Indexed OCR Text
Pages 161-180
القدرية : الذين زعموا : أن الله سبحانه وتعالى لا يوصفُ بالقدرة على ما علمَ أنه لا يكونُ ، ونتيجةُ هذا القول : أنه إذا علمَ تقديمَ بعض أفعاله على فعل غيره لم يكن قادراً على تأخير ما قدَّمَهُ ولا تقديم ما أخَّرَهُ(١) ومنها الخلاف بيننا وبين المذَّعينَ للأصلح من المعتزلة : الذين زعموا : أن كلَّ ما قدَّمَهُ عزَّ وجلَّ لم يكن جائزاً له تأخيرُهُ، وما أخّرَهُ لم يكن له تقديمُهُ ؛ لأن الأصلحَ ما فعلَهُ على الترتيب الذي رتَّبَهُ ، فلا يجوزُ في حكمته تغييرُ ترتيبه(٢) ٢ وقلنا : لو قدَّمَ ما أخَّرَ ، وأَخَّرَ ما قدَّمَ من أفعاله .. لكان ذلك حكمةً وعدلاً منه ، كما أن الترتيبَ الذي رتَّبَهُ عدلٌ منه وحكمة(٣) (١) انظر (٢٦٠/٢). (٢) انظر (٢١٥/١)، غير أن هذا التقديم والتأخير هو محضُ فَرْضٍ، وأنه لو جاز عقلاً لم يجز شرعاً؛ إذ التغيير والتبديل في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَّن فِى الْأَرْضِ﴾ [يونس: ٩٩]، وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَحِدَةٌ﴾ [هود: ١١٨]، ونحوه من الآيات الكريمات .. إنما هو بالنظر إلى مطلق المشيئة وجانب الممكنات ، أما بشأنٍ شأنِهِ سبحانه وتعالى في كلِّ ما حكمَ وقضى وقدَّرَ وأظهر .. فما كان ليتغيَّر أو يتبذَّل؛ قال سبحانه: ﴿مَا يُدَّلُ أَلْقَوْلُ لَنَّ وَمَا أَنَأْ يِظَِّ لِلْمِبِيدِ﴾ [قَ: ٢٩]، وقال عزَّ سلطانه: ﴿ وَلَكِنْ حَقِّ الْقَوْلُ مِنِى﴾ [السجدة: ١٣]، وبهذا تعلم: أن نفي القول بالصلاح والأصلح عند أهل السنة هو بالنظر إلى مطلق تعلق الإرادة والقدرة بالممكن ، والمحققون منهم على أن هذه الممكنات الحادثات هي على تمام الحكمة وأحسنيّةِ الترتيب والنظام . 00 (٣) وهو على كمال العدل والحكمة في ذاته وبالنظر إلى جميع خلقه ، والكون عند الحكيم المتفكِّر ناطقٌ كلُّ جزء منه بأحكمية الإبداع وتناهيه في الممكن ؛ إذ للممكن نهاية إمكانية يقف عندها ؛ لأنه حادثٌ ، وكل حادث مبدوءٌ منتهٍ ، وليس للمبدئ المعيد نهاية وحدٌّ، فالحدود الإمكانية وتناهيها من حيث إن الممكن لا يتصوّر انقلابه إلى وجوب ذاتي ؛ بل ليس للإمكان رتبةٌ عرضية أصلاً . (00000 11. 00000 O ومنها : الخلافُ بيننا وبين الكراميَّةِ : فإنهم زعموا : أنه كان غير جائز في حكمة الله أن يبدأ بخلْقِ من يعلم أنه لا يؤمنُ ، وبخلْقِ الجمادات من غير أن يكون معها حيٌّ يعتبرُ بها ويستدلُّ ، وإلى هذا ذهب أكثرُ المعتزلة . وقلنا : لو خلق الجماداتِ دون الأحياء ، [أو] قدَّمَ الجماداتِ على الأحياء(١)، أو لم يخلق شيئاً، أو قدَّمَ ما أخَّرَ، أو أخَّرَ ما قدَّمَ .. كان جميعُ ذلك عدلاً منه وحكمةً (٢) ، ﴿لَا يُسْتَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] . 0000000 0000000 (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( و). (٢) يعني: بالنظر إلى أنه جلَّ جلاله يخلق ما يشاء ويختار ، إلا أن اختياره تعالى قد وقع أزلاً وتمَّ ، وما خلق الخلق إلا ليتعرفوا أنفسهم وخلقهم ، لا ليتكمَّل بوجودهم الزائل ، تعالى ربُّنا عن أن يفتقر غيره لغيره، فكيف يفتقر هو لخلقه؟! قال جلَّ أمرُهُ: ﴿ وَمَآ أَمْرُنَا إِلََّ وَحِدَةٌ كَلَمْجِ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠]. CO000 1 1 1700000 OO ذكر معنى (المقسط) في أسمان عزوجل ١٠٠٨٠ [ معنى (المقسطِ) و(القاسط ) في اللغةِ ] معنى ( المقسط ) : العادلُ الذي لا يجورُ . يقال منه : أقسطَ يقسطُ إقساطاً فهو مُقسطٌ؛ إذا عدلَ(١) قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَقْسِطُوَّأْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٩]؛ يعني : العادلين(٢) وقال عزَّ وجلَّ في صفة