Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الأبوة
عناصر الموضوع
مفهوم الأبوة
٢١٢
الأبوة في الاستعمال القرآني
٢١٣
الألفاظ ذات الصلة
٢١٤
الأبوة الأولى
٢١٦
أنواع الأبوة في القرآن الكريم
٢١٨
٢٢٣
اتباع الآباء
٢٢٥
أثار اتباع الأبوة في الدنيا والآخرة
٢٣٠
صلاح الآباء وأثره على الأبناء
٢٣٢
الأبوة والأحكام الشرعية
٢٣٥
عاطفة الأبوة
٢٣٧
الأبوة يوم القيامة
المُجَلَّدَ الأوَّل

حرف الألف
مفهوم الأبوة
أولًا: المعنى اللغوي:
أصل الأب في اللغة: التهيؤ والقصد، يقال: أب الرجل، إذا تهيأ للذهاب وقصد، والأب:
النزاع إلى الوطن، ويقال: أبوة القوم، أي: كنت لهم أبًا، والأب: الوالد، والأبوان: الأب
والأم، أو الأب والجد، أو الأب والعم، أو الأب والمعلم، أو الجد والجدة، ولا يرد الأب
بمعنى المربي أو العم إلا بقرينةٍ (١).
ويتبين مما سبق أن الأبوة كلمة تحتمل عددًا من معاني التهيؤ والقصد للاحتضان
الاجتماعي والتربوي، والتعبدي، وكافة مناحي الاحتضان، وإن كان أخص خصوصيات
الأبوة هو أبوة الدم؛ إذ إنها حقيقته.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكر غير واحدٍ تعريفًا اصطلاحيًا للأب، ويتضح أن ثمة فرقًا بين الأب والأبوة، فقد يكون
أبًا في الدم، ويتنصل من واجباته تجاه بنيه في الأبوة من تهيؤ كامل بقصد للاحتضان التربوي
والاجتماعي والتعبدي بما ينفع عند الله تعالی.
ومن التعريفات الاصطلاحية التي ذكرت الأب، ما يأتي:
تعريف الجرجاني رحمه الله بأنه: ((حيوان يتولد من نطفته شخص آخر من نوعه))(٢).
ولم يختلف تعريف الكفوي عن تعريف الجرجاني، حيث قال: ((إنسان تولد من نطفته
إنسانٌ آخر))(٣).
وعرفه المناوي رحمه الله بأنه: «كل من كان سببًا لإيجاد شيء أو إصلاحه أو ظهوره)) (٤).
(١) انظر: المفردات، الأصفهاني، ص٥٧-٥٨، التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ٣٥،
الکلیات، الکفوي، ص٢٥.
(٢) التعريفات، ص٧.
(٣) الكلیات، ص٢٥.
(٤) التوقيف على مهمات التعاريف، ص ٣٥.
٢١٢
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأبوة
الأبوة في الاستعمال القرآني
وردت مادة (أبو) في القرآن الكريم (١١٧) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
المفرد
﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدُّ أَبَّ أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ
٤٦
[الأحزاب: ٤٠]
المثنى
٧
﴿ وَأَمَّا الْغُلَمُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَّيْنِ فَخَشِينَآ أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَنًا
وَكُفْرَان)﴾ [الكهف: ٨٠]
الجمع
٦٤
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَّبِهِنَّ أَوْ
ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَ﴾ [النور: ٣١]
وأطلقت الأبوة في الاستعمال القرآني على ثلاثة أوجه(٢):
٣٥ ° # [عبس: ٣٤-
وَأَمِهِ، وَابِيهِ
٣٤
يفرّ المَزَّهُ مِنْ أَخِيهِأ
ويؤْ
الأول: الوالد بعينه: ومنه قوله تعالى:
٣٥].
الثاني: العم: ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ ءَابَآئِكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ
إِلَّهَا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَّهُ, مُسْلِمُونَ )﴾ [البقرة: ١٣٣]. وإسماعيل كان عم يعقوب.
الثالث: الجد: ومنه قوله تعالى: ﴿قِلَّةَ أَبِكُمْ إِبْرَهِيمٌ﴾ [الحج: ٧٨]. أي: جدكم.
(١) انظر: المعجم المفهرس الشامل، عبد الله جلغوم، باب الهمزة، ص٨-١٠.
(٢) انظر: بصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي ١١٤/٢، الوجوه والنظائر، الدامغاني ص ٥٩ -٦٠.
www. modoee.com
٢١٣

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
١
الوالد:
الوالد لغةً:
الأب، وتوالدوا، أي: كثروا وولد بعضهم بعضًا، ويقال: الوالدان، أي: الأب والأم معًا (١).
الوالد اصطلاحًا:
ما تولد واستبقي من نطفته ما يتوقع ذهابه بصورة منه، تخلف صورة عنه (٢).
الصلة بين الآب والوالد:
الوالد أخص من مصطلح الأبوة؛ إذ إن الأبوة تعني كل معاني التهيؤ والقصد للاحتضان
بكافة أنواعه، فتجوز أن تكون في حق الجد والعم والمربي، أما الوالد فهو الأب الأدنى.
الوالدة:
٢
الوالدة لغةً:
الأم، يقال: ولدت المرأة ولادًا وولادةً، وأولدت: حان ولادها (٣)، وولدته أمه ولادة
وإلادةً على البدل، فهي والدة على الفعل، ووالدٌ على النسب (٤).
الوالدة اصطلاحًا:
هي التي تضع ولدها المولود(٥).
الصلة بين الأب والوالدة:
الأب الأقرب هو زوج الوالدة التي تضع المولود.
الأم:
٣
الأم لغةً:
أم الشيء أصله، والأم: الوالدة (٦).
(١) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٦٧/٣، مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٤٥.
(٢) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص٣٣٣.
(٣) انظر: مختار الصحاح، الرازي، ص ٣٤٥.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور، ٤٦٧/٣.
(٥) انظر: التوقيف على مهمات التعاريف، المناوي، ص ٣٤٠.
(٦) انظر: الصحاح، الجوهري، ١٨٦٣/٥.
٢١٤
مُوسُو ◌َةُ التَّيّة
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ

