Indexed OCR Text

Pages 21-28

الأبوة
تَرِى بِهِمْ فِ مَوْجِ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوعُّ أَبْنَهُ الصالح - سيما إذا كان نبيًا من أولي العزم،
وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ يَبُنَنَّ أَرْكَبِ مَّعَنَا وَلَا
تَكُنْ مَّعَ الْكَفِرِينَ قَالَ سَشَاوِىّ إِلَى جَبَلٍ
يَعْصِمُنِ مِنَ الْمَآءُ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ
اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَّ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ
الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣].
وردت الآيتان الكريمتان في سياق
الحديث عن عقاب قوم نبي الله نوح صلى
الله عليه وسلم.
فيقول الله تعالى: إن السفينة التي صنعها
نوح صلى الله عليه وسلم كانت تجري
بالمؤمنين، وأهله، إلا امرأته، ومن كلٍ
زوجين، وكانت الأمواج كالجبال الشاهقة،
فنادى نوح صلی الله عليه وسلم ابنه الذي
کان کافرا، وكان هذا الابن في معزل عن دین
أبيه، ولم يركب السفينة، فقال له أبوه عليه
السلام: ﴿يَبُنَّ أَرْكَب ◌َّعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ
آلگفِرِينَ﴾، فتهلك، فرد عليه ابنه، والعجب
والغرور يملآن فؤاده: سأصير وألتجئ إلى
جبل يمنعني من الغرق، فقال له أبوه صلى
الله عليه وسلم: لا عاصم اليوم إلا من
رحمه الله تعالى(١)، وحال بین نبي الله نوح
عليه السلام وابنه فكان هذا الابن الكافر من
.(٢).
المغرقين ١.
ويستفاد من هذه الآية شفقة الأب
(١) انظر: معالم التنزيل، البغوي، ٢/ ٤٥٠.
(٢) انظر: الهداية إلى بلوغ النهاية، مكي بن أبي
طالب، ٣٤٠١/٥.
مثل نوح عليه السلام -، إلا أن الشفقة تكون
في حدود الالتزام بالولاء الشرعي، وعدم
الانحراف عنه؛ فالحرص على دعوة الأبناء،
والوصول بهم إلى السلامة من غضب الله
تعالى، ومن ثم عقابه مطلبٌ إلهي، أمر به
القرآن الكريم في أكثر من آية، لعل أوضحها
هو قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قُواْ أَنْفُسَكُمْ
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالِحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَكَتَكَةُ غِلَاظٌ شِدَارٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
www. modoee.com
٢٣١

حرف الألف
الأبوة والأحكام الشرعية
تعلق بموضوع الأبوة كثير من الأحكام
الشرعية، ومنها: الميراث، والنسب
والمصاهرة، والأكل في بيوت الآباء، وإبداء
النساء لزينتهن، ونفي أبوة التبني.
أولًا: الميراث:
ورد في القرآن الكريم ما يبين نصيب
ميراث الأب، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ
إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَّهُ: أَبَوَاهُ
فَلِأَمِّهِ الثُّلْثُّ فَإِن كَانَ لَهُ: إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُِّ مِنْ
بَعْدٍ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْدَيْنَّ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ
لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُذْنَفْعَاْ فَرِيضَةً مِنَ
اُللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ [النساء: ١١].
فقد بينت الآيات السابقة فرضية
الميراث، وذكر الله تعالى في رأس هذه
الآية بعضًا من أحكامها، ويستمر بيان حكم
الميراث المفصل، فیذکر حکم ميراث الأب
والأم، فإن كل واحدٍ منهما يأخذ السدس،
إن كان للولد الميت ولدٌ، فإن لم يكن للولد
الميت أولاد، وورثه أبواه فإن الأم لها
الثلث، وللأب الباقي، وإن كان للولد الميت
بنت أو أكثر، وزاد بعد الفرض نصيب، فإنه
یکون للأب، إضافة إلى السدس الذي كان
له، ويبقى للأم حينها السدس فقط.