نفسه: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [آل عمران: ١٨]؛ أي : بالعدل(٣)، والإقساط والقسط: العدل (٤) 00000 وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتُقْسِطُوْاْ إِلَيْهِمْ﴾ [الممتحنة: ٨] ؛ أي: تعدلوا فيما بينهم وبينكم ؛ من الوفاء والعدل(٥) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطْ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ؛ أي: أعدلُ (١) انظر (الزاهر في معاني كلمات الناس)) (٩٨/١)، و((مجرد مقالات الأشعري ) ( ص٥٦ ) . (٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٨٨/١)، (٣٥/٥). (٣) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (١٠٣/١). (٤) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١١٧/٢). (٥) انظر (( معاني القرآن)) للزجاج (١٥٨/٥). ٥٥ ١٦٢ 00000 TODAY. وأقوم(١)؛ وذلك قولُهُ عزّ وجلَّ: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّى بِالْقِسْطِ﴾ [الأعراف: ٢٩]؛ كقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَاَلْإِحْسَنِ﴾ [النحل: ٩٠]. وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا نُقْسِطُواْ فِ اٌلْيَى فَأَنْكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْفَى ... ﴾ [النساء: ٣]، اختلفوا في تأويله : فقال مجاهدٌ : معناهُ : إن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى، وتحرَّجتم أن ثَلُوا أموالَهم .. فتحرَّجوا أيضاً من الزنا بالنكاح ؛ فانكحوا ما طاب لكم من النساء(٢) وقال غيره : معناهُ : إن خفتم ألا تعدلوا في اليتامى .. [فكذلك] ينبغي أن تخافوا ألا تعدلوا بين أربع نسوةٍ (٣) ؛ فانكحوا واحدة(٤). وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ؛ أي : ذواتٍ القسط وهو العدل(٥) وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَزِنُواْ بِالْقِسْطَاسِ اٌلْمُسْتَقِيمِ﴾ [الشعراء: ١٨٢]؛ أي : بميزان العدل ، وقيل : إن القُسطاس بضم القاف : اسمُ الميزان ، أيَّ ميزانٍ کان(٦) 00 وفي الحديث: ((إنَّ اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي [له] أنْ ينامَ، يخفضُ انظر ((الغريبين)) (١٥٤١/٥). (١) (٢) رواه الطبري في ( تفسيره)» ( ٥٣٩/٧). ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وكذلك ) . (٣) انظر ((تفسير الطبري)) (٥٣٨/٧، ٥٤٠). (٤) (٥) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٤٩٤/٣). (٦) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢٣٨/٣)، وزاد: ( من موازين الدراهم أو غيرها). حدد القسطَ ويرفعُهُ))(١) ؛ يعني: ميزانَ القسط ، يخفضُ فيه ما شاءَ من أعمال العباد ، ويرفعُ ما شاء منها ؛ بأمره إيَّاه بذلك ، من غير مباشرةٍ منه بآلة ولا جارحة؛ لأن أمرَهُ إذا أراد شيئاً أن يقول له : ( كُنْ ) فيكون(٢) قيل في تفسير هذا الحديث : إنه أراد بالقسط : الرزقَ الذي هو قسطُ كلِّ مخلوق ؛ يخفضُهُ لمن شاءَ بالتضييق والتقدير ، ويرفعُهُ لمن يشاءُ بالبسط والتوسُع(٣) والقسطُ في غير هذا: اسمُ ما يكون مقدارُهُ نصفَ صاع منه (٤) وفي الحديث : ((إنَّ النساءَ مِنْ أسفهِ السفهاءِ، إلا صاحبةَ القسطِ والسراج))(٥)؛ أي: التي تَخدُمُ بَعْلَها وتوضِّئُهُ، وتقومُ على رأسه بالسراج ، والقسطُ : هو الإناءُ الذي يُتَوضَّأُ فيه(٦) وفي القسط بمعنى العدلِ قال الشاعرُ(٧): [من الخفيف] ملكٌ مقسطٌ وأكملُ مَنْ يمـ ـشي ومِنْ دونِ ما لديهِ [الثناءُ] 00 (١) رواه بنحوه مسلم (١٧٩ ) من حديث سيدنا أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، وتمامه : (( ويرفع إليه عمل النهار بالليل ، وعمل الليل بالنهار )). (٢) أنظر (( الغريبين)) (١٥٤٢/٥)، و((النهاية في غريب