِيمَ الصَّلَوَةِ
وَمِن ذُرِّيَّقِ﴾ [إبراهيم: ٤١].
وكذلك الدعاء الذي هو أقوى ما يتسلح
به الإنسان، إن كان أهلًا لأن يجيب الله
دعوته؛ لذلك جاء في دعائه في ختام الآية:
﴿رَبَنَا وَتَقبَّلْ دُعَاءِ﴾ وليس هنالك ما
هو أجدر بأن يحرص عليه المسلم من ثباته
وذريته علی دین الله جل وعلا.
# الدعاء بالمغفرة له ولوالديه.
ولا يزال على أمل وطمع فيما فيه كل
الرجاء، ألا وهو رحمة الله تبارك وتعالى؛
فيدعو معولًا على ذلك بالمغفرة له
ولوالدیه، فلم ییأس من ذلك ما دام الله لم
يعلمه بالمنع منه، فبقي علی رجائه فيه، إلى
أن ثبت له أن والديه من المبعدين عن رحمة
الله تعالى وتقدس، وعلى ذلك جاء قوله:
﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِىِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ
الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: ٤١].
٥. ثناء الناس عليه:
أوجب الله سبحانه وتعالى على
المسلمین عامة أن یذکروا نبیه إبراهيم وآل
بيته، عليهم الصلاة والسلام، في كل صلاة
بما أكرمهم الله سبحانه وتعالى به من
www. modoee.com
١٧١
حرف الألف
الصلاة عليهم والتسليم والتبريك(١).
کما جاء عن أبي سعيد الخدري، قال:
قلنا: يا رسول الله، هذا السلام عليك، فكيف
نصلي؟ قال: (قولوا: اللهم صل على محمدٍ
عبدك ورسولك، کما صليت على إبراهيم،
وبارك على محمدٍ، وعلى آل محمد، كما
باركت على إبراهيم وآل إبراهيم) (٢).
كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإَِّهِيمَ
لَلَّذِينَ أَتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَهُ وَلِيُّ
الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٥ - ٦٨].
وما كان ذلك إلا فضلًا من الله عليه؛
وذلك لما قام به من أمر الله، في ذلك البلاء
العظيم الذي سيأتي الحديث عنه لاحقًا بإذن
الله تعالى.
وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى:
سَلَمَّ عَ
عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ
وَتَرَكْنَا
(١٠٨)
إِزَهِيمَ﴾ [الصافات: ١٠٨ - ١٠٩].
وهو يثني عليه عند ورود ذكره في
القرآن، والأمم التي جاءت بعده تشهد
بفضله وتعترف بنبوته، وتنتسب إليه، حتى
أنزل الله أن هذا شرف لا يناله إلا من اتبعه
عليه السلام، ردًا على اليهود والنصارى
الذين زعموا أنه على دينهم بقوله: ﴿يَكَأَهْلَ
اَلْكِتَبِ لِمَ تُحَاجُونَ فِ إِبْرَهِيمَ وَمَآ
أُنْزِلَتِ التَّوْرَكَةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِوَةٌ أَفَلَا
تَعْقِلُونَ ﴿ مَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَجَجْتُمْ فِيمَا
لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ
وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ { مَا كَانَ إِنَّهِيمُ
يَهُدِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا
(١) انظر: الأم، الشافعي، ١١٧/١، المجموع،
النووي، ٤٦٥/٣، المغني، ابن قدامة
المقدسي، ٥٤١/١.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
تفسير القرآن، باب قوله: (إن تبدوا شيئًا أو
تخفوه)، ٦/ ١٢٠ ،رقم ٤٧٩٧.
مَؤُهُوَالَرُ الْتَسِيرِ الموضو
القرآن الكريم
١٧٢
إبراهيم عليه السلام
صفاته وأخلاقه عليه السلام
أولًا: صفاته وأخلاقه مع الله:
عند الحديث عن الصفات التي يتخلق بها
الناس، والأخلاق التي يتحلون بها، تنصرف
الأذهان إلى الصفات والأخلاق الكائنة بين
الإنسان وبين الناس، ويغفلون عن صفات
العبد وأخلاقه مع ربه وخالقه، والأصل في
الإنسان أن ينظر إلى حسن خلقه مع الله جل
جلاله أولا وقبل كل شيء؛ لأن من حسن
خلقه مع الله، قطعًا سیکون حسن الخلق مع
عباد الله، أما من لم يكن حسن الخلق مع
الله؛ فالغالب عليه أن يكون سيء الخلق مع
مخلوقات الله.
إذ إن الإنسان بطبعه ظلوم جهول،
يميل إلى الطغيان بسبب ظلمه، ولا يعرف
حدوده وحقوقه بسبب جهله، وهو إن لم
يكن منضبطًا بضوابط الإيمان، ولم يظهر
منه الظلم، وتعدي الحدود والاعتداء على
الحقوق؛ فذلك غالبًا ما يكون لعجزه،
وفي المجمل، فمن كان متصفًا بالفسق، أو
الكفر، أو واقعًا في أعظم الظلم؛ فإنه - وإن
تحلى بكل مكارم الأخلاق فيما بينه وبين
الناس- يبقى سيء الخلق.
وأما عن سیدنا خلیل الله علیه السلام،
فقد جمع بين حميد الصفات، وكريم
الأخلاق مع الله جل وعلا، وجميل
الصفات، ونبیل الأخلاق مع عباد الله، وقد
ذکر الله من حمید صفاته، و کریم أخلاقه مع
ربه في القرآن ما يلي:
١. الاستسلام والانقياد لأمر الله.
وقد ظهرت هذه الصفة منه في مواقف
کثیرة نذكر منها:
* إخلاص العبادة لله، والخضوع له
بالطاعة.
يقول تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَسْلِمّ قَالَ
أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١](١).
* إعلان براءته من أبيه وقومه والآلهة التي
کانوا یعبدون من دون الله.
وقد كان إعلان البراءة من الآلهة أولًا
حين قال الله عنه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَهِيُمْ لِأَبِهِ
وَقَوْمِهِ: إِنَّنِى بَرَآءُ مِمَّا تَعْبُدُونَ ) إِلَّا الَّذِى
فَطَرَبِ فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) وَجَعَلَهَا كَلِمَةٌ بَاقِيَّةً فِىِ
عَقِهِ لَعَلَّهُمْ بَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٢٦ -٢٨].
وحين علم أنهم لن يكون منهم الإيمان
بالله؛ تبرأ منهم جميعًا، كما جاء في قول
الله تعالى عنه: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَةٌ
فِي إِتَرِهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَوَّأَ
مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا
وَبَيْنَكُمُ الْعَدَوَةُ وَالْبَغْضَآءُ أَبْدًا حَتَّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ
[الممتحنة: ٤]؛ لذلك جعل الله
وحد( ﴾
منه أسوة حسنة للمسلمين(٢).
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ٩٢/٣.
(٢) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
١٧٣
حرف الألف
إسکانه زوجه وولده في مکة، ولم یکن
فيها زرع، ولم يكن فيها سبب الزرع
وهو الماء، وما ينتج عن وجود الزرع،
وهو وجود الإنسان.
ويخبرنا الله عن شأن هذا الموقف،
وأنه كان استجابة من إبراهيم عليه السلام
لأمر الله في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّ أَسْكُنتُ مِن
ذُرِّيَّتِ بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٌ عِنْدَ بَيْئِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا
لِيُقِيمُوا الصَّلَوَةَ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
إقدامه على ذبح ولده البکر إسماعيل
عليهما السلام.
وجاء خبر هذه الحادثة في سورة
الصافات: ﴿فَبَشَّرْنَهُ بِعُلَمٍ حَلِيمٍ () فَلَمَّا
بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ يَبْنَىَّ إِنْ أَرَى فِى الْمَنَامِآَنِّ
أَذْبَتُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ
سَتَجِدُنِّ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا
(١٠٤) قَدْ
وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ ) وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَكَإِبَهِيمُ
صَدَّقْتَ الرُِّيَةَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ
١٠٥
وَقَدَيْنَهُ بِذِبِجِ
١٠٦
إِنَّ هَذَا لَهُوَ أَلْبَوَأْ الْمُبِينُ (
عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٧](١).
٢. أواه.
وقد وصفه الله بهذه الصفة في قوله:
﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
والأواه هو كثير التأوه؛ لكمال رأفته
وشفقته ورحمته بنفسه وبغيره (٢)
(١) انظر: محاسن التأويل، القاسمي ٨/ ٢١٨.
