Indexed OCR Text
Pages 661-680
0000 من تهوَّدَ منهم من ملوك حِمْيرَ وبني كنانةَ وبني كِندةً ، وغيرُ من تمجَّسَ منهم لقربهم من الفرس ؛ كبني زُرارةَ بن عُدُسٍ(١) [ اعتقاداتُ الغلاةِ مِنَ الإماميَّةِ بشأنِ الإحياءِ بعدَ الموتِ ] وأما الغلاةُ من الإماميّة : فقد عَظُمَ قولُ كثيرٍ منهم في الإماتة والإحياء : منهم : البيانيّةُ؛ أصحابُ بَيَانِ بن سمعانَ التميميِّ، كان يزعمُ : أن معبودَهُ على صورة الإنسان ، وأنه يهلِكُ كلُّهُ إلا وجهَهُ ؛ فكفر بالتشبيه ، وبإجازة الموتِ والفَناءِ على بعض ذاته عندَهُ، واستدلَّ بقوله: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، ولم يعلم الجاحدُ أن المرادَ به: إبطالُ كلِّ عملٍ لا يُتْقَرَّبُ به إلى الله عزَّ وجلَّ (٢) ومنهم : أصحابُ عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفرٍ ذي الجناحينِ ، زعموا : أن روحَ الله تناسخت في الأنبياء والأئمةِ ، حتى صارت في عبد الله بن معاويةً ، وأنه كان ريَّانياً ، وعبدوهُ ، وكفروا بالقيامة ، وبالإحياء بعد الإماتةِ ، وزعموا : أن الدنيا لا تفنى ، واستحلُّوا الخمرَ والميتةَ وغيرهما من المحارم ، وتأوَّلوا قولَ الله عزَّ وجلَّ : (١) قال ابن منظور في ((لسان العرب)) (ع دس): (قال الجوهريُّ: وعُدَسُ مثل قُثَمَ اسم رجل ؛ وهو زرارة بن عدس ، قال ابن بريٍّ : صوابه عُدُسٌّ بضمِّ الدال ؛ روى ابن الأنباري عن شيوخه قال : كل ما في العرب عُدَسُ فإنه بفتح الدال ، إلا عُدُسَ بن زيد فإنه بضمِّها ؛ وهو عُدُسُ بن زيد بن عبد الله بن دارم ؛ قال ابن بري : وكذلك ينبغي في زُرارةَ بن عُدُسٍ بالضم ؛ لأنه من ولد زيد أيضاً ) . (٢) انظر (٣٢٤/١)، (٢٣/٢). COO 0000 لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ﴾ [المائدة: ٩٣] (١). ﴿ ومنهم : المُغيرِيَّةُ ؛ أصحابُ المغيرةِ بن سعيد العجليِّ ، وكان يزعمُ : أن معبودَهُ رجلٌ من نورٍ على رأسه تاجٌ ، وله من الأعضاء مثلُ أعضاءِ الإنسان، وأن أعضاءَهُ بإزاء حروف الهجاءِ ، وشبَّهَ الهاءَ بما يقبحُ ذكرُهُ، وزعم أيضاً : أنه يُحيي الموتى بالاسم الأعظم ، فأظهر من نفسه إحياءَ الموتى ، فلمَّا قُتِلَ اضمحلَّتْ دعواه ، ولم يَقدِرْ على أن يدفعَ عن نفسه الموتَ (٢) ومنهم : المنصوريَّةُ ؛ أصحابُ منصورِ العجليِّ ؛ الذي ادَّعى لنفسه الإمامةَ بعد محمد بن عبد الله ، فرُويَ عنه أنه زعم : أن معبودَهُ رفعَهُ إلى السماء ، ومسحَ بيده على رأسه وقال: يا بنيَّ ؛ بلِّغْ عني، ثمَّ نزلَ إلى الأرض وزعم أنه الكِسْفُ الساقطُ من السماء ، وكفرَ بالقيامة والإحياءِ بعد الموت ، واستحلَّ المحارمَ والمحرَّماتِ ، وزعم أنها أسماءُ رجالٍ حرَّمَ الله علينا ولايتَهُم ، واستحلَّ خنقَ مخالفيه وأخْذَ أموالهم ، حتى أخذَهُ يوسفُ بن عمرَ الثقفيُّ والي العراق في أيام بني أميَّةَ فصَلِبَهُ (٣) ومنهم : المَعْمَريَّةُ؛ صِنفٌ من الخطّابيّة ، نُسبوا إلى رجل يقال له : مَعْمرٌ، وعبدوهُ كما عبدوا أبا الخطاب ، إلا أنهم زعموا : أن الدنيا لا تَقْنى، وأنكروا الإعادةَ والإحياءَ بعد الموت، وقالوا: إن الجنةَ ما يصيبُ الناسَ من الخير والسرور والعافية ، وإن النارَ ما يصيبهم من خلاف (١) وهم الجناحية. انظر (٣٢٥/١). (٢) انظر (٣٢٥/١) . (٣) انظر (٣٢٧/١). 700000 1 ٦ ٦ ذلك ، وقالوا مع هذا : بتناسخ الأرواح في الأجساد(١) ومنهم : البزيغيُّ من الخطّابية ؛ أصحابُ بزيغ ، زعموا : أن جعفرَ بن محمد هو الإلهُ، وليس هو الذي رأَوْهُ ، ولكنه تشبَّهَ للناس بتلك الصورة ، وزعموا : أن الإلهَ لا يُميتُ أحداً، وأن العبادَ لا يموتُ منهم أحدٌ، وأن أحدَهم إذا بلغت عبادتُهُ رُفِعَ إلى الملكوت ، وزعموا : أنهم يرونَ أمواتَهم بكرةٌ وعَشِيّاً(٢) ومنهم : الذين زعموا أن عليّاً هو الإلهُ المحيي والمميتُ، وأنه بعثَ محمداً ليبيِّنَ أمرَهُ، فادَّعى الأمرَ لنفسه ، وشتموا النبيَّ صلى الله عليه (٣) وسلم(٣) ومنهم : السَّبَائِيَّةُ ؛ أصحابُ عبد الله بن سبأ الذي قال لعليّ: أنت الإلهُ(٤). ومنهم : المُفوِّضةُ ؛ الذين زعموا : أن الإلله عزَّ وجلَّ فوَّضَ الأمرَ إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، وأنه أقدرَهُ على خلق الدنيا فخلقَها ودبَّرَها ، وأحيا من شاء ، وأمات من شاء ، وأن الله لم يخلقْ من ذلك شيئاً ، وقال كثيرٌ منهم مثلَ ذلك على عليّ(٥) (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١١). (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٢). انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٤). (٣) (٤) وزعموا أيضاً : أن علياً لم يمت ، وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً ، وذكروا عنه أنه قال لعلي عليه السلام : أنت أنت . انظر ((مقالات الإسلاميين )) ( ص١٥ ) . (٥) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٦)، وما تقدم (٥٩٣/١ - ٥٩٤). ٥٥٥٥٥ ٦٦٢ وزعم ابنُ خابطٍ وأتباعُهُ من المعتزلة : أن للعالم ربَينِ ؛ أحدُهما : الإللهُ القديمُ ، والآخرُ : عيسى بنُ مريمَ ، وهو الذي يتولّى إحياءَ الأموات وحسابَ الخلق في الآخرة ، كما حكيناه عنه قبل هذا(١) والباقي من الكلام في هذا الفصل يأتي بعد هذا . [ الكلامُ في صحَّةِ خلقِ الحياةِ في الشيءِ بلا روحٍ تكونُ فيهِ ] وأما الكلامُ في جواز خلقِ الحياةِ في شيءٍ بلا روحٍ تكونُ فيه : فإن الخلافَ فيه مع قوم من أهل الطبائع زعموا : أن الحياةَ هي الروحُ ، وأحالوا وجودَ حياة في شيءٍ لا روحَ فيه ، على الخلاف بينهم في معنى الروحِ والحياةِ ، ومع رجوعهم في معناهما إلى اعتدالِ مِزَاج الطبائع في بدن الحيوان(٢) وزعم النظّامُ : أن الروحَ هي الحيوانُ ، وأنه حيٌّ بنفسه ، وأنكر أن تكونَ الحياةُ والقوَّةُ معنىّ غيرَ الحيِّ القويِّ(٣) وأنكر الأصمُّ : كونَ الروحِ والحياةِ شيئاً غيرَ الجسم الحيّ(٤) وقال أصحابُنا وأكثرُ المعتزلة: إن الروحَ جسمٌ، والحياةَ عرضٌ(٥)، انظر (٢ /١٥٥ - ١٥٦). (١) (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣٥) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣٣ - ٣٣٤)، وفيه: ( الروح هي جسم وهي النفس ) بدل ( أن الروح هي الحيوان ) . (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٣٥ - ٣٣٦). (٥) قوله : ( والحياة عرض ) ؛ يعني : أو صفة. 00000 ,٦٦٣ 00000 00 Coo وأجازوا وجودَ حياةٍ بلا روح(١)، وقالوا: إن المُحتضَرَ إذا فارقَتْهُ روحُهُ فيمدُّ عينيه فيراها ويبصرُها في تلك الحال وفيه حياةٌ ، ثمَّ تفارقُهُ الحياةُ بعدها عن قريب . فإن ألزمونا على هذا المذهب : إجازةَ وجودٍ روح في شيء بلا حياةٍ .. لم نمنع عن ذلك في الإمكان ، وإن كان غيرَ موجودٍ في العادة(٢) [ الكلامُ في بیانِ أوقاتِ الإحياءِ وهل يكونُ للموتى في قبورِها إحياءٌ أم لا ] وأما الكلامُ في وقت إحياء الموتى .. فقد اختلفوا في ذلك على مذاهبَ : أحدُها : قولُ أصحاب الرجعة من غلاة الروافض ؛ فإنهم قالوا : برجعة الأمواتِ إلى الدنيا قبل يوم القيامة ، وهذا قولُ الأكثرين منهم . O وعلى هذا المذهب : كان جابرٌ الجُعْفيُّ(٣) ، والمغيرةُ بن سعيدٍ (١) وخالفَ في ذلك أبو القاسم البلخي من المعتزلة. انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص٢٣٩ ) . (٢) وخبرُ حنين الجذع الذي رواه البخاري (٤٤٩) من حديث سيدنا جابر رضي الله عنه .. يشهد لخرق العادة ؛ إذ الحياة شرطٌ في الإدراك الحاصل منه عند أهل التحقيق ، حتى قال الحافظ القسطلاني في ((إرشاد الساري)) (٤٠٤/١): (والعقل والحنين بههذا الاعتبار يستدعي الحياة ، وهذا يدلُّ على أن الله تعالى خلق فيه الحياة والعقل والشوق ، ولهذا حثَّ ) . (٣) روى له أبو داود حديثاً واحداً ، والترمذي ، وابن ماجه ، ونقل الحافظ المزي في ((تهذيب الكمال)) (٤٦٧/٤) عن سفيان الثوري أنه قال لشعبة: لئن تكلمت في جابر= 00000 ,٦٦٤ LON pooD العجليُّ (١)، وأبو منصور العجليُّ(٢)، وأبو الخطاب الأسديُّ(٣)، وبه كان يدينُ عبدُ الله بن سبأ صاحبُ السَّبَائِيّة منهم ، مع قوله : إن علياً لم يمت ، ولا يموتُ حتى يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة (٤) وكان السيِّدُ الحِمْيريُّ الشاعرُ يقول برجعة الأموات إلى الدنيا قبل يوم القيامة(٥) ، وفي ذلك قصيدته التي قال [فيها] (٦): [من الوافر] إلى يومٍ يؤوبُ الناسُ فيهِ إلى دنياهُمُ قبلَ الحسابِ وكلُّ من قال بالرجعة من الروافض .. فإنه يقولُ بجواز البَداء على الله تعالى ، وبحدوث علمِهِ (٧) ، وتشبيهه إيَّاه بالإنسان في صورته . واعتمادُهم في إثبات الرجعةِ على ما رُويَ : ( أنه لم يكن في بني إسرائيلَ شيءٌ إلا ويكونُ في هذه الأمّة مثلُهُ ) . الجعفي لأتكلمنَّ فيك، واختلف في قوله بالرجعة ، قال الحافظ ابن عدي في ((الكامل في ضعفاء الرجال)) (٣٣٦/٢): (لم يتخلَّف أحدٌ في الرواية عنه، ولم أرَ له أحاديثَ جاوزت المقدار في الإنكار ، وهو مع هذا كله أقرب إلى الضعف منه إلى الصدق ) . (١) كذَّاب دجال. انظر ((الكامل في ضعفاء الرجال)) (٧١/٨). (٢) وهو الذي ادَّعى أنه الكسف الساقط من بني هاشم. انظر ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٩) ، ويعرف بالبجلي أيضاً . (٣) انظر مقالاته مع صاحبيه في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٨ - ١٣). (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٥). (٥) وهو أبو هاشم إسماعيل بن محمد بن يزيد الحميري ، قال الحافظ الذهبي في ( سير أعلام النبلاء)) (٤٤/٨): ( من فحول الشعراء ، لكنه رافضي جَلْدٌ)، ثم قال : ( وكان يرى رأي الكيسانية في رجعة ابن الحنفية إلى الدنيا ) . (٧) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٩١، ٥١٥)، وما تقدم (٢٥٩/٢ - ٢٦٠). (٦) انظر (( مقالات الإسلاميين)) (ص١٥). 