الحديث)) (٦٠/٤). (٣) انظر ((الغريبين)) (١٥٤٢/٥)، و((النهاية في غريب الحديث)) (٤ /٦٠). (٤) وهو قول أبي عبيد. انظر ((الغريبين)) (١٥٤٢/٥). KIMCONS (٥) رواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١١٧١) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها . (٦) انظر ((الغريبين)) (١٥٤٢/٥). (٧) هو الحارث بن حلزة، وهو من معلقته. انظر ((ديوانه)) (ص٢٦)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ثناء)، وانظر ((الزاهر)) (٩٨/١). ٥٥٥٥٥ ١٦٤ AXY.r. وأما القاسطُ : فهو الجائرُ ؛ يقال منه : قَسَطَ يَقسِط قُسوطاً فهو قاسطٌ ؛ إذا جارَ، قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَمَّا الْقَسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]؛ أي : الجائرون(١)، قال الشاعر(٢): [من الوافر] أليسوا بالأُلى قَسَطوا جميعاً على النعمانِ وابتدروا السُّطاعا فهذا معنى المقسِطِ والقاسطِ في اللغة . [ معنى وصفِ اللهِ سبحانه بـ (المقسطِ ) في علم الكلام ] وفي معنى وصْفِ الله عزَّ وجلَّ بأنه المقسط مسألتانٍ من مسائل الكلام : إحداهما : أن هذا الاسمَ من أسمائه المشتقةِ من أفعاله ، وليس من أسمائِهِ الأزلية . والثانية : في القسط الذي هو الميزانُ يومَ القيامة، وقد أثبتَهُ أهلُ السنة والجماعة ، وقالوا جميعاً : إن الميزانَ حقٌّ ، وله كِفَّتان توزنُ فيهما أعمالُ العباد(٣) واختلفوا في كيفية الوزن : فمنهم من قال : توزنُ الصحفُ التي كُتِبَ فيها أعمالُهم(٤) (١) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص ٤٩٠)، و((الزاهر)) (٩٨/١). (٢) هو القطامي. انظر ((تهذيب اللغة)) (٤١/٢)، و((الصحاح)) (س ط ع)، والسّطاع : عمود البيت ، وفي البيت ذكر من جاروا على النعمان ودخلوا عليه بيته . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٤٧٢). يؤيده حديث البطاقة المشهور الذي رواه الترمذي ( ٢٦٣٩ ) من حديث سيدنا (٤) عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وانظر (( المنهاج في شعب الإيمان)) (١/ ٣٩٤) ، = 00200 70000 ومنهم من قال : إنما توزنُ الأجسامُ ؛ بأن يخلق الله عزَّ وجلَّ بإزاء كلٌ عمل جسماً ؛ فيجعلَ الأجسامَ التي تقابل الحسناتِ في كِفَّةٍ ، والأجسام التي تقابل السيئاتِ في كِفَّةٍ ، فأيُّ الكِفَّتَينِ حصل فيها الرجحانُ وقعَ بها الاعتبار(١) وقال آخرون : توزن الأجسامُ من الثواب والعقاب ، وهذا خطأٌ ؛ لأن من الثواب ما لا نهايةً له ، وكذلك العقابُ، ولا يصحُّ وزن ما لا نهايةَ له (٢) وحكى شيخُنا أبو الحسن في كتابه المعروف بـ (( اللمع الكبير)) عن قوم أنهم قالوا : أعمالُ العباد تعادُ فيهم ، فيوزنُ على أعمال الحسنات ، ثم يوزنُ على أعمال السيئات ، وبنَوْهُ على أصلِهم في جواز إعادة الأعراض(٣) Coo وقال قومٌ من مثبتي الميزان : إن الحسناتِ والسيئات تتراءى في الميزان كما نتراءى الوجه في المرآة وإن لم يكنْ في الحقيقةِ فيها (٤) و(( منهاج السلامة في ميزان القيامة)) (ص١٢٤). (١) انظر (( المنهاج في شعب الإيمان)) (٣٩٥/١). (٢) انظر (( منهاج السلامة في ميزان القيامة)) (ص١٢٦)، وهو منقول عن الإمام المصنف دون تصريح . 0 (٣) وعليه : يكون الموزون هو العبد نفسه ، ويشهد لهذا القول: قوله تعالى في حق الكفار: ﴿فَلَ تُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَّْمَةِ وَزْنَا﴾ [الكهف: ١٠٥]، وما رواه البخاري في (( الأدب المفرد " (٢٣٧) من حديث سيدنا علي رضي الله عنه مرفوعاً: ((لَرِجْلُ عبد الله أثقلُ في الميزانِ من أُحُدٍ ) . (٤) أنكر ثبوته الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في ((منهاج السلامة في ميزان القيامة)) (ص١٢٧ ) ، ويظهر نقله عن المصنف دون تصريح . 