Indexed OCR Text

Pages 1-20

مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقُرْآن الْكِرِيْمِ
الآيات الكونيةُ
عناصر الموضوع
مفهوم الآيات الكونية
٨٦
الألفاظ ذات الصلة
٨٨
حكمة القسم بالآيات الكونية
٨٩
٩٣
استدلال القرآن بالآيات الكونية
١٠٤
أساليب القرآن في الحث على التفكر
١١٢
الآيات الكونية في المثل القرآني
١٢٠
الإشارات الإعجازية لعلوم الكون في القرآن
ضوابط التفسير العلمي للآيات المتعلقة بالكون ١٣١
المُجَلَدَ الأول

حرف الألف
مفهوم الآيات الكونية
أولًا: المعنى اللغوي:
فأما لفظ الآية:
فتطلق في اللغة العربية على إطلاقين:
الأول: إن الآية هي: العلامة، وهذا هو المشهور في كلام العرب (١).
قال الراغب: ((الآية هي: العلامة الظاهرة، وحقيقته لكل شيء ظاهر، وهو ملازم لشيء
لا يظهر ظهوره، فمتى أدرك مدرك الظاهر منهما علم أنه أدرك الآخر الذي لم یدر که بذاته،
إذ كان حكمهما سواء، وذلك ظاهر في المحسوسات والمعقولات، فمن علم ملازمة العلم
للطريق المنهج، ثم وجد العلم علم أنه وجد الطريق، وكذا إذا علم شيئًا مصنوعًا علم أنه لا
بد له من صانع» (٢).
الثاني: إن الآية تأتي بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم (٣).
وأما لفظ الكون:
فالكون لغة: الوجود المطلق العام، واسم لما يحدث دفعة، كحدوث النور عقب الظلام
مباشرة، وقيل: الكون حصول الصورة في المادة بعد أن لم تكن حاصلة فيها (٤).
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عُرفت الآية بعدة تعريفات، أهمها:
عرفها ابن عطية بقوله: ((الآية: العلامة المنصوبة للنظر والعبرة)) (٥).
وعرفها البيضاوي بقوله: ((الآية في الأصل: العلامة الظاهرة، ويقال للمصنوعات من
حيث إنها تدل على وجود الصانع وعلمه وقدرته)) (٦).
وعرفها ابن عاشور بقوله: ((الآية: أصلها العلامة الدالة على شيء، من قول أو فعل،
(١) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١٦٨/١، لسان العرب، ابن منظور ٦١/١٤، تاج العروس، الزبيدي ٣٧/
١٢٢.
(٢) المفردات ص١٠١.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١ / ١٦٨، لسان العرب، ابن منظور ١٤ / ٦٢.
(٤) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ١٨٨، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ / ٨٠٦.
(٥) المحرر الوجيز ٤٤٢/٣، وانظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٣/ ٤٥٦.
(٦) أنوار التنزيل ١ / ٧٤.
جَوَس ◌َر النفسية
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
٨٦

الآيات الكونية
وآيات الله الدلائل التي جعلها دالة على وجوده، أو على صفاته، أو على صدق رسله، ومنه
آيات القرآن التي جعلها الله دلالة على مراده للناس)» (١).
وقال الشنقيطي: ((الآية تطلق في القرآن العظيم على إطلاقين:
الأول منهما: إطلاق الآية على الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله تعالى:
تِلْكَ ءَايَكُ اُللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [البقرة: ٢٥٢].
وأما الثاني: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِخَلْقِ
السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَاَلنَّهَارِ لَآَيَتٍ لِّأُوْلِى الْأَلْبَبِ ﴾ [آل عمران: ١٩٠].
أي: علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب
المعبود وحده جل وعلا»(٢).
وأما الكون اصطلاحًا فهو: مجموع الموجودات الكائنة من مختلف صور المادة والطاقة
والزمان والمكان وما تتشكل عليه من كافة الجمادات والأحياء (٣).
ثالثًا: معنى الآيات الكونية:
الآيات الكونية هي: الآيات المنسوبة إلى الكون الذي هو الخلق الذي كونه الله تعالى
فكان، وذلك: السماوات والأرض والجبال والسهول والأنهار والشمس والقمر والنبات
والحيوان والجماد، وخلق الإنسان، وآيات الله عز وجل في الآفاق، وما فيهما وما بينهما
من سائر المخلوقات (٤).
(١) التحرير والتنوير٦/ ٢٨٧.
(٢) أضواء البيان٣ / ٢٢٣.
(٣) ويكيبيديا الموسوعة الحرة، تعريف الكون، استحضر في ٢٠١٥/٠/٠٦ م.
(٤) انظر: أيسر التفاسير، الجزائري ١ / ١٤١.
www. modoee.com
٨٧

حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
العلامة:
١
العلامة لغةً:
العلامة لغةً: بتخفيف اللام المفتوحة الأمارة وعلامة الشيء ما يعرف به (١).
العلامة اصطلاحًا:
ما يستدل به من آثار، سواء كان على طريق، أو أي شيء (٢).
الصلة بين الآية والعلامة:
أن الآية هي العلامة الثابتة من قولك: تأييت بالمكان إذا تحبست به وتثبت، والآية تشمل
العلامة والدليل القاطع (٣).
الأمارة:
٢
الأمارة لغةً:
هي: العلامة (٤).
الأمارة اصطلاحًا:
التي يلزم من العلم بها الظن بوجود المدلول، كالغيم بالنسبة إلى المطر، فإنه يلزم من
العلم به الظن بوجود المطر (٥)، وقد يطلق على الدليل القطعي أيضًا (٦).
الصلة بين الآية والأمارة:
إن الأمارة هي العلامة الظاهرة، ويدل على ذلك أصل الكلمة، وهو الظهور، ومنه قيل:
أمر الشيء إذا كثر ومع الكثرة ظهور الشأن، ومن ثم قيل: الأمارة لظهور الشأن (٧).
(١) انظر: دستور العلماء، القاضي نكري ٢ / ٢٦٨.
(٢) انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ٢ / ٦٢٤.
(٣) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٧١.
(٤) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ١٣٩، لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٣٣.
(٥) انظر: التعريفات، الجرجاني ص ٣٦.
(٦) انظر: معجم مقاليد العلوم، السيوطي، ص ٧٧، دستور العلماء، القاضي نكري ١/ ١٢١.
(٧) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ص ٧٢.
مَوَسوبر النشيد
القرآن الكريم
٨٨