(٢) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود ٤/
٣. منيب.
وهذا الوصف جاء فى قول الله تعالى:
﴿إِنَّ إِبَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهُ سُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥].
والمنيب هو ((الرجاع إلى الله بمعرفته
ومحبته، والإقبال عليه، والإعراض عمن
سواه» (٣).
٤. قانت.
ذكر الله تعالى من صفات إبراهيم
(القنوت) قال تعالى: ﴿إِنَّ إِزَهِيمَ كَانَ
أُمَّةً قَانِتًا لِلَِّ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[النحل: ١٢٠].
والقنوت: هو طول القيام في الصلاة،
ولیس هذا عندهم، بل هو في دين الإسلام
الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿حَفِظُواْ
عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلَّهِ
قَنِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].
وجاء عن جابرٍ، قال: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (أفضل الصلاة طول
القنوت) (٤).
وما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام يؤكد
أن هذا الدین الذي جاء به هو عین الدین
الذي كان عليه إبراهيم عليه السلام.
١٠٨.
(٣) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص٣٨٦.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب صلاة
المسافرين وقصرها، باب أفضل الصلاة طول
القنوت، ٥٢٠/١، رقم ٥٢٠.
١٧٤
مَوَسُوبَةُ النَّسَيَّة
القرآن الكريم
إبراهيم عليه السلام
سئلت عائشة رضي الله عنها، کیف
كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه
وسلم في رمضان؟ فقالت: (ما كان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان
ولا في غيره على إحدى عشرة ركعةً يصلي
أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن،
ثم
يصلي أربعًا، فلا تسل عن حسنهن وطولهن،
ثم يصلي ثلاثًا)(١).
٥. حنيف.
جاءت في سياق الرد على أهل الكتابين،
يقول تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلّهِ
حَنِيفًا وَلَوْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠].
والحنيف: ((هو المستقيم من كل
شيء»(٢)، وهو المخلص دينه لله وحده،
والحنيفية هي ملة الإسلام(٣).
٦. شاكر.
وهذه الصفة أيضًا من جملة ما جاء في
سورة النحل، يقول تعالى: ﴿شَاكِرًا
لِأَنْعُمِةِ اجْتَبَهُ وَهَدَنَهُ إِلَى صِرَطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
[النحل: ١٢١].
والشاكر هو المعترف بفضل الله
تعالى وإنعامه عليه، والقائم بما أنيط بهذا
الإنعام من واجبات، وأدى ما عليه فيها من
(١) أخرجه البخاري في صحيحه،كتاب التهجد،
باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل،
٢/ ٥٣، رقم ١١٤٧.
(٢) جامع البيان، الطبري، ٣/ ١٠٤.
(٣) انظر: المصدر السابق، ٣/ ١٠٧.
حقوق (٤).
٧. صدیق.
ومن الصفات التي وصف بها إبراهيم
عليه السلام (الصديقية).
قال الله عز وجل: ﴿وَأَذَكُرْ فِ الْكِنَبِ
إِبْرَهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبًّا﴾ [مريم: ٤١].
وروى أحمد بسنده عن أم كلثوم بنت
عقبة، قالت: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: (لا أعده كاذبًا، الرجل يصلح بين
الناس، يقول: القول ولا يريد به إلا الإصلاح،
والرجل يقول: في الحرب، والرجل يحدث
امرأته، والمرأة تحدث زوجها)(٥).
والحق أن ذلك لم يكن إلا في مقامٍ
الكذب فيه أبلغ في تحصيل الخير من
الصدق، وأقوى في دمغ الباطل بالحق، وهو
مع ذلك لم یکن قوله کذبًا من کل وجه.
وقد بَيَنَ النبي صلى الله عليه وسلم
المواطن التي كذب فيها إبراهيم عليه
السلام، فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله
عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(لم يكذب إبراهيم النبي عليه السلام قط
إلا ثلاث كذباتٍ، ثنتين في ذات الله، قوله:
(٤) انظر: التفسير الوسيط، الطنطاوي، ٢٥٨/٨.
