Indexed OCR Text
Pages 61-80
2 الفصل الخامس في جواز الاستثناء في الإيمان وبيان الخلاف فيه اختلفوا في الاستثناء في الإيمان : فأنكرَتْهُ الجهميّةُ ، والكراميَّةُ ، وأكثرُ القدريَّةِ . وذهب أبو الحسن الأشعريُّ ، وعامَّةُ أصحابِ الحديثِ ، وكلُّ من قال : إن الله لم يزل راضياً عمَّن علمَ أنه يموتُ على الإيمان ، ساخطاً على من علمَ أنه يموتُ كافراً .. [إلى] أن المؤمنَ على الحقيقة(١): هو من سبقَ علمُ الله تعالى فيه بأن عاقبةَ أمره الإيمانُ ، وكذلك الكافرُ على الحقيقة : من سبقَ علمُهُ فيه بموافاته على الكفر (٢) O 00 وقالوا : قد يكونُ في غالب ظنوننا مؤمناً أو كافراً مَنْ حالُهُ عند الله سبحانه بخلاف ذلك . وأجْرَوا حكمَنا على الإيمان والكفر وتسميتَهُ بأحدهما في الظاهر .. (١) ما بين المعقوفين في (ب، ج): (إلا)، والعبارة في (أ): ( ... يموت كافراً لأن ) . (٢) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٦١) بعد نقله هذا القول : ( وهذا هو القولُ بالموافاة ؛ ومعنى الموافاة : اعتبارُ عاقبة الأمر في حال المؤمن والكافر ، وما يوافي ربَّهُ عليه في القيامة، وعلى ذلك تعلَّقَ وعدُهُ ووعيدُهُ، ورضاهُ وسخطُهُ ، وحتّهُ وبغضُهُ ، وولايتُهُ وعداوتُهُ)، وتقدم ذكر معناها ( ١٨/٣). 00000 ٦٠ OC مُجْرى سائرِ الأحكامِ التي حكمَ الشرعُ بها في الظاهر ؛ من الأملاك ، والمواريث ، والأنكحة ، والأنساب ، وإن كان يجوزُ أن يكونَ أمرُها عند الله عزَّ وجلَّ بخلاف الحكم ، ولهذا ذكروا لفظَ الاستثناءِ في قول الواحد منهم : ( أنا مؤمنٌ إن شاء الله )(١) وقد اعتبر بعضُ أصحابِ الحديثِ فيه تفصيلاً حسناً ؛ فقال في وصف الإيمانِ : ( إيماني حقٌّ) بلا استثناء ، وإذا وصفَ نفسَهُ [قال](٢): ( أنا مؤمنٌ إن شاء الله ) . واعتبر بعضُهم فيه تفصيلاً أحسنَ منه ؛ فقال بالفرق بين ( مؤمنٌ بالله ) و(مؤمنٌ عند الله)؛ فقال: ( أنا مؤمنٌ بالله حقّاً) من غير استثناءٍ ، وألحقَ الاستثناءَ بالمؤمن عند الله ؛ فقال : ( أنا مؤمنٌ عند الله إن شاء الله ) ؛ لأن المؤمنَ عند الله: هو الذي وعدَهُ الله سبحانَهُ الجنَّةَ والثوابَ(٣). واستدلُّوا على وجوب الاستثناءِ في الإيمان بأن قالوا : إن الإيمانَ مرتبطٌ أوَّلُهُ بآخره ، وتعودُ أحوالُ المكلَّفينَ في النهايات إلى ما سبقَ لهم في البدايات(٤)، فلذلك قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَقَدْ ءَانَيْنَآ إِنَّزَهِيَمَ رُشْدَهُ 000 000000 (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٦١). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فقال) . (٣) قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٦١) بعد أن عزا هذا القول إلى بعض الأصحاب : ( فأما شيخنا أبو الحسن رحمه الله فإنه لم يفرق بين ذلك لفظاً ، وإن فرق بينهما في المعنى على هذا المراد الذي أشار إليه هذا القائل ) ، وانظر ((المنهاج في شعب الإيمان)) (١/ ١٢٧- ١٣٢). (٤) لئن كان المؤمنون يخافون من الخواتيم .. فاعلم : أن العارفين يخافون من السوابق ، ويريدون بها : ما في علم الله عز وجل ؛ إذ قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّاء 0000 ٦١ 0000 مِن قَبْلُ﴾ [الأنبياء: ٥١]، وقال في إبليسَ اللعين: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَفِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]؛ يعني : في علمه السابق. وقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الغلامَ الذي قتلَهُ الخضرُ طُبعَ يومَ طُبعَ كافراً))(١) وقال نوحٌ عليه السلام في مناجاته: ﴿ وَلَا يَلِدُوَاْ إِلَّا فَاجِرًا كَفَارًا﴾ [نوح: ٢٧]، وفيه دلالةٌ [على] أن مراعاةِ العواقب فى الأمور الدينيّة(٢)، وهذا وجهُ الاستثناء فيها ، واللهُ أعلم . AON 0000000 اُلْحُسْفَ أُوْلَتِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠١]، وقال: ﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَنْنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَمُمُ الْمَصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُ الْغَلِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ -١٧٣]، وقال عزَّ شأنه: ﴿فَأَسْلُكْ فِيَهَا مِن كُلِّ زَوْجَبْنِ أَثْنَيْنٍ وَأَهْلَكَ إِلَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمَّ وَلَا تُخَطِبْنِى فِي الَّذِينَ ظَلَمُوَاْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]، كان لنا مولانا بلطفه ورأفته. (١) رواه مسلم (٢٦٦١) من حديث سيدنا أبيّ بن كعب رضي الله عنه . (٢) زِيدَ حرفُ (على) للتوضيح، وإلا فحذفه قياسي قبل ( أن)، ومن صور سلفنا الصالح في ذلك: ما رواه ابن أبي الدنيا في (( الشكر)) (١٩٥)، والبيهقي في (( شعب الإيمان)) ( ٤٢٠٢) عن عباءة بن كليب يقول : كتب إليَّ ابن السمّاك: ( أما بعدُ : فإني كتبت إليك وأنا مسرورٌ مستور، فأنا بهما مغرور ؛ ذنبٌ سترَهُ عليَّ فقد طابت نفسي لي كأنه مغفور ، ونِعَمٌ أبلاها فأنا بها مسرور ، كأني فيها على تأدية الحقوق ، فليت شعري ؛ ما عواقبُ هذه الأمور ؟! ) . 400000 ٦٢ a الفصل السادس في حكم من اعتقد اكن تقليدًاهل يكون مؤمناًأما واختلفوا في مُعتقِدِ الحقِّ تقليداً من غير علم منه بحُجَّةٍ ودَلالةٍ عليه : فقال أصحابُنا : إن اعتقدَ مع جواز ورودٍ شبهةٍ عليه ، وجوازٍ كون ما اعتقدَهُ ظنوناً، وقال : ( أنا أعتقدُ صحَّةَ ديني، وأجيزُ أن أكونَ على خطأ) .. لم يكن بهذا الاعتقاد مؤمناً ولا مطيعاً (١) وإن اعتقدَ الحقَّ، واعتقدَ أيضاً أنه لا يجوز ورودُ شبهة تبطلُهُ ، واعتقدَ أن الأدلَّةَ قد دلَّت على صحّته ، غيرَ أنه جهلَ الأدلَّةَ عليه .. فهذا الذي اختلف فيه أصحابُنا : 0 فقال الفقهاءُ منهم ، مع أهل الظاهرِ ، وحفّاظِ الحديثِ ، وكتبةٍ الحديثِ ، والأوائلِ من متكلِّميهم : إنه يكونُ مؤمناً مطيعاً لله تعالى باعتقاد الحقِّ في أصول الدين ، ولكنه يكونُ عاصياً لتركه للنظر والاستدلال المؤدِّيينِ إلى المعرفة بأصول الدين تحقيقاً لا تقليداً(٢) (١) انظر ((المنهاج في شعب الإيمان)) (١٤٥/١)، وعبارة المصنف في ((أصول الدين)) (ص ٢٥٤): ( فهذا غير مؤمن بالله ولا مطيع له ، بل هو كافر ) . (٢) قال الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص٢٥٤) بعد أن ساق هذا القول : (هذا قول الشافعيِّ، ومالك، والأوزاعيِّ، والثوريٍّ، وأبي حنيفةً، وأحمد بن حنبل ، وأهلِ الظاهر ، وبه قال المتقدمون من متكلمي أهل الحديث ؛ كعبد الله بن سعيد ، = 00000 , ٦٣ ومنهم من قال : لا يتحقَّقُ إيمانُهُ إلا بعد أن يعرفَ ما اعتقدّ ببعض أدلَّته(١)، وللكنه يكونُ خارجاً عن الكفر ؛ لأن الكفرَ ضدُّ اعتقاد الحقِّ، وسمَّوه : مسلماً ؛ لاستسلامه باعتقاد الحقُّ وقَبوله(٢) ، وهؤلاء يقولونُ: كلُّ إيمان إسلامٌ ، وليس كلُّ إسلام إيماناً . والحارث المحاسبيِّ، وعبد العزيز المكيّ، والحسين بن الفضل البجليِّ، = وأبي عبد الله الكرابيسيِّ، وأبي العباس القلانسيِّ، وبه نقول ) ، وهو ما صار إليه السنوسي في (( شرح العقيدة الصغرى)) (ص١٢٩) مع زيادة تدقيق؛ قال: ( والحقُّ الذي يدل عليه الكتاب والسنة : وجوب النظر ، مع التردد في كونه شرطاً في صحة الإيمان أو لا ، والراجح : أنه شرط ) . (١) وعبارة المصنف في ((أصول الدين)) (ص ٢٥٥): ( غير أنه لا يستحقُّ اسم المؤمن إلا إذا عرف الحقَّ في حدوث العالم ، وتوحيد صانعه ، وفي صحة النبوة .. ببعض أدلته ، سواء أحسن صاحبها العبارة عن الدلالة أو لم يحسنها ) . (٢) قال الإمام المصنف في ((أصول الدين)) ( ص ٢٥٥) بعد نقله لهذا القول: ( وهذا اختيار الأشعري ، وليس المعتقِدُ للحقِّ بالتقليد عنده مشركاً ولا كافراً، وإن لم يسمِّه على الإطلاق مؤمناً ، وقياس أصله يقتضي جوازَ المغفرة له ؛ لأنه غير مشرك ولا كافر ) . وذهب بعض العلماء : إلى أن النظر