Indexed OCR Text
Pages 1-20
مَوْ ق ◌َرُ النَفِية الموضوعى
لِلْقْرَآن الْكَرِيْمِ
الابتلاء
عناصر الموضوع
مفهوم الابتلاء
١٣٦
الابتلاء في الاستعمال القرآني
١٣٧
الألفاظ ذات الصلة
١٣٨
١٤٠
الفرق بين الابتلاء والعقوبة
١٤٣
الابتلاء سنة إلهية
١٤٥
أنواع الابتلاء
١٥٠
الابتلاء في الدعوة إلى الله
١٥٣
الحكمة من الابتلاء
١٥٦
المعينات على اجتياز الابتلاء
المُجَلَدَ الأول
حرف الألف
مفهوم الابتلاء
أولًا: المعنى اللغوي:
((الباء واللام والواو والياء، أصلان: أحدهما: إخلاق الشيء، والثاني: نوع من الاختبار،
ويحمل عليه الإخبار أيضًا، قال ابن الأعرابي: يقال ابتليته فأبلاني، أي: استخبرته
فأخبرني))(١) .
((وأبلى في الحرب بلاء حسنا إذا أظهر بأسه حتى بلاه الناس وخبروه))(٢).
قال ابن منظور: ((بلوت الرجل بلوًا وبلاءً، وابتليته: اختبرته، وبلاه يبلوه بلوًا، إذا جربه
واختبره، وابتلاه الله: امتحنه ... وبلي بالشيء بلاءً وابتلي، والبلاء يكون في الخير والشر،
يقال: ابتليته بلاءً حسنًا وبلاءً سيئًا))(٣).
فالبلاء والابتلاء، والفتنة، والامتحان، والاختبار خمسة ألفاظ مختلفة تشترك في الدلالة
على معنى واحد هو الاختبار.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، ولذا قال الشوكاني: الابتلاء:
((الامتحان والاختبار، أي: ابتلاه بما أمره به)) (٤).
وقال الزحيلي: ((الابتلاء هو الاختبار، أي: معرفة حال المختبر بتكليفه بأمور يشق عليه
فعلها أو تركها؛ ليجازيه عليها))(٥).
وقال الكفوي: ((الابتلاء: التكليف في الأمر الشاق، ويكون في الخير والشر معًا، ولكنهم
عادة ما يقولون: في الخير أبليته إبلاء وفي الشر: بلوته بلاءً)) (٦).
وقال المناوي: ((البلاء كالبلية: الامتحان، وسمي الغم بلاء؛ لأنه يبلي الجسد)»(٧).
(١) مقاييس اللغة، ابن فارس ١/ ٢٩٢.
(٢) أساس البلاغة، الزمخشري ١/ ٧٧.
(٣) لسان العرب ١٤ / ٨٣.
(٤) فتح القدير ١ / ١٥٠.
(٥) التفسير المنير ٣٠٢/١.
(٦) الكليات ١/ ٢٩.
(٧) التوقيف على مهمات التعاريف ص ٨٢.
١٣٦
مُوسُو ◌َرَ
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الابتلاء
الابتلاء في الاستعمال القرآني
وردت مادة (بلو) في القرآن (٣٦) مرة، يخص موضوع البحث منها (٣٤) مرة (١).
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة
عدد
المرات
المثال
الفعل الماضي
٧
إِنَّابَلَوْنَهُمْ كُمَا بَلَوْنَا أَصْحَبَ لَلْجَنَّةِ﴾ [القلم: ١٧]
الفعل المضارع
٢٠
﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُؤَّكُمْ فِى مَآ
ءَاتَنَكُمْ ﴾ [الأنعام: ١٦٥]
فعل الأمر
١
﴿وَبْلُواْالْيَنَمَ﴾ [النساء: ٦]
اسم
٦
** [الصافات: ١٠٦]
١٠٦
إِنَّ هَذَا لَوَ الْبَوُاْ الْمُّبِينُ
اسم فاعل
٢
إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ
* [المؤمنون: ٣٠]
٣٠
ولم يختلف معنى (الابتلاء) في القرآن الکریم عن معناه اللغوي الذي يدور حول
الاختبار والامتحان.
(١) انظر: المعجم المفهرس، محمد فؤاد عبد الباقي ص ١٣٥ - ١٣٦.
www. modoee.com
١٣٧
حرف الألف
الألفاظ ذات الصلة
الفتنة:
١
الفتنة لغةً:
قال ابن فارس: ((الفاء والتاء والنون أصل صحيح يدل على ابتلاء واختبار. من ذلك
الفتنة. يقال: فتنت أفتن فتنا. وفتنت الذهب بالنار، إذا امتحنته))(١).
الفتنة اصطلاحًا:
((أصل الفتنة الامتحان والاختبار، واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره))(٢).
الصلة بين الابتلاء والفتنة:
مما سبق يتضح لنا الصلة بين الابتلاء والفتنة؛ فالكلمتان تكادان أن تكونا مترادفتين،
فأصلهما اللغوي واحد وهو الامتحان والاختبار، إلا أن الفتنة أعم من الابتلاء.
المصيبة:
٢
المصيبة لغةً:
تعني النائبة وكل أمر مكروه (٣)، وجاء في لسان العرب أنها تعني الشدة (٤).
المصيبة اصطلاحًا:
هي البلية وكل أمر مكروه ينزل بالإنسان (٥).
الصلة بين الابتلاء والمصيبة:
المصيبة هي أداة من أدوات الابتلاء.
الاختبار:
٣
الاختبار لغةً:
قال الجوهري: ((خبره-بالكسر -: إذا بلوته واختبرته))(٦)، ((وقد اختبره وتخبره. يقال: من
مقاييس اللغة ٤ / ٤٧٢.
(١)
(٢) فتح الباري، ابن حجر العسقلاني، ١١ / ١٧٦.
(٣) انظر: المفردات، الأصفهاني ص ٣٧٧.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٣٤/١.
(٥) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٥٣٤/١، تاج العروس، الزبيدي ٣/ ٢١٥.
(٦) الصحاح ٢/ ٦٤٢.
موسوعة التفسير
القرآن الكريمِ
١٣٨
الابتلاء
أين خبرت هذا الأمر؟ أي: من أين علمت))(١).
الاختبار اصطلاحًا:
ويمكن تعريف الاختبار بأنه: أي محك أو عملية يمكن استخدامها بهدف تحديد حقائق
معينة أو تحديد معايير الصواب أو الدقة أو الصحة سواء في قضية معروضة للدراسة أو
المناقشة أو لفرض معلق لم يتم التثبت منه بعد.
الصلة بين الابتلاء والاختبار:
الابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلى من الطاعة والمعصية والاختبار وقوع الخبر
بحاله في ذلك (٢)، والاختبار أصل من أصول الابتلاء ومحك من محكاته، فالابتلاء
والاختبار قد يكونان بالخير وقد يكونان في الشر.