(٥) أخرجه أحمد في مسنده، ٤٥/ ٢٤٥، وأبو
داود في سننه، كتاب الأدب، باب في إصلاح
ذات البين، ٤ /٢٨١، رقم ٤٩٢١.
وصححه الألباني في صحيح الجامع،
١٢٠٤/٢.
www. modoee.com
١٧٥
حرف الألف
إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، لِلَِّ حَنِيفًا وَلَ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠].
أي: إمامًا جامعًا لخصال الخير، هادیًا
مهتدیًا(٣).
وواحدةٌ في شأن سارة، فإنه قدم أرض جبارٍ
ومعه سارة، و کانت أحسن الناس، فقال لها:
إن هذا الجبار، إن يعلم أنك امرأتي يغلبني
عليك، فإن سألك فأخبریه أنك أختي، فإنك
أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض
مسلمًا غيري وغيرك)(١).
وتفصيل هذا له مساحة واسعة في كتب
التفسير (٢).
٨. وفيٌّ.
وهي صفة كان إبراهيم أهلًا لها؛ حيث
بلغ في طاعته لربه، وتبليغ رسالته، رتبة
الكمال، وما قام به من ذبح ابنه الذي نجاه
ربه، وجاء نعته بهذه الصفة في قوله تعالى:
﴿وَإِبْزَهِيمَ اَلَّذِى وَلَ﴾ [النجم: ٣٧].
وهذا الوفاء هو الوفاء بعهده مع الله جل
جلاله، من الإيمان والطاعة.
٩ . أمة.
وصف القرآن الكريم براهيم بأنه كان
إمامًا في الخير.
قال تعالى: ﴿إِنَّ إِنْزَهِيمَ كَانَ أُمَّةُّ قَانِتًا
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
(١)
أحاديث الأنبياء، باب قول الله تعالى: (واتخذ
الله إبراهيم خليلاً)، ١٤١/٤، رقم ٣٣٥٧.
(٢)
انظر: جامع البيان، الطبري ٦٣/٢١،
الوجيز، الواحدي ص ٩١٢، مفاتيح الغيب،
الرازي ٢٦/ ٣٤٢، تفسير القرآن العظيم، ابن
کثیر ٧/ ٢٤.
واللفظ يحتمل أنه يعدل أمة كاملة بما
فیها من خير وطاعة وبر كة. ويحتمل أنه كان
إمامًا يقتدى به في الخير (٤).
ثانيًا: صفاته وأخلاقه في نفسه ومع
الناس:
لقد اتصف نبي الله وخليله إبراهيم عليه
السلام بصفات وأخلاقیات كثيرة، وذلك مع
نفسه، ومع الناس من حوله، ما أهله ليجعل
الله سبحانه وتعالى منه أسوة لهم يقتدون
به، ويسيرون على ما سار عليه من صفات
وأخلاق، وسنشير إلى ذلك في النقاط
التالية:
١. الإمامة.
وصفه الله بذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِ
أَبْتَلَ إِرَهِعَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِ جَاعِلُكَ
لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى
الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ١٢٤].
والإمامة هي إمامة الدين، وجعلها الله
عز وجل له في زمانه ولمن بعده من الناس،
ولم يكن ربنا سبحانه وتعالى قد جعلها
لأحد قبله من الأنبياء، ومازال متبوعًا إلى
(٣) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي ص
٤٥١.
(٤) انظر: في ظلال القرآن ٤/ ٢٢٠١.
مُؤَنُوالَةُ الْبَشِيَّة
القُرآن الكَرِيْمِ
١٧٦
إبراهيم عليه السلام
يومنا هذا بعبادة الحج ومناسكه.
٢. الحكمة.
لما حسد اليهود رسولنا محمدًا صلى
الله عليه وسلم؛ فضحهم الله سبحانه
وتعالى، وأخزاهم بأن جعل الذي جاء به
النبي صلى الله عليه وسلم من جنس ما آتاه
الله إبراهيم من الكتاب المنزل، وما أوحى
إليه من الحكمة الملهمة.
يقول تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى
مَآ ءَاتَنُهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، فَقَدْ ءَاتَيْنَآ ءَالَ إِنْزَهِيَمَ
اَلْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَءَاتَيْنَهُم مُلْكَا عَظِيمًا﴾
[النساء: ٥٤].