00000.١٦٦ وأنكرَ قومٌ من المعتزلة يقال لهم : ( الوزنيةُ ) الميزانَ المعتاد على صفة العَمُود والكِفَّةِ في القيامة، وقالوا : إن المراد بقوله: ﴿ وَنَضَعُ الْمَوْزِينَ الْقِسْطَ يَوْمِ الْقِيَمَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] العدلُ، وهذا قولُ قدمائهم، وهو اختيارُ الجهمية(١) . قال أبو الهذيل وبشر بن المعتمر : يجوزُ أن ينصب الله عزَّ وجلَّ في القيامة ميزاناً ؛ فيجعلَ رجحانَهُ علامةً لمن يدخل الجنة ، وخفَّتَهُ علامةً لمن يدخل النار . وهؤلاء يشكُّون في كونِهِ ، وكذلك شكُّهم في كون الصراط الذي أقرَّ به أهل السنة والجماعة(٢) وزعم أكثرُ المعتزلة مع ضرار بن عمرو : أن الصراطَ هو الدين و(٣) المستقيم ودليلُ ثبوت الميزان: قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأْمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَزِينُهُ * فَهُوَ فِ عِيشَةٍ رََّضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَقَتْ مَوَزِينٌُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦_٩] . (١) انظر ((أصول الدين)) للمصنف (ص ٢٤٥) . (٢) وقد فرَّق العلامة الآمدي في ((أبكار الأفكار)) (٣٤٥/٤) بين قولي المعتزلة هنا فقال : ( منهم من أحاله عقلاً ، ومنهم من جوَّزه عقلاً وإن لم يقضٍ بثبوته ؛ كالعلاف وبشر بن المعتمر)، وفي (( منهاج السلامة في ميزان القيامة)) ( ص١٢٧): ( ويروى عن مجاهد والضحاك والأعمش أن الميزان بمعنى العدل والقضاء ) . (٣) وكذلك أنكر الحوض والصراط وسؤال الملكين في القبر . انظر (( أصول الدين)) للمصنف ( ص ٢٤٥ ) . DOCx 00 ورُوِيَ: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: ((أثقلُ شيءٍ في الميزانِ خُلُقٌ حسنٌ))(١) ورُوِيَ : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قيل له : هل يذكرُ الناس أهليهم يومَ القيامة؟ فقال: ((أمَّا في ثلاثٍ مواطنَ فلا ؛ عندَ الميزانِ ، وعندَ تطايرٍ الصُّحُفِ في الأيدي، وعندَ الصراطِ))(٢). وليس إنكارُ مَنْ أنكر الميزانَ والصراط بأعجبَ من إنكار الغلطيّةِ من الجهمية الحسابَ في الآخرة ، مع إنكارها كتابةَ الملكينِ أعمالَ [العبد] الذي وُكِّلا به(٣) ، وقالوا: (محالٌ أن يكون الله عزَّ وجلَّ محتاجاً إلى مُخصٍ يحصي له على عباده أعمالَهم )، وهذا تكذيبٌ لقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَفِظِينَ * كِرَامًا كَنِينَ ﴿ يَعَلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠-١٢]، وقولِهِ عزَّ وجلَّ: ﴿إِذْ يَتَقَّى الْمُلَفِيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدٌ * مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبُ عِيدٌ﴾ [قَ: ١٧ -١٨]. قال المفسرون في تفاسيرهم : عن اليمين كاتبُ الحسنات ، وعن الشمال كاتبُ السيئات(٤) وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَكُلَّ إِنَنٍ أَلْزَمْنَهُ طَهِرَهُ فِ عُنُقِهِ، وَتُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيْمَةِ كِتَبًا يَلْقَنهُ مَنْشُورًا ﴿ اقْرَأْ كِتَبَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣ -١٤]. (١) رواه أبو داود (٤٧٩٩)، والترمذي (٢٠٠٢) من حديث سيدنا أبي الدرداء رضي الله عنه . (٢) رواه أبو داود ( ٤٧٥٥) من حديث الصدِّيقة عائشة رضي الله عنها . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( العباد ) . (٤) انظر ((زاد المسير)) (١٥٩/٤). 