ليس بشرط في صحة الإيمان ، بل ليس بواجب أصلاً ، وإنما هو من شروط الكمال فقط ، وقد اختار هذا القول كما حكاه الإمام السنوسي في ((شرح العقيدة الصغرى)) (ص١٢٨) الإمامُ ابن أبي جمرة ، والقشيري ، والغزالي ، وابن رشد ، وغيرهم . وعبارة حجة الإسلام في ((إحياء علوم الدين)) (٥٦/١): ( فإذا بلغ الرجل العاقل بالاحتلام أو السنِّ ضحوة نهار مثلاً .. فأول واجب عليه: تعلُّمُ كلمتي الشهادة وفهمُ معناهما ؛ وهو قول : لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وليس يجب عليه أن يُحصِّلَ كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة ، بل يكفيه أن يصدِّق به ويعتقده جزماً من غير اختلاج ريب واضطراب نفس ، وذلك قد يحصل بمجرَّد التقليد والسماع من غير بحث ولا برهان ) . وقال الإمام الآمدي في (( أبكار الأفكار )) ( ١٦٩/١) بعد كلام طويل في مسألة وجوب النظر : ( وعلى الجملة : فمسألةُ وجوب النظر ظنية لا قطعية ) . 00000 LONG ٦٤ واختلفت المعتزلةُ في هذا : فالذين قالوا منهم : ( إن المعارفَ ضروريةٌ)(١) زعموا : أن من اعتقدَ الحقَّ ضرورةً وأقرَّ به فهو مؤمنٌ إن لم يكن يخلطَ إقرارَهُ بفسقٍ وتركٍ فريضةٍ ، وإن اعتقدَهُ لا عن ضرورة فليس بمكلّف . وأما الذين قالوا منهم : إن المعرفةَ [بالله] عزَّ وجلَّ اكتسابٌ عن نظرٍ ودَلالةٍ (٢)، وزعموا: أنها متولَّدةٌ عنهما .. فإنهم اختلفوا في مُعتقِدِ الحقِّ تقليداً : 0000000 فمنهم من قال : إنه ليس بمؤمن ، وزعم بعضُ هؤلاء : أنه بعدُ كافرٌ لم تصحَّ توبتُهُ عن كفره ؛ لترك بعض فروضه ؛ وهو الاشتغالُ بالنظر والاستدلالِ ، وهذا قولُ أبي هاشم(٣) (١) ويُسمَّون بأصحاب المعارف، وهو قول الجاحظ وأبي علي الأسواري . انظر ((الرسائل)) للجاحظ (٤٧/٤) وما بعدها، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٥٢ ، ٥٦ ) . (٢) وإن جوَّزوا حصولها ضرورة على سبيل خرق العادة ؛ كما الأنبياء والأولياء والصالحين. انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٥٢)، وقد بيَّنَ في طالعة كتابه هذا أن أول واجب على المكلف اكتساب المعرفة بالنظر والاستدلال ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( لله ) . (٣) والمراد بقوله : ( لترك بعض فروضه) أنه ترك معرفة بعض أدلة أصول الدين التي قالوا بها، وعبارة المصنف في ((أصول الدين)) ( ص ٢٥٥) : ( وزعم أبو هاشم : أن الكافر لو اعتقد جمیع أركان دین الإسلام ، واعتقد جميع أصول أبي هاشم ، وعرف دليل كل أصل له إلا أصلاً واحداً جهل دليله ؛ من أصول العدل والتوحيد عنده .. فهو كافر ، ومقلدوه كلهم كفرة عنده) ثم قال : ( وهو صادق عندنا في هذا وإن كان كاذباً في أصوله ) ، ومع هذا : فترك الواجبات وفعل المحظورات موجِبٌ للصيرورة إلى منزلة= 700000 ٦٥ ومنهم من قال: هو مؤمنٌ [عندنا](١) ، ولا ندري ما حاله عند الله . وقال أخرون منهم : هو مؤمنٌ عندنا وعند الله ، ونظنُّ به أنه اعتقدَ الحقَّ بحُجَّةٍ ؛ لوجوب حسن الظنِّ، فإن كان في الحقيقة مُعتقِداً بغير حُجَّةٍ .. فليس بمؤمن عند الله . ٢ والكلامُ في هذه المسألة على أصول الكراميَّة فضلٌ ؛ لأن الإقرارَ مع الكفر في القلب إيمانٌ عندهم(٢)، فإذا انضمَّ إلى الإقرار اعتقادُ الحقِّ .. فصاحبُهُ باسم الإيمان أولى . 000 والصحيحُ عندنا : أن اعتقادَ الحقِّ من غير حجَّة يوجبُ لصاحبه أحكامَ المؤمنين ، كما لو اعتقدَ الكفرَ تقليداً من غير شبهة .. كان كافراً ، كذلك إذا اعتقدَ معالمَ الإيمان وأصولَهُ وشروطَهُ تقليداً ، وأقرَّ به طوعاً ، وأقامَ رسومَهُ فعلاً .. كان مؤمناً (٣) ، وإن صار بترك النظرِ والاستدلالِ عاصياً. = بين المنزلتين عند أبي هاشم ، وإلى الخلود في النار ، ولكن تحت اسم الفسق لا الكفر. (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (عند الله ) . (٢) كما تقدم ( ٣ / ٥٧ ) . (٣) والفرق بين الصورتين: أن مقلِّدَ الحقِّ أصاب الحقَّ بالتقليد، وفي (( اليواقيت والجواهر )» (٢٠٧/٢) : (وصاحب التوحيد سعيدٌ بأي وجهٍ كان توحيده ) ، على أنه لا خلاف في هلاك الكافر بالتقليد ، ولكن وقع خلافٌ غير معتبر في الكافر الذي نظر واستدلَّ، فأدَّاه اجتهاده ونظره إلى ما هو كفرٌ ؛ فذهب الجاحظ والعنبري إلى أنه معذورٌ، معلِّلَيْنِ بأنه لا يليق بحكمة الحكيم أن يعذِّب مثله مع بذل الطاقة والجهد عقلاً، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجَ﴾ [الحج: ٧٨]، وخالفا إجماع الأمة بهذا القول ، وأهلُ الحقِّ جازمون بأن التكليف بالإيمان داخلٌ في الوسع ، ولو تُصوَّر خروجه عن وسع أحدٍ من الناس لقلنا بأنه غيرُ مكلَّف شرعاً . انظر ((أبكار الأفكار)) (١٠٧/٥-١٠٩). 00000 , ٦٦ 00 [ اختلافُهم في إيمانِ الأطفالِ وأحكامِهم قبلَ أنْ يعقلوا عقلَ الاستدلالِ وماتوا على ذلكَ ] واختلفوا في إيمان الأطفال وأحكامِهم قبل أن يعقلوا عقلَ الاستدلالِ وماتوا على ذلك : قال أصحابنا : أما أحكامُ أطفال المؤمنين : فقد ورد الشرعُ بأنهم في الجنَّة ؛ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَأَنَّعَنْهُمْ ذُرِّيَّاتُهُمْ بِإِيمَنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّلْتِهِمْ﴾ [الطور: ٢١] (١). وأما أطفالُ الكفَّار : فإن أمرَهم موقوفٌ على مشيئة الله عزَّ وجلَّ فیھم(٢) ، وقد ژُویَتْ فیھم أخبارٌ : منها : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشةَ رضي الله عنها: (( لو شئتٍ لأسمعتُكِ تضاغِيَهُم في النَّارِ))(٣) ومنها : ما رُويَ : أن بعضَهم خدمُ أهل الجنَّةِ(٤) ومنها : ما رُويّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : ( يؤجَّجُ لهم نارٌ تظهرُ لهم ، فيؤمرون باقتحامها ؛ فمن اقتحمَها لم تضرُّهُ النارُ ، ومن أبى (١) تقدم كلام الإمام المصنف على أحكام أطفال المؤمنين والمشركين (٦٧٣/٢ - ٦٧٤)، وفي (( الدر المصون)) ( ٥١١/٥): (قرأ الكوفيون وابن كثير : ((ذريتهم)) بالإفراد ، والباقون (( ذرياتهم )) بالجمع ) . (٢) وهو ما اختاره حجة الإسلام الغزالي كما تقدم تعليقاً (٦٧٦/٢ ). (٣) تقدم (٢/ ٦٧٥) ، والتضاغي : الصياح . (٤) تقدم (٦٧٥/٢) . 200 ـحد دخولَها استحقَّ العذابَ ، وصارَ إلى النار ) . وكلُّ هذه الوجوه عندنا جائزةٌ ، لا نحيلُ شيئاً منها على الله عزّ وجلَّ (١) وزعمت المعتزلةُ: أنه يجبُ على الله تعالى إدخالُهم الجنَّةَ(٢) ، وهم في حال الطفوليّة لا [مؤمنونَ] ولا [كافرونَ](٣) وزعمت الأزارقةُ وأكثرُ الخوارج : أنهم في الكفر تبعٌ لآبائهم ، ولهذا أقدمت الأزارقةُ على قتل الأطفالِ (٤). وزعمت الكراميّة : أنهم مؤمنون بقولهم: ﴿ بَلَى﴾ في الميثاق الأوَّل(٥). قالوا : ومن مات منهم قبل البلوغ .. علمنا أنه كان من أهل السعادة ، وأنهم كانوا يومئذٍ عارفينَ، ودخلوا الجنَّةَ لا محالةَ ، ومن كان منهم يومئذٍ (١) ويحمل اختلاف الأحوال: على اختلاف العواقب المقدَّرة إن أحياهم الله تعالى إلى سنَّ التكليف ، وعلى علمه تعالى بحالهم التي سيكونون عليها ساعةَ امتحانهم يومَ القيامة ، وانظر جمع الإمام الأشعري بين هذه الأخبار (٦٧٥/٢ ) تعليقاً . (٢) وأجمعت المعتزلة على ذلك كما حكاه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين » (ص١٢٦) ، وقال بعض أهل السنة بدخولهم الجنة ، وللكن من غير إيجاب عليه سبحانه ، مع مواءمة هذا القول للنصوص الشرعية؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَّ نَبَّعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. (٣) وهي مسألة فقهية متشعبة الأقوال عند أهل السنة ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( مؤمنين ، كافرين ) . (٤) انظر (٢٩/٣). (٥) وهو الوارد في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَفِىّ ءَدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّنَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَّكُمْ قَالُواْ بَلَىْ شَهِدِنْهُ أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَمَنِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَفِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٢]، وانظر ما تقدم (٣/ ٥٧ ) . Y 00000 A 00000 منكراً ؛ فقد قال ابنُ كرام : إن الله عزَّ وجلَّ يبقيه حتى يُدركَ فيكفرَ ؛ يعني : أنه يثبتُ على إنكاره الذي كان منه في الميثاق الأوَّل . [ اختلافُهم في كلمةِ الكفرِ تخرجُ من الصبيِّ والمجنونِ ] واختلفوا في كلمة الكفر ؛ إذا ظهرت من الصبيِّ الذي لا يعقلُ ، وفي قول المجنون : ( ثالثُ ثلاثةٍ ) ، ونحوَ ذلك من الكلمات التي هي شعارُ الكفر : فقال أصحابُنا : إنها كلماتُ كفرِ ، ودَلالةٌ على اعتقاد الكفر ، إلا أن الصبيَّ والمجنونَ لا يستحقَّان بها عقاباً ؛ لأنهما غيرُ مكلَّفِينِ . فإن بلغ الصبيُّ وأفاق المجنونُ ، وثبتا على ما قالاه منها .. استحقًّا بها العقابَ كأهل الكفر . وإن تكلَّمَ الصبيُّ من أطفال المسلمينَ بكلمة الكفر ، ومات قبل رجوعه عنها .. لم يُجعلْ حكمُهُ حكمَ المرتدِّينَ ، بل حكمُهُ حكمُ أبويه في الإسلام ؛ في دفنه في مقابر المسلمينَ ، وفي غسله والصلاةٍ عليه ، وفي الميراث عنه ، ونحوِ ذلك ، حتى إنه لو قتلَهُ قاتلٌ كان حكمُهُ حكمَ الطفل الذي لم تظهرْ منه كلمةُ الكفر في باب القصاص والدِّيّةِ والكفارةِ ونحوها(١) واختلفت المعتزلةُ : فمنهم من قال : إن ذلك كفرٌ وكذبٌ منه، غيرَ أن وزرَهُ موضوعٌ عنه ، وبه قال أبو الهذيل والكعبيُّ . (١) ونقل الإمام المصنف في ((أصول الدين)) (ص٢٥٨ - ٢٥٩) إجماع الفقهاء على ذلك. ومنهم من قال : هو كذبٌ وليس بكفر ؛ لأن الكذبَ هو الخبرُ عن الشيء على خلاف ما هو به (١) ، والكفرَ لا يصحُّ إلا من بالغ عاقلٍ قد صار مأموراً مكلَّفاً، وكذلك الإيمان ، وإلى هذا القول ذهب النظّامُ وبشرُ بن المُعتَمِر والجبائيُّ . وقال عمرو بن بحر الجاحظُ : ( ليس قولُ المجنون والطفلِ إن الله ثالثُ ثلاثةٍ .. كذباً ولا كفراً) ؛ لأن الكاذبَ عنده : هو العالمُ بأنه كاذبٌ ، والكافرَ عنده : العالمُ بأنه كافرٌ . ٥ واختلفت الكراميَّةُ في هذه المسألة : فزعم أكثرُهم : أنه كذبٌ وليس بكفر . وقال بعضُهم : هو شِرْكٌ موضوعٌ عنه ، وهو قول المعروف بالمأمون بن أحمدَ الكذَّاب . 00000 [ اختلافُ الفقهاءِ في أطفالِ المشركينَ إذا نطقوا بكلمةِ التوحيدِ ] وأما الطفلُ من أطفال المشركين ؛ إذا أتى بكلمة التوحيدٍ في الإيمان ، وشهدَ شهادةَ الحقِّ .. فإن الفقهاءَ اختلفوا فيه : (١) وهذا حدُّ الكذب أيضاً عند أهل السنة، وإنما قال: (ومنهم من قال) لأن النظّام منهم لا ينظر للواقع الخارجي، بل الكذب عنده : مخالفة الخبر لاعتقاد المُخْبِر ، ولأن الجاحظ منهم اشترط الاعتقاد ؛ إذ الكذب عنده : مخالفة الخبر لما في نفس الأمر مع الاعتقاد لذلك . انظر (( شرح المقدمات)) للسنوسي (ص٢٧٢)، غير أن النظّام لم ينظر في هذه المسألة إلى حدِّ الكذب عنده، بل لأن التكليف عنده لا يُتصوَّر من غير بالغ عاقل ، أما الجاحظ فاعتبر حدَّ الكذب الذي قال به . 160000 V . 00000 O فقال أبو حنيفةً رحمه الله تعالى : يكون ذلك إسلاماً منه ، حتى إن بلغَ ورَجَعَ عنه كان حكمُهُ حكم المرتدِينَ(١) وقال الشافعيُّ رضي الله عنه : إن ذلكَ صدقٌ منه وإيمانٌ صحيحٌ ، غيرَ أنه إن لم يثبت عليه لم يكن حكمُهُ حكمَ المرتدِّينَ ، وفي الحال قبل بلوغه يحالُ بينه وبين أبويه الكافرينِ ؛ لئلا يفتناهُ عن دين الإسلام (٢)، والله تعالى أعلم . OC 10000000 00 (١) قال الإمام السرخسي في ((المبسوط)) (١٢٠/١٠): (إذا أسلم الغلام العاقل الذي لم يحتلم .. فإسلامه صحيح عندنا استحساناً ، وفي القياس : لا يصحُّ إسلامه في أحكام الدنيا ، وهو قول زفر والشافعي رحمهما الله تعالى ) . وقال الإمام السمر قندي في (( تحفة الفقهاء)) ( ٣٠٩/٣): ( فأما الصبي العاقل إذا ارتد فردَّتُهُ صحيحة عند أبي