100000 110 200000 C10 OOOO 0 قالوا : وقد أحيا الله عزَّ وجلَّ قوماً من بني إسرائيلَ بعد الموت وقبل الحشر ، فينبغي أن يكونَ في هذه الأمَّة مثلُ ذلك(١) فيقالُ لهم : إذا كانت رواياتُ مخالفِيكم عندَكُم غيرَ صحيحةٍ .. فكيف أثبتم بها اعتقادَكُم الرجعةَ ؟! وَقِفوا فيها إلى أن يظهرَ إمامُكم الذي تنتظرونه ، فيعرِّفَكم صحّةَ هذه الروايةِ إن كانت صحيحةٌ ، أو فسادَها إن كانت فاسدةً . وإن كانت رواياتُ مخالفِيكم صحيحةً عندكم .. فهلًا قبلتم رواياتِهم في فضائل أبي بكر وعمر وعثمانَ رضي الله عنهم ، وفي سائر ما رَوَوْهُ من تأكيدِ إمامتِهِم ؟! وإن قلتم : إنا نحتجُّ برواياتِهم عليهم .. فما دليلُكُم على صحَّةِ اعتلالكم في الرجعَةِ ممَّا هو دليلٌ عندكم ؟! 000 على أن الذين رَوَوا : ( أن كلَّ ما كان في بني إسرائيلَ يكونُ في هذه الأمَّة مثلُهُ ) .. فقد فسَّرُوه بالآراء والديانات والفتن ، دون القولِ برجوع الأموات قبل يوم القيامةِ ! فإن كان قولَهم حجَّةً في الرواية فهلا كان حجةٌ في تأويلها ؟! وأما المذهبُ الثاني: [فقولُ] الجهميّة والخوارج(٢): إن إحياءَ الأموات لا يكونُ إلا في القيامة، وهؤلاء ينكرون عذابَ القبر، وسؤالَ مُنكرٍ ونكيرٍ ، وإلى هذا القول: ذهب ضرارٌ، وبشرٌ المَرِيسيُّ، والنجَّارِيَّةُ (٣) (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٦). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( في ) . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٣٠)؛ قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في ((شرح= وقال ضرارٌ: (إن [المنكرَ](١): هو العملُ السيِّئُ، والنكيرَ : هو النكيرُ من الله عزَّ وجلَّ على صاحب الفعل المُنكَر )(٢). والمذهبُ الثالثُ : قولُ من زعم من المعتزلة : أن إحياءَ الأموات وردَّ أهل القبور إنما يكونُ بين النفختين ؛ لأن الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿وَنُفِخَ فِى المُورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِ الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللَّهُ ثُمَ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]، قالوا: فجائزٌ أن يكونوا مُعذّبينَ بين النفختينِ ، وأن يكونوا مُنعَّمينَ بينهما ، وهذا قولُ أبي الهذيل وبشرٍ بن المُعتَمِر وأتباعِهما من القدريَّة . والمذهبُ الرابعُ : قولُ من شكَّ في وقت الإحياءِ بعد الموتِ وقبل القيامةِ ، وقال : يجوزُ أن يكونَ إحياءُ المَيِّت بعد دخولِهِ القبرَ ، وأن يكونَ عذابُهُ عند أوَّل دخول القبر ، ويجوزُ أن يكونَ بعدَهُ ، ولم يَقطعوا على وقته ، وهذا قولُ الجبائيِّ وأتباعِهِ من القدريَّة . والمذهبُ الخامسُ فيه : أن الإحياءَ يكونُ في القيامة دون القبر ، إلا أن عذاب