الأبوة
الأم اصطلاحًا:
اسم لكل أنثى لها عليك ولادة، فيدخل في ذلك الأم الدنيا ومن فوقها وإن علون(١).
الصلة بين الأب والأم:
الأم والأب منهما يتكون الولد، فهما الوالدان اللذان يقومان على رعاية الأبناء.
الجد:
٤
الجد لغةً:
الاجتهاد والعظمة والقطع، كما يقال: جد في سيره، وتطلق غالبًا على أبي الأب وأبي
الأم وإن علا(٢).
الجد اصطلاحًا:
أبو الأب وأبو الأم وإن علا.
الصلة بين الأب والجد:
الجد إذا كان في معنى النسب فإنه والد الأب، أو والد الوالدة، وإن علا، وإذا كان في
معنى التقدير فإن الأب والجد كليهما يقدر؛ بل إنه يجوز أن يطلق عليهما (الأبوان).
العم:
٥
العم لغةً:
مأخوذ من الشمول، ويطلق على أخي الأب، ويجمع على أعمام وعمومة، وتطلق
العمومة على الجماعة الكثيرة من الناس (٣).
العم اصطلاحًا:
أخو الأب الذي يشمل صفات الأبوة في التهيؤ والقصد للاحتضان بكافة أنواعه.
الصلة بين الأب والعم:
العم والأب يتفقان في جواز إطلاق الأب على كليهما، وإن كانت حقيقة الأبوة في الأب
الأدنى، كما يجوز إطلاق الأبوين عليهما معًا، ويختلفان في النسب بأن كل واحد منهما له
أحكام خاصة، من ذلك المصاهرة والمحارم، وغير ذلك.
(١) الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ١٠٨/٥.
(٢) انظر: المصباح المنير، الفيومي، ١/ ٩٢.
(٣) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، ٦٢٩/٣.
www. modoee.com
٢١٥

حرف الألف
الأبوة الأولى
تبين من خلال التأمل في الآيات القرآنية
أن الأبوة الأولی کانت في حق أبینا آدم صلى
الله عليه وسلم، باعتباره أبًا للبشر، وأن أولى
أبوات المسلمين الموحدين هي أبوة أبينا
إبراهیم صلی الله عليه وسلم، باعتباره آبًا
للمسلمین.
أولًا: أبوة آدم عليه السلام للبشر:
يظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿يَنِيّ ءَادَمَ
لَا يَفْئِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَّيْكُمْ مِّنَ
الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِيَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاً
إِنَُّ يَرَكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ، مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا
جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيََّ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: ٢٧].
حيث تحدثت هذه الآية الكريمة عن فتنة
أبي البشرية، نبي الله تعالى آدم عليه السلام،
التي أغوي بها من قبل الشيطان الرجيم.
فقد بينت الآية السابقة أن الله تعالى أنزل
على بني آدم لباسًا يستر العورات، وأن لباس
التقوى هو خير من لباس الثياب، وأن ذلك
الإنزال للباس إنما هو من آيات الله تعالى،
الذي له صفات الكمال الدالة على فضله،
ورحمته لعباده، ثم انتقال من الخطاب إلى
الغيبة؛ لئلا يقول أحد، إن الحث على التذكر
خاص بالمخاطب، ويدعي أنه المسلمون
فقط.
ثم تأتي هذه الآية الكريمة؛ لتنادي
نداءً آخر لبني آدم، مفاده التحذير من مغبة
الوقوع في الفتنة والضلالة، التي يحرص
على غرسها ذلك الشيطان، الذي تعهد
بإغواء بني آدم، كما أغوى أباهم عليه
السلام، وكانت نتيجة تلك الفتنة التي وقع
في شرکها أبونا آدم صلی الله عليه وسلم
أن نزع منه الذي سترهما الله تعالی به، ما
داما حافظين لأنفسهما من مواقعة ما نهيا
عنه، فإن الشيطان وجنوده يرون البشر، أما
البشر فلا يستطيعون رؤية الشياطين بما
جعل الله تعالى لهم من خفة الأجساد، أو
عدم الألوان.
والسؤال الذي يطرح، لماذا سلط علينا
هؤلاء الشياطين، هذا التسليط العظيم،
الذي لا يكاد يسلم معه أحد؟، والجواب
أن الله تعالى سلط هؤلاء الشياطين،
وجعلهم أولیاء للذين لا يجددون الإيمان؛
لأن بين أولئك الذين لا يتفقدون إيمانهم
وبين الشياطين تناسبًا في الطباع، من
الشهوة والأهواء، وغريزة السيطرة والحسد
والحرص، فتوجب هذه الطباع اتباعًا منهم
لمصائد ومكائد الشياطين(١).
ويلاحظ في هذه الآية الكريمة ذكر
الأبوين في حق آدم صلی الله عليه وسلم،
(١) انظر: نظم الدرر، البقاعي، ٣٨١/٧، ٣٨٢،
تفسير الجلالين، المحلي والسيوطي،
ص١٩٦.
٢١٦
مَوَسُوع
القرآن الكريم

الأبوة
وزوجه رحمها الله؛ لبيان أن الجد والجدة الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم؛ لحمل
يجوز أن يطلق عليهما مصطلح الأبوين.
ثانيًا: أبوة إبراهيم عليه السلام
للمسلمين:
يظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَهِدُواْ
فِيِ اَللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ،َّ هُوَ أَحْتَبَئِكُمْ وَمَا جَعَلَ
عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَ قِلَّةَ أَبِكُمْ إِزَهِيدٌ
هُوَ سَمَّنكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ
الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ
، فَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ الزَّكَوَةَ وَأَعْتَصِمُواْ
بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَئِكُنْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾
[الحج: ٧٨].
فقد ذكرت الآية السابقة المؤمنين في نداء
خاص لهم أن يتذللوا لله تعالى، وينكسروا
له بالركوع والسجود، وأن يعبدوه عبادةٌ
تمتلئ ذلًا وحبًا لله تعالى، وأن يجتهدوا في
فعل الخيرات؛ حتى يتحصلوا على النجاح
في الدنيا والآخرة، ويستمر الأمر للمؤمنين
من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في هذه
الآية الكريمة؛ لأن يجاهدوا حق الجهاد
أنفسهم، ومن ثم الكفار والظلمة، على كافة
أشكالهم وأنواعهم(١).
وحق الجهاد هو ما كان في سبيل الله
تعالی، وليس في سبيل أحد من المخلوقات،
فالله تعالى اختار المسلمين من أتباع
(١) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي، ١٣٩/٤.
دينه، وما جعل الله تعالى على المسلمين في
جمیع أمور الدين من ضيق بتكليف ما يشق
القيام به، کما كان على من قبلنا، فالله تعالى
وسع دینکم أيها المسلمون توسيع ملة أبیکم
إبراهیم صلی الله عليه وسلم.
ويجوز أن يكون المعنى: فاتبعوا ملة
أبیکم إبراهيم عليه السلام.
ويجوز أن يكون المعنى: وما جعل
عليكم في الدين من حرج، أعني: ملة أبيكم
إبراهيم عليه السلام.
وتستأنف الآية الكريمة ببيان عظمة
مكانة المسلمين عند الله تعالى، بأن الله
تعالى وحده هو الذي سماهم المسلمين
من قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة (٢)؛
لیکون الرسول محمد صلی الله عليه وسلم
شهيدًا على المسلمين يوم القيامة؛ لتبليغ
هذا الدين.
وتكونوا أنتم أيها المسلمون شهداء على
الناس بأن الرسول صلی الله عليه وسلم قد
بلغهم به؛ فالمطلوب منكم هو أن تلتزموا
إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تسألوا ربكم
أن يعصمكم من كل ما يسخط منه الله تعالى
ويكره، فالله تعالى حتمًا هو الناصر ولا
ناصر غيره، فهو نعم المولى ونعم النصير
(٢) انظر: محاسن التأويل، القاسمي، ٢٧٩/٧.
www. modoee.com
٢١٧