00000 1 14 700000 Oo DO XT.EGY وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوِى كِتَبَهُ بِيَمِينِهِ،﴾ [الحاقة: ١٩]. وقال أيضاً: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية ٢٥ -٢٦]. وقال أيضاً: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ [الانشقاق: ٨]. ونحوُ هذا كثيرٌ من الأدلة ، وفيما ذكرنا منها كفايةٌ، واللهُ سبحانَهُ وتعالى أعلم . ـوم 00000, ١٦٩ ذكر معنى (المغني) من أسمان عزوجل قد ذكرنا قبلَ هذا : أن الغنيَّ من أوصاف الله الأزلية ، وأنه غنيٌّ لذاته(١). فأما المغني في أوصافه : فمن أوصافِهِ المشتقّة من أفعاله ، وليس من صفاته الأزلية . وإغناؤُهُ عبدَهُ على وجهينِ : 0000000 أحدُهما : بأعراضٍ الدنيا ؛ حتى يحبُّ من أجلها الصدقةً على أهلها . وفي الحديث: (( خيرُ الصدقةِ ما أبقَتْ غِنِيَ))(٢) قال القُتَيئُّ : ( فيه قولانِ : أحدُهما : خيرُ ما تصدَّقْتَ به الفضلُ من قوت عيالك وكفايتِهم ؛ كما رُوِيَ في حديث آخرَ: ((خيرُ الصدقةِ ما كانَ عن ظهرٍ غنىٌ))(٣) والآخرُ: أنه أراد: خيرُ الصدقة ما أغنيتَ به مَنْ أعطيتَ عن المسألة)(٤). انظر (٢ /٥١٥ ) . (٢) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (٢٤٣٦) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه . (١) (٣) رواه البخاري (١٤٢٧)، ومسلم (١٠٣٤) بلفظ: ((خير الصدقة عن ظهر غنيّ )، من حديث سيدنا حكيم بن حزام رضي الله عنه . (٤) نقله الهروي في ((الغريبين)) (١٣٩٢/٤) . CA والوجهُ الثاني من إغناء الله عزَّ وجلَّ عبدَهُ : أن يغنيَهُ بالقناعة ويوفّقَهُ له ، ويغنيّهُ بالافتقار إليه دون من سواه ؛ كقول جعفر الصادق رضي الله عنه في دعائه : ( اللهمَّ ؛ أغننا بالافتقارِ إليك ، ولا تفقرْنا بالاستغناءِ عنك ) . وبهذا الإغناءِ شَرَّفَ رسولَهُ صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: ﴿ وَوَجَدَكَ عَآَيِلًا فَأَغْنَ﴾ [الضحى: ٨]؛ أي: أغناكَ به عن غيره. وفي الحديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( ليستغنِ أحدُكم باللهِ عن الناسِ ولو عن قِصْمةِ السِّواكِ))(١)، والقِصْمُ: أن ينكسرَ الشيءُ فيبينَ ، ومنه قيل : فلان أقصمُ الثنيّة ؛ أي : منكسرُها ، وقولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةٌ﴾ [الأنبياء: ١١]؛ أي: أهلكناها ، من هذا(٢). وفي الاستغناءِ بالله عن الناس قال ابنُ السمَّاكِ : ( إن في طلب الرجل الحاجة إلى أخيه فتنةً ؛ إن هو أعطاه حمدَ غيرَ الذي أعطاه ، وإن [منعَهُ] ذمّ غيرَ الذي منعه )(٣) OOOOOY وفي الحديث : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: (( مَنِ استغنى باللهِ (١) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ( ١٠٧٩٣) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى مرسلاً بلفظ: ((استغنِ عن الناس ولو بقِصْمةِ سواكٍ))، والقِضْمة - بكسر القاف وبعدها صاد مهملة -: الكِشرة من السواك، وانظر ((الغريبين)) (١٥٥٣/٥)، ووقع أول هذا الحديث في جميع النسخ زيادة هي: (( من استغنى بالله عزَّ وجلَّ)»، وهي طرف من حديث سيأتي قريباً . (٢) انظر ((الغريبين)» (١٥٥٣/٥) . (٣) رواه البيهقي في (( شعب الإيمان)) ( ٢٠٧) ولكن عن سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( ذمَّهُ)، والمثبت من ((شعب الإيمان)). ١٧١,٥٥٢ عزَّ وجلَّ أحوجَ الناسُ إليهِ ))(١) وفي رواية أنس: عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ليسألْ أحدُكم ربَّهُ حاجتَهُ كلَّها، حتى يسألُهُ شسعَ نعلِهِ إذا انقطعَ ))(٢). وقال بكرُ بن عبد الله المزنيُّ : ( مَنْ أراد أن يستغنيَ عن الدنيا بالدنيا .. كان كمَنْ أراد أن يطفئ النارَ بالنار)(٣) وقال فضيلُ بن عياض : ( أحبُّ الناس إلى الناس مَنِ استغنى عن الناس ، وأبغضُ الناس إلى الناس مَنِ احتاجَ إلى الناس وسألَهم ، وأحبُّ الناس إلى الله عزَّ وجلَّ مَنْ سألَهُ واستغنى به عن غيره ، وأبغضُ الناس إليه مَنِ استغنى عنه وسألَ غيرَهُ )(٤) CO وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ: ( يا بنَ آدَمَ ؛ أنت بين اللهِ تعالى وبين خلقِهِ ؛ فإن علَّقْتَ قلبَكَ بهم خذلوكَ ، وإن علَّقْتَ قلبَكَ بالله تعالى أغناكَ عنهم وخدموك ) . 