التمحيص:
٤
التمحيص لغةً:
الميم والحاء والصاد: أصل واحد صحيح يدل على تخليص شيء وتنقيته. ومحصه
تمحيصًا: خلصه من كل عيب، محص الله العبد من الذنب: طهره منه ونقاه، ومحصت
الذهب بالنار: خلصته من الشوب (٣)، والتمحيص: الابتلاء والاختبار (٤).
التمحيص اصطلاحًا:
قال مجاهد: ((هو بمعنى: الابتلاء، وحقيقة معنى التمحيص: التطهير من الذنوب، تقول
العرب: محص عنا ذنوبنا، أي: طهرنا من الذنوب)»(٥).
التمحيص: التنقية والتخليص من العيوب (٦).
الصلة بين الابتلاء والتمحيص:
الابتلاء يقتضي امتحان واختبار ينتهي بنتائج سلبية أو إيجابية، والتمحيص تطهيرٌ، أي:
إن نتيجته إيجابية دائمًا.
(١) تاج العروس، الزبيدي ١١ / ١٢٥.
(٢) انظر: الفروق اللغوية، العسكري ٢١٦.
(٣) انظر: مقاييس اللغة، ابن فارس ٥/ ٣٠٠.
(٤) انظر: الصحاح، الجوهري ٣/ ١٠٥٦.
(٥) انظر: تفسير القرآن، السمعاني ١/ ٣٦٢.
(٦) التحرير والتنوير ٤ / ١٠٤.
www. modoee.com
١٣٩
حرف الألف
الفرق بين الابتلاء والعقوبة
قد يختلط الأمر في التفريق بين العقوبة
والابتلاء؛ والناظر إلى آيات الذكر الحكيم
يقف على الفرق بينهما؛ فقد قال تعالى:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الَْوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ
اَلْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِّ وَبَشِّرِ الصَّبِينَ﴾
[البقرة: ١٥٥].
قال الواحدي: ((فمن صبر على هذه
الأشياء استحق الثواب ومن لم يصبر لم
يستحق))(١).
فقد جعل للنجاح في الابتلاء علامة،
ألا وهي الصبر والإيمان والاستقامة على
المنهج السليم، واشتداد البلاء دليل على
شدة الإیمان و قوته، لذلك كان الأنبياء أشد
الناس بلاءً؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في
الحديث الذي رواه مصعب بن سعد، عن
أبيه، قال: قلت: يا رسول الله أي الناس
أشد بلاء؟ قال: (الأنبياء، ثم الصالحون،
ثم الأمثل، فالأمثل من الناس، يبتلى الرجل
على حسب دينه، فإن كان فى دينه صلابة زيد
في بلائه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه،
وما يزال البلاء بالعبد حتی یمشي على ظهر
الأرض ليس عليه خطيئة)(٢).
أما العقوبة فسبب وقوعها الذنوب
(١) الوجيز، ص ١٤٠.
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، ٣/ ٧٨.
قال محقق المسند: ((إسناده حسن)).
والمعاصي والانحراف عن المنهج، وكلما
زادت الذنوب والمعاصي، وكبر حجم
الانحراف، اشتدت العقوبة.
قال تعالى: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى
الشَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُّونٌَ لَا تَأْتِيهِرُّ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾
[الأعراف: ١٦٣].
وقد یظن العبد أن ابتلاء الله له بالإنعام
والإكرام علامةٌ على حب الله له ورضاه
عنه، بينما يظن التضييق في الرزق إشارة إلى
غضب الله وعدم رضاه عنه.
قال تعالى: ﴿فَمَّا الْإِنسَنُ إِذَا مَا أَبْثَلَهُ رَبُّهُ.
فَأَكْرَمَهُ، وَنَعََّهُ، فَيَقُولُ رَقِتَ أَكْرَ مَنِ ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا
◌َبَلَنْهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، فَيَقُولُ رَبِّ أَهَنَنِ﴾ [الفجر:
١٥-١٦].
قال السمعاني: ((أي: أنا كريم عليه حيث
أعطاني هذه النعم)»(٣).
وهذا مفهوم خاطئ؛ فالرضا والغضب
منوطان بتصرف الإنسان حال الابتلاء.
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِ
الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف:
١٢٩].
واجتياز الابتلاء بنجاح هو طريق للإمامة
والتمكين، بينما الفشل فيه فعقوبته الحرمان
(٣) تفسير القرآن ٦/ ٢٢١.
١٤٠
جَوَسُو ◌َ النَّشية
الْقُرآن الكَرِيْمِ
الابتلاء
من ذلك.
قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:
﴿وَإِذِ أَبْتَلَّ إَِهَِ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّيِ
جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ
عَهْدِى الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].
فإبراهيم عليه السلام جعل للناس إمامًا؛
لأنه نجح في کل ما ابتلي به وامتحن،
بينما الذين يفشلون في ذلك يحرمون هذه
الإمامة، ولا ینالون ذلك العهد.
قال الزحيلي: «فجازاه الله تعالی أحسن
الجزاء، وقال له: إني جاعلك للناس رسولًا
وإمامًا تؤمهم في دينهم، ويأتمون بك في
هذه الخصال)) (١).
والبلاء والابتلاء كلاهما امتحان
واختبار، ويكونان بالسراء والضراء، ويقعان
شرعًا وقدرًا، فالتكاليف الشرعية فعلًا كانت
أو ترگًا، وكذلك مقادير الخير والشر، كل
ذلك مما یمتحن به العبد، وإن كان استعمال
الابتلاء في الشر والضر والأمور الشاقة
أغلب.
قال الخازن: ((الابتلاء يكون في الخير
وفي الشر، وإذا أطلق كان في الشر غالبًا،
فإذا أريد به الخير قيد به))(٢).
وقال ابن عاشور: ((لما كان الاختبار
يوجب الضجر والتعب سمي بلاء، كأنه
(١) التفسير المنير ١/ ٣٠٣.
(٢) لباب التأويل ٢/ ٤١٨.
يخلق النفس، ثم شاع في اختبار الشر؛ لأنه
أكثر إعناتًا للنفس)) (٣).
معالم العقوبة:
المعلم الأول: لا عقوبة من الله عز
وجل إلا بذنب.
والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر.
المعلم الثاني: العقوبة تنقسم إلى
قسمين من حيث الصورة:
القسم الأول: عقوبة ظاهرة حسية، وهي
ما كانت في قالب ضراء.