ثم یبین الله تعالى أن هذه القسمة تكون
بعد تنفيذ الوصية الشرعية إن وجدت، والله
تعالی ییین أنه لو رد تقدیر الإرث إلى عقول
البشر، واختيارهم لحصل من الضرر ما لا
يعلمه إلا الله تعالى؛ لنقص العقول، وعدم
معرفتها بما هو اللائق الأحسن، في كل زمان
ومكان، فلا يدرون أي الأولاد أو الوالدين
أنفع لهم، وأقرب لحصول مقاصدهم
الدينية والدنيوية، فهذه فريضة فرضها الله
تعالى على الناس، وقد أحاط بكل شيء،
وأحكم ما شرعه وقدره(١).
وقد ورد في القرآن الكريم ما يدلل
على الوصية للأبوين والأقربين، وذلك
في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَّرَ
أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَّرَكَ خَيْرًّا أَلْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَاَلْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ ◌ّ حَقًّا عَلَى الْمُنَّقِينَ
[البقرة: ١٨٠].
فبعد أن بينت الآية التي سبقتها الحكمة
من القصاص، وهي الحياة لأبناء المجتمع،
وغرس الطمأنينة بعد بيان الرادع للقتل،
تبين هذه الآية الكريمة فرضية الوصية حين
الاحتضار بشيء من المال المتروك للورثة،
لصالح الوالدين والأقربين.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن هذه
الآية نسخت بقوله تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ
وَحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾
(١) انظر: تيسير الكريم الرحمن، السعدي،
ص١٩٦، التفسير المثير، الزحيلي، ٤ / ٢٧٥.
٢٣٢
القرآن الكريم

الأبوة
[النساء: ١١](١).
ثانيًا: النسب والمصاهرة:
ورد في القرآن الكريم ما يبين حكم
النسب في حق الأب، من خلال بيان الحرمة
المترتبة على النسب، وذلك في قوله تعالى:
﴿وَلَا تَكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآ ؤُكُم مِّنَ
النِّسَآءِ إِلَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ، كَانَ فَاحِشَةً
وَمَقْتَّاوَسَآءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢].
حيث إن هذه الآية الكريمة تبين إبطال
عادةٍ عند العرب، حيث كان الرجل منهم
یتزوج امرأة أبیه من بعده، و کان ذلك نكاحًا
جائزًا عند العرب، فحرمه الله تعالی، ونھی
عنه، وتجاوز عما سلف، وبين تعالى أنه
من يفعل بعد ذلك سیکون قد فعل محرمًا،
وحلت عليه البغضاء الشديدة، وقبح ذلك
الفعل طريقًا (٢).
وورد في القرآن الكريم ما يبين حكم
النسب في حق الأم، وذلك في قوله تعالى:
وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُّكُمْ وَبَنَاتُكُمْ
وَأَخَوَتُكُمْ وَعَمَّتُكُمْ وَخَلَتُكُمْ وَبَنَاتٌ
الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَهَنُكُمُ الَّتِىّ
أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَتُكُم مِّنَ الرَّضَعَةِ
وَأُمَهَنتُ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
فحرمت الأم كزوجة، وورد في هذه
(١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
١٩٩/١.
انظر: الوجیز، الواحدي، ص٢٥٨.
(٢)
الآية ما يدلل على حرمة أمهات الرضاعة،
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم في
ابنة عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله
عنها وعن أبيها: (لا تحل لي، يحرم من
الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي
من الرضاعة)(٣).
ثالثًا: الأكل في بيوت الآباء:
ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ
عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا
عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُواْ
مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآيِكُمْ أَوْ بُتِ
أُمَّهَبِّكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَنِكُمْ أَوْ بُيُوتٍ
أَخَوَتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
عَّيِكُمْ أَوْ بُتِ أَخْوَلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ
خَيْكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَدُ
أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَّكُمْ جُنَاعُ
أَنْ تَأْكُلُواْ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَانًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ
بُوْنَا فَسَلِّمُواْ عَى أَنْفُسِكُمْ تِيَّةً مِّنْ عِندِ اَللَّهِ
مُبَرَكَةٌ طَيِّبَةٌ كَذَلِكَ يُبَيُِّّ
اللّهُ لَكُمُ الْآَيَتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾
[النور: ٦١].