حنيفة ومحمد كإسلامه ، وعند أبي يوسف إسلامه صحيح دون ارتداده)، ثم قال: ( للكن لا يُقتل، ويعرض عليه الإسلام)، والمعتمد عند الحنفية : أن إسلام الصغير وارتداده صحيح . (٢) انظر ((الحاوي الكبير)) (٤٦/٨)، و((تحفة المحتاج)) (٣٥٥/٦)، والمعتمد عند الشافعية : أنه لا يصحُّ إسلام الصغير ولا ارتداده . ON ـx الفصل السابع في صحة طاعة لا يراد امن تعالى بما وفسادها وفي صحة امتثال الأمر بالطاعة ممن لا يعرف الآمر ولا يقصدوبها فزعم أبو الهذيل وأتباعُهُ من القدريَّة : أنه يصحُّ ذلك، وأنه قد يطيعُ اللهَ عزَّ وجلَّ من لا يقصدُهُ بالطاعة ولا يعرفُهُ(١) واستدلَّ: بأن كلَّ أوامر الله عزَّ وجلَّ بإزائها زواجرُهُ ، فلو كان من لا [يعرفُهُ] تركَ كلَّ أوامره(٢) .. وجب أن يكونَ قد صار إلى جميع المعاصي ، ولو كان كذلك لوجب أن يكونَ الدهريُّ قد صار إلى دين اليهوديّةِ والنصرانيَّةِ والمجوسيّةِ وغيرها من الأديان(٣) وإلى هذا القول : ذهب طائفةٌ من الإباضية الخوارج (٤)، وهو أليقُ (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٠٥)، ومن صور هذه المسألة: وجودُ طاعة لا يُتَوَجَّهُ فيها إلى الله تعالى ؛ كمن أصاب مواضعَ وضوئه الماءُ عند الحنفية وهو لا يعلم ؛ فإن وضوءه معتبرٌ ولا أجرّ له فيه . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( يعرفُ)، والتصحيح من (( الفرق بين الفرق)) ( ص١٢٦ ) . (٣) والمغالطة في هذا القياس: أننا لا نسلِّمُ المقدمةَ الكبرى منه؛ إذ تركُ الأمر لا يلزم منه الإيالُ إلى الضدُّ إلا بالنيّةِ والقصد . (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ١٠٥). COOL VY COCCO Y NODAY ـد بمذهب الجبائيّ ؛ لأن الطاعةَ عنده موافقةُ الإرادة(١)، فإذا أراد الله تعالى من جاهلٍ به فعلاً يفعلُهُ ففعلَهُ .. وجب أن يكونَ مطيعاً له به (٢) وهذا قولُ الكراميَّة أيضاً في جواز حصول طاعةٍ لا يُرادُ بها اللهُ عزَّ وجلَّ . وقال الباقون من المعتزلة : لا يجوزُ أن يطيعَ اللهَ عزَّ وجلَّ من لا يعرفُهُ ومن لا يقصدُهُ بالطاعة(٣) وقال أصحابُنا : إن هذا إنما يصحُ في شيءٍ واحدٍ ؛ وهو الأمرُ بالنظر والاستدلالِ الواجبينِ قبل الوصول إلى معرفة الله عزَّ وجلّ ، فإن المأمورَ بهما إذا فعلَهما صار مطيعاً لربِّهِ تعالى فيهما وإن لم يقصدْ بهما التقرُّبَ إليه ، ولا تصحُّ منه الطاعةُ فيما سوى ذلك إلا بعد معرفته بالله عزَّ وجلَّ وقصدِهِ إلى طاعةٍ يفعلُها وامتثالٍ أمرِهِ فيه (٤) (١) يعني: إرادةَ المُطاع، وهي عنده في هذه المسألة: إرادةُ الله الحادثة لا في محلٌّ ، ومثالها في الممكنات : أن رجلاً لو أراد من آخر إحضارَ كأس من الماء له ، فقام هذا الآخر فأحضر كأسَ الماء لأبيه ، فأخطأ فقدَّمه لهذا الرجل .. لكان له مطيعاً ! أما عند أهل السنة : فلا يكون مطيعاً له إلا إن أمره فاستجاب لأمره، وإنما قالت المعتزلة بما قالت لأن الأمر عندها لا ينفكُ عن الإرادة ، وأما عند أهل الحق فقد ينفكُّ ؛ كأمره تعالى لأبي جهل بالإيمان مع عدم إرادته له ، ولو كان أمره إرادتّهُ سبحانه في هذا المثال .. لاجتمع الضدان . (٢) وقياساً عليه : يكون الربّ تعالى وجلَّ مطيعاً لعبده إن وافق فعلُهُ إرادةَ العبد! ومن العجائب أن الجبائي التزم ذلك ! فقال له الإمام الأشعري : خالفت إجماع المسلمين ، وكفرت برب العالمين ، ولو جاز أن يكون الله تعالى مطيعاً لعبده لجاز أن يكون خاضعاً له ! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ١٨٣). (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٢٩-٤٣٠). (٤) لأن الطاعة كما عرفها الإمام الأشعري : هي موافقة الأمر ، والمعصية : مخالفته . انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ٧٠)، وكان يقول: ( كسب المكلّف إنما يكون طاعة = 00000 وليس الأمرُ في أوامر الله عزَّ وجلَّ وزواجره على ما ظنَّهُ أبو الهذيل ، وللكنه لا خَصلةَ من الطاعات إلا وبإزائها خصالٌ كثيرةٌ من المعاصي ، ولا خَصلةَ من الإيمان إلا وبإزائها خصالٌ من الكفر ؛ كلُّ واحد منها ضدُّ أَ الإيمان ، ويخرجُ بها من الإيمان كلُّه من لا يصيرُ إلى جميع أنواع الكفر ؛ لأن النوعَ الواحدَ من الكفر يضادُّ غيرَهُ من أنواع الكفر كما يضادُّ الإيمانَ . وكذلك كلُّ نوع من المعصية يضادُّ نوعاً آخر من المعاصي كما يضادُّ الطاعةَ التي هي من خلاف جنسها ؛ وذلك بمنزلة القيام والقعودِ والاضطجاع والاستلقاءِ ، فقد يخرجُ من القيام من لا يخرجُ إلى جميع أضداده ، وإنما يخرجُ من القيام بنوع واحد من أضداده ، كذلك يخرجُ عن جميع طاعاتِ الله عزَّ وجلَّ بنوع واحد من الكفر ، ولا يجبُ أن يكونَ خارجاً عن جميع الطاعات بجميع المعاصي ، والله سبحانه وتعالى أعلم . 00 C = إذا وقع بحسب الأمر به فقط ، ويكون معصية إذا وقع بخلاف الأمر ، ولا تعتبر في ذلك الإرادة)، وقوله : ( فيه) يعني : ما ذُكر . ٧٤ AVO الفصل الثامن في العلوم والمجهول ومن عرف الله عز وجل من وجه وجمله من وجه أجمع أصحابُنا : على أن الذاتَ الواحدةَ يصحُّ أن تُعلمَ من وجهٍ وتُجهلَ من وجهٍ آخرَ بعلم وجهلٍ متغايرينٍ(١)؛ كالدَّهْريِّ الذي يعلمُ وجودَ العالم بالضرورة ، وهو جاهلٌ بحدوثه(٢) ـحـ por 00 إلا أن الجاهلَ بأن الله عزَّ وجلَّ قديمٌ أزليٌّ، وبأنه واحدٌ لا شِبْهَ له ، وبأنه تجوزُ رؤيتُهُ ، وبأنه قادرٌ على جميع المقدورات ، وعالمٌ بجميع المعلومات ، وسميعٌ بصيرٌ بجميع المسموعات والمبصرات ، والجاهلَ بوجود علمه وقدرتِهِ وبقائه وسمعِهِ وبصره وإرادتِهِ وكلامه ، والجاهلَ بأن هذه صفاتٌ له أزليَّةٌ ونعوتٌ أبديّةٌ ، والجاهلَ بشيء يلزمُهُ أن يعلمَهُ من صفات ربِِّ القائمةِ به ، والجاهلَ بنوع من أحكام عَدْلِهِ في جميع أفعالِهِ ، والجاهلَ بنفوذ قضائه ومشيئتِهِ في كلِّ مرادِهِ ، ونحوٍ ذلك .. جاهلٌ بالله boo (١) كما يصحُّ أن تُعلمَ بعلمين مختلفين، لا متماثلين. انظر (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص٢٢١) . (٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٢١)، وعلة ذلك: أن الوجوه اعتباراتٌ، فالتعدُّد فيها راجع إلى حال المعتبر، لا إلى حقيقة في الخارج تتعدَّدُ مع تعدُّد الاعتبارات منه ، فهي كالنِّسب والإضافات . 00000 00000 , ٧٥ عزَّ وجلَّ، غيرُ صحيحٍ إيمانُهُ به(١) وكان القاضي أبو بكر محمد بن الطيِّبِ الأشعريُّ رضي الله عنه يقول : ( إن الإيمانَ خَصلةٌ واحدةٌ ؛ وهي المعرفةُ بوجود الإله فحسبُ ، وإن الكفرَ خَصلةٌ واحدةٌ ؛ وهي الجهلُ بوجوده )(٢) قال : ( فلو عرفَ عارفٌ وجودَ الإلله، ثمَّ اعتقدَ أنه جسمٌ ، وأنه لا علمَ له، وأنه غيرُ خالقٍ لأعمال العباد ، ونحوَ ذلك من البدع .. لم يجب ببدعته إكفارُهُ)(٣) C وخالفَهُ الباقون من أصحابنا : وأكفروا أهل البدع في صفات البارئ عزَّ وجلَّ؛ بإجماع الأمَّة على إكفار من أنكر النبوَّاتِ ، أو شكّ في عقائد الأنبياء ، وإذا كان شكّهُ في صفةٍ من صفات بعض الناس يورثُهُ الكفرَ (٤) .. (١) على منازعة من قبل الجمهور في بعض هذه الصور ؛ كالجهل بجواز الرؤية له تعالى، والجهل بصفات المعاني الوجودية ، والجهل بقدم بعض الصفات ؛ كالكلام والإرادة ، والجهل ببعض صور العدل . وبما قاله الإمام المصنف هنا قال الإمام أبو عمران الفاسي ، وهو عصريُّ المؤلف ؛ إذ توفي سنة (٤٣٠هـ)، وبقوله قال الإمام السنوسي أيضاً. انظر «معالم الإيمان في معرفة أهل القيروان)) ( ١٦٢/٣)، و((شرح المقدمات)) للسنوسي (ص١٣٣). (٢) وهو عين مذهب الإمام الأشعري، وإليه ذهب الصالحي من المعتزلة. انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ١٥١)، وما تقدم (٣/ ٥٠، ٥٣). (٣) حكى قوله القاضي عياض في ((الشفا)) (ص٨٣٩)، فقد قال وهو يذكر حكم أصحاب البدع والأهواء المتأوّلين فذكر أنهم على قولٍ لا يخرجون من الإسلام ، قال : ( وإلى نحو من هذا ذهب القاضي أبو بكر إمام أهل التحقيق والحق ، وقال : إنها من المُعْوِصات ؛ إذ القومُ لم يصرِّحوا باسم الكفر ، وإنما قالوا قولاً يؤدِّي إليه ) ؛ يعني : أن لازم مذهبهم كفرٌ ، غير أنهم لا يلتزمون هذا اللازم . (٤) أراد يبعض الناس: الأنبياء، وأراد بصفة من صفاتهم: الوحي لهم، والصدق منهم ،= فشكُّهُ في صفةٍ لازمةٍ لله عزَّ وجلَّ أو جهلُهُ بها أولى بأن يوجبَ تكفيرَهُ(١). 