فھو یثبت الحكمة لنبيه إبراهيم عليه
السلام، وأن مثلها قد أوتي محمد صلی الله
عليه وسلم.
والحكمة: هي فعل الشيء الأحسن،
على الوجه الأقوم، في الوقت الأنسب.
٣. الحلم.
وتظهر هذه الصفة في إبراهيم من خلال
دوامه على الاستغفار لوالده مع إعلان والده
العداوة له، فإن عداوة والده له لم تمنعه من
الاستغفار له، ورجاء الهداية له، لكن عندما
أعلمه الله أن أباه لن يؤمن، وأنه عدوٌ لله؛
تبرأ منه، ووالی من هو أولى بالولاية، وهو
الله سبحانه وتعالى.
يقول الله تبارك وتعالى في ذلك: ﴿ وَمَا
كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَهِيمَ لِأَبِهِ إِلَّا عَنْ
مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَبَيِّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ
تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤].
وكذلك حينما جادل عن قوم لوط رغبة
في تأخير العذاب عنهم أيضًا وصفه الله جل
جلاله بهذه الصفة.
يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِنْزَهِيمَ
الرَّوْعُ وَجَءَتْهُ الْبُشْرَى يُحَدِّلْنَا فِ قَوْمِ لُوطٍ
إِنَّ إِبْزَهِيَمَ لَحَلِيمٌ أَوَّهُ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٤ - ٧٥].
٤. بر الوالدين.
حیث إن أبر البر بالوالدين أن يكون الولد
سببًا في دخولهما الجنة، وهذا ما حرص
علیه إبراهيم عليه السلام؛ حیث لاقی ما
لاقاه من أذی والده، وعداوته له ولربه، إلا
أنه کان یستغفر له ولأمه.
يقول تعالى حكاية عنه أنه كان يقول في
دعائه: ﴿رَبَّنَا أَغْفِرْ لِ وَلَوَلِدَنَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: ٤١].
٥. الرشد.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِّزْهِيَمَ رُشْدَهُ مِن
قَبْلُ وَكُنَّابِهِ، عَلِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥١].
يخبر تعالى عن خليله إبراهيم عليه
السلام أنه آتاه رشده من قبل، أي: من صغره
ألهمه الحق والحجة على قومه.
كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَهَا
www. modoee.com
١٧٧
حرف الألف
إِبْرَهِيمٌ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣](١).
٦. الكرم.
بين الله سبحانه وتعالى اتصاف إبراهيم
عليه السلام بهذه الصفة بما أورده في كتابه
عنه في وصف استقباله للضيف.
قال تعالى: ﴿هَلْ أَنَئِكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَهِيمَ
الْمُكْرَمِينَ ﴿ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلَمَا قَالَ
سَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ { فَرَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَجَآءَ بِعِجْلٍ
سَمِينٍ (٦ فَقَرَّهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾
[الذاريات: ٢٤ -٢٧] (٢).
وقد أظهرت الآية صفة الكرم من خلال
النقاط التالية:
٤ وصف الله ضیفه بأنهم مكرمون، وكان
ذلك بألوان من الإكرام تظهر في أقوال
وأفعال إبراهيم عليه السلام معهم.
استقباله لهم، حين قالوا له ((سلامًا))
بالنصب على الحالية؛ فأجابهم بقوله:
((سلامٌ)) بالرفع على الابتداء؛ فيكون
قولهم جملة فعلية تدل على حدوث
السلام، حال مجيئهم له هذه المرة، أما
قوله فهو جملة اسمية تدل على الثبوت
والاستمرار للسلام في كل وقت.
فعله حين راغ، يظهر منه أنه لم يشعرهم
بعزمه على التأخر، أو صنع الطعام؛
الأمر الذي قد يتحرج بسببه الضيف.
(١) تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٥/ ٣٠٥.
(٢) انظر: الرسالة التبوكية، ابن القيم، ص ٦٣.
الإسراع في إحضار الضيافة؛ لأن الله
عطف المجيء على الروغان بالفاء،
ولم یعطف بحرف آخر من حروف
العطف؛ لأن هذا الحرف يفيد عدم
تراخي المعطوف عن المعطوف عليه،
والذي يعبر عنه بالترتيب والتعقيب،
مما يشعر بأن طعام الضيفان قد أعد
مسبقًا.