القسم الثاني: عقوبة خفية معنوية، وهي
ما كانت في قالب سراء في الحال، وإن كان
مآلها الضراء لا محالة باعتبار العاقبة، فكما
أن العقوبة الظاهرة تكون بالضراء، فقد تكون
بقالب سراء، ومن ذلك عقوبة المعرض عن
ربه بإقبال الدنيا عليه؛ استدراجًا له وعقوبته
بوحشة في قلبه حين يذنب، وعقوبته بإتباع
السيئة بسیئة أخرى.
المعلم الثالث: العقوبة تنقسم إلى
قسمین من حیث المقاصد:
القسم الأول: عقوبة مخففة، وتسمى
الكفارة، وهي العقوبة الناتجة عن محبة الله
للعبد وإحسانه إليه من حيث العاقبة، وذلك
كالعقوبات التي تكون كفارة للمؤمن كقوله
تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء:
(٣) التحرير والتنوير ١/ ٤٩٣.
www. modoee.com
١٤١
حرف الألف
١٢٣].
وقوله: ﴿وَمَّا أَصَبَكُمْ مِّنْ يُصِيبَةٍ
فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَنْ كَثِيرٍ﴾
[الشورى: ٣٠].
والمقصود بالمصيبة هنا هي المصائب
الجارية مجرى العقوبة والجزاء على الذنب
لا مطلق المصيبة، ومن العقوبة المخففة:
العقوبة التي يراد منها التنبيه والتذكير لعل
المسيء يتوب، وهذه عامة للمسلم بإطلاق
ولغير المسلم في الحياة الدنيا.
ومنها قوله تعالى:
الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ
ظهـ
وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ
الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١].
القسم الثاني: العقوبة المغلظة، وهذه
تكون ناتجة عن غضب الله تعالى على عبده
ومقته وبغضه له، وهذه تكون لإتلاف العبد
ومحقه وقطع دابره وهذه للكفار والمنافقين
والمشركين(١).
وخلاصة الفرق بين الابتلاء والعقوبة
كما جاء في فقه الابتلاء:
١. من حيث زمن الوقوع، فإن الابتلاء
يكون في الدنيا، وأما العقاب فإنه يكون
في الدنيا والبرزخ والآخرة.
٢. من حيث السبب والباعث، فإن الابتلاء
یکون لاختبار حال الإنسان، كما في
قوله سبحانه: ﴿ِبْلُوَكُمْ أَبُّكُمْأَحْسَنُ عَمَلًا
[الملك: ٢].
٣. أو يكون تكفير السيئات، أما العقاب
فلا يكون إلا جزاء على الذنب.
٤. الابتلاء عام للمكلفين من الجن
والإنس، فهو يقع على الأنبياء
والصالحين، كما في الحديث: (أشد
الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل).
أما العقاب فإنه خاص؛ إذ يقع على
أهل الذنوب والمعاصي فقط (٢).
وقد يقع العقاب على الإنس والجن،
والصالحين والعصاة، كما حصل في
غزة أحد، وغزوة حنين.
(١) انظر: فقه الابتلاء وأقدار الله المؤلمة،
البدراني ص ١٨.
(٢) انظر: المصدر السابق ص ٢٠.
موسُو ◌َرُ النفسيةِ العضوي
القرآن الكريم
١٤٢
الابتلاء
الابتلاء سنة إلهية
الابتلاء سنة إلهية لا بد منها، والله عز
وجل يكشف الحقائق عبر هذه الابتلاءات.
فالابتلاء يكون من الله وحده لعباده
المؤمنين، تمحيصًا لإيمانهم، واختبارًا
لقدرتهم على الثبات على هذا الدين
الحنيف.
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ
يَقُولُوَأْ ءَامَنَا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ
مِن قَبْلِهِمْ فَلَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ
اَلْكَذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: ٢-٣].
قال المراغي: ((ولقد اختبرنا أتباع الأنبياء
من الأمم السالفة وأصبناهم بضروب من
البأساء والضراء فصبروا وعضوا على دينهم
بالنواجذ»(١).
وهذه السنة الإلهية لا ينجو منها أحد، بل
ربما زاد بعض البشر على بعض في البلاء،
إذ يرتبط الابتلاء بقيم متعددة؛ كالصبر
واليقين والثبات والتفاؤل والتوكل والثقة
بالله، لذلك يلحق الإنسان من البلاء بقدر
تحمله وتغلل تلك القيم في قلبه.
وهو ما يوحي به قول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (يبتلى الرجل على حسب
دینه، فإن كان في دينه صلابة زيد في بلائه،
وإن كان في دينه رقة خفف عنه، وما يزال
(١) تفسير المراغي ٢٠/ ١١٢.
البلاء بالعبد حتى يمشي على ظهر الأرض
ليس عليه خطيئة)(٢).
والابتلاء يكون لاختبار صدق الإيمان،
أو للتمييز بين من يثبت، ومن لا يثبت على
إيمانه، وقد یکون لزيادة الإیمان.
أولًا: اختبار صدق الإيمان:
قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَن
يَقُولُوَأْءَامَنَا وَهُمْ لَأَ يُقْتَنُونَ ﴾ [العنكبوت:
٢].
فلابد من اختبار صدق الإيمان، فليس
كل من ادعى الإيمان بلسان، آمن قلبه،
فهناك المنافقون الذين يبطنون الكفر،
ويظهرون الإسلام.
قال الشنقيطي: ((إن الناس لا يتركون
دون فتنة، أي: ابتلاء واختبار، لأجل قولهم:
آمنا، بل إذا قالوا: آمنا فتنوا، أي: امتحنوا
واختبروا بأنواع الابتلاء)»(٣).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده ٣/ ٧٨.
قال محقق المسند: اسناده حسن.
(٣) أضواء البيان ٦/ ١٥٥.
www. modoee.com
١٤٣
حرف الألف
ثانيًا: ابتلاء الثبات على الإيمان:
قال تعالى: ﴿هُنَالِكَ أَبْتُلِىَ الْمُؤْمِنُونَ
وَزُلْزِلُواْ زِلْزَ الَأَشَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: ١١].
زلزالٌ لبيان الثبات، أو عدمه.
قال الرازي: ((﴿وَزُلْزِلُواْ﴾ أي: أزعجوا
وحرکوا، فمن ثبت منهم كان من الذين إذا
ذكر الله وجلت قلوبهم، وبذكر الله تطمئن
مرة أخرى، وهم المؤمنون حقًّا))(١).
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِّكُمْ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ
مَّسَّتَهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالصَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ
وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ, مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلَّ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ
(٢١٤)﴾ [البقرة: ٢١٤].
قَرِبِبُ
زلزلوا ليظهر من يثبت، ومن ينقلب على
عقبيه.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَِّينَ وَتَبْلُواْ أَخْبَارَكُمْ ﴾
[محمد: ٣١].