الآيات الكونية
حكمة القسم بالآيات الكونية
إن المتأمل في القرآن الكريم يجد أن الله
تعالى قد أقسم بكثير من الآيات الكونية في
مثل قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ
وَإِنَّهُ، لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ )
[الواقعة: ٧٥ - ٧٦].
وقوله تعالى: ﴿وَفِ الْأَرْضِ ءَايَتٌ لِلْمُوقِنَ
وَفِ
وَفِيَ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ (١)
٢٠
فَوَرَبِّ السَّمَاِ
٢٢
السَّمَاِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ
وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌ مِثْلَ مَآ أَنَّكُمْ نَنطِقُونَ
٢٣
[الذاريات: ٢٠- ٢٣].
وقوله تعالى: ﴿وَالسَِّ وَالشَّارِقِ ) وَمَا أَدْرَئِكَ مَا
الطَّارِقُ النَّهُ الَّاقِبُ نْ إِن كُلُّ نَفْسِ لَّاً عَلَيْهَا حَافِظٌ
٢ فَيَظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ ٥ خُلِقَ مِن مَّلِّ دَافِقٍ
﴾ [الطارق: ١ - ٦].
وقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَيَالٍ عَشْرٍ
٢) وَالشَّفْعِ وَالْوَتِْ ) وَلَيْلِ إِذَا يَسْرِ هَلْ فِي
ذَلِكَ قَسَمٌ لَّذِىِحِجْرٍ ٥﴾ [الفجر: ١ -٥].
وقوله تعالى: ﴿لَا أَقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ
◌ِلٌّ بِهَذَا الْلَدِ ) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ الَقَدْ خَلَقْنَا
الْإِنسَنَ فِ كَبَدٍ لْ أَيَحْسَبُ أَن لَّنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ
[البلد: ١- ٥].
وقوله تعالى: ﴿وَالثَّمْسِ وَشُحَتَهَا وَالْقَمَّرِ
إِذَا ذَلَهَا وَلنَّهَارِ إِذَا جَلَّنَا وَأَلَّيْلِ إِذَا يَغْشَنْهَا
﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَنَهَا وَالْأَرْضِ وَمَا تَنْهَا
٢) وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا ، فَأْمَهَا ◌ُرَهَا وَتَقْوَنُهَا
٦
ثقَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَّكَّتَهَا ﴾ [الشمس: ١-٩].
وقوله تعالى: ﴿وَلَّلِ إِذَا يَغْشَىِ وَالنَّارِ
إِذَا تَجُلَّى ) وَمَا خَلَقَ الذُّكَرَ وَالْأُنثَ إِنَّ سَعْيَكٌ لَشَقَّ
٥﴾ [الليل: ١-٤].
وقوله تعالى: ﴿وَالضُّحَى )) وَلَيْلِ إِذَا سَجَى
﴿ مَا وَدَّعَكَ رَبِّكَ وَمَا قَلَى ))﴾ [الضحى: ١-٣].
وقوله تعالى: ﴿وَأَلِّيْنِ وَالزَّبُونِ ) وَطُورٍ
سِينَ ، وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ الَقَدْ خَلَقْنَا اُلْإِنسَنَ
فِيَ أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾ [التين: ١-٤].
وأسلوب القسم في القرآن الكريم
طريق من طرق توكيد الكلام وإبراز معانيه
ومقاصده على النحو الذي يريده المتكلم،
إذ يؤتى به لدفع إنكار المنکرین أو إزالة شك
الشاکین (١).
ويمكن بيان الحكمة في القسم بالآيات
الكونية فيما يأتي:
١. إن القسم بالآيات الكونية في القرآن
الكريم له حكم عظيمة، ومقاصد كثيرة،
وفي طياته مواطن للعظة والعبرة، ومجالات
رحبة للتأمل والنظر، ولطائف خفية يكتشفها
المؤمن بنور بصيرته، فيزداد بها يقينًا يسمو
به إلى مراتب العارفين بربهم جل جلاله
وعز شأنه.
٢. إن القسم في القرآن الكريم لا يكون
(١) انظر: دراسات في علوم القرآن، محمد بكر
إسماعيل، ص ٣١٨.
www. modoee.com
٨٩

حرف الألف
إلا باسم معظم في ذاته أو لمنفعة فيه، أو الأقسام بنفس فعله تعالى فيكون قد أقسم
بالمصنوع الدال عليه وبصنعته الدالة على
للتنبيه على كوامن العبرة فيه، فقد أقسم
الله تعالى بالنجم والشمس والقمر، والليل
والنهار، والسماء والأرض، والخيل، والتين
والزيتون، وطور سنين، والبلد الأمين، وغير
ذلك من مخلوقاته، لكونها إما معظمة عند
الله تعالى أو لما فيها من دلائل القدرة،
وآيات العظمة، أو مواطن العبرة (١).
کمال علمه وقدرته و حکمته و توحیده، ولما
كانت حركة الشمس والقمر والليل والنهار
أمرًا یشهد الناس حدوثه شيئًا فشيئًا ويعلمون
أن الحادث لا بد له من محدث كان العلم
بذلك منزلًا منزلة ذكر المحدث له لفظًا فلم
يذكر الفاعل في الأقسام الأربعة)»(٣).
٣. إن إقسام الله تعالى بهذه الأمور ينبئ
عن شرفها، وأن فيها فوائد دينية ودنيوية،
مثل کونها دلائل باهرة على التوحيد، أو
توجب الحث على الشكر.
قال القرطبي: قد يقسم الله تعالى
بأسمائه وصفاته لعلمه، ويقسم بأفعاله
لقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ
وَآلْأُفَ﴾ [الليل: ٣]، ويقسم بمفعولاته،
منعه، كما قال: ﴿وَالشَّمْسِ وَمُحَنِهَا
[الشمس: ١]. وقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا
[الشمس: ٥]. وقال تعالى: ﴿وَالسَِّ
بَنَا ن
[الطارق: ١] (٢)
وَالطَارِفِ ( ١) ﴾
قال ابن القيم: ((وقد تضمن هذا
القسم الأقسام بالخالق والمخلوق فأقسم
بالسماء وبانيها والأرض وطاحيها والنفس
ومسويها، وقد قيل إن مصدرية فيكون
(١) انظر: دراسات في علوم القرآن، محمد بكر
إسماعيل، ص ٣١٨.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ٢٠٪
٤١، التفسير المنير، الزحيلي ٢٧ / ٩٨.
٤. إن القسم بالآيات الكونية في القرآن
الکریم تو کید، أو تعظیم، أو تنبیه علی ما فیھا
من عظات وعبر، ونفع وضرر (٤).
فمن التوكيد، نحو قوله تعالى:
فَالزَّجَرَتِ زَجْرًا
﴿وَالصَّفَّتِ صَنَا ))
فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَبِدٌ الْ رَبُّ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَرِقِ
﴿ إِنَّا زَبَّنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِينَةِ الْكَوَاكِ
[الصافات: ١- ٦].
* فَلَآّ
ومن التعظيم: قوله تعالى:
أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ اَلتُّجُومِ ﴿ وَإِنَّهُ، لَقَسَمٌ لَّوْ
(٣)﴾ [الواقعة: ٧٥-٧٦].
تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ
ومن التنبيه: قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى
مَا ضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَىْ ل وَمَا يَنطِقُ عَنِ
الَوَى ٣
﴾ [النجم: ١- ٣].
وقوله تعالى: ﴿فَلَ أُقْسِمُ بِمَا تُصِرُونَ (٥) وَمَا
لَتُبُّصِرُونَ (٦) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ، وَمَا هُوَ بِقَوْلِ
(٣) التبيان في أقسام القرآن ص ١٨.
(٤) انظر: دراسات في علوم القرآن، محمد بكر
إسماعيل، ص ٣٢٠.
جَوَسُولَةُ النَفسِيد
القرآن الكريم
٩٠