1 واختلفت المعتزلةُ والنجَّاريَّةُ والخوارجُ والكراميَّةُ في هذا الباب (٢): فقال قومٌ: إن الإنسانَ إذا علم شيئاً؛ قديماً كان ذلك الشيءُ أو محدثاً .. لم يَجُزْ أن يجهلَهُ في حالٍ علمِهِ على وجهٍ آخرَ من الوجوه الثابتةِ له (٣) وقال آخرون : كلُّ ما علمَهُ الإنسانُ من وجهٍ .. جاز أن يجهلَهُ من وجهٍ آخرَ في حالٍ علمِهِ من بعض الوجوه ؛ قديماً كان ذلك المعلومُ أو مُحدَثاً ؛ كمَنْ عرفَ وجودَ اللون وجَهِلَ أنه عرضٌ، أو عرفَ وجودَ الحركة وجَهِلَ استحالةَ بقائها (٤) 000 وقال النجَّارُ وأصحابُهُ : أما الشيءُ المُحدَثُ : فجائزٌ أَن يُعلمَ ويُجهلَ من وجهينٍ في حالةٍ واحدةٍ ، [وأما] القديمُ(٥): فلن يجوزَ أن يعرفَهُ من يجهلُهُ على وجهٍ من الوجوه(٦) Coo 000000) وزعم النظّامُ : أن المرئيَّ هو اللونُ وحدَهُ دون غيره ، وينكرُ أن يَرى وعدم الكتمان لما أمروا بتبليغه ، ونحوّ هذا . = (١) وهذا موضعٌ اشتدَّ فيه قولُ الإمام المصنف رحمه الله تعالى، وسيأتي مزيد تفصيل في هذا (٧٩/٣) . (٢) يعني : المعلوم والمجهول ، لا مسألة إكفار من جهل بعض صفاته سبحانه . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٩١). (٤) وهو قول أبي الهذيل وبشر بن المعتمر. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٩١-٣٩٢). (٥) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( فأما )، والتصحيح من ((مقالات الإسلاميين)). (٦) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٩٢)، وقال: (واعتلُّوا في ذلك: بأن زعموا أن للمحدثات أمثالاً ونظائرَ ، وأنها من جنس ونوع وجهات مختلفة ) . ٧٧ DO اللونَ مَنْ يعلمُ من وجهٍ ويجهلُ من وجه ، وأنكرَ المعلومَ والمجهولَ أشدَّ الإنكار(١) وزعم قومٌ من الخوارج : أن من لم يعرف الله عزَّ وجلَّ بجميع أسمائه فهو جاهلٌ به ، والجاهلَ به كافرٌ ، وهذا قولُ طائفة من الخازميَّة ؛ يقال لها : المعلوميَّةُ، كما حكيناه قبل هذا(٢)، والله سبحانه وتعالى أعلم. 0000000 00000 (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٣٩٣). (٢) انظر (٣٦/٣ -٣٧). VA 00000 الفصل التاسع في بيان إكفار المتأولين الخطين في أصول الدين أجمعَ سلفُ هذه الأمَّةِ : على أن المخالِفَ للحقِّ فيما عدا مسائلَ الفروع الفقهيّة .. آثمٌ عاصٍ ، إلا أن يكونَ خطؤه خفيفاً ؛ قد ورد النصُّ بأنه مغفورٌ، وأنه لا يؤدِّي إلى فسقٍ(١) وكانوا على هذا القول إلى زمان عبيد الله بن الحسن العنبريِّ القاضي (٢)، فخالفَ هذا الأصلَ، وزعم: أن كلَّ مجتهدٍ في الفروع مصيبٌ ، وكلَّ مجتهدٍ في الأصول التي دلائلُها معرّضةٌ للتأويل مصيبٌ(٣) وحكى الجاحظُ عنه : أنه قال ذلك في كلِّ ما اختلفَ فيه أهلُ ملَّةٍ (١) نقل هذا الإجماع أيضاً إمام الحرمين الجويني في ((التلخيص)) (٣٤٤/٣). (٢) هو عبيد الله بن الحسن بن أبي الحر مالك بن الخشخاش؛ قاضي البصرة لأبي جعفر المنصور ، قال عنه ابن سعد : ( كان محموداً ، ثقة ، عاقلاً من الرجال ) ، توفي سنة ثمان وستين ومئة. انظر ((الطبقات الكبرى)) (٢٨٥/٧)، و((أخبار القضاة» (٨٨/٢) وما بعدها . (٣) انظر ((التقريب والإرشاد)) (١٨٥/٢)، قال الإمام الجويني في (( التلخيص في أصول الفقه)) ( ٣٣٥/٣) بعد حكايته لههذا القول عنه: ( ثم اختلفت الرواية عنه ؛ فقال في أشهر الروايتين : أنا أصوِّبُ كلَّ مجتهد في الدين تجمعهم الملة ، وأما الكفرةُ فلا يصوَّبون ، وغلا بعض الرواة عنه : نصوب الكافة من المجتهدين دون الراكنين إلى البدعة والمعرضين عن الاجتهاد ) . 00000