حرف الألف
للمسلمين الصادقين(١).
وفي الآية بيان أن نبي الله إبراهيم صلى
الله عليه وسلم هو أبو المسلمين؛ لأن
حرمته على المسلمين مثل حرمة الوالد(٢)،
كما قال صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا لكم
مثل الوالد)(٣)، وبذلك يكون الرسول صلى
الله عليه وسلم آبًا لأمته.
(١) انظر: التفسير البسيط، الواحدي، ٥١٢/١٥-
٥١٣.
(٢) انظر: المصدر السابق ١٥/ ٥١٠.
(٣) أخرجه أحمد في مسنده، بداية مسند أبي
هريرة، ٧/ ١٨٣، رقم ٧٣٦٢، وابن ماجه
في سننه، كتاب الطهارة، باب الاستنجاء
بالحجارة والنهي عن الروث والرمة،
٢٠٨/١، رقم ٣١٣.
قال أحمد شاكر: إسناده صحيح.
أنواع الأبوة في القرآن الكريم
يتناول هذا المبحث أنواع الأبوة
في
القرآن من حيث الصلاح والضلال، فمن
الآباء من يتصف بالصلاح، ويكونون عونًا
لأبنائهم في طاعة الله تعالى، ويجعلهم
الله سببًا في نجاتهم من غضب الله تعالى،
ومن عقابه، ويوجد آباء ضالونيكونون سببا
في وقوع الأبناء في غضب الله تعالى وفي
عقابه.
أولًا: الأبوة الصالحة:
ذكر القرآن الكريم نماذج متعددة من
الأبوة الصالحة، ويمكن الوقوف على
نموذجين، أحدهما لنبي الله تعالى يعقوب
صلی الله عليه وسلم مع ابنه النبي يوسف
صلى الله عليه وسلم وإخوته، والآخر
للقمان الحکیم رحمه الله.
أما النموذج الأول، فقد ورد ذلك في
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِهِ يَأَبَتِ إِ
رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْنُهُمْ لِ
سَجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤].
حيث بين الله تعالى في الآية السابقة
لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أنه جل
جلاله أعلمه عن نبأ يوسف بن يعقوب بن
إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام، إذ إنه قال
لأبيه يعقوب عليه السلام: يا أبت إني رأيت
في منامي أحد عشر كوكبًا -ورؤيا الأنبياء
٢١٨
مُوسُو ◌َد البنية
القرآن الكريم

الأبوة
وحي - (١)، رأيتهم لى ساجدين، وتأتى الآية
التالية؛ لتبين أن نبي الله يعقوب صلى الله
علیه وسلم كان يشعر من بنیه حسد نبي الله
يوسف صلى الله عليه وسلم، وبغضهم
له، فنهاه عن قصص الرؤیا علیهم؛ حتى لا
يشعل بذلك غل صدورهم(٢).
وإن تفضیل نبي الله يعقوب عليه السلام
لابنه النبي يوسف عليه السلام كان تفضيلاً
شرعيًا، وليس لأجل دنيا، وهذا توجيه للآباء
عمومًا، بأن تكون المفاضلة بين الأبناء على
أساس الدين، ومقدار التمسك به.
كما أنه يلاحظ تحسس الأب لنوايا
أبنائه، ومراقبة العلاقة بين الأبناء، كما بينت
الآية ذلك، من خلال بيان تصرف يعقوب
عليه السلام مع الرؤيا التي قصها عليه ابنه
النبي يوسف عليه السلام.
وإن أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام
يظهر أنهم لم يكونوا أنبياء؛ إذ إن الحسد
الدنيوي وعقوق الآباء وتعريض مؤمن
للهلاك والتوافر على قتله ليس من صفات
الأنبياء(٣)، بل إن فعل كل ما سبق معصوم
منه النبيون والمرسلون.
وإن عداوة الشيطان للإنسان عمومًا بينة
واضحة، لا تخفی علی أحد من البشر، فهو
يدخل الناس في عداوة مطلقة مع الحق،
(١) انظر: جامع البيان، الطبري، ١٥/ ٥٥٤.
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، ٢٢٠/٣.
(٣) انظر: المصدر السابق.
ويحرف العلاقة الحميمة المفترضة بين
الوالد وولده؛ لتصبح علاقة سيئة يشوبها
الخلاف والشقاق، کما أظهرت الآیات کید
أبناء نبي الله يعقوب عليه السلام لأخيهم
نبي الله يوسف عليه السلام.
وأما النموذج الثاني، فقد ورد ذلك في
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَا لَقْمَنَ الْحِكْمَةَ أَنْ
أَشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ"
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّهَ غَبِىُّ حَمِيدٌ ﴾ وَإِذْ قَالَ لُقْمَنُ
لِأَبْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَبْنَىَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ
بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ، وَهْنَا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَلُهُ،فِى
عَمَّيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِ وَلَوْلِدَيْكَ إِلَىّ الْمَصِيرُ
﴿ وَإِنِ جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَّكَ
بِهِ، عِلِمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَاً وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا وَأَتَبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَبَ إِلَىَّ ثُمَّ إِلَىَ
مَرْجِعُكُمْ فَأَنِّئُكُم بِمَا كُتُمْ تَعْمَلُونَ
يَبُنَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ
فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِ السَّمَوَتِ أَوْ فِ الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا
اَللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ آ يَبُنَّ أَقِمِ الصَلَوَةَ
وَأَمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنَّهَ عَنِ الْمُنْكَّرِ وَأَصْبِرْ عَلَى مَآ
أَصَابَكَّ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) وَلَا تُصَعِّرْ
خَدََّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَّمْشِ فِى الْأَرْضِ مَرَحً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُ
كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴿ وَأَقْصِدْ فِ مَشْبِكَ وَأَغْضُضْ
مِن صَوْتِكَ، إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَتِ لَصَوْتُ اْخِيرِ
﴾ [لقمان: ١٢- ١٩].
١٩
حيث تبين هذه الآيات الكريمة أن الله
www. modoee.com
٢١٩