الآيات الكونية
شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ )﴾ [الحاقة: ٣٨-٤١].
وقوله تعالى: ﴿فَلَآَ أُقِمُ بِالْخُنَِّ ل الْجَوَارِ
الْكُتَسِ وَلَّيْلِ إِذَا عَسْمَسَ وَالصُّيْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
﴿ إِنَّهُ لَّقَوْلُ رَسُولٍ كَرٍِ ٢ ذِى قُوَّةٍ عِندَ ذِى الْمَرْشِ
﴾ [التكوير: ١٥ - ٢٠] (١).
مَكِينِ ن)
٥. أقسم الله عز وجل بهذه المخلوقات
لما فيها من عجائب الصنعة الدالة عليه،
وأراد أن ينبه عباده دائمًا بأن يذكر في القسم
أنواع مخلوقاته المتضمنة للمنافع العظيمة،
حتى يتأمل المكلف فيها، ویشکر عليها؛ لأن
الذي يقسم الله تعالی به يحصل له وقع في
القلب، فتكون الدواعي إلى تأمله أقوى (٢).
قال الإمام ابن القيم: ((ومن ذلك قسمه
سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيْلِ إِذَا يَفْشَىِ وَالنَّهَارِ إِذَا
تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذّكَرَ وَالْأُمْفَ﴾ [الليل: ١ -٣].
وقد تقدم ذكر القسم عليه وأنه سعي
الإنسان في الدنيا وجزاؤه في العقبى، فهو
سبحانه یقسم بالليل في جميع أحواله؛ إذ هو
من آياته الدالة عليه فأقسم به وقت غشيانه
وأتى بصيغة المضارع؛ لأنه يغشى شيئًا بعد
شيء، وأما النهار فإنه إذا طلعت الشمس
ظهر وتجلى وهلة واحدة، ولهذا قال في
سورة الشمس وضحاها ﴿وَالتَّهَارِ إِذَا جَلَّنَهَا
وَالَّيْلِ إِذَا يَغْشَنَا ﴾ [الشمس: ٣-٤].
وأقسم به وقت سریانه، وأقسم به وقت
(١) المصدر السابق ص ٣٢١.
(٢) انظر: التفسير المنير، الزحيلي ٣٠ / ٢٦١.
إدباره وأقسم به إذا عسعس، فقيل: معناه
أدبر، فيكون مطابقًا لقوله: ﴿وَلَيْلِ إِذْ أَدْبَرَ
وَالصُّبْحِ إِذَّا أَسْفَرَ
[المدثر: ٣٣-٣٤].
وقيل: معناه أقبل، فيكون كقوله: ﴿وَالَِّلِ
إِذَا يَفْشَىْ( ) وَالنَّهَارِ إِذَا تَ() فیکون قد أقسم
بإقبال الليل والنهار، وعلى الأول يكون
القسم واقعًا على انصرام الليل ومجيء
النهار عقیبه، وكلاهما من آيات ربوبيته.
ثم أقسم بخلق الذكر والأنثى، وذلك
يتضمن الأقسام بالحیوان کله على اختلاف
أصنافه ذكره وأنثاه.
وقابل بين الذكر والأنثی کما قابل بين
الليل والنهار، وكل ذلك من آيات ربوبيته
فإن إخراج الليل والنهار بواسطة الأجرام
العلوية؛ كإخراج الذكر والأنثى بواسطة
الأجرام السفلية، فأخرج من الأرض ذكور
الحیوان وإناثه على اختلاف أنواعها، كما
أخرج من السماء الليل والنهار بواسطة
الشمس فیھا.
وأقسم سبحانه بزمان السعي، وهو الليل
والنهار، وبالساعي وهو الذكر والأنثى على
اختلاف السعى، كما اختلف الليل والنهار،
والذكر والأنثى، وسعيه وزمانه مختلف،
وذلك دليلٌ على اختلاف جزائه وثوابه،
وأنه سبحانه لا يسوي بين من اختلف سعيه
في الجزاء، كما لم يسوٍ بين الليل والنهار،
www. modoee.com
٩١

حرف الألف
والذكر والأنثى»(١).
٦. إن القسم من المؤكدات المشهورة
التي تمکن الشيء في النفس و تقویه، وقد
نزل القرآن الكريم للناس كافة، ووقف
الناس منه مواقف متباينة، فمنهم الشاك،
ومنهم المنكر، ومنهم الخصم الألد.
فالقسم في كلام الله يزيل الشكوك، ويحبط
الشبهات، ويقيم الحجة، ويؤكد الأخبار،
ويقرر الحكم في أكمل صورة، وإنما أقسم
الله بمخلوقاته؛ لأنها تدل على بارئها، وهو
الله تعالى، وللإشارة إلى فضيلتها ومنفعتها؛
ليعتبر الناس بها (٢).
٧. إن الله سبحانه أقسم بكثير من
مخلوقاته العظيمة، دلالة على عظم مبدعها،
لما فيه من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال
الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات
رحمته، ألا يترك عباده سدى عظات بالغة،
وآيات ناطقة بوحدانية الله تعالى وعظيم
قدرته على تصريفها، وإرسالها نعمة على
قوم، ونقمة على آخرين، وجعل فيها الحياة
للإنسان والحيوان والنبات، وصنفها وفق
حکمته أصنافًا شتى، وجعل لكل صنف منها
وظيفة كونية خاصة، فمنها ما يذرو النبات
ويحركه؛ لينمو ويزدهر، ومنها ما يحمل
السحب المثقلة بالماء، ومنها ما يجري بهذه
انظر: التبيان في أقسام القرآن، ص ٥٥.
(١)
(٢) انظر: مباحث في علوم القرآن، مناع القطان،
ص ٣٠٣.
السحب في يسر وخفة إلى حيث شاء الله
جل جلاله، ومنها ما ينزل المطر من هذه
السحب بقدر معلوم إلى أماكن محدودة.
ومنها ... ومنها (٣).
٨. إن هذه الأقسام التي أقسم الله بها
ما هي إلا دعوة للتأمل والنظر في كل آية
من آيات الكون الدالة على خالقها سبحانه
وحكمته وقدرته(٤)، فمن ذلك أن الله تعالی
(«أقسم بالشمس: إما على التنبيه منها على
الاعتبار المؤدي إلى معرفة الله تعالی، وإما
على تقدير ورب الشمس، والضحى: ارتفاع
ضوء الشمس وإشراقه، قاله مجاهد» (٥).
(٣) تفسير المراغي ٢٧/ ١٥٠.
(٤) دراسات في علوم القرآن، محمد بكر
إسماعيل، ص ٣٢٥.
(٥) انظر: الجواهر الحسان، الثعالبي ٥ / ٥٩٤.
٩٢
مَوْسُورُ
القرآن الكريم

الآيات الكونية
استدلال القرآن بالآيات الكونية
أولًا: الوحدانية:
استدل القرآن الكريم على وحدانية الله
تعالى بالآيات الكونية.
قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَحَّةٌ لَّا إِلَهَ إِلَّا
هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ ( إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ أَلَيْلِ وَالنَّهَارِ وَاَلْفُلْكِ الَّتِى
◌َجْرِى فِى الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ
السَّمَآءِ مِن ◌َّآءٍ فَأَعْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِن كُلِ دَآبَةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَجِ وَالسَّحَابِ
اَلْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَآءِ وَاَلْأَرْضِ لَيَاتٍ لِّقَوْمٍ
﴾ [البقرة: ١٦٣ -١٦٤].
يَعْقِلُونَ
فهذهالآيات تدل على أنه واحد عز وجل،
فأما آية السماء فمن أعظم الآيات؛ لأنها
سقف بغير عمد، والآية في الأرض عظيمة
فيما يرى من سهلها وجبلها وبحارها، وما
فيها من معادن الذهب والفضة والرصاص
والحدیداللاتي لا یمکن أحد أن ينشئ مثلها،
وكذلك في تصريف الرياح، وتصريفها أنها
تأتي من كل أفق فتكون شمالًا مرة وجنوبًا
مرة، ودبورًا مرة وصبًا مرة، وتأتي لواقح
للسحاب.
فهذه الأشياء وجميع ما بث الله في
الأرض دالة على أنه واحد، كما قال عز
وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَجِدٌ﴾ لا إله غيره؛ لأنه
لا يأتي بمثل هذه الآيات إلا واحد (١).
قال ابن كثير: ((﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ
وَالْأَرْضِ﴾ تلك في ارتفاعها ولطافتها
واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت
ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها
وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها
ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع،
واختلاف الليل والنهار، هذا يجيء ثم
يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه
لحظة، كما قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ بَلْبَغِى
لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا أَلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلِّ فِى
فَلَكِ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: ٤٠].
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى خَلَقَ الَّيْلَ
وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَّرَ كُلُّ فِى فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
﴾ [الأنبياء: ٣٣].
٣٣
وتارة يطول هذا ويقصر هذا، وتارة يأخذ
هذا من هذا ثم يتعاوضان، كما قال تعالى:
﴿يُولِجُ الَّيْلَ فِ النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّارَ فِ الَّلِّ وَهُوَ عَلِيمْ
[الحديد: ٦] أي: يزيد من
بِذَّاتِ الصُّدُورِ (
هذا في هذا ومن هذا في هذا)) (٢).
وكذلك قوله جل شأنه: ﴿إِنَّ فِ السَّمَوَّتِ
وَاْأَرْضِ لَيَاتٍ لِّلْمُؤْمِينَ ، وَفِ خَلْقِكُمْ وَمَايُثُمِن
كَبٍَّ مَايَّتٌّ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وَأَخْلَفِ الَِّلِ وَالنَّهَارِ وَمَا
أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَلِ مِن رِّزْقٍ فَأَحْيَا بِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا
(١) معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٣٧/١،
وانظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي
٢/ ١٩٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٤٤.
www. modoee.com
٩٣