﴿﴿ لَتُبْلُونَ فِيّ
وقال أيضًا:
أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ اَلْأُمُورِ ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
قال ابن عاشور: ((استئناف لإيقاظ
المؤمنين إلى ما يعترض أهل الحق وأنصار
(١) مفاتيح الغيب ٢٥/ ١٦١.
جَوَسُولَة النَّفِيَّة
القرآن الكريم
الرسل من البلوى، وتنبيه لهم على أنهم إن
كانوا ممن توهنهم الهزيمة فليسوا أحرياء
بنصر الحق))(٢).
وهذا كله ابتلاء لاختبار الثبات على
الإيمان.
ثالثًا: ابتلاء زيادة الإيمان:
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَّوَ الْبَوَّا الْمُبِينُ
** [الصافات: ١٠٦].
وهو بلاء ليس لأي أحد، ومثاله: ابتلاء
إبراهيم لمنصب الخلة بذبح ولده.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ أَلْسَّعْىَ قَالَ
يَبْنَىَّ إِّ أَرَىْ فِي الْمَنَامِ أَنَّ أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا
تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَنَجِدُِ إِن شَآءَ
اللَّهُ مِنَ الصَّبِرِينَ
١٠٢ ) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ
١٠٣
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتَابَهِيمُ (١٠) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّوِّيَأْ إِنَّا
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ اَلْبَلَوُاْ
الْمُبِينُ:
[الصافات: ١٠٢- ١٠٦].
قال القاسمي: «إن هذا لهو البلاء المبین،
أي: الاختيار البين الذي يتميز ويتفاضل
فيه المخلص من غيره. إشارة إلى أن هذا
الأمر كان ابتلاء وامتحانًا لإبراهيم في صدق
الخلة لله، وتضحية أعز عزيز لديه، وأحب
محبوب عنده، لأمر ربه تعالى))(٣).
(٢) التحرير والتنوير ٤ / ١٨٩.
(٣) انظر: محاسن التأويل ٨/ ٢١٩.
١٤٤
الابتلاء
أنواع الابتلاء
يبتلي الله العبد بنوعين من الابتلاء:
أولاهما: الابتلاء بالخير والشر، وثانيهما:
الابتلاء بالأمر والنهي؛ وفيما يلي تفصيل
ذلك.
أولًا: الابتلاء بالخير والشر:
الابتلاء يكون بالخير والشر، بالسراء
والضراء، بالسعادة والشقاء، بالراحة
والرفاهية والكد والتعب، فيبتلى الإنسان بما
يسره وبما يسوؤه، ولا يكون بالضراء فقط،
فلابد أن يكون صابرًا على الضراء، شاكرًا
على السراء.
: ﴿كُلُّ نَفْسِ ذَائِقَةُ الْمَوْتِّ
قال تعالى:
وَبَّلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٌ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ
[الأنبياء: ٣٥].
٣٥
وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدْ أَرَّسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ
فَأَخَذْ نَهُم بِالْبَأْسَكِ وَالضَّرِِّ لَعَلَّهُمْ بَضََّّعُونَ﴾
[الأنعام: ٤٢].
وقال أيضًا: ﴿وَقَطَّعْنَهُ فِى الْأَرْضِ
أُمَمَّاً مِنْهُمُ الصَّلِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكٌ
وَبَلَوْنَهُم بِالْحَسَنَتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
[الأعراف: ١٦٨].
الابتلاء بالخير أشد وأثقل من الابتلاء
بالشر؛ فالابتلاء بالشر معلوم ومشهور، أما
الآخر فلا یظنه کثیر من الناس ابتلاء، فهم لا
يعلمون أن ما أنعم الله به عليهم من بركة في
المال أو الأولاد أو الصحة، وما إلى ذلك
من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، إنما
هو اختبار وامتحان من الله، فالمنعم جل
وعلا یستودع هذه النعم عند أصحابها ليرى
کیف یتصرفون فيها، أیتكبرون ويفسدون
في الأرض، مثل ما فعل فرعون، أم يبخلون
ويمنعون ما أمر الله به، مثل ما فعل قارون،
أم يسخرون علمهم الذي أنعم الله به عليهم
في الرياء والاستعلاء على الخلق، ولا يتقون
الله فيه، مثل ما فعل بلعام بن باعوراء.
يمتحن الله عبده بالمصائب، أو
بالخيرات من مال وجمال وقوة وسلطان؛
فإن کان امتحانه بالشر فعليه أن يقابل ذلك
بالصبر، وإذا كان ابتلاؤه بالخير فعليه أن
يقابل هذا بالشكر. فلقد أقسم سبحانه أنه
سيبلو عباده بالمكاره والمصائب؛ ليظهر
صبرهم واحتسابهم ورضاهم بما قدره
علیھم.
فقال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ
وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَلِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَتِ
وَبَشِّرِ الصَِّنَ ٥٠ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ
(١٣) أَوْلَيْكَ عَلَيْهِمْ
قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَجِعُونَ
صَلَّوَتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ
الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧].
وهناك نماذج قرآنية لذلك الابتلاء، منها:
www. modoee.com
١٤٥
حرف الألف
١. إبراهيم عليه السلام:
لقد ابتلي إبراهيم عليه السلام في أبيه
الذي کان یصنع أصنامًا تعبد من دون الله،
وابتلي في جسمه فقذف في النار.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَأَنصُرُوَاْ ءَالِهَتَكُمْ
إِن كُنُمْ فَعِلِينَ (٨) قُلْنَ يَنَارُ كُنِي بَرِّيَّا وَسَلَمًا
عَلَ إِبْرَهِيمَ ﴾ [الأنبياء: ٦٨-٦٩].
وابتلي إلى ذلك بابتلاء من نوع خاص،
وهو تحميله أمانة الإمامة.
وَإِذِ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبِّدُ
قال تعالى:
بِكَلِيَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامَّا قَالَ
وَمِن ذُرِّيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ
[البقرة: ١٢٤].
وابتلي في ولده و فلذة كبده فأمر بذبحه.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
يَبُنَّ إِّ أَرَى فِ الْمَنَامِ أَنْ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِيِّ إِن شَآءَ
١٠٣
اللَّهُ مِنَ الصَِّينَ ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ !
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتِبْرَهِيمُ ( قَدْ صَدَّقْتَ الرُِّيَاْ إِنَّا
كَذَلِكَ نَّجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١٥) إِنَّ هَذَا لَهَوَ الْبَغُّأَ
١٠٦ ﴾ [الصافات: ١٠٢- ١٠٦].
الْمُّبِينُ
فلقد ابتلى الله إبراهيم ابتلاءً شديدًا، أمره
بأن يذبح ولده الحبيب، (وكان ذلك الولد
عزیزًا على أبيه؛ لأنه فلذة كبده وإنسان عينه،
وقد جاء من الله بعد الدعاء وبشارة الملائكة
به فكان له مزيد فضل، وعلو كعب، ومع
ذلك فقد صدع إبراهیم لأمر ربه)»(١).