حرف الألف
بوالديه اللذين هما الأب والأم، حملته أمه
تعالى قد أعطى لقمان الحكيم رحمه الله
نعمة الفقه والعقل والإصابة في القول في
غیر نبوة؛ حتی یشکر الله تعالى على هذه
النعمة العظيمة، فأما المؤمن مثل لقمان
رحمه الله فيشكر؛ إذ إن نتيجتها راجعة
إليه(١).
ضعفًا على ضعف، وإرضاعه في عامين،
أن اشکر لي يا أيها الإنسان باتباعك لديني
التوحيدي، وأن اشکر لوالدیك اللذين هما
سبب وجودك بعد قدري، وإلى المرجع
والمآل، فإن التزمت الشكر لي ولوالديك،
فأجزیك الخیر کله، وإلا فإن عذابي شدید.
فـ «من جعل كفر النعم مکان شکرها،
فإن الله غني عن شكره، غير محتاج إليه،
حميد مستحق للحمد من خلقه؛ لإنعامه
عليهم بنعمه التي لا يحاط بقدرها، ولا
وإن جاهداك على أن تشرك بالله تعالى،
وأن تجعل مع الله ندًا في استحقاق العبادة
فيما ليس لك به علمٌ فلا تطعهما في ذلك،
يحصر عددها، وإن لم يحمده أحد من ولكن لا يمنعك عدم طاعتهم في الشرك
خلقه، فإن كل موجود ناطق بحمده بلسان
الحال»(٢).
من مصاحبتهما في الأمور الدنيوية، من البر
بهما، والحرص على تهنئتهما في الحياة
المعيشية، ودعوتهم المتكررة إلى النجاة
واذكر يا أيها النبي حين قال لقمان
الحکیم لابنه، مرغبًا له في التوحید، وصاده
عن الشرك: يا بني لا تشرك بالله.
من غضب الله تعالى، أما الاتباع في الدين
فهو اتباع طريق من أناب إلى الله تعالى
بالتوحيد، ثم إلى الله تعالى مرجعك أيها
وأما قوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
تعليلية، وتكون الجملة
، فيجوز
من قول لقمان الحكيم رحمه الله ، ويجوز
أن تکون تقریریة، وتکون من قول الله
تعالى؛ لتقرير هذه الحقيقة (٣).
الابن، ومرجع أبويك، ومرجع من أناب
إلى الله تعالى بالتوحيد، فينبئ الجميع
عند رجوعهم بما كانوا يعملون من خير أو
شر (٤).
وأثناء ذكر القرآن الكريم لوصية لقمان
الحکیم رحمه الله يأتي كلام مستأنف في
آیتین؛ لبیان توصیة الله تعالى وأمره للإنسان
ثم تأتي الآية السادس عشرة من السورة؛
لبيان تكملة الخطاب الموجه من لقمان
الحکیم رحمه الله إلى ابنه، بقوله: ((يا بني:
إن الحسنة أو السيئة للإنسان إن تكن مثلًا
(١) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
٣٧٤/٣.
(٢) فتح القدير، الشوكاني، ٤ / ٢٧٣.
(٣) انظر: المصدر السابق.
(٤) انظر: إرشاد العقل السليم، أبو السعود،
٧/ ٧٢،٧١.
٢٢٠
موسوعة النفسية
القرآن الكريم

الأبوة
في الصغر كحبة الخردل، فتكن في أخفى
مكان كقلب صخرة أو في السماوات أو في
الأرض یظهرها الله ویحاسب عليها، إن الله
لطيف لا تخفى عليه دقائق الأشياء، خبير
یعلم حقائق الأشياء كلها))(١).
ثم تأتي الآية السابع عشرة من السورة؛
لبيان استمرار دعوة لقمان الحكيم رحمه
الله لابنه، بضرورة الصبر على ما يصيب
الداعية من الأذى في سبيل الله تعالی، إذا هو
أمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فإن الصبر
علی المحن یورث المنح، ووجه تخصیص
هذه الطاعات أنها أمهات العبادات، وعماد
الخير كله، فإن فعل ذلك مما جعله الله
تعالى عزيمة، وأوجبه على عباده، وحتمه
علی المکلفین، ولم يرخص في تركه(٢).
ثم يستمر الوعظ من لقمان الحكيم
رحمه الله لابنه كما وضحته الآية الثامن
عشرة، فيقول الله تعالى عن لقمان الحكيم
رحمه الله: ولا تمل وجهك يا بني عن
الناس إذا كلمتهم أو كلموك؛ احتقارًا منك
لهم، واستكبارًا عليهم، ولا يكن مشيك
في الأرض بين الناس في حال المختال
المتبختر، فإن الله تعالی لا یحب کل متکبر
متباه في نفسه، وهيئته وقوله(٣).
(١) المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة من
علماء الأزهر، ص٦١٤.
(٢) انظر: فتح البيان، القنوجي، ٢٨٧/١٠.
(٣) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة
ثم يستمر لقمان في النصح لابنه كما
وضحته الآية التاسع عشرة، بقوله: يا بني
ليكن مشيك ذا قصدٍ في النية والعمل؛
ففي النية لا تسع إلا في الخير، وفي العمل
ليكن المشي باعتدال وتوسط، فإذا التزمت
بالوقار في المشي فأتم ذلك بغض الصوت،
وإنقاصه، وعدم ارتفاعه، وإن كان في حسن
يستحسنه السامعون؛ فإن أنكر الأصوات هو
صوت الحمير عمومًا (٤).
وإن لقمان الحكيم رحمه الله كان شديد
الغيرة على أولى الناس به، وهم الأبناء؛ حيث
إنه رحمه الله برهن علی شکره لله تعالی،
وعدم كفره بنعمة الحكمة التي أعطيها من
الله تعالى، من خلال الانطلاق للدعوة إلى
الله تعالی، وأول ما بدأ بابنه، فدعاه إلى الله
تعالی، وصدق الله تعالی إذ يقول: ﴿ وَأَنذِرْ
عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَيِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
ويظهر من قوله: ﴿يُنَّ﴾، حیث کررھا
لقمان رحمه الله ثلاث مرات، اللين في
العبارات كلها.
وتفيد هذه الآيات ضرورة ترتيب الداعية
أبًا كان أو غير أب للأولويات في دعوته؛
حيث إن لقمان الحكيم رحمه الله بدأ بوعظ
ابنه بترك الشرك، والتحلي بالتوحيد، ثم
التعرف إلى قدرة الله تعالى، ثم الأمر بإقامة
التفسير، ص٤١٢.
(٤) انظر: الفواتح الإلهية، الشيخ علوان،
١٣٣/٢.
www. modoee.com
٢٢١