حرف الألف
وَتَصْرِيفِ الرَّجِ ءَايَتْ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ل ◌ِلْكَ مَايَتُ
اَللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِآلْحَيِّ فَأَتِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللّهِ وَءَايَِ.
يُؤْمِنُونَ
﴾ [الجاثية: ٣- ٦].
HO
والمعنى: وفي خلق الله إياكم أيها
الناس، وخلقه ما تفرق في الأرض من دابة
تدب عليها من غير جنسكم ﴿مَايَتٌّ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ﴾ يعني: حُجَجًا وأدلةً لقوم يوقنون
بحقائق الأشياء، فيقرون بها، ويعلمون
صحتها (١).
وفي السماوات والأرض آیات ودلائل
كثيرة، منها:
وقوله سبحانه: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، أَنْ تَقُومَ
أنها أعظم الخلق.
أنها محكمة على اتساق ونظام، وهذا السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِ، ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً
مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَّخْرُجُونَ ﴿ وَلَهُ, مَن فِ
يدل على أن صانعها واحد.
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ كُلٌّ لَّهُ، قَمِنُونَ ٦ وَهُوَ
أنها ممسكة مع عظمها وثقل جرمها
بغير عمد.
الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْةٍ
وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِِّ وَهُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ ﴾ [الروم: ٢٥-٢٧].
والآيات والبراهين في خلق الإنسان
كثيرة، منها:
فجملة: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ، أَنْ تَقُومَ السَّمَآءُ
وَاْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، من أفانين
الاستدلال على الوحدانية والبعث، ومن
طرائق الموعظة لتطرية نشاط السامعين لهذه
خلق الإنسان على ما هو به من وضع
كل شيء في موضعه لما يصلح له،
وذلك يقتضي أن الصانع عالم بموضع
المصالحة.
جعل الحواس الخمس على الهيئة التي
انظر: جامع البيان، الطبري ٢٢/ ٥٩.
(١)
(٢) انظر: النكت في القرآن الكريم، القيرواني ص
٤٤٥.
(٣) مفاتيح الغيب ٢٤ / ٤٠٦.
٩٤
مَهُوَالَرُ التَفيِالموضوبي
لِلْقُرآن الكَرِيْمِ
تصلح لها، كل هذا في تدبير محكم (٢).
وقوله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ
فِيِ ذَلِكَ لَغِبْرَةُ لِأُوْلِ الْأَبْصَِ * وَاللَّهُ خَلَقَ كُلّ دَآبَةٍ
مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُمُ مَّن يَمْشِى عَلَى
رِحْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَآءُ
إِنَّ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيْرٌ لَّقَدْ أَنْزَلْنَآ ءَايَتٍ
تُبَيِنَتِ وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ
٦﴾ [النور: ٤٤-٤٦].
قال الرازي: ((اعلم أن هذا هو النوع
الثالث من الدلائل على الوحدانية، وذلك؛
لأنه لما استدل أولًا بأحوال السماء
يدل خلقها على خالق لها؛ لأنه لا يكون والأرض، وثانيًا بالآثار العلوية، استدل ثالثًا
بأحوال الحيوانات)» (٣).
بناء بغير بانٍ.

الآيات الكونية
الدلائل الموضحة المبينة
وقوله تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [لقمان: ٢٥].
(١)
ففي الآية إلزام للكافرين على إقرارهم
بأن الذي خلق السماوات والأرض هو
الله وحده، وأنه یجب أن یکون له الحمد
والشكر، وأن لا یعبد معه غيره.
قال الإمام الرازي: ((الآية متعلقة بما
قبلها من وجهين أحدهما: أنه تعالى لما
استدل بخلق السماوات بغير عمد وبنعمه
الظاهرة والباطنة بين أنهم معترفون بذلك
غير منكرين له، وهذا يقتضي أن يكون
الحمد كله لله؛ لأن خالق السماوات
والأرض يحتاج إليه كل ما في السماوات
والأرض، وكون الحمد كله لله يقتضي أن
لا یعبد غیرہ، لکنهم لا یعلمون ھذا» (٣).
وقوله عز وجل: ﴿وَءَايَةٌ لَّهُمُ الَّيْلُ نَسْلَخُ
وَالشَّمْسُ
مِنْهُ التَّهَارَ فَإِذَا هُمْ تُظْلِمُونَ )
تَجْرِى لِمُسْتَقَرِّ لَّهَأَ ذَلِكَ تَقْدِيُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ
(١) انظر: التحرير والتنوير، ابن عاشور ٢١ /
١١٨.
(٢) انظر: الكشاف، الزمخشري ٣/ ٥٠٠.
(٣) مفاتيح الغيب ٢٥ / ١٢٦.
وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَلْعُرْجُونِ
الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِى لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ
وَلَا أَلَيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلَّ فِ فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
٥)﴾ [يس: ٣٧ -٤٠].
قال الإمام الرازي: «لما استدل الله
بأحوال الأرض وهي المكان الكلي استدل
بالليل والنهار وهو الزمان الكلي، فإن دلالة
المكان والزمان مناسبة؛ لأن المكان لا
تستغني عنه الجواهر والزمان لا تستغني عنه
ثم قال: ﴿بَلِّ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أن
ذلك يلزمهم، وإذا نُبِهُوا عليه لم ينتبهوا أن الأعراض؛ لأن كل عرض فهو في زمان،
الله هو الغني عن حمد الحامدين، المستحق
للحمد، وإن لم یحمدوه (٢).
ومثله مذكور في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَتِهِ
الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ
لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُوْ اْلِلَّهِ الَّذِى
خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[فصلت: ٣٧].
ثم قال بعده: ﴿وَمِنْ ءَايَئِهِ= أَنَّكَ تَرَى
اُلْأَرْضَ خَشِعَةٌ فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيَّهَا أَلْمَآءَ أَهْتَزَّتْ
وَرَبَتَّ إِنَّ الَّذِىّ أَحْيَاهَا لَمُحْىِ الْمَوْقَةَّ إِنَّهُ, عَلَى كُلِّ
شَىْءٍ قَدِیرُ (٦)﴾ [فصلت:٣٩]- حيث استدل
بالزمان والمكان هناك أيضًا، لكن المقصود
أولًا هناك إثبات الوحدانية، بدليل قوله
تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾
[فصلت: ٣٧]) (٤).
والآيات الكونية التي استدل بها القرآن
على وحدانية الله تعالى كثيرة، وإنما يكفي
من ذلك التمثيل.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٦ / ٢٧٥.
www. modoee.com
٩٥