ففي هذه الآية الكريمة بيان رخصة أكل
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
الشهادات، باب الشهادة على الأنساب،
والرضاع المستفيض، والموت القديم،
١٧٠/٣، رقم ٢٦٤٥، ومسلم في صحيحه،
كتاب الرضاع، باب تحريم ابنة الأخ من
الرضاعة، ١٠٧١/٢، رقم ١٤٤٧.
www. modoee.com
٢٣٣

حرف الألف
المسلم في بيته، وبيت أبيه، وبيت أمه، وبيت مَلَكَتْ أَيْمَنُهُنَّ أَوِ التَِّعِينَ غَيْرِ أُوْلِى الْإِرْبَةِ
مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الْطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَى
عَوْرَتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِفِنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا
يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَميعًا أَيُّهَ
أَلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
إخوانه، وبيت أخواته، وبيت العم، وبيت
العمة، وبيت الخال، وبيت الخالة، وهذا
الترتيب دليل على أن جواز الأكل يكون
حسب الأقرب فالأقرب، أما الآخذ من
المال الذي يباح للعاجز، فهو من يمتلك
المفاتيح بتمكين من المالك، كالخادم،
أو النائب عن المالك في المال، ومن هو
صدیق، فهو يأخذ نفقته من مال صديقه، وإن
الأخذ في هاتين الحالتين لا يكون كالذي
سبق، إنما يكون بتبرع شخصي؛ للصلة
الوثيقة (١).
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة أن بيت
الأب قدم في النفقة وفي الطعام، وفي
السلام، فهو مباحٌ بعد بيت الإنسان نفسه،
ثم يليه بيت الأم، وهكذا الأقرب فالأقرب.
رابعًا: إبداء النساء لزينتهن:
وقد ورد ذلك واضحًا في قوله تعالى:
﴿وَقُل لِلْمُؤْمِنَتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَرِهِنَ
وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا
مَا ظَهَرَ مِنْهَاً وَلْيَضْرِيِّنَ بِخُمُرِمِنَّ عَلَى جُوبِنَّ
وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّ لِبُعُولَتِهِنَّ
أَوْ ءَبَّبِهِنَ أَوْ ءَابَآَِّ بُعُولَتِهِنَ أَوْ
أَبْنَابِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ
بَنِيّ إِخْوِيِهِنَّ أَوْ بَنِيّ أَخَوَتِهِنَّ أَوْنِسَابِهِنَّ أَوْمَا
(١) انظر: زهرة التفاسير، أبو زهرة، ٥٢٣٢/١٠.
حيث تذر هذه الآية الكريمة المؤمنات
من إظهار محاسنهن إلا لأزواجهن
والأقارب، الذين يحرم عليهم التزوج منهن،
وفي مقدمتهم الآباء، وآباء الأزواج(٢).
وفي ذلك إشارة إلی تقدیم الأب واب
الزوج في الحفاظ على الشرف، وأنهما
الأكثر عفةً سيما في حق البنت أو زوجة
الابن.
خامسًا: نفي أبوة التبني:
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿ آدْعُوهُمْ
لِأَبَايِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِّ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُواْ
ءَابَآءَ هُمْ فَإِخْوَنُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَّلِيَكُمْ وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَاً أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن مَّا
تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا زَّحِيمًا﴾
[الأحزاب: ٥].
حيث بينت الآية السابقة أن الله تعالى
ما جعل أهل التبني أبناء للذين تبنوهم، وأن
هذا التبني هو قول من تبنى، وأن الله تعالی
يقول الحق الذي لا يجيز لكم التبني، وأن
الله تعالى هو الذي يهدي إلى طريق ذلك
(٢) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر، ص٥٢٢.
موسوبر المقدمة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٣٤

الأبوة
الحق، ثم تأتي هذه الآية الكريمة؛ لتأمر
الذين تبنوا أن يدعوا هؤلاء الأولاد بأسماء
آبائهم في الدم، فإن ذلك أعدل عند الله
تعالى، فإن لم يعلم آباؤهم، فقولوا: أخونا
فلان، أو ولینا فلان، ولیس علیکم إثمٌّ، إن
أخطأ الرجل بعد النهي، فنسبه إلى الذي تبناه
ناسيًا، فليس عليه في ذلك إثم، ولكن الأمر
الذي يحاسب عليه الإنسان هو أن يدعوهم
إلی غیر آبائهم، قاصدًا ذلك من قلبه(١).
(١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
٣٨٧/٣.