حرف الألف
الصلاة التي هي صلة بين العبد وربه، ثم
الأمر بالمعروف الذي هو تعاون على الخير،
ثم النهي عن المنكر، الذي هو تعاون على
اجتناب المنكرات والشرور، ثم الصبر في
ذلك للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛
لأجل الله تعالى، والتزامًا بالواجب، ثم
التأدب مع الناس، فهو قدوة لهم، فإذا
تكلم أو کلمه أحد لا یمیل وجهه عنهم،
ولا يتبختر، بل يتوسط في مشيته، ويخفض
صوته، حتی لو کان یتکلم في حسن.
ويلاحظ أن ذكر الوصية بالوالدين في
ثنايا قصة لقمان مع ابنه، بما یبین واجب
الآباء على الأبناء.
ثانيًا: الأبوة الضالة:
ذكر القرآن الكريم في أكثر من موضع
قصة نبي الله تعالی إبراهيم صلى الله عليه
وسلم مع أبیہ آزر، حیث إن الأب کان کافرًا،
هو وقومه يعبدون من دون الله تعالى،
فأشفق إبراهيم عليه السلام على أبيه من أن
يقع في غضب الله تعالى، سيما في أخص
خصوصيات العبادة، وهي توحيد الله
تعالی.
فقال الله تعالى عنه: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ
إِبَزْهِيَمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ، عَلِمِينَ
إِذْ قَالَ لِأَبِهِ وَقَوْمِهِ، مَا هَذِهِ التَّمَائِلُ الَِّ أَنْتُمْ
لَا عَكِنُونَ ﴾ قَالُواْ وَجَدْنَآ ءَابَآَنَا لَّمَا عَيِدِينَ
﴿ قَالَ لَقَدْ كُتُمْ أَنْتُمْ وَمَابَآؤُكُمْ فِ
ضَلَالٍ مُّبِينٍ ) قَالُواْ أَجِئْتَنَا بِاَلِّْ أَمْ أَنْتَ مِنَ
اُلَّعِينَ * قَالَ بَل رَّبِّكُمْ رَبُّ ◌ُلَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ
الَّذِى فَطَرَهُنَّ وَّنَاْ عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشََّهِدِينَ
﴿ وَتَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَسْتَمَكُم بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ
مُدْبِرِينَ ﴾ [الأنبياء: ٥١-٥٧].
حیث تبین هذه الآيات الكريمة أن نبي الله
تعالى أوتي الرشد والعلم والعناية والحفظ
والرعاية من الله تعالى، ومن علامات ذلك
أنه أشفق على أبيه وقومه، وقال: ما هذه
الأشياء المصورة المصنوعة المشبهة بخلق
من خلائق الله تعالى، التي أنتم لها مقبلون،
وملازمون لها ومعظمونها(١).
فأجابه أبوه وقومه: إننا وجدنا آباءنا لها
عابدين، فبقينا على ذلك الأمر، فأجابهم
إجابة الراشد المعلم من الله تعالى: لقد كنتم
في عبادتكم هذه أنتم وآباؤكم الذين ابتدعوا
والتزموا تلك العبادة في خطأ بين؛ حيث
تعبدون حجارة لا تضر ولا تنفع، وتقلید من
هو في خطأ بين يعتبر خطاً بينًا.
فظن أبوه وقومه في بداية الأمر أن نبي
الله إبراهیم صلی الله علیه وسلم يلاعبهم،
وأرادوا أن يتأكدوا فقالوا: أجئتنا بعلم مستند
على دليل قطعي أم أنت في هذا القول من
اللاعبین؟
فأجابهم: إن ربكم الذي هو رب
(١) انظر: روح البيان، إسماعيل حقي، ٤٩٠/٥.
٢٢٢
ـودَةُ التَّفِيَة
جوبي
القرآن الكريمِ

الأبوة
السماوات والأرض الذي خلقهن على
غير مثالٍ سبق، وأنا على تلكم الحقائق من
الشاهدین، بما آتاني الله تعالى من وحي
ورشدٍ وعلم، وأقسم بالله تعالى أن يفعل
بالأصنام التي يعبدونها سوءًا، أو يجتهد في
كسرها بنوعٍ من الاحتيال(١).
وإن التقليد الأعمى للآباء قد يورث نار
جهنم؛ لذلك فإن الأبوة عند المسلمین یجب
أن ترتكز على حسن الصحبة في شئون الدنيا
لآباء الدم، ومن ثم حسن الصحبة في شئون
الآخرة لآباء العلم والدعوة سواء أكانوا آباء
دم أو غيرهم.
وأهل الباطل آباء كانوا أو غير ذلك،
لا يمتلكون حجة، بقدر ما يسيطر عليهم
الجهل المركب، حيث إن الآيات تبين أنهم
سألوه: هل تقول حقًا أم أنت من اللاعبين؟
ويؤكد هذا ما ورد في قوله تعالى: ﴿ قَالَ
أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِ يَإِبْرَهِيمٌّ لَيْنِ لَّمْ تَنْتَهِ
لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِ مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦].
(١) انظر: التفسير المظهري، ٢٠٢/٦ - ٢٠٣.
اتباع الاباء
يركز هذا المبحث على بيان معالجة
القرآن الكريم لظاهرة اتباع الأبوة، سواء
أکانت الأبوة صالحة أم ضالة؛ إذ قد يتولد
على اتباع الأبوة الصالحة أبناء خيرين
محبین للدین، وقد يتولد أبناء سوء، وهذا
على التغليب، وليس الحصر.
أولًا: اتباع الأبوة الصالحة:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿أَمْ كُنتُمْ
شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ بَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ
مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ
ءَابَآيَكَ إِبْرَهِمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهَا وَحِدًا
وَتَحْنُ لَهُ, مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
حيث تأتي هذه الآية الكريمة في سياق
الحديث عن إبراهيم عليه السلام، وابنه
إسماعيل عليه السلام حين دعوا أن يتقبل
الله تعالى منهما رفع القواعد من البيت
الحرام، وأن يجعلهما الله تعالى مسلمين
له، ومن ذريتهما أمةً مسلمة لله تعالى، وأن
یریهما مناسکهما، وأن یتوب عليهما إنه هو
التواب الرحيم، وأن يبعث في هذه الأمة
رسولا منهم، يتلو عليهم آيات الله تعالى
ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، فإن
الله تعالى هو العزيز الحكيم.
ثم ذكر الله تعالى بعض مناقب إبراهيم
عليه السلام، بأن الله تعالى اصطفاه في
www. modoee.com
٢٢٣

حرف الألف
الدنيا، وأنه في الآخرة لمن الصالحين،
حيث قال له ربه: أسلم، فأسرع إلى الإجابة
بدون تردد: أسلمت لله تعالى، الذي هو
رب العالمين، ولم يكتف أبونا إبراهيم
عليه السلام بقوله هذا، بل وصى بها بنيه،
وقد وصى بذلك أيضًا حفيده يعقوب عليه
السلام، حينما قال: إن الله تعالى اختار لكم
الدین فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون.
ثم تأتي هذه الآية الكريمة؛ لتبين بأسلوب
استفهام أنكم تدعون الشرك في حق يعقوب
عليه السلام وبنيه، وكأنكم كنتم حضورًا في
ذلك الوقت، بمعنى أنكم تقولون ما لا علم
لكم بذلك، بل إن الله تعالى يخبر أن وصيته
عليه السلام كانت بخلاف ما قالت اليهود،
حيث قال: ما تعبدون بعد موتي؟ قالوا:
نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق، فنحن نعبد إلهًا واحدًا هو إلهكم
جميعًا، ونحن له مخلصون في التوحيد(١).
ويلاحظ من خلال هذه الآية شدة
الحرص من نبي الله تعالى يعقوب عليه
السلام على أولاده، حيث كان يحتضر،
وكانت وصيته الاطمئنان على حال التوحيد
لله تعالى عند أبنائه، فسألهم وأجابوه أنهم
یعبدون إلهه وإله آبائه (الأب الأدنی، والعم،
والجد)، فهم على ذات الطريق.
ثانيًا: اتباع الأبوة الضالة:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿ بَلْ قَالُوا
إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَابَآَنَا عَلَى أَنَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاتَِّهِم
◌ُهْتَدُونَ وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِ قَرْيَةِ
مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَاَ ءَ ابَآءَنَا عَلَى أُمٍَّ
وَإِنَّا عَلَىْ ءَاتَِّهِم مُقْتَدُونَ قَلَ أَوَلَوْ جِنْتُكُ
بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ ءَابَاءَكُمْ قَالُواْ إِنَّا بِمَّاً
أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ ﴾ [الزخرف: ٢٢-٢٤].
إن الآيات السابقة تعلم المسلمين كيفية
المحاورة والمجادلة لهؤلاء المعاندين من
المشركين، ثم تأتي هذه الآية الكريمة؛ لتبين
أن الله تعالى آتاهم كتابًا، وليس لهم حجة
إلا تقليد آبائهم، فقالوا: إنا وجدنا آباءنا على
دین، فنحن نتبعه، حتى جعلوا أنفسهم باتباع
آبائهم مهتدین.
ثم أخبر الله تعالى أن أمثالهم من
السابقين كانوا إذا أرسل فيهم رسول يقولون
-سيما الملوك والأشراف والجبابرة -: إنا
وجدنا آباءنا على دين، وإنا مقتدون بهم،
ـهتدون على هديهم (٢).
وتأتي الآية التالية؛ لتبين رد الله تعالى
على هؤلاء المعاندين بقوله: قل یا محمد
أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، وإن جئتكم
بأهدى منه؟ فأبوا أن يقبلوا ذلك، و﴿قَالُوا إِنَّا
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ١/ ١٩٦.
(٢) انظر: التفسير البسيط، الواحدي، ٢٨/٢٠ -
٣٠.
٢٢٤
مَوَسُوبَة النفسية
القرآن الكريم