كان ما جاءهم به من الطعام عجل
سمین، فلم یکن عجلا ضعيفًا، وكان
يكفيه أن لو جاءهم بكبش أن يكون
کریمًا معهم.
تقريب الطعام إليهم، ما يشعر أنه فعله
بدون تكلف ولا تكليف، وهذا أكمل
إكرامًا من الذي يضع الطعام في مكان،
ثم يطلب من الضيوف أن ينتقلوا إليه.
دعوتهم إلى الأكل بقوله ((ألا))، وهو
حرف يفيد العرض بلطف.
٧. صاحب القلب السليم.
هو وصف لم يوصف به أحد في القرآن
الكريم إلا إبراهيم عليه السلام، وهو في
قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَيْهِ، لَإِبْرَهِيمَ
(٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصافات: ٨٣-
٨٤].
فهو صاحب القلب السليم.
وقد ظهرت سلامة قلب إبراهيم عليه
السلام من خلال عدة مواقف، جمعها الله
١٧٨
الوضوء
القرآن الكريم
إبراهيم عليه السلام
سبحانه وتعالى بعد ذكره لهذه الصفة في
سورة الصافات، نذكر أهمها فيما يلي:
إنكار الشرك بالله.
وبدا ذلك في قول الله جل جلاله : ﴿إِذ
قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَاذَا تَعْبُدُونَ { أَيِفِكًا ءَالِهَةً
دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات: ٨٥-٨٦].
وذلك أن الشرك هو أعظم الظلم، يقول
الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ لِأَبْنِهِ، وَهُوَ
يَعِظُهُ يَبُنَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣](١).
# الدعوة إلى توحيد الله عز وجل.
وقد تمثل ذلك في قول الله عز وجل
على لسان إبراهيم: ﴿فَمَا طَنُّكُم بِرَبِّ الْعَلَمِينَ﴾
[الصافات: ٨٧] فهي دعوة إلى توحيد الله
جل جلاله، ففي سؤاله هذا تذكير بربوبية
الله لجميع المخلوقات، فالعالمين جمع
عالم وهي تعني: كل ما سوى الله سبحانه
وتعالى، وفيه تذكير بأن الله جل جلاله
متصف بكامل الصفات؛ لأن السؤال عن
الظن سؤال عن الاعتقاد حول ما يعتقدونه
من صفات الله عز وجل، وفيه تنبيه على أنه
لا يستحق العبادة إلا الله جل جلاله(٢).
أمره بالمعروف وإنكاره للمنكر،
بالقلب وباللسان وبالید.
(١) انظر: إغاثة اللهفان، ابن القيم، ٨/١، الداء
والدواء، ابن القيم، ص١٢٢.
(٢) انظر: فتح القدير، الشوكاني، ٢٤١/٣، تيسير
الكريم الرحمن، السعدي، ص٢٨٢.
فإنکاره بالقلب ظهر في قول الله سبحانه
وتعالى عنه: ﴿فَقَالَ إِّ سَقِيمٌ﴾ [الصافات:
٨٩].
حيث جاء في تفسيرها أنه يشق عليه
رؤية ما يفعلونه من أعمال الشرك؛ لشدة
إنكاره لها، وهذا أمر لا شك أنه يؤلم كل
مؤمن موحد بالله تبارك وتعالى، وأما إنكاره
باللسان ﴿أَتَعْبُدُونَ مَا نَنْحِتُّونَ ﴾ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦].
حيث بين لقومه سفاهة فعلهم، وكذلك
أنكر باليد ﴿ فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْيًا بِالْيَمِينِ﴾
[الصافات: ٩٣] حين قام بتحطيم الآلهة(٣).
* ثباته على دين الله مهما كانت
التحدیات.
ويظهر ذلك من خلال قول الله عز وجل
عنه: ﴿فَأَقْبَلُواْ إِلَيْهِ يَزِقُّونَ ﴾ قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا
نَنْحِتُونَ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ
قَالُواْ
ابْنُواْ لَهُ بُلْيَنًا فَأَلْقُوهُ فِ اَلْجَحِيمِ ، فَرَادُواْ بِه
كَدً جَعَلْنَهُمُ الْأَسْفَلِينَ ﴾ [الصافات: ٩٤ ٩٨].