عاطفة الأبوة
إن العاطفة القلبية صفة لازمة ثابتة
للأبوين؛ إذ إن الله تعالى جعلها مسوغًا
لصبر الوالدين على أولادهما، في الرعاية
والتربية والحب والحنان، فهي عاطفة
فطرية، فطر الله تعالى الوالدين، وجعل
الإسلام لها ضوابط ومحاذير.
وفي هذا المبحث توضيح لذلك من
خلال مسألتين:
أولًا: عاطفة الأبوة فطرة:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّ
لَيَحْزُنُفِىِّ أَنْ تَذْهَبُواْ بِهِ، وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ
الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَفِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣].
أي: إن مجرد ذهابکم به يؤلمني، من
شدة مفارقته على، وقلة صبري عن رؤيته،
فیریپني أن تتركوه بإهمالکم به، وانشغالکم
عنه بالرعي والصيد، فأخاف أن يأكله
الذئب وأنتم عنه لاهون، بصیدکم ولعبکم
ورمیکم(٢)، ولا شك أن نبي الله يعقوب
عليه السلام قد أظهر بلسانه ما يجول
بعاطفته القلبية، التي فطرها الله تعالی علیه،
فهو بشر في هذه الصفة الأبوية.
وقد وردت آية كريمة، تبين عاطفة الأم
الفطرية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ
(٢) انظر: بيان المعاني، عبد القادر العاني،
١٨٢/٣.
www. modoee.com
٢٣٥

حرف الألف
فُؤَادُّ أُمِّ مُوسَىْ فَرِقًاٌ إِن كَادَتْ لَنُبْدِى
بِهِ، لَوْلًاٌ أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُنَ مِنَ
اُلْمُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠].
أي: وصار قلب أم موسی صلی الله
عليه وسلم فارغًا من كل شيء إلا من أمر
موسی صلی الله عليه وسلم، كأنها لم تهتم
بشيء سواه، فإن كادت لتصيح شفقة عليه
من الغرق، أو الهلاك، لما سمعت بوقوعه
في يد فرعون، فطار عقلها من فرط الجزع
والدهش، ولولا عناية الله تعالى، وتثبيته
لها لاعترفت بأنه ابنها، من شدة عاطفتها
الفطرية، بل إن تثبيتها كان بالربط على
القلب؛ لتنال صفة الإيمان بالله تعالى(١).
ثانيًا: الموازنة بين عاطفة الأبوة،
وعقيدة الولاء:
﴿يَأَيُّهَا
ويظهر ذلك في قوله تعالى:
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُوَاْ ءَابَآءَ كُمْ وَإِخْوَتَكُمْ
أَوْلِيَآءَ إِنِ اسْتَحَبُّواْ أَلْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَنَّ
وَمَن يَتَّوَلَّهُم مِّنْكُمْ فَأُوْلَكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
٦ قُلْ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَتُكُمْ وَأَزْوَجَكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَلُ
أَقْتَرَفْتُمُوهَا وَنْجَرَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَكِنُ
تَرْضَوْنَهَاَ أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.
وَجِهَادٍ فِى سَبِيلِهِ، فَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِى أَللَّهُ
بِأَمْرِهٌ وَاللَّهُ لَا يَهْدِى أَلْقَوْمَ الْفَسِقِينَ
(١) انظر: فتح البيان، القنوجي، ١٠/ ٩٣.
﴾[التوبة: ٣٢-٢٤].
أي: ((يا أيها المؤمنون، لا تتخذوا من
آبائكم وأبنائكم وإخوانكم وعشيرتكم
وأزوجكم نصراء لكم، ما داموا يحبون
الكفر، ويفضلونه على الإيمان، ومن
يستنصر بالكافرين فأولئك هم الذين
(٢).
تجاوزوا الطريق المستقيم))
وقل: يا محمد صلى الله عليه وسلم
إن كان تفضيلكم الآباء والأبناء والإخوة
والزوجات والأقرباء والأموال التي
جمعتموها، والتجارة التي تخافون عدم
رواجها، والبيوت الجميلة التي أقمتم
فيها، كل هذا مقدمًا في التفضيل على حب
الله تعالى ورسوله صلی الله علیه وسلم،
والجهاد في سبيله، فانتظروا غضب الله
تعالی، ومن عقابه ونکاله بکم، والله لا یوفق
الخارجين عن طاعته(٣).
(٢) المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من
علماء الأزهر، ص٢٦١.