وقد كان هذا الابتلاء ابتلاءً بالشر
والمكروه.
قال القرطبي: ((قال أبو زيد: هذا من
البلاء الذي نزل به في أن یذبح ابنه، قال:
وهذا من البلاء المكروه»(٢).
٢. قارون:
وفي هذا النموذج كان الابتلاء بالخير؛
فقد آتى الله قارون المال الكثير امتحانًا
وابتلاءً، ولكنه فشل فى ذلك الاختبار، فكان
من الخاسرين.
* إِنَّ قَرُونَ كَانَ مِن قَوْمِ
قال تعالى:
مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمَّ وَءَانَيْنَهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَّا إِنَّ مَفَاتِحَهُ.
لَثَنُوَأُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِىِ الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا
تَفْرَعٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (١) وَأَبْتَغْ فِيمَاً
ءَاتَئِكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَآ أَحْسَنَ اَللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا
تَبْغِ الْفَسَادَ فِىِ الْأَرْضِّ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ
قَالَ إِنَّمَا أُوِتُّهُ, عَلَى عِلْمٍ عِندِيَّ أَوَلَمْ يَعْلَمْ
أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ، مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ
أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْتَرُ مْعَاً وَلاَ يُسْتَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ
الْمُجْرِمُونَ {®
﴾ [القصص: ٧٦-٧٨].
٧٨
لقد نصحه قومه بأن يستعمل المال -
الذي ابتلاه الله به - في ما يرضي الله.
قال الزحيلي: ((استعمل ما وهبك الله
(١) التفسير الواضح، محمد حجازي ٣/ ٢١٥.
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١٥/ ١٠٦.
١٤٦
جَوَاسود
القرآن الكْرِيْمِ
الابتلاء
من هذا المال الجزيل، والنعمة الطائلة، في
طاعة ربك، والتقرب إليه بأنواع القربات
التي يحصل لك بها الثواب في الدنيا
والآخرة، فإن الدنيا مزرعة الآخرة))(١).
ولكنه فشل في الاختبار، فكانت النتيجة
قول الله تعالى: ﴿فَسَفْنَا بِهِ، وَيِدَارِهِ اَلْأَرْضَ
فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ، مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا
كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ ﴾ [القصص: ٨١].
٣. بنو إسرائيل:
جاء الاختبار الأكبر لبني إسرائيل،
وذلك عندما قال لهم موسی: یا قوم، ادخلوا
الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا
تتراجعوا ولا ترتدوا على أعقابكم فتصبحوا
من الخاسرين.
﴿يَقَوْمِ أَدْ خُلُواْ اْأَرْضَ
قال تعالى:
الْمُقَدَّسَةَ الَّتِ كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا زَرْنَدُّواْ عَلَى
أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُواْ خَسِرِينَ ﴾ [المائدة: ٢١].
فأرسلوا أناسًا منهم ليستطلعوا الأمر،
فوجدوا فيها قومًا أقوياء جبارين، فخافوا
أن يدخلوا الأرض المقدسة، وقالوا
لموسى: لن ندخل یا موسی حتى يخرجوا
منها، فلتذهب أنت مع ربك فقاتلا إننا هنا
قاعدون.
قال تعالى: ﴿قَالُواْ يَمُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا
أَبَدَأُ مَّا دَامُواْ فِيهَا فَأَذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَتِلاً
إِنَّا هَهُنَا قَعِدُونَ ()﴾ [المائدة: ٢٤].
(١) التفسير المنير ٢٠ / ١٦٠.
فكان عقابهم أنهم یتیهون في الأرض
أربعين سنةً؛ جزاءً وفاقًا(٢)؛ فلقد كان ابتلاء
بني إسرائيل واختبارهم بأن أمرهم موسی
بدخول الأرض المقدسة، ولكنهم فشلوا في
ذلك الابتلاء والاختبار فكانت العقوبة أن
تاهوا أربعين سنة.
٤. أيوب عليه السلام:
لقد ابتلي أيوب عليه السلام بالمكروه
ابتلاءً عظيمًا بماله، وأولا ده، وجسده، وقد
صبر وحمد الله ونجح في الابتلاء، وقد كان
ابتلاؤه لرفع درجته عند الله.
قال تعالى: ﴿﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ
أَنِي مَسَّفِىَ الشُُّّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ
٨٣
فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ
أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَى
لِلْعَبِدِينَ
﴾ [الأنبياء: ٨٣-٨٤].
(At
إن قصة ابتلاء أيوب من أروع قصص
الابتلاء. والنصوص القرآنية تشير إلى
مجملها دون تفصيل، وهي في هذا الموضع
تعرض دعاء أيوب واستجابة الله للدعاء؛
لأن السیاق سیاق رحمة الله بأنبيائه،
ورعايته لهم في الابتلاء. سواء كان الابتلاء
بتكذيب قومهم لهم وإيذائهم، كما في
قصص إبراهيم ولوط ونوح، أو بالنعمة في
قصة داود وسليمان، أو بالضر كما في حال
أيوب.
(٢) انظر: تفسير المراغي ٦/ ٨٨.
www. modoee.com
١٤٧
حرف الألف
وأيوب هنا في دعائه لا يزيد على وصف
حاله: ﴿أَنِ مَسَّفِىَ الشُّرُّ﴾ ووصف ربه
بصفته: ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الزَّحِينَ﴾.
ثم لا يدعو بتغییر حاله، صبرًا على بلائه،
ولا يقترح شيئًا على ربه، تأدُّبًا معه وتوقیرًا؛
فهو نموذج للعبد الصابر لا يضيق صدره
بالبلاء، ولا يتململ من الضر الذي تضرب
به الأمثال في جمیع العصور،. بل إنه ليتحرج
أن یطلب إلى ربه رفع البلاء عنه، فیدع الأمر
كله إليه، اطمئنانًا إلى علمه بالحال وغناه عن
السؤال. وفي اللحظة التي توجه فيها أيوب
إلى ربه بهذه الثقة وبذلك الأدب كانت
الاستجابة، وكانت الرحمة، وكانت نهاية
الابتلاء. ﴿فَأَسْتَجَبْنَا لَهُ، فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن
ضُرٍّ وَءَاتَيْنَهُ أَهْلَهُ، وَمِثْلَهُمْ مَّعَهُمْ﴾.
رفع عنه الضر في بدنه فإذا هو معافى
صحيح، ورفع عنه الضر في أهله فعوضه
عمن فقد منهم، ورزقه مثلهم، وقيل هم
أبناؤه فوهب الله له مثليهم، أو أنه وهب له
أبناء وأحفادًا.