الأبوة
بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ، كَفِرُونَ﴾(١).
ويلاحظ في هذه الآيات أن اتباع الآباء
يجب أن يكون ضمن ضوابط الشرع
الحنيف، فإذا كان الأبوان أهل ضلالة، يجب
أن يسرع الابن الصالح إلى دعوتهما إلى الله
تعالی، لا أن يلحق بهما، وبمعتقدهما، سيما
إذا وجد أهدی مما وجد عليه أبويه، وفي
هذا دعوة إلى تقديم تحكيم النقل من القرآن
والسنة على أي أمرٍ دونه.
وإن الآيات تبين أن عقلية الكفار واحدة،
في كل زمان ومكان؛ إذ إن مسوغ كفرهم،
هو اتباعٌ لهدي آبائهم، دون إعطاء العقل
والروح مساحة الاستماع والإصغاء إلى دين
الله تعالى.
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ٢٥٥/٣.
أثار اتباع الأبوة في الدنيا والآخرة
أولًا: آثار اتباع الأبوة الصالحة في
الدنيا والآخرة:
١. الآثار في الدنيا:
١. السعادة الزوجية.
قال الله تعالى: ﴿قَالَتْ إِحْدَمُهُمَا يَكَأَبَتِ
اُسْتَفْجِرُهُ إِنَ خَيْرَ مَنِ أُسْتَفْجَرْتَ الْقَوِىُّ
اْأَمِينُ ؟ قَالَ إِّ أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى أَبْنَفَّ
هَلَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَبِ ثَمَنِىَ حِجَجٌ فَإِنْ أَتْمَمْتَ
عَشْرًا فَمِنْ عِندِكٌ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ
سَتَجِدُفِىَ إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّلِحِينَ (٣)
قَالَ ذَلِكَ بَيْنِىِ وَبَيْنَكٌَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ
فَلَ عُدْوَنَ عَلَىَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ
﴾ [القصص: ٢٦-٢٨].
٢٨
فإن اتباع المرأة الصالحة لأوامر أبيها،
وتربيتها الناصحة التي لاحظت من خلال
القوة والأمانة في نبي الله موسى صلى
الله عليه وسلم، وحفاظها على عفتها
وطهارتها، وعدم مزاحمة الرجال، فهي
تمشي على استحياء، وتتعلم من أبيها كيف
ترد المعروف بما هو أفضل، حینما قالت له:
إن أبي يدعوك لزيارته؛ ليثيبك على ما قدمت
من خير، كما أنه يلاحظ على المرأة المسلمة
أنها ما خافت على من تتزوج، إذا كان يحفظ
لها دينها وعرضها، بل يزيدها إيمانًا وشرفًا
www. modoee.com
٢٢٥

حرف الألف
في الدنيا والآخرة.
موسی صلی الله عليه وسلم على أبيهما،
وقص عليه قصته، فهدأ أبوهما من روع
موسى عليه السلام، وبشره، بأنه نجا من
القوم الظالمين، عندها تجرأت تلك المرأة
المسلمة العفيفة، وطلبت من أبيها أن
یجزیه، فلیی أبوها طلبها، ولا غرو؛ إذ إن
هذا الطلب يقرب إلى الله تعالى، ويجعل
البشر يسيرون في المسار الصحيح، الذي
ينفعهم عند الله تعالى، وقال له: أريد أن
أزوجك إحدى ابنتي هاتين، ويستفاد من
ذلك، جواز جلوس المرأة ساعة رغبة الأهل
نكاحها من رجل عفيف صالح؛ إذ إن الأب لأمر ربهما، ولا شك أنه امتحان صعب،
ما طلب النكاح إلا بعد أن علم کل قصته،
واستبشر بنبوته.
وكان المهر أن يرعى غنمه ثماني
سنوات، فإن أتم عشر سنوات، فباختياره،
وليست السنتان بعد الثمانية داخلتين في
المهر (١)، فكان الصدق في الحال، من قبل
نبي الله موسى عليه السلام، بأنه لا یرید أن
يسرع في القبول بالعشر السنوات، ثم لا
وحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون
كذلك، فهو النبي المعصوم.
٢. تعجيل الفرج.
(١) انظر: تفسير السمر قندي، ٦٠٥/٢.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
وهو ما بينته الآيات السابقة، حينما قدم يَبْنَىَّ إِّ أَرَى فِى الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
تَرَىْءٍ قَالَ يَتَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُنٌّ إِن
شَآءَ اَللّهُ مِنَ الصَّبِينَ (١٠١ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَلَّهُ لِلْجِينِ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتَإِبَهِيمُ (١٠) قَدْ صَدَّقْتَ
الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَلِكَ نَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ ﴿ إِنَّ
هَذَا لَهُوَ الْبَوَّأْ الْمُبِينُ (١٦) وَفَدَيْنَهُ بِذِبِجٍ عَظِيمٍ
[الصافات: ١٠٢ - ١٠٧].
١٠٧)
فإن أدب نبي الله إسماعيل صلى الله
عليه وسلم مع ربه بالتزامه طاعة والده النبي
إبراهيم صلى الله عليه وسلم، بعد أن أخبره
بالرؤيا، واستشاره؛ ليرى أيجزع أم يصبر،
فكانت الإجابة هي استسلامه هو ووالده
كما بينته هذه الآيات، وعندها نزل الفرج
دونما نزول قطرة دم من إسماعيل، وفدى
الله تعالى إسماعيل عليه السلام بكبش
عظيم(٢).
٣. جمع شمل الأسرة.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَى يُوسُفَ
ءَاوَىّ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ أَدْ خُلُواْ مِصْرَ إِن شَآءَ
اللَّهُ مَامِنِينَ (١) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ
يستطيع، فيكون من الكاذبين في الوعود، لَهُ، سُجَّدًا وَقَالَ يَأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُوْيَىَ مِن قَبْلُ
قَدْ جَعَلَهَا رَبِّ حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِيِّ إِذْ أَخْرَجَنِى
مِنَ السّجْنِ وَجَّةَ بِكُمْ مِّنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَن نَّزَعَ
الشَّيْطَانُ بَيْنِ وَبَيْنَ إِخْوَفيَّ إِنَّ رَبِ لَطِيفٌ لِّمَا
(٢) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي، ٥٤٩/٣.
مَوَسُ رُ النفسية الوضوء
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٢٢٦