حرف الألف
ثانيًا: أحقية الله للعبادة:
استدل القرآن الكريم على أحقية الله
تعالى للعبادة بالآيات الكونية.
قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ أَعْبُدُواْ رَبَّكُمُ
أَّذِى خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ
O
بِنَآءَ وَأَنْزَلَ مِنَالسَّمَآءِ مَآءَ فَأَ خْجَ بِهِ، مِنَ الثَّمَرَاتِ
رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ
تَعْلَمُونَ (٣)﴾ [البقرة: ٢١-٢٢].
فقد استدل القرآن الكريم على أحقية
الله تعالى بالعبادة بآيات كونية، وهي أنه:
﴿الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَشًا وَالسَّمَآءَ بِنَآءَ
وَأَنْزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَأَخْجَبِهِ مِنَ الثَّمَرَّتِ رِزْقًا
والمعنى: أن الذي خلقكم وخلق آباءكم
وأجدادکم وسائر الخلق غیرکم، وهو يقدر
على ضركم ونفعكم أولى بالطاعة ممن لا
يقدر لكم على نفع ولا ضر (١).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَاُلْإِنسَ
إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن
يُطْعِمُونِ ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَنِينُ
[الذاريات: ٥٦-٥٨].
٥٨
استدل القرآن بالآيات الكونية وهي
خلق الجن والأنس على أحقية الله تعالى
للعبادة، والمعنى: وما خلقت السعداء من
الجن والإنس إلا لعبادتي، والأشقياء منهم
(١) انظر: جامع البيان، الطبري ١/ ٣٦٢.
لمعصيتي (٢)، ((أي: لينقادوا ويخضعوا
لي، وانقيادهم وخضوعهم هو استمرارهم
على مشيئته وحكمه، وهو معنى خضوع
السماوات
والأرضين وطواعيتها
وانقيادها)»(٣).
وفي الآية بين تعالى أنه ما خلق الخلق
إلا لیشتغلوا بعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا
خَلَقْتُ اَلْجِنَّ وَاَلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[الذاريات: ٥٦].
فلما شرح أحوال الشمس والقمر والنهار
والليل، كان المعنى: إنما خلقت هذه الأشياء
لتنتفعوا بها، فتصيروا متمكنين من الاشتغال
بطاعتي وخدمتي، وإذا كان كذلك، فكل من
ورد عرصة القيامة، سألته، هل أتى بتلك
الخدمة والطاعة، أو تمرد وعصى (٤).
﴿اَللَّهُ خَلِقُ كُلِّ
و قوله تعالى:
شَىْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴿ لَّهُ مَقَالِدُ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضُِّ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ بِشَايَتِ
اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ لَا
قُلْ أَفَغَيْرَ
٦٣
اللَّهِ تَأْمُرُوَّنِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَهِلُونَ ﴾ وَلَقَدْ أُوحِىَ
إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَيْنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ
عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ
وَكُنْ مِنَ الشَّكِرِينَ ﴿ وَمَا قَدَرُواْ اللَّهَ حَقَّ
قَدْرِهِ، وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
(٢) انظر: المصدر السابق ٢٢/ ٤٤٤.
(٣) تفسير القرآن، السمعاني ٥ / ٢٦٤.
(٤) انظر: اللباب في علوم الكتاب، ابن عادل ١٢ /
٢٢٥.
٩٦
القرآن الكريم

الآيات الكونية
وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتْ بِيَمِينِهِ، سُبْحَنَهُ الضَّوَعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللّهُ يُحِيطٌ بِالْكَفِرِينَ
١٩
يَكَادُ الْبَّقُّ يَخْطَفُ أَبْصَرَهُمْ كُلَّمَاً أَضَآءَ لَّهُم مَّشَوْأ
وَتَعَلَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [الزمر: ٦٢ -٦٧].
فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَآءَ اللَّهُ لَذَهَبَ
بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَرِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ
٢٠ ﴾ [البقرة: ١٩ - ٢٠].
(يقول تعالى ذكره: الله الذي له الألوهة
من كل خلقه الذي لا تصلح العبادة إلا له،
خالق كل شيء، لا ما لا يقدر على خلق
شيء، وهو على كل شيء و کیل، يقول: وهو
على كل شيء قيم بالحفظ والكلاءة)﴾ (١).
ويخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها
وملیکها والمتصرف فيها، وكل تحت تدبيره
وقهره وكلاءته، و قوله عز وجل: له مقالید
السماوات والأرض، قال مجاهد: المقاليد
هي المفاتيح بالفارسية، وكذا قال قتادة
وابن زيد وسفيان بن عيينة، وقال السدي:
له مقاليد السماوات والأرض أي خزائن
السماوات والأرض، والمعنى على كلا
القولين: أن أَزِمَة الأمور بيده تبارك وتعالى،
له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدیر(٢).
ثالثًا: قدرة الله:
ذكر الله تعالى بعض الآيات الكونية؛
كالمطر والسحاب والظلمات والبرق
والرعد.
قال تعالى: ﴿أَوْكَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَآِ فِيهِ
ظُلُمَتُ وَرَعْدٌ وَبِرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَبِعَهُمْ فِيَ ءَاذَانِم مِّنَ
(١) جامع البيان، الطبري ٢١/ ٣٢٠.
(٢) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ٧ /
١٠٠.
ثم ختم الآية بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَكُلِّشَىْءٍ
قَدِيرٌ﴾، مما يدل على أن هذه الآيات دليل
على قدرة الله تعالى.
كما استدل القرآن الكريم بآية تقليب
الليل والنهار، وآية كل دابة على كمال
قدرته.
قال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللّهُ الَّيْلَ وَالنَّهَارَّ إِنَّفِ
ذَلِكَ لَغِبْرَةً لِّأُوْلِ الْأَبْصَِ ) وَاللّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآَتَّقِين
مَّلَ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى بَطْنِهِ، وَمِنْهُم مَّنْ يَمْشِى عَلَى
رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِى عَلَى أَرْبَعْ يَقْلُقُ اللّهُ مَا يَشَآءَ إِنَّ
اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍقَدِيرٌ ﴾ [النور: ٤٤-٤٥].
وقد أمر الله تعالى بالنظر إلى آية كونية،
وهي آية المطر للاستدلال على قدرته
سبحانه.
قال تعالى: ﴿فَأَنْظُرْ إِلَى ءَاثَرِ رَحْمَتِ
اللَّهِ كَيْفَ يُحِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْنِهَاْ إِنَّ ذَلِكَ
لَمُحِى الْمَوْقَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[الروم: ٥٠].
والمعنى: أي: انظروا نظر استبصار
واستدلال، واستدلوا بذلك على أن من قدر
على ذلك قادرٌ على إحياء الموتى (٣).
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٤/
www. modoee.com
٩٧