البلاء إشارة لها مغزاها؛ فالعابدون معرضون
للابتلاء والبلاء، وتلك تكاليف العبادة
وتكاليف العقيدة وتكاليف الإيمان (١).
[انظر: الفتنة: الفتن والمحن بالشر والخير]
ثانيًا: الابتلاء بالأمر والنهي:
الابتلاء بالأمر والنهي أمر عظيم؛ إذ به
تعرف الأحكام حلالها وحرامها، وقد بدأت
کتب الفقه بها.
يقول السرخسي: ((فأحق ما يبدأ به في
البيان الأمر والنهى؛ لأن معظم الابتلاء بهما
وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام، ويتميز
الحلال من الحرام)»(٢).
لقد بين الله للناس أن خلقهم وخلق
السماوات والارض وخلق الموت والحياة
وكل الأمور التي قدرها لهم لابتلائهم أيهم
أحسن عملًا.
قال تعالى: ﴿الَّذِى خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوَةَ لِيَبْلُوَّكُمْ
[الملك:
أَبُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًاً وَهُوَالْعَزِيزُ الْغَفُورُ )﴾
٢].
يقول الطبري: ((ليختبركم فينظر أيكم
﴿رَحْمَةٌ مِّنْ عِندِنَا﴾؛ فكل نعمة فهي رحمة له أيها الناس أطوع، وإلى طلب رضاه
أسرع))(٣).
من عند الله ومنة، ﴿وَذِكْرَىْ لِلْعَبِدِينَ ﴾
والابتلاء بالأمر والنهي يسمى الابتلاء
التشريعي، حيث يتعلق بأفعال المكلفين من
حيث الحلال والحرام، والالتزام بما أمر الله
تذکرهم بالله وبلائه، ورحمته في البلاء وبعد
البلاء، وإن في بلاء أيوب لمثلًا للبشرية كلها
وإن في صبر أيوب لعبرة للبشرية كلها. وإنه
(١) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢٣٩٢/٤.
(٢) أصول السرخسي ١/ ١١.
الأفق للصبر والأدب وحسن العاقبة تتطلع
إليه الأبصار، والإشارة ﴿لِلْعَبِدِينَ﴾ بمناسبة
(٣) جامع البيان ٢٣/ ٥٠٥.
١٤٨
القرآن الكريم
الابتلاء
من عدمه؛ وذلك مثل ابتلاء الله لإبراهيم يصطادون فيه السمك)»(١).
عليه السلام بالإمامة.
قال تعالى: ﴿﴿ وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِبْرَّهِعَ رَبُّهُ.
بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ
وَمِن ذُرِيٌَّ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِى الظَّالِمِينَ
[البقرة: ١٢٤].
وابتلائه بذبح ابنه، ولما استجاب لأمر
ربه، وتهيأ لتنفيذ الذبح، سمى الله ذلك
التكليف البلاء المبين.
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ قَالَ
يَبُنَّىَّ إِّ أَرَىْ فِ الْمَنَامِ أَنِّ أَذْبَحُكَ فَأَنْظُرْ مَاذَا
تَرَىْ قَالَ يَأَبَتِ أَفْعَلْ مَا تُؤْمَرٌ سَتَجِدُفِ إِن شَآءَ
اُللَّهُ مِنَ الصَّبِينَ ﴿١١ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَقَلَّهُ لِلْجَبِينِ
وَنَدَيْنَهُ أَنْ يَتِبَهِيمُ (١٠) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّوِّيَاْ إِنَّا
كَذَلِكَ نَجْزِى الْمُحْسِنِينَ (١٥) إِنَّ هَذَا لَمُوَ الْبَوَّأَ
آلْمُبِينُ (١٦)﴾ [الصافات: ١٠٢ - ١٠٦].
ومن الابتلاء بالتكليف ما حدث
لأصحاب القرية من بني إسرائيل.
قال تعالى: ﴿وَسْئَلَّهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ
الَِّى كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِ
الشَبْتِ إِذْ تَأْتِهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَيْتِهِمْ
شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونٌَ لَا تَأْتِيهِمُّ
كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ
١٦٣)
[الأعراف: ١٦٣].
قال الطبري: «كان اعتداؤهم في السبت:
أن الله كان حرم عليهم السبت، فكانوا
قال ابن کثیر: «واسأل هؤلاء اليهود الذین
بحضرتك عن قصة أصحابهم الذين خالفوا
أمر الله، ففاجأتهم نقمته على صنيعهم
واعتدائهم واحتيالهم في المخالفة))(٢).
أيضًا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ
الْمُجَهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّبِنَ وَنَبْلُوا لَخْبَارَكُ ﴾
[محمد: ٣١].
قال القشيري: ((يخبر عما ألزمهم من
مراعاة الحدود، وما حصل منهم من نقض
العهود، وعما ألزمهم من التكليف، ولقاهم
به من صنوف التعريف» (٣).
ومنه ما يكون ابتلاءات ابتلى المؤمنون
بها أو الرسل لا عقوبة لهم، ولكن ليتم
التشريع بها، مثل: ابتلاء عائشة رضي الله
عنها بحادثة الإفك، وابتلاء النبي صلى
الله عليه وسلم في زوجته وانقطاع الوحي
عنه، فجاء لنا من رحم هذا الابتلاء آيات
وتشریعات وأحكام وعبر، ما لا يأتي إلا من
مثل هذا الابتلاء.
(١) جامع البيان ١٣/ ١٨٣.
(٢) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٤٩٣.
(٣) لطائف الإشارات ١/ ٥٨٠.
www. modoee.com
١٤٩
حرف الألف
الابتلاء في الدعوة إلى الله
لابد للناس عامة وللمؤمنين خاصة،
ولحملة الدعوة على وجه أخص، إذا أرادوا
أن ينجحوا في دعوتهم من الصبر على
الابتلاءات والمتاعب، والتي تتمثل في أذى
الناس بالقول والفعل، فليس هناك شيء
أشد على نفس الرجل المخلص في دعوته،
البريء من الهوى، المحب الخير للناس من
أن يمحض لهم النصح فيتهموه بما ليس
فيه، وأن يدعوهم إلى سبيل الله بالحكمة
والموعظة الحسنة فيردوه بالقوة، ويعظهم
بالحسنى، فيستقبلوه بالسوء، ويجادلهم
بالتي هي أحسن، فيقاوموه بالتي هي أخشن،
ويدلهم على الخير فيقذفوه بالشر.
ما يمتد الطغيان إلى الأموال فينهبها، وإلى
الأبدان فيعذبها، وإلى الحريات فيسلبها،
بل يتعدى الأمر إلى الأنفس فيقتلها، وقد
أقسم الله تعالى في القرآن على وقوعه
على الداعين إلى الله حيث خاطبهم بذلك
ليوطنوا أنفسهم على الصبر الجميل.