0000000 وقال عامرُ بن عبد قيس : ( قرأتُ آياتٍ في كتاب الله تعالى ، فاستغنيتُ بالله عن الناس ؛ قولُهُ: ﴿وَإِن يَمْسَسِّكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَّ﴾ [الأنعام: ١٧]، فلم أسألْ غيرَهُ كشْفَ ضري، وقولُهُ تعالى: ﴿وَإِن يُرِدَّكَ (١) رواه ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ( ١٢٧٥) ولكن من كلام سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه، وفيه : ( إلا احتاج الناسُ إليه) بدل ( أحوج الناسُ إليه ) ، ومعنى ( أحوج الناسُ ) صاروا ذوي حاجة . (٢) رواه ابن حبان في «صحيحه)) (٨٦٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) ( ١٠٧٩). (٣) رواه الدينوري في ((المجالسة وجواهر العلم)) (٥٤٨)، وفيه: (كمطفئ النار بالتبن ) . (٤) أورده السمرقندي في (( تنبيه الغافلين)) (ص٤٥٨). OOOOO VY po000 19 بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَ لِفَضْلِهِ ﴾ [يونس: ١٠٧]، فلم أردِ الخيرَ والفضل إلا منه، وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَمَا مِن دَآبَةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، فلم أطلب الرزقَ من غيره ، فأغنائي اللهُ عن الناس بههذه الآياتِ )(١) قال عبدُ القاهر : وللمغني في اللغة معنيان آخران : أحدُهما : الكافُّ الذي يكفُّ . والثاني : الكافي الذي يكفي . وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿لِكُلِّ أَمْرٍِ مِنْهُمْ يَوْمَيِذٍ شَأْنٌ يُغْنِهِ﴾ [عبس: ٣٧]؛ أي: [يكفُّهُ ويكفيه] عن غيرِ شأنه(٢)؛ من قولهم: أغْنِ [عنِّي] كذا(٣)؛ أي: كُفُّهُ ، قال النابغة (٤): [من الوافر] بعيرَكَ حيثُ ليسَ لهُ غَناءُ تقولُ لهُ الظعينةُ أَغْنِ عنِّي وقولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿لَنْ تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَلُهُمْ وَلَا أَوْلَدُهُم مِّنَ اَللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]؛ أي: لن تكفَّ عنهم ما أرادَ بهم ؛ من قولهم: أغْنِ عني شرَّكَ؛ أي: كُفُّهُ، وقيل: لن تغنيَ ؛ أي: لن تكفيَ ، والغَناءُ : .= (٥) الكفاية (١) رواه البيهقى فى ((شعب الإيمان)) (١٢٦٥). (٢) ما بين المعقوفين في (أ، ب): ( يكفيه)، وفي (ج): (يكفه) والتصحيح من ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٣٩٢/٣). (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (عن)، وفي ((الغريبين)) (١٣٩١/٤): (قال ابن عرفة : يقال : أغْنٍ عني بعيرك ؛ أي : كُفُّهُ ) . (٤) انظر ((الغريبين)) (١٣٩١/٤). (٥) انظر ((الغريبين)) (١٣٩١/٤ ). RY ١٧٣ 00000 والمعنيان صحيحانِ في أوصاف الله عزَّ وجلَّ ، فهو المغني الكافُّ الكافي . وقد أخبر بأنه كفَّ أيديّ المشركين يومَ الحديبية، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ [الزمر: ٣٦]، وهذا من الكفاية، وذاك مِنَ الكفِّ، وعلى جميع وجوهِهِ يكونُ من أسمائه الفعليّة ، دون أسمائه الأزلية . 