الأبوة
يَشَاءُ إِنَّهُ, هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ
١٠٠].
﴾ [يوسف: ٩٩-
١٠٠
حیث تبین هاتان الآيتان أنه حينما رحل
يعقوب عليه السلام إلى مصر، وسار بأهله
حتى وصل إليها، ففي لحظة دخوله عليه
السلام مع أهله استقبله يوسف عليه السلام
في مدخل مصر، وعجل به الحنان والشوق
إلى أبيه وأمه التي هي زوج أبیه، فقربهما إليه،
وطلب منهما ومن أهله أن يقيموا في مصر
آمنین سالمین بإذن الله، وسار الرکب داخل
مصر حتى بلغ دار يوسف عليه السلام،
فدخلوها وصدر يوسف أبويه، فأجلسهما
على سرير، وغمر يعقوب وأهله شعور
بجلیل ما هیا الله لهم علی یدي یوسف؛ إذ
جمع به شمل الأسرة بعد الشتات ونقلها إلى
مكان عظيم من العزة والتكريم.
فحيوه تحية مألوفة تعارف الناس عليها
في القديم للرؤساء والحاكمين، وأظهروا
الخضوع لحكمه، فأثار ذلك في نفس
يوسف ذكرى حلمه وهو صغير، فقال
لأبيه: هذا تفسير ما قصصت عليك من قبل
من رؤيا، حين رأيت في المنام أحد عشر
كوكبًا والشمس والقمر ساجدين لي، قد
حققه ربي، وقد أکرمني وأحسن إلي، فأظهر
براءتي، وخلصني من السجن، وأتی بکم من
البادية؛ لنلتقي من بعد أن أفسد الشيطان بيني
وبین إخوتي، وأغراهم بي.
وما کان لهذا کله أن یتم لولا تقدیر الله،
فهو المدبر والمسخر لكل أمر، نافذ الإرادة،
وهو المحيط علمًا بكل شيء، البالغ حكمه
في كل تصرف وقضاء (١).
٤. العفو عن سيئات الأبناء مهما عظمت.
قال تعالى: ﴿قَالُواْيَتَبَنَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُّوَنَا
إِنَّا كُنَّا خَطِعِينَ﴾ [يوسف: ٩٧].
حيث طلب بنو يعقوب صلى الله عليه
وسلم من أبيهم أن يسأل الله تعالى لهم أن
يعفو عنهم، ويستر ذنوبهم، فهم المقرون
بأنهم كانوا خاطئين فيما فعلوا بيوسف عليه
السلام وشقيقه، فوعدهم أنه سوف يستغفر
لهم الله تعالى رب يعقوب عليه السلام وكل
الخلق(٢).
٥. القدوة الصالحة للتعلم من الأخطاء
وعواقبها.
قال تعالى: ﴿يَبَنِىّ ءَادَمَ لَا يَفْئِنَنَّكُمُ
الشَّيْطَانُ كُمَا أَخْرَجَ أَبَوَيُّكُمٍ مِنَ الْجَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا
لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَ تِهِمَاْ إِنَّهُ يَرَّكُمْ هُوَ رَقَبِيلُهُ.
مِنْ حَيْثُ لَاتََّوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَطِينَ أَوْلِيَّةٌ لِلَّذِينَ
لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ٢٧].
فإن التحذير من فتنة الشيطان قرن بشاهد
عملي يكشف عن فتنه لأبينا آدم صلى الله
عليه وسلم، وقد سبقت الإشارة إليه.
(١) انظر: المنتخب في تفسير القرآن الكريم، لجنة
من علماء الأزهر، ص٣٤٩.
(٢) انظر: التفسير الميسر، نخبة من أساتذة
التفسير، ص٢٤٧.
www. modoee.com
٢٢٧

حرف الألف
٢. الآثار في الآخرة:
١. النجاة من غضب الله تعالى، ومن
عذابه.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قُواْ أَنْفُسَكُو
وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَاَلْحِجَارَةُ عَلَيْهَا
مَكَتَكَةُ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهُ مَّا أَمَرَهُمْ
وَيَفْعَلُونَ مَايُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
ووقاية الأهل والأولاد، بتأديبهم
وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا
يسلم العبد إلا إذا أقام أوامر الله في نفسه،
وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات
والأولاد، وغيرهم(١).
٢. إلحاق الذرية بالآباء فى الجنة.
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَانَبَعَنْهُمْ
ذُرِّيَّفُهُم بِمَنٍ ◌َلْتَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَمَا أَلَنَّتَهُم
مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٌّ كُلُّ أَمْرِيٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
[الطور: ٢١].
وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في
المبحث التاسع.
ثانيًا: آثار اتباع الأبوة الضالة في الدنيا
والآخرة
١. الآثار في الدنيا:
١. التكذيب بالحق وعدم الاستجابة له.
قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْقَوْلَ أَمْ جَآءَ هُمْ مَّا لَوْ
يَأْتِ ءَابَآءَ هُمُ الْأَوَّلِينَ (٥) أَمْ لَمْ يَعْرِفُواْ رَسُولَهُمْ فَهُمْ
(١) تيسير الكريم الرحمن، السعدي، ص ٨٧٤.
لَهُ مُنكِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٨ - ٦٩].
أي: أفلم يتدبروا القرآن (٢)، ويتفكروا بما
فيه، أم جاءهم ما لم يأت لآبائهم الأولين،
أم أنهم لم يعرفوا نسب الرسول صلى الله
علیه وسلم، فهم له جاحدون حاسدون؛ بل
يقولون به جنون، بل جاءهم بالحق الذي
لا ینکرونه، ولکن أکثرهم یتعامل مع الحق
بجحود (٣)، ولا شك أن اتباع هدي الآباء
هو الذي أورثهم إلى هذه المعاندة، وهذا
التكذيب، بما يستحقون بعده غضب الله
تعالی.
٢. قلب الحقائق والتدليس فيها.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا
عَلَيْهِ مَابَلْءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِيَّءُ فِ اَلْأَرْضِ وَمَا
فَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٧٨].
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن الكفار
قالوا لموسى صلى الله عليه وسلم: هل
جئتنا لتصرفنا وتحولنا عما وجدنا عليه
آباءنا، فقد وجدناهم عبدة أوثان، ونحن
على دينهم، وتريد أن يكون لك ولهارون
الملك والسلطان في الأرض، وما نحن
لكما بمصدقين، وإنما سمي الملك كبرياء؛
لأنه أعظم ما يطلب من أمر الدنيا (٤).
٣. اتباع الأبناء لعاطفة الدم، لا لتحكيم
(٢) انظر: غريب القرآن، ابن قتيبة، ص٢٥٦.
(٣) انظر: تفسير السمر قندي، ٤٨٦/٢.
(٤) انظر: تفسير القرآن العزيز، ابن أبي زمنين،
٢٦٩/٢.
٢٢٨
القرآن الكريم