لَتُبْلُونَ فِيّ
قال تعالى:
أَمْوَلِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَمُنَّ مِنَ
الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ
الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرَاً وَإِن تَصْبِرُواْ
وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [آل
عمران: ١٨٦].
ويكون ابتلاء الدعاة إلى الله بصورٍ عدة،
نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
أولًا: الاستهزاء والسخرية:
إن أسلوب الاستهزاء والسخرية بالدعاة
والنيل منهم، وتحطيمهم أسلوب قديم،
سلكه جميع الطواغيت مع الرسل وأتباعهم،
قال تعالى: ﴿ وَمَا يَأْتِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْبِ،
يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [الحجر: ١١].
وأسلوب السخرية والاستهزاء بالدعاة
إلى الله، لم يتوقف لحظة من اللحظات في
الصراع القائم بين أولياء الرحمن، وأولياء
الشيطان عبر التاريخ.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَءَاكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فكثيرًا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِى
يَذْكُرُ ءَالِهَنَّكُمْ وَهُم بِذِكْرِ الَّهَْنِ هُمْ
كَفِرُونَ (٣)﴾ [الأنبياء: ٣٦].
وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا رَأَوْلَكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ
إِلَّ هُزُوًّا أَهَذَا الَّذِى بَعَنَ اَللَّهُ رَسُولًا
٤١
[الفرقان: ٤١].
قال الرازي: ((اعلم أنه سبحانه لما بين
مبالغة المشركين في إنكار نبوته، وإيراد
الشبهات في ذلك، بين بعد ذلك أنهم إذا رأوا
الرسول اتخذوه هزوّا، فلم يقتصروا على
ترك الإيمان به، بل زادوا عليه بالاستهزاء
والاستحقار))(١).
(١) مفاتيح الغيب ١٢/ ٧٤.
١٥٠
جوب
القرآن الكريم
الابتلاء
وقال أيضًا: ﴿وَلَقَدٍ أُسْتُهْزِئَّ بِرُسُلٍ
مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُواْ مِنْهُم مَّا
كَانُواْبِهِ، يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ [الأنعام: ١٠].
قال الجزائري: «وتفيد الآية أن الاستهزاء
والسخرية بالرسل والدعاة سنة بشرية لا
تكاد تتخلف؛ ولذا وجب على الرسل
والدعاة الصبر على ذلك، وفي الآية بيان
عاقبة التكذيب والاستهزاء، وهو هلاك
المكذبين المستهزئين)»(١).
ثانيًا: الاتهام بالكذب:
من صور الحملات الإعلامية المسعورة
التي يشنها الأعداء ضد الرسل والدعاة،
اتهامهم بالكذب والافتراء والاختلاق،
والتشنيع عليهم؛ لتشويه صورتهم، وإثارة
الشكوك حولهم، حتى يفقد الناس ثقتهم
بهم، بعدم الإيمان بهم أو اتباعهم، أو الدعوة
إلى ما جاءوا به.
قال تعالى: ﴿وَمْوَأَنْ جََّ هُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ
اَلْكَفِرُونَ هَذَا سَحِرٌّ كَذَّابُ ﴾ [ص: ٤].
فقد كذبوه ورموه بالسحر؛ وقالوا: إن
محمدًا يفرق بين الوالد وولده فوق تفريقه
لقومه وعشيرته(٢).
وقال تعالى: ﴿ بَلْ قَالُواْ أَضْغَتُ أَحْلَمِ
بَلِ أَفْتَرَنَّهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِشَايَةٍ كَمَّاً
أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ ﴾ [الأنبياء: ٥].
(١) أيسر التفاسير ٤٠/٢.
قال الألوسي: ((لم يقتصر قولهم في حق
الرسول صلى الله عليه وسلم: هل هذا بشر
مثلكم، وفي حق ما ظهر على يده من القرآن
الكريم إنه سحر، بل قالوا عن القرآن: إنه
تخاليط أحلام» (٣).
ثالثًا: التعذيب بالضرب والجلد:
حتى يرهب أعداء الله وأولياء الشيطان
أولياء الرحمن - كما يتوهمون وتسول لهم
أنفسهم - یزمجرون ویزبدون، ويهددون
بالويل والثبور، وعظائم الأمور لكل من
تسول له نفسه مخالفتهم، والسیر على طريق
غير طريقهم، قال تعالى: ﴿قَالُواْ لَيْنِ لَّمْتَنْتَهِ
[الشعراء:
يَلْنُوعُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ (١)﴾
١١٦].
((أي: المرجومين بالحجارة، وهو توعد
بالقتل)) (٤)
.
وقال أيضًا: ﴿قَالُواْ يَشُعَيْتُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا
مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَتَرَئِكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ
[هود:
لَرَجَمْنَكٌ وَمَآ أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾
٩١].
ولقد ناقش إبراهيم عليه السلام أباه آزر
نقاشًا موضوعيًا علميًا يدعوه فيه إلى عبادة
الله وتوحيده، ويقدم له الحجة تلو الحجة،
والدلیل مع الدلیل بأسلوب رفیق مع الأدب
الجم والاحترام للأبوة، فيرد عليه الأب:
(٣) روح المعاني، ٩/ ١٠.
(٢) انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب ٢/ ٧١٤. (٤) المصدر السابق ٤١٣/٣.
www. modoee.com
١٥١
حرف الألف
قَالَ أَرَاغِبُّ أَنْتَ عَنْ ءَالِهَتِىِ يَإِنْزَهِيْمٌّ لَيِنِ
لَّمْ تَنَتَّهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَأَهْجُرْنِي مَلِيًّا ﴾ [مريم:
٤٦].
رابعًا: التهديد بالقتل والتنكيل:
حين يعجز الطواغيت عن منع الدعاة من
الاستمرار في دعوتهم للناس، وعن صدهم
عن دينهم وعن دعوتهم، بالرغم من كل
الإغراءات التي يقدمونها لهم ولأتباعهم،
لا يبقى أمامهم سوى التصفية الجسدية،
والتنكيل بالمخلصين المؤمنين.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ
مُوسَى وَلَيَدْعُ رَبٌَّ إِّ أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ
أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ اَلْفَسَادَ (٢﴾ [غافر:
٢٦].
وهكذا عندما يعجز الطواغيت عن
المعارضة بالحجة يلجؤون إلى قتل
خصمهم، ولكنه كان يخاف إن هم بقتله
أن يعاجل بالعقوبة(١)، وفي سورة طه يقف
الطاغية فرعون يهدد السحرة الذين آمنوا
برب موسى وهارون.