0 LON ٥٥٥٥٥ ١٧٤ ٢٠٧ bo ذكر معنى (المدير) من أسماء الله عز وجل قد وردت السنةُ بهذا الاسم الله عزَّ وجلَّ ، ودلَّ القرآن عليه ؛ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]؛ أي: يمضيه(١). وعلى هذا التأويل : يكون المدبّرُ من أسمائه المشتقة من أفعاله ، ولا يكون من أوصافه الأزلية . والتدبيرُ في صفات البشر : التفكّرُ في عواقب الأمور ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ﴾ [النساء: ٨٢]، ومعناه: أفلا يتفكرون في معانيه ؛ يقال : تدبّرتُ الأمرَ ؛ إذا تفكّرتُ في عواقبه(٢) ولا يوصف الإللهُ سبحانه بالتفكّر في الأمور ؛ فإنه لم يزل عالماً بها قبلَ وقوعها ، ولكن يجوز تأويلُ تدبيره للأمور على معنى علمِهِ بها ، وعلى هذا التأويل : يكون ( المدبِّرُ) من أسمائه الأزلية . واختلفوا في تأويل قوله عزَّ وجلَّ في صفة الملائكة : ﴿فَلْمُدَتِرَتِ أَمْرًا﴾ [النازعات : ٥] : منهم من قال : معناهُ : أنها تأتي بالتدبيرِ من عند الله عزَّ وجلَّ (٣) (١) وهو قول ابن عرفة الملقب بنفطويه. انظر ((الغريبين)) (٦١٥/٢). (٢) انظر ((الغريبين)) (٦١٥/٢). (٣) انظر ((الغريبين)) (٦١٥/٢)، وقال الزجاج في ((معاني القرآن)» (٢٧٧/٥) : = 00000 00000 ١٧٥ ومنهم من قال : معناهُ: أنهم يحدِّثون بالوخي عن الله عزَّ وجلَّ (١) وفي الحديث : ( أما سمعتَ من معاذٍ بن جبل يدبِّرُهُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! )(٢) قال أبو عبيد: ( يقال : دبرت الحديثَ؛ أي: حدَّثتُ به عن غيري )(٣)، فالمدبِّراتُ أمراً: المحدِّثونَ عن الله عزَّ وجلَّ بأمره ونهيه وإخباره . وفي قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يُدَبِرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ دليلٌ على إبطال قولِ فِرَقٍ من أهل الضلال والبدع : إحداها : إبطالُ قول من علَّقَ الحوادثَ في الأرض والهواء على دَوْرِ الأفلاك والكواكب وطباعها ، كما ذهبَتْ إليه الملحدةُ من أهل النجوم(٤)، 000 ( فجبريل بالوحي والتنزيل ، وميكائيل بالقطر والنبات ، وإسرافيل للصور ، وملك = الموت لقبض الأرواح ) . (١) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص٥١٢) وعبارته: (تنزل بالحلال والحرام). (٢) هو قول سيدنا عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه لهِصَّان بن الكاهن - ويقال : الكاهل -، وهو أثر رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٩/٥)، وفيه: ( أنا سمعت ذاك من معاذٍ يدبِّره - أو يذبره كما سيبين - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . (٣) انظر ((غريب الحديث)) له (٦٩/٣)، و((الغريبين)) (٦١٧/٢)، وقال: (قال أحمد بن يحيى: إنما هو ((يذبره)» بالذال؛ أي: يتقنه)، وانظر «النهاية في غريب الحديث)) (٩٨/٢ ) . (٤) من الدهرية والطبائعية وعموم القائلين بقدم العالم، وحينما ترى ذمَّ الشرع للمنجِّمين فاعلم أن المراد هو ذمُّ هؤلاء وأمثالهم ؛ ممَّن جعل للنجوم تدبيراً وتقديراً في أحوال وشؤون الخلق ، لا الذين ينظرون فيها متفكِّرين ويتابعون مسيرها ، ويعرفون حساباتها ؛ إذ ذاك ممَّا حضَّ عليه الشرعُ وأمر به . 0 فأخبرَ الله عزَّ وجلَّ أنه لا مدبِّرَ ولا مقدِّرَ لما يجري في السماوات والأرض غيرُهُ . والثانية : أهلُ التثنية في دعواهم : أن المدبِّرَ للعالم اثنان : أحدُهما : نورٌ يدبِّرُ الخيراتِ ويقدِّرُها ، والآخرُ : ظلمةٌ مدبرة للشرور ، كما ذهبت إليه المانوية(١) وأما الديصانيةُ منهم : فإنهم زعموا : أن الشرور تقعُ من الظلمة طباعاً بغير قصد ولا تدبيرِ منها ، فزعموا : أن الشرور خارجةٌ عن تقدير الإلله وتدبيره(٢) والفرقةُ الثالثة : المجوسُ [الزرادشتية] التي نسبت تدبيرَ الشرور وتقديرها إلى الشيطان الذي سمَّوهُ أهرمن(٣) والفرقةُ الرابعة : القدريةُ مجوسُ هذه الأمة ؛ في دعواها : أن أكثر أعمال الحيوانات تقعُ من غير تدبير من الله عزَّ وجلَّ فيها ولا تقديرٍ منه ولا مشيئةٍ له فيها (٤) 00 وقال أهلُ السنة والجماعة : كلُّ حادث في السماوات والأرضين وما بينهما واقعٌ بتقدير الله ، وجارٍ على تدبيره ، له التدبير والتقدير ، وعلى تقديره التقرير . (١) انظر (٢/ ١٦١). (٢) انظر (١٠٣/٢). (٣) انظر (٣٦٦/٢)، وما بين المعقوفين في (أ، ب): (الزرادشية)، وفي (ج) : ( الزرادية شبيه ) . (٤) انظر (٣٦٦/٢). MON COO000 \ VV OO000 bo فإن قال قائل : إذا كان تقديرُ الإلله عندكم وتدبيرُهُ نافذينٍ في السماء والأرض وما بينهما .. فلِمَ انتهى بالتدبير إلى الأرض في الذكر؟