(٣) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة
التفسير، ص١٩٠.
٢٣٦
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأبوة
الأبوة يوم القيامة
يؤكد هذا المبحث على بيان حال
الأبوين يوم القيامة، بین فرار من التزامه تجاه
ابنه، أو فرار من التزام الابن تجاه أبيه، فلا
فداء يذكر؛ إذ إن الناس بين جنة ونار، ولا
يبقى هناك إلا الملك الجبار، الذي يحاسب
ويفتش، ويغفر ويرحم، فإذا كان الآباء
صالحين، واجتهدوا في صلاح الأبناء، فإن
الله تعالى من رحمته يلحق الذرية بآبائهم
في الجنة.
وفي هذا المبحث توضيح لذلك، من
خلال المسائل الآتية:
أولًا: الفرار:
يظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَغِرُ الْرَّهُ
مِنْ أَخِهِ ) وَأُمِّهِ وَأَِهِ ﴾ [عبس: ٣٤ - ٣٥].
فقد بينت الآية السابقة أنه إذا جاء يوم
القيامة، ويرى المرء أعز أقاربه، وأخصهم
لديه، وأولاهم بالحنو والرأفة والعطف،
من: أخ، وأم، وأب، وزوجة، وولد، عندها
يفر منهم ويبتعد عنهم؛ لأن الهول عظيم،
والخطب جلیل(١).
وفي تقديم الأخ على الأم والأب
والزوجة والولد؛ أسباب، منها أن الله تعالی
بدأ بالأقل، وختم بالأكثر؛ لأن الإنسان أشد
شفقة على بنيه من كل من تقدم ذكره، وإنما
(١) انظر: التفسير المنير، الزحيلي، ٣٠/ ٧٥.
يفر منهم؛ لاشتغاله بنفسه(٢).
ثانيًا: الفداء:
يظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿يُصَّرُونَهُمْ
٢ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِى مِنْ عَذَابٍ يَوْمِلِمٍ بِبَنِيهِ﴾
[المعارج: ١١].
فقد بينت الآية السابقة أن يوم القيامة لا
يسأل صديقٌ صديقه الحميم، وتأتي هذه
الآية الكريمة؛ لتبین أنه «يبصر بعضهم بعضًا،
فیتعارفون، أو یبصر المؤمنون الكافرين، أو
يبصر الكافرون الذين أضلوهم في النار، أو
يبصر المظلوم ظالمه، والمقتول قاتله)»(٣)،
فيحب أو يتمنى الكافر المشرك لو يفتدي
بأعز أقاربه في الدنيا، من بنيه أولًا، ثم زوجه
وأخيه، وعشيرته أو أمه التي تربيه (٤).
ثالثًا: إلحاق الذرية بالآباء في الجنة:
يظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ وَأَنَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّنُهُم بِإِمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِيََّهُمْ
وَمَا أَلَهُمِ مِنْ عَمَلِهِم ◌ِن شَىْءٍ كُلُّ أَمْرِئٍ بِمَا كَسَبَ
رَهِينٌ﴾ [الطور: ٢١].
أي: ((والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم
بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم في منزلتهم في
الجنة، وإن لم يبلغوا عمل آبائهم؛ لتقر أعين
الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع
(٢) انظر: التسهيل، ابن جزي، ٢/ ٤٥٤.
(٣) تفسير القرآن، العزبن عبد السلام، ٣٦٢/٣.
(٤) انظر: المصدر السابق.
www. modoee.com
٢٣٧

حرف الألف
بينهم على أحسن الأحوال، وما نقصناهم
شيئًا من ثواب أعمالهم، كل إنسان مرهون
بعمله، لا یحمل ذنب غيره من الناس»(١).
ويستفاد من هذه الآية عظيم بركة الآباء
الصالحين؛ إذ إن صلاحهم واجتهادهم
في إصلاح أبنائهم جعلهم جميعًا في منزلة
واحدة في الجنة، فالآية هنا تبين أن الآباء
هم بوابة الأمان للأبناء، إن اتبعوا آباءهم
بالإيمان بالله تعالی.
موضوعات ذات صلة:
آدم، إبراهيم، الاتباع، الأمومة
(١) التفسير الميسر، مجمع الملك فهد، ص٥٢٤.
٢٣٨
موسُوبة النفسيةالوضوي
القرآن الكريم