قال تعالى: ﴿قَالَ ءَامَنْتُمْ لَهُ،قَبْلَ أَنَّ ءَذَنَ لَكُمْ
إِنَّهُ، لَكَبِيُّكُمُ الَّذِى عَلَّمَكُمُ السَّحْرٌّ فَلَأُقَطِعَرَّ
أَيَّدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَفٍ وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِى جُذُوع
النَّخْلِ وَلَنَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى )﴾ [طه:
٧١].
قال الرازي: ((فيه اعتدادٌ باقتداره وقهره
وما ألفه من تعذيب الناس بأنواع العذاب
واستضعاف موسى عليه السلام مع الهزء
به» (٢).
(١) انظر: مدارك التنزيل ٢٠٧/٣.
(٢) مفاتيح الغيب ٢٢/ ٧٧.
جَوَسُو ◌َر النفسي المضوي
القرآن الكريم
١٥٢
الابتلاء
الحكمة من الابتلاء
للابتلاء فوائد عظيمة وحكم جليلة، يمن
بها الله على من أحب من عباده، ومن هذه
الحكم: تكفير السيئات ورفع الدرجات،
والتمحيص والتنقية والتهيؤ لحمل أعباء
الدعوة.
أولًا: تكفير السيئات ورفع الدرجات:
قد ينزل البلاء على العباد رفعًا
للدرجات، أو وضعًا للآصار وتكفيرًا
الخطايا والسيئات؛ فمن ما يكون لرفع
درجات العباد، ويراد لهم الخير به ما رواه
البخاري في صحيحه أن أبا هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسول الله: (من يرد الله
به خیرًا یصب منه)(١).
أي: يبتليه بالمصائب والمحن ليرفع
درجاته و یزید في حسناته على ما يكون من
صبره و احتسابه.
ومن ذلك أيضًا قوله عليه الصلاة
والسلام: (إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم
يبلغها بعمله ابتلاه الله في جسده أو في ماله
أو في ولده، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي
سبقت له منه)(٢).
(١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب
المرضى، باب ما جاء في المرض رقم
٥٦٤٥، ٠١١٥/٧
(٢) أخرجه أحمد في مسنده، رقم ٢٢٣٣٨، ٣٧/
٢٩.
ومما يكون لتكفير السيئات ما جاء في
الحديث المتفق على صحته عند الشيخين
أن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول
الله: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا كفر
الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها)(٣).
قال الإمام المناوي رحمه الله شارحًا
هذا الحديث في فيض القدير: (ما من
مصيبة) أي: نازلة، وأصلها الرمي بالسهم
ثم استعیرت لما ذكر (إلا كفر الله بها عنه)
ذنوبه أي: محي خطيئاته بمقابلتها (٤).
قال الإمام الغزالي رحمه الله: قال
عيسى عليه السلام: لا يكون عالمًا من لم
يفرح بدخول المصائب والأمراض عليه لما
پرجوه من ذلك من کفارة خطاياه(٥).
ويعاقب المؤمن بالبلاء على بعض
الذنوب فتكون في حقه كفارة وعقوبة
مخففة ظاهرها القسوة وباطنها الرحمة،
كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم:
(ما يصيب المسلم من هم، ولا حزن، ولا
وصب، ولا نصب، ولا أذى حتى الشوكة
يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه)(٦).
قال الألباني: صحيح.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض،
باب كفارة المرض، رقم ٥٦٤٠، ٧/ ١١٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، رقم
٤،٢٥٧٢/ ١٩٩٢.
(٤) انظر: فيض القدير ٥/ ٥٠١.
(٥) فيض القدير ٤ / ٤٦٨.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المرض،
www. modoee.com
١٥٣
حرف الألف
وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قوله: (لا يزال البلاء بالمؤمن
والمؤمنة في جسده أو في ماله أو في ولده
حتى يلقى الله سبحانه وما عليه خطيئة)(١).
﴿ وَمَّا أَضَبَكُمْ مِّن
قال تعالى:
قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ
[الشورى: ٣٠].
قال الزحيلي: ((والقصد من الابتلاء
رفع الدرجات؛ لأن الأنبياء معصومون عن
الذنوب والآثام، ويكون حصول المصيبة
من باب الامتحان في التكليف، لا من باب
العقوبة»(٢).
والمؤمن ينظر إلى الابتلاء أنه نعمة
ورحمة من الله على عباده، يتعهدهم
بالابتلاء المرة بعد المرة؛ لينقيهم،
ويطهرهم، ويذهب عنهم رجز الشيطان،
ويربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام،
وكذلك ينظر إليه أنه دليل رضى ومحبة من
الله لعباده؛ فإن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه، لا
لحبه لابتلاء عبده بل لما في هذا الابتلاء
من عواقب حميدة قد يجهلها العبد نفسه،
فدخول الجنة في الغالب يسبقه الابتلاء.
باب كفارة المرض، رقم ٥٦٤٠ ٧ / ١١٤،
ومسلم في صحيحه، كتاب البر والصلة، رقم
٤،٢٥٧٢/ ١٩٩٢.
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد، باب
كفارة المريض، رقم ٤٩٤، ص ١٧٤.
(٢) التفسير المنير ٢٥/ ٧٦.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ
الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَهَدُ وأَمِنكُمْ وَيَعْلَمَ
الصَّبِينَ ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
قال الرازي: ((أم حسبتم أن تدخلوا الجنة
بمجرد تصديقكم الرسول قبل أن يبتليكم
الله بالجهاد وتشديد المحنة والله أعلم (٣).
فکلما صلب إيمان المرء وقوي یقینه؛ اشتد
بلاؤه، فمن رضي؛ فله الرضى من الله عز
وجل.
ثانيًا: التمحيص:
المحص: التخليص والتنقية والاختبار
والابتلاء، ومنه محص الشيء، يمحصه
محصًّا، أي: يخلصه مما يشوبه (٤)؛
((فالتمحيص ههنا كالتزكية والتطهير)»(٥).
سنة التمحيص نتيجة طبيعية لسنة
الابتلاء؛ فالمؤمن من جهة يتعرض للمحنة،
فيصقل معدنه من أثرها، وينضج بها كما
ينضج الطعام بالنار، والمنافق من جهة ثانية
لا يستطيع الصمود أمام الفتنة، فتخور قواه،
وتنحل عراه، وينكص على عقبيه، ولهذا
جعل الله تعالى التمحيص معبرًا لتنقية
الصف المؤمن من أدعياء الإيمان، فيقع به
التمييز بين الدر الثمين والخرز الخسيس.
كما في قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
(٣) مفاتيح الغيب ٩/ ٣٧٦.
(٤) انظر: لسان العرب، ابن منظور ٤ / ٩٠.
(٥) المفردات، الراغب ص ٦٧١.
١٥٤
مُوسُوبَة النفسي
القرآن الكريمِ