حرف الألف
وقوله عز وجل:
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ
يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًّا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى
الظَّالِمُونَ إِلََّ كُفُورًا (١)﴾ [الإسراء: ٩٩].
(يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى
الله عليه وسلم: أولم ينظر هؤلاء القائلون
من المشركين: ﴿أَوِّذَا كُنَا عِظَمًا وَرُفَتَّا أَوِنَّا
[الإسراء: ٩٨]
لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا ﴾
بعیون قلوبهم، فیعلمون أن الله الذي خلق
السماوات والأرض، فابتدعها من غير
شيء، وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة
على أن يخلق مثلهم أشكالهم، وأمثالهم
من الخلق بعد فنائهم، وقبل ذلك، وأن من
قدر علی ذلك فلا يمتنع علیه إعادتهم خَلْقًا
جديدًا، بعد أن يصيروا عظامًا ورفاتًا)) (١).
رابعًا: البعث:
ذكر القرآن الكريم الآيات الكونية في
معرض الاستدلال على البعث والحشر إلى
الله تعالى يوم القيامة.
قال تعالى: ﴿وَلَيْنِ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ
السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلّ
لِلَّهِ مَا فِىِ السَّمَوَتِ
٢٥
أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
وَالْأَرْضِ إِنَّاللَّهَ هُوَ الْغَنِىُّ الْحِيدُ ، وَلَوْ أَنَّمَا
فِ اَلْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةِ أَقْلَهٌ وَالْبَحْرُ يَمُذُّهُ, مِنْ
بَعْدِهِ، سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَتُ اللَّهُ إِنَّ
◌ْ أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّاللَّهَ اَللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ قَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْتُكُمْ
إِلَّا كَنَفْسِ وَحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرُ ﴾﴾
[لقمان: ٢٥-٢٨].
فقد ذكر القرآن من الآيات الكونية
السماوات والأرض والشجر والأقلام
وجعلها دليلًا على أن الخلق والبعث ما هو
إلا كنفس واحدة.
وذكر الإمام الرازي: ((من الدلائل الدالة
على إمكان الحشر: الاستدلال باقتداره على
السماوات على اقتداره على الحشر، وذلك
في آيات، منها في سورة سبحان: ﴿ ﴿ أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ قَادِرُ
عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلَاً لََّ رَيْبَ فِيهِ
فَأَبَ الظَّالِمُونَ إِلََّّ كُفُورًا ﴾ [الإسراء: ٩٩].
وقال في يس: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِى خَلَقَ
السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ بِقَدِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمَّ
بَ وَهُوَ الْخَلَّقُ الْعَلِيمُ ﴾ [يس: ٨١].
وقال في الأحقاف: ﴿أَوَّلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللّهَ
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْىَ بِخَلْقِهِنَّ
بِقَدِرٍ عَلَى أَن يُحْفِىَ الْمَوْقَ بَلَّ إِنَّهُ، عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
قَدِيرٌ ﴾ [الأحقاف: ٣٣].
ومنها في سورة ق: ﴿أَإِذَا مِنْنَا وَكُنَا نُرَابًاً
ذَلِكَ رَجْعُ بَعِيدٌ ﴾ قَدْ عَلِيْنَا مَا نَنَقُصُ الْأَرْضُ
مِنْهُمَّ وَعِندَنَا كِتَبَّ حَفِيْظُ ل بَلْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ
لَمَّا جَآءَهُمْ فَهُمْ فِيِّ أَمْرٍ مَّرِيج ◌َن أَفَلَمْ يَنْظُرُوا
إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَيْنَهَا وَزَيَّتَهَا وَمَا لَهَا
مِن نُروچ چ)
بو
وَالْأَرْضَ مَدَدْنَهَا وَأَلْقَيْنَا فِيَهَا
٤٥.
(١) جامع البيان، الطبري ١٧ / ٥٦٢.
ضـ
جَوَسُولَةُ التَّقِين
القرآن الكريم
٩٨

الآيات الكونية
تَبْصِرَةَ
رَوَسِىَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجَ بَهِيجٍ لا
وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ شُِّبٍ ، وَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآِ
مَآءُ مُبَرَكًا فَنْبَتْنَا بِهِ، جَنَّتٍ وَحَبَّ اَْصِيدِ )
وَالنَّخْلَ بَاسِقَتٍ ◌َّا طَلْعُ نَّضِيدٌ ) رِّزْقًا لِلْعِبَادِ
كَذَّبَتْ
وَأَحْبَيْنَا بِهِ، بَلْدَةً مَّيْنًا كَذَلِكَ الْفُرُوجُ (
١٢
وَعَادّ
◌َّلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَبُ الرَّيْنِ وَثَمُودُ
وَفِرْعَوْنُ وَلِخْوَنُ لُوطٍ ، وَأَصْحَبُ اْأَيْكَّةِ وَقَوْمُ تَبِّحِ
كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ لَقَّ وَعِدِ ، أَفَعَِّينَا بِالْخَلْقِ اَلْأَوَّلِ
بَّ هُمْ فِ لَيْسِ مِّنْ خَلْقِ جَدِيدٍ ﴾﴾ [ق:٣-١٥].
فهذه الآيات الكونية المذكورة في هذه
الآيات أقامها القرآن الكريم دليلاً على
البعث والحشر، وعرض هذه الآيات الكونية
العظيمة في أسلوب الاستفهام التقريري،
الذي يقرر حقيقة البعث والنشور، وفيها
إشارة إلى أن الذي خلق هذه الآيات الكونية
العظيمة هو الذي يبعث الخلق ويحشرهم
إليه.
خامسًا: صدق القرآن:
استدل القرآن الكريم على صدق القرآن
الكريم بالآيات الكونية.
قال تعالى: ﴿الّ ل تَزِلُ الْكِتَبِ
لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَلَمِينَ ، أَمْ يَقُولُونَ
أَقْتَرَنَةٌ بَلَّ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُّنْذِرَ قَوْمَامَّآ أَتَمُهُم
الله
مِنِ تَّذِيرٍ مِن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ بِهْتَدُونَ )
الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى
سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ أُسْتَوَى عَلَى الْعَرْضِ مَا لَكُممِّندُونِ.
يُدَبِرُ الْأَمْرَ
٤
مِن وَإِنٍ وَلَا شَفِيَعْ أَفَلَا نَتَذَّكَّرُونَ (
مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِ يَوْمٍ كَانَ
مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَّكِْمِمَّا تَعُدُّونَ ن ذَلِكَ عَلِمُ
الَّذِىّ
الْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِدُ
أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَةٌ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ
(٢) تُرَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَّةٍمِن مَّآءٍ شَهِيٍ
ثُمَّ سَوَّنُهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنِ رُوحٍِ وَحَعَلَ لَكُمُ
السَّمْعَ وَالْأَبْصَرَ وَالْأَفْعِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ
﴾ [السجدة: ١- ٩].
فقد ذكر الله تعالى الآيات الكونية في
خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة
أيام، وآية خلق الإنسان من طين، وغيرها من
الآيات الكونية في معرض الاستدلال على
صدق القرآن الكريم، ووجه الاستدلال
بهذه الآيات الكونية: أنها سيقت في معرض
الإثبات لصدق القرآن وأنه ﴿لَارَیْبَ فِيهِ﴾،
أي: لا شك فيه ولا مرية، وأنه منزل من رب
العالمين.
ثم قال تعالی مخبرًا عن المشركين ﴿أَمْ
يَقُولُونَ أَقْتَرَنَّهُ﴾ أي: اختلقه من تلقاء نفسه،
﴿بَّ هُوَ أَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمَّا مَّآ أَتَنُهُم
مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي:
يتبعون الحق (١)
والمعنى: بل هو الحق والصدق من
عند ربك أنزله إليك، لتنذر قومك بأس
الله وسطوته أن تحل بهم علی کفرهم به،
(١) انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير٦/ ٣٢٠.
www. modoee.com
٩٩