حيث جاءوه مسرعين مستنفرين على هيئة
مفزعة مربعة، فما عبئ بثورتهم، ولم يرهبه
هجومهم، واستهزأ بهم، وسخر من آلهتهم
بأسلوب مفحم، کما جاء في موضع آخر من
كتاب الله ﴿قَالَ بَلْ فَعَلَهُ، كَبِيرُ هُمْ هَذَا
(٣) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
١٩٧/٧، تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص٧٠٥، أيسر التفاسير، الجزائري،
١١٨/١.
www. modoee.com
١٧٩
حرف الألف
فَشْشَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَنَطِقُونَ﴾ [الأنبياء: تبرأ منهم.
٦٣].
وكرر إنكاره عليهم بقوله: ﴿ قَالَ أَتَعْبُدُونَ
مَا نَنْحِتُونَ ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾
[الصافات: ٩٥-٩٦](١).
هجرته من البلد التي لا یعبد فیها الله،
وبراءته من أهلٍ لا يعبدون الله.
وذلك حین أعلن عن هجرته، وهذا ما
برز في قول الله جل جلاله: ﴿وَقَالَ إِنِّ ذَاهِبُ
إِلَى رَبِی سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩].
فالموحد لله جل جلاله لا رابطة بينه
وبين أي شيء إلا رابطة ترضي الله عز
وجل، فإن لم يجد في قومه، أو في وطنه،
أو أي أمر من أمور الدنيا ما يعينه على طاعة
ربه، أو وجد فيه ما یصده عن دين الله؛ فهو
یهجره ویترکه، ویبحث له عن مکان آخر
يعبد ربه فيه.
يقول الله تبارك وتعالى في حق أقوام
ضلوا، وعصوا ربهم بسبب استضعافهم في
البلد التي كانوا فيها ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّهُمُ الْمَتِكَةُ
ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ
فِي الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنَّ أَرْضُ اللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ
فِيهَاً فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهََّمٌ وَسَآءَتْ مَصِيًّا﴾
[النساء: ٩٧] (٢).
وإن کان الأهل هم من يصدونه عن دينه؛
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ١٢/ ٤٤٠، روح
المعاني، الألوسي ١٢/ ١١٨.
(٢) انظر: تفسير المراغي، ٧١/٢٣.
يقول تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَّكُمْ أُسْوَةُ حَسَنَّةٌ
فِي إِّهِيمَ وَالّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُواْ لِقَوْمِنَّا بُرَءَ وَّا مِنْكُمْ
وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُتْ وَبَدَا بَيْنَنَاوَبَيْنَكُمُ
الْعَدَوَةُ وَاَلْبَغْضَآءُ أَبْدًا حَتّى تُؤْمِنُواْ بِاللَّهِ وَحْدَهُ:
إِلَّا قَوْلَ إِبَهِيَمَ لِأَبِهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ
مِنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ
الْمَصِيرُ﴾ [الممتحـ
تقديم حب الله على كل حب سواه.
قال تعالى: ﴿فَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
يَبُنَىَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَاءِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
تَرَىَّ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِّ إِن شَآءَ
اللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴾ [الصافات: ١٠٢].
من المسلم به أن ولدًا يولد لرجل بعد
انتظار عشرات السنين، وبعد دعاء الله عز
وجل بأن یرزقه الله إياه، ویکون ولدًا بارًا
بأبيه؛ فلن يكون في الوجود أعز على قلب
أبيه منه، فما بالكم فيمن هذا حاله ويأتيه
الأمر بذبح ولده؟! كيف هي درجة الابتلاء
بمثل هذا الأمر؟!
ومع ذلك استجاب لربه، راضيًا مطمئنًا؛
تضحية بأعز مخلوق، من أجل إرضاء الله،
أين أصحاب المعاصي -مهما بلغت درجة
تعلق قلوبهم بها-، أو شدة حاجتهم إليها،
هل يمكن أن تقارن درجة تضحيتهم بترك
هذه المعاصي، بهذا الابتلاء الذي قال فيه
الله سبحانه وتعالى: ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّوَيَأْ إِنَّا
١٨٠
مَوَسُولَةُ الْتَفسيد
القرآن الكَرِيْمِ