الأبوة
العقل، المؤيد بالدليل الشرعي.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَّبِعُواْ مَآ أَنزَلَ
اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِءَ ابَآءَنَاْ أَوْلَوْ كَانَ
ءَابَآ ؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
[البقرة: ١٧٠].
فإن العاطفة التي سيطرت على عقول
وقلوب الأبناء، دونما هدایة تذکر، فعمیت
قلوبهم وعقولهم، واتبعوا ما وجدوا عليهم
آباءهم من عبادة غير الله تعالی.
٤. افتراء الكذب على الله تعالى.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا
عَلَيْهَا ءَابَأَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَأْ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُ
بالْفَحْشَدِ أَتَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[الأعراف: ٢٨].
فقد احتج هؤلاء المشركون بأمرين:
أولهما تقليد الآباء، والآخر الافتراء على
الله تعالى، فكانت إجابة القرآن الكريم على
الأمر الثاني لفعل الفاحشة، بأن الله تعالى
لا يأمر بالفحشاء(١)، وإن تقليدهم الأعمى
لآبائهم جعلهم يؤمنون بعد حقبة من
الزمن من هذا التقليد الأعمى بأن التزامهم
بالفحشاء أصبح أمرًا یینی علی دلیل وإقرار
من الله تعالى.
٥. التقليد الأعمى للشرك بالله.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَاْ ءَابََّنَا كَذَِّكَ
يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٧٤].
(١) انظر: أنوار التنزيل، البيضاوي، ١٠/٣.
يقول القرطبي رحمه الله: ((فنزعوا إلى
التقليد من غير حجة ولا دليل)»(٢).
٢. الآثار في الآخرة:
ولعل أوضح هذه الآثار هو الاستجابة
لدعوة الشيطان إلى دخول جهنم، كما ورد
في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُ أَتَِّعُواْمَآ أَنَزَلَ
اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ مَابَآءَنَا أَوَلَوْ
كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾
[لقمان: ٢١].
أي: وإذا قيل لهؤلاء الكفار من قبل
الأنبياء أو الدعاة عمومًا: اتبعوا ما أنزل الله
تعالى من القرآن الذي ملئ هدىّ وموعظة،
وشفاء لما في الصدور، عندها يكون رد
هؤلاء الكفار: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا
من عبادة غير الله تعالى.
فيأتي الرد القرآني: أفيتبعونهم، وإن
الشيطان يدعوهم إلى العذاب الأبدي في
السعير يوم القيامة؟(٣)، ولا شك أن تقليد
آبائهم كان مدخلًا عظيمًا لفتنة الشيطان التي
تسوق أتباعه إلى جهنم.
(٢) الجامع لأحكام القرآن، ١٠٩/١٣ - ١١٠.
(٣) انظر: لباب التأويل، الخازن، ٣/ ٤٠٠.
www. modoee.com
٢٢٩

حرف الألف
صلاح الآباء وأثره على الأبناء
إن مكانة الأبوة الصالحة بلغت ذروتها
في ديننا الحنيف، فقد سجل القرآن الكريم
هذه المكانة؛ لتبلغ بركتها حفظ الأبناء غالبًا،
بحسب درجة الإيمان التي يلتزمها الأب من
جهة، وبحسب التقدیر الإلهي الذي لا يعلم
حكمته إلا الله تعالى من جهة أخرى.
أولًا: حفظ الأبناء بصلاح الآباء:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا
اْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَمَّيْنِ يَنِيمَيْنِ فِ اَلْمَدِينَةِ وَكَانَ
تَحْنَهُ، كَنَزُ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَدِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ
أَنْ يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِمَا كُنْزَهُمَا رَحْمَةٌ مِّن
رَّبِكْ وَمَا فَعَلْنُهُ، عَنْ أَمْرِىَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع
عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨٢].
وتأتي هذه الآية الكريمة في سياق
الحديث عن رحلة العلم، التي قضاها
نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم مع
الخضر عليه السلام، وتجيب هذه الآية عن
المرحلة الثالثة من مراحل التعلم، حينما
مرا على قرية، فأبى أهلها أن يضيفوهما،
فوجدا جدارًا شارف على الانقضاض،
فأقامه الخضر عليه السلام، فقال نبي الله
موسى عليه السلام مستغربًا: إن كنت قائمًا
هذا الجدار فخذ أجرتك، ففارقه الخضر
عليه السلام؛ لأنهما اتفقا على ألا يسأله
عن شيء حتى يخبره الخضر عليه السلام
ابتداءً، حيث تذكر هذه الآية إخبار الخضر
عليه السلام لنبي الله موسى عليه السلام
عن قصة الجدار بأنه كان لغلامين يتيمين في
المدينة، وكان تحت هذا الجدار كنزٌ لهما،
وكان أبوهما من أهل الصلاح، حيث ذكر
أنھما حفظا بصلاح أبیھما، ولم یذکر منهما
صلاح، فقدر الله تعالى أن يبقى هذا الجدار
حتى يبلغا أشدهما ورشدهما، وهيأ لذلك
الأسباب، فأعلم الخضر عليه السلام بعلمه
وتقدیره، وکل هذا رحمة من الله تعالى،
رب كل شيء.
ثم يبين الخضر عليه السلام درسًا في
التأدب مع الله تعالى، فيقول: وما فعلت
ذلك الأمر عن رغبةٍ عشوائية مني، بل إن
ذلك بتقدير الله تعالى، ويختم الآية بقوله:
ذلك الأمر والأمران السابقان اللذان سألتني
عنهما، هم جميعًا تأويل الذي لم تستطع أن
تصبر على الوصول إلى معرفته في الوقت
المناسب (١).
ويستفاد من هذه الآية أمور أن الله تعالى
یحفظ للرجل الصالح ولده، وولد ولده، بل
وعشيرته التي هو فيها(٢).
ثانيًا: لا يلزم من صلاح الآباء صلاح
الأبناء:
ويظهر ذلك في قوله تعالى: ﴿وَهِىَ
(١) انظر: الكشف والبيان، الثعلبي، ١٨٨/٦.
(٢) انظر: المصدر السابق.
٢٣٠
مُؤَسُولَةُ النَّفِيَة
القرآن الكْرِيْمِ