حرف الألف
وإنه لم یأتهم نذير من قبلك، ليبين لهم
سبيل الرشاد، وأن محمدًا لم يختلقه كما
يزعمون(١).
وقد ذكر الله تعالى الآيات الكونية دليلاً
على صدق القرآن.
قال سبحانه: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوْرَتْ () وَإِذَا
وَإِذَا اَلْجِبَالُ سُيِّتْ
اُلُّجُومُ أَنكَدَرَتْ {
وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
وَإِذَا الْعِشَارُ عُطْلَتْ (
وَإِذَا النَّفُوسُ
وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِرَتْ {
وَإِذَا الْمَوْءُردَةُ سُئِلَتْ بِأَتِ ذَنْبٍ
٧
زُوِّجَتْ
قُئِلَتْ وَ إِذَا اُلُّعُفُ نُشِرَتْ ل وَإِذَا السَّمَآءُ
﴾ [التكوير: ١- ١١].
كُشِطَتْ
فقد أخبر الله تعالى عن مصير الآيات
الكونية في الآخرة، فقال: ﴿إِذَا الشَّمْسُ
كُوِّرَتْ﴾ أي: إذا كورت الشمس، وأمحي
ضوؤها، وسقطت حين خراب العالم الذي
يعيش فيه الحي في حیاته الدنیا، ولا يبقى في
عالمه الآخر الذي ينقلب إليه شيءٌ من هذه
الأجرام.
﴿وَإِذَا النُّجُومُ أَنْكَدَرَتْ﴾ أي: وإذا النجوم
تناثرت وذهب لألاؤها.
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِرَتْ﴾ أي: وإذا الجبال
قلعت عن الأرض، وسیرت في الهواء حين
زلزلة الأرض، فتقطع أوصالها وتقذف في
الفضاء، وتمر على الرؤوس مر السحاب.
﴿وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ أي: وإذا النوق
(١) تفسير المراغي ٢١/ ١٠٣.
العشار - وهي أكرم الأموال لديهم، وأعزها
عندهم - أُهْمِلَت، ولم يعن بشأنها؛ لاشتداد
الخطب، وفداحة الهول.
﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أي: ماتت
وهلكت، تقول العرب إذا أضرت السنة
بالناس وأصابتهم بالقحط والجدب:
حشرتهم السنة. أي: أهلكتهم، وهلاكها
يكون من هول ذلك الحادث العظيم.
﴿وَإِذَا أَلْبِحَارُ سُجِرَتْ﴾ أي: فجر الزلزال
ما بینها حتى اختلطت وعادت بحرًا واحدًا،
وقد يكون المراد من تسجيرها إضرامها
نارًا. فإن ما في باطن الأرض من النار يظهر
بتشققها وتمزق طبقاتها العليا، وحينئذ يصير
الماء بخارًا، ولا يبقى إلا النار(٢).
﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ أي: وإذا زوجت
الأرواح بأبدانها حين النشأة الآخرة (٣).
وهذا الإخبار عن مصير الآيات الكونية
في يوم القيامة كتوطئة للقسم بالآيات
الكونية في الحياة الدنيا على صدق القرآن.
قال سبحانه: ﴿فَلَّ أُقِْمُ بِاْخُنَِّ ) الْجَوَارِ
الْكُنَسِ وَالَتْلِ إِذَا عَسْمَسَ ١ وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيٍ ﴾ [التكوير: ١٥-
١٩].
ومعنى: الخنس والكنس في النجوم أنها
تطلع جارية، و کذلك تخنس، أي: تغيب،
(٢) المصدر السابق ٣٠/ ٥٤.
(٣) المصدر السابق ٣٠/ ٥٥.
١٠٠
مَؤُوابَرُ النَِّدِ،
جوبيى
القرآن الكريم

الآيات الكونية
وكذلك تکنس تدخل في کناسها، أي: تغيب
في المواضع التي تغيب فيها، فهما بمعنى
واحد.
﴿وَتِلِ إِذَا عَسْمَس﴾ يقال: عسعس الليل،
إذا أقبل، وعسعس، إذا أدبر، والمعنيان
يرجعان إلى شيء واحد، وهو ابتداء الظلام
في أوله، وإدباره في آخره.
﴿وَالصُّبْحِ إِذَا نَنَفَّسَ﴾ إذا امتد حتى يصير المزاحمة.
نهارًا بینًا.
وجواب القسم بالآيات الكونية
المذكورة في الآيات هو قوله تعالى: ﴿إنّهُ.
لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ يعني: أن القرآن نزل به
جبريل عليه السلام (١).
قال الإمام القرطبي:((﴿فَلَآ أُقِيمُ بِاُْنَّس
١٥
اْوَارِ الْكُنَِّ ﴾ هي الكواكب
الخمسة الدراري: زحل والمشتري وعطارد
والمريخ والزهرة، فيما ذكر أهل التفسير،
والله أعلم، وهو مروي عن علي رضي الله
عنه، وفي تخصيصها بالذكر من بين سائر
النجوم وجهان: أحدهما: لأنها تستقبل
الشمس، قاله بكر بن عبد الله المزني، الثاني:
لأنها تقطع المجرة، قاله ابن عباس))(٢).
ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُزْءَانُ كِيمٌ
فِي كِتَبِ مَكْنُونٍ لَّا يَمَشُدُ إِلَّا
٧٧
تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ
الْمُطَهَّرُونَ
(١) انظر: معاني القرآن وإعرابه، الزجاج ٢٩١/٥.
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن، القرطبي ١٩/
٢٣٦.
[الواقعة: ٧٧ - ٨٠].
ومواقع النجوم فيها أقوال:
الأول: المشارق والمغارب أو المغارب
وحدها، فإن عندها سقوط النجوم.
الثاني: هي مواضعها في السماء في
بروجها ومنازلها.
الثالث: مواقعها في اتباع الشیاطین عند
الرابع: مواقعها يوم القيامة حين تنتثر
النجوم.
وأما مواقع نجوم القرآن، فهي قلوب
عباده وملائكته ورسله وصالحي المؤمنين،
أو معانيها وأحكامها التي وردت فيها(٣).
ومواقع النجوم آية كونية علمية تؤكد
صدق القرآن، وقد ذكر الله تعالى أن هذا
القسم الذي أقسم به قسم عظيم لو تفكرون
في مدلوله فإنه عظيم الخطر بعيد الأثر.
وهذا القسم للإشادة بشأن القرآن، وأنه
کثیر المنافع وأنه محفوظ في لوح مصون لا
يطلع عليه غير المقربين من الملائكة (٤).
ومن الآيات الكونية التي يستدل بها على
صدق القرآن، قوله تعالى: ﴿سَيُرِيهِمْ
ءَايَئِنَا فِ اَْفَاقِ وَبِيّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ
أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ، عَلَى كُلِّ شَىْءٍ
شَهِيدُ
﴾ [فصلت: ٥٣].
٥٣
(٣) انظر: مفاتيح الغيب، الرازي ٢٩/ ٤٢٦.
انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد
(٤)
إبراهيم إسماعيل ص ٦٢.
www. modoee.com
١٠١

حرف الألف
اختلف المفسرون في بيان معنى هذه تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ﴾ يقتضي أنه تعالى
الآية على أقوال كثيرة، وحاول كل مفسر أن ما أطلعهم على تلك الآيات إلى الآن،
وسيطلعهم عليها بعد ذلك، والآيات
الموجودة في العالم الأعلى والأسفل قد
کان الله أطلعهم عليها قبل ذلك. فثبت أنه
تعذر حمل هذا اللفظ على هذا الوجه.
يفسر الآية بما يتفق مع فهمه والواقع الذي
يمكن أن تنزل عليه الآية (١)، وأحسن مَنْ
بَیَنَ معنى الآية بحيث تكون شاملة وعامة،
وتتناول المعنى الذي يعتبر راجحًا هو
الإمام الرازي حيث قال: ((وفي تفسير قوله:
﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَئِنَا فِ آَلَّفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ
[فصلت: ٥٣]
حَتَّى يَتَبَّنَّ لَهُمْ أَنَّهُ أُخَقُّ ﴾
قولان:
الأول: أن المراد بآيات الآفاق: الآيات
الفلكية والكوكبية، وآيات الليل والنهار،
وآيات الأضواء والإضلال والظلمات ...
وقد أكثر الله منها في القرآن.
وقوله: ﴿وَفِّ أَنفُسِهِمْ﴾ المراد منها
الدلائل المأخوذة من كيفية تكون الأجنة
في ظلمات الأرحام، وحدوث الأعضاء
العجيبة، والتركيبات الغريبة، كما قال
تعالى: ﴿وَفِّ أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُصِرُونَ ))
[الذاريات: ٢١].
يعني: نريهم من هذه الدلائل مرة بعد
أخرى إلى أن تزول الشبهات عن قلوبهم،
ويحصل فيها الجزم والقطع بوجود الإله
القادر الحكيم العليم المنزه عن المثل
والضد.
فإن قيل: هذا الوجه ضعيف؛ لأن قوله
انظر: تفسير القرآن، السمعاني ٥/ ٦١.
(١)
قلنا: إن القوم وإن كانوا قد رأوا هذه
الأشياء، إلا أن العجائب التي أودعها الله
تعالى في هذه الأشياء مما لا نهاية لها،
فهو تعالى يطلعهم على تلك العجائب
زمانًا فزمانًا، ومثاله: کل أحد رأی بعينه بنية
الإنسان وشاهدها، إلا أن العجائب التي
أبدعها الله في تركيب هذا البدن كثيرة،
وأكثر الناس لا يعرفونها، والذي وقف على
شيء منها، فكلما ازداد وقوفًا على تلك
العجائب والغرائب، فصح بهذا الطريق
قوله: ﴿سَتُرِيِهِمْ ءَيَئِنَا فِ اَلْأَفَاقِ وَفِىّ
أَنفُسِهِمْ﴾.
والقول الثاني: أن المراد بآيات الآفاق
فتح البلاد المحيطة بمكة، وبآيات أنفسهم
فتح مكة.
والقائلون بهذا القول رجحوه على القول
الأول؛ لأجل أن قوله: ﴿ سُریھِمْ ﴾ یلیق
بهذا الوجه، ولا يليق بالأول، إلا أنا أجبنا
عنه بأن قوله: ﴿سَُرِيهِمْ﴾ لائقٌ بالوجه
الأول، کما قررناه.
فإن قيل: حمل الآية على هذا الوجه
١٠٢
مُؤَ الَر النفسية الوضوء
جوسى عبر
القرآن الكريم