(١). قيل : ليس في إثبات تدبيرِهِ في الأرض [نفيٌ] لتدبيرِهِ عمَّا تحت الأرض (٢)، على أن ما عليه الأرضُ في حكم الأرض إن صحَّ الخبر بأنها على ظهر حوت(٣)؛ لأنه من جنس الأرض ، وإن كانت الأرض لا في مكان فَآخرُ أجزائها الصفيحةُ السفلى من العالم ، وإليها ينتهي التدبيرُ في الأرض . وهذا من باب دخول الحدِّ في المحدود ؛ كما أدخلنا المرافقَ في غسل اليدين وإن كان قد قال: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وكقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢]؛ أي: مع الله، وقوله: ﴿أَنْوَلَهُمْ إِلَى أَمْوَلِّكُمْ﴾ [النساء: ٢]؛ أي: مع أموالكم؛ كذلك قوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾؛ أي: مع الأرض، أنه هو المدبِّرُ للأرض والسماء وما بينَهما . 00000 (١) يعني: في قوله تعالى: ﴿ يُدَبِرُ اَلْأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾. (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( نفياً) . (٣) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٩٤/٤) من حديث سيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهو حديث ردَّه ابن قتيبة في (( تأويل مختلف الحديث)) ( ص ٥٥ )، وجعله من الأحاديث التي تبعث على الإسلام الطاعنين ، وقد قال الحافظ البيهقي في ((الأسماء والصفات)) ( ص ٤٧٧ ) نافياً إثبات الذراعين له تعالى مع وجود رواية بذلك لسيدنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما : ( وقد وُجدَ في النجوم ما سُمِّي : ذراعين ) ، فيمكن القول أيضاً : وقد وُجدَ في النجوم ما سُمِّي بالحوت ، يعرف ذلك العامة والخاصة . 00000 IVAD0000 ذكر معنى المنتقسم) من أسمان عزوجل اعلم : أن ( الانتقام ) افتعالٌ من ( نقمَ ) ، وللنِّقْمَةِ معنيانِ : أحدُهما : الكراهيةُ، ومنها قوله عزَّ وجلَّ: ﴿ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلََّ أَنْ ءَامَنَّا بِلَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩]؛ أي: هل تكرهون شيئاً غيرَ ذلك(١)، وقال عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَا نَقَمُواْ مِنْهُمْ إِلَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: ٨] على هذا المعنى. والثاني النقمةُ : العقوبةُ على المكروه من المنقوم منه (٢) وجمعُهُ نِقَمٌ . والانتقامُ على هذا الوجه والمنتقمُ في أوصاف الله عزَّ وجلَّ .. من أسمائِهِ الفعلية ، لا من أسمائه الأزلية . 0000000 ولذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿فَلَمَّآ ءَاسَفُوْنَا أَنْنَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: ٥٥]؛ أي : لمَّا أغضبونا ؛ بمعنى: أنَّا غضبنا عليهم لأجل معاصيهم ؛ يقال منه : آسفَهُ فأسِفَ يأسَفُ أَسَفاً، والأَسَفُ: الغضب(٣)، وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ غَضْبَنَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: ١٥٠]؛ أي: شديدَ الغضب (٤)، وسئل رسولُ الله (١) انظر ((مجاز القرآن)) (١٧٠/١)، و((الزاهر)) (ص٢٠١). (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٥٥) . (٣) انظر ((مجاز القرآن)) (٢٠٥/٢)، و((معاني القرآن)) للزجاج (٣٧٨/٢)، وقال الراغب في « مفرداته)) (ص ٧٥): ( حقيقة الأسف : ثوران دم القلب شهوةً الانتقام ) . (٤) انظر ((مجاز القرآن)) (٢٢٨/١)، و((معاني القرآن)» للزجاج (٣٧١/٣)، = 00000 144 00000