الآيات الكونية
بعيد؛ لأن أقصى ما في الباب أن محمدًا بنشاطات الذهن، سيجدون القرآن قد أشار
إليها، وحينئذ يتبين لهم أن هذا القرآن هو
الحق؛ لأن الذي قال هو الله، والذي خلق
هو الله(٢).
صلى الله عليه وسلم استولى على بعض
البلاد المحيطة بمكة، ثم استولى على
مكة، إلا أن الاستيلاء على بعض البلاد لا
يدل علی کون المستولي محقًا، فإنا نرى
أن الكفار قد یحصل لهم استيلاء على بلاد
الإسلام وعلى ملو کھم، وذلك لا يدل على
کونهم محقین.
ولهذا السبب قلنا: إن حمل الآية على
الوجه الأول أولى، ثم نقول: إن أردنا
تصحيح هذا الوجه، قلنا: إنا لا نستدل
بمجرد استيلاء محمد صلى الله عليه وسلم
على تلك البلاد على كونه محقًّا في ادعاء
النبوة، بل نستدل به من حيث إنه صلى
الله عليه وسلم أخبر عن مكة أنه يستولي
علیها، ویقهر أهلها، ویصیر أصحابه قاهرين
للأعداء، فهذا إخبارٌ عن الغيب، وقد وقع
مُخْبِرُه مطابقًا لخبره، فيكون هذا إخبارًا
صدقًا عن الغيب، والإخبار عن الغيب
معجزة، فبهذا الطريق يستدل بحصول هذا
الاستيلاء على كون هذا الدين حقًا))(١).
أي: أن الله سبحانه وتعالى سيكشف
لعباده بعضًا من آياته؛ ليتبين لهم أن هذا
القرآن هو الحق،. وكيف يتبين لهم أنه
الحق؟ ذلك أن حقائق الكون التي سيصلون
إليها بعد مئات السنين، أو آلاف السنين
(١) مفاتيح الغيب، الرازي ٢٧ / ٥٧٣
وتدل الدلائل على أن العلماء الذين
درسوا الآيات الكونية في القرآن فيما
بعد، وطبقوها على ما وصل إليه العلم في
زمانهم؛ في الفلك، أو الطب، أو الطبيعة،
أو الكيمياء، أو الأحياء، وغيرها من العلوم،
وجدوا تطابقًا وتوافقًا علميًا رائعًا، أكد لهم
أن القرآن كتاب الله الحق الذي لا يأتيه
الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
لذلك كان علماء الفلك وعلماء الطب
أكثر الناس إيمانًا بعظمة الخالق المبدع،
وأسبقهم إقرارًا بألوهيته؛ لما رأوه رأى
العين من أن القرآن الكريم الذي نزل على
نبينا محمد صلى الله عليه وسلم منذ أربعة
عشر قرنًا من الزمان، كان هو نهاية العلم
الذي يصلون إليه، كلما جَدَ جديدٌ في
بحثهم، وهذا هو العلم الذي جاء به النبي
الأمي محمد، الذي لم یکن هو ولا قومه ولا
عصره يعرف شيئًا من فلك، أو جيولوجيا،
أو کیمیاء، أو طب، أو غير ذلك (٣).
(٢) انظر: معجزة القرآن، الشعراوي ص ٤٢.
(٣) انظر: القرآن وإعجازه العلمي، محمد إبراهيم
إسماعيل ص ٥٤.
www. modoee.com
١٠٣

حرف الألف
أساليب القرآن في الحث على التفكر
أولًا: الأمر الصريح:
من أساليب القرآن في الحث على التفكر
في الكون الأمر الصريح، ومن ذلك قوله
تعالى: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِ السَّمَوَاتِ وَاْأَرْضِِّ
وَمَا تُغْنِ الْآَيَتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ
(١٠١) ﴾ [يونس: ١٠١].
قال الإمام أبو جعفر الطبري: ((يقول
تعالى ذكره: قل، يا محمد، لهؤلاء
المشركين من قومك، السائليك الآيات
على صحة ما تدعوهم إليه من توحيد الله
وخلع الأنداد والأوثان: انظروا، أيها القوم،
ماذا في السماوات من الآيات الدالة على
حقيقة ما أدعوكم إليه من توحيد الله، من
شمسها وقمرها، واختلاف ليلها ونهارها،
ونزول الغيث بأرزاق العباد من سحابها
وفي الأرض من جبالها، وتصدعها بنباتها،
وأقوات أهلها، وسائر صنوف عجائبها،
فإن في ذلك لكم إن عقلتم وتدبرتم موعظة
ومعتبرًا، ودلالة على أن ذلك من فعل من لا
يجوز أن یکون له في ملکه شریك، ولا له
على تدبيره وحفظه ظهير يغنيكم عما سواه
من الآيات)) (١).
وهذه الآية أمر للكفار بالاعتبار والنظر
في المصنوعات الدالة على الصانع وغير
(١) جامع البيان ١٥/ ٢١٤.
جوبيبو
القرآن الكريم
ذلك من آيات السماوات وأفلاکھا و کواکبها
وسحابها ونحو ذلك، والأرض ونباتها
ومعادنها وغير ذلك (٢).
أي: انظروا بالتفكر والاعتبار ماذا في
السماوات والأرض من الآيات والعبر التي
تدل على وحدانيته ونفاذ قدرته كالشمس،
والقمر، والنجوم، والجبال، والشجر، وكل
هذا يقتضي خالقًا مدبرًا سبحانه (٣).
قال الإمام الرازي: ((والدلائل إما أن
تكون من عالم السماوات أو من عالم
الأرض، فالدلائل السماوية هي حركات
الأفلاك ومقاديرها وأوضاعها وما فيها من
الشمس والقمر والكواكب، وما يختص
به كل واحد منها من المنافع والفوائد،
والدلائل الأرضية هي: النظر في أحوال
العناصر العلوية، وفي أحوال المعادن
وأحوال النبات وأحوال الإنسان خاصة، ثم
ينقسم كل واحد من هذه الأجناس إلى أنواع
لا نهاية لها. ولو أن الإنسان أخذ يتفكر في
كيفية حكمة الله سبحانه في تخليق جناح
بعوضة، لانقطع عقله قبل أن يصل إلى
أقل مرتبة من مراتب تلك الحكم والفوائد،
ولا شك أن الله سبحانه أکثر من ذکر هذه
الدلائل في القرآن المجيد، فلهذا السبب
ذكر قوله: ﴿قُلِ أَنْظُرُواْ مَاذَا فِىِ السَّمَوَاتِ
(٢) انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية ٣/ ١٤٥.
(٣) انظر: زاد المسير، ابن الجوزي ٢/ ٣٥٣.
١٠٤