القبر لأهل العذاب صحيحٌ ثابتٌ على الوجه الذي يشعرُ به الميِّتُ وهو = الأصول الخمسة)) (ص ٧٣٠) بشأن عذاب القبر: ( وجملة ذلك: أنه لا خلافَ فيه بين الأمة ، إلا شيء يحكى عن ضرار بن عمرو ، وكان من أصحاب المعتزلة ، ثم التحق بالمجبرة ، ولهذا ترى ابن الراوندي يشنِّعُ علينا ويقول : إن المعتزلة ينكرون عذاب القبر ولا يقرُّون به)، وانظر ما تقدم تعليقاً (٢٥/٢). (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( منكر ) كذا بدون تنوين . (٢) خبر منكر ونكير على أنهما ملكان يأتيان الميت في قبره رواه الترمذي ( ١٠٧١) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً . NO ٦٦٧ ٠٥٥٥٥ OC ميِّتْ، وشُبَّهَ الميِّتُ في ذلك بالنائم والمغلوب على عقله(١) وهذا قولٌ حكاه الكعبيُّ عن غسانَ القاضي(٢)، وغَلِطَ الحاكي عنه؛ فإن غسانَ كان من أصحابنا ، وقولُهُ في هذه المسألة كقولنا ، على ما نحكيه بعد هذا . وإنما يصحُّ هذا القولُ على مذاهب الكراميَّة الذين زعموا : أن الميِّتَ يصحُّ أن يكونَ فيه علمٌ بالألم وغيرِهِ ، ولا أعلمُ أحداً قال بمثل هذا من أصحاب الحديثِ إلا محمد بن جرير الطبريَّ(٣) والمذهبُ السادسُ : قولُ قوم زعموا : أن الإحياءَ يكونُ في القيامة ، وأن الميِّتَ في قبره قد يُحدِثُ الله عزَّ وجلَّ فيه الألمَ وهو لا يشعرُ ، فإذا حُشِرَ وجد ذلك الألمَ في وقته الذي حُشِرَ فيه ، وشبَّهوه بسكرانَ نامَ في الشمس فأثَّرَتْ فيه وهو لا يشعرُ بذلك ، فإذا أفاق وجدَ ألمَ ذلك في نفسه ، وكذلك المغشيُّ عليه إذا ضُرِبَ في حال الغَشْي . والمذهبُ السابعُ : ما ذهب إليه الكعبيُّ : من أن عذاب القبر للكافر جائزٌ كونُهُ ، وكذلك للفاسقِ ؛ لأن الكافرَ والفاسقَ إذا استحقًّا العقابَ في النار لم يُنكَر أن يُعاقبا في القبر ، وأنكرَ عذابَ المؤمن في قبره ، وأنكرَ سؤالَ مُنكَرٍ ونكيرِ المسؤولَ عن عقيدته لأمرين : (١) ولا شيء أشبه بالموت من النوم، وقد ورد في الأثر: ((النوم أخو الموت)). (٢) لعله أراد: القاضي غسان بن محمد المروزي. انظر ((أخبار القضاة)) ( ١٩١/٣). (٣) انظر ((التبصير في معالم الدين)) له (ص ٢٠٨ - ٢١٣)، وإلى ذلك ذهب الصالحي من المعتزلة . انظر ((أبكار الأفكار)) (٣٣٢/٤). ٦٦٨,٠٥٥٥٥ 00000 COOOOO O أحدُهما : كراهيةُ هذين الاسمينِ لمَلَكينٍ (١) والثاني : أن هذا امتحانٌ بعد الموت ، ولو جاز ذلك لم يُنكَرْ أن يجيبَ مؤمنٌ بالكفر ، وكافرٌ بالإيمان(٢) والمذهبُ الثامنُ في هذا الباب : قولُ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ وفقهاءِ الحجازِ والعراقِ ومتكلِّمي الصفاتيّة : إن الميِّتَ تُردُّ إليه روحُهُ بعد دفنه ؛ حتى يأتيهِ المَلَكانِ فيسألانه عن ربِّهِ عزَّ وجلَّ، وعن نبيِّهِ ، وعن دينه(٣) فمن وفَّقَهُ الله عزَّ وجلَّ : ثَبَتَ على القول الثابت في الحياة الدنيا . ومن خذلَهُ : أنكر الحقَّ ، أو شكَّ، أو قال : لا أدري ، فيعاقبُ حينئذٍ بما شاء الله عزَّ وجلَّ . وأثبتوا الإحياءَ في هذه الحالة وفي القيامة . (١) وإنما سُمِّيا بذلك لما سيأتي (٢/ ٦٧٣) ، بل روى البخاري ( ٧٠٤٧ ) من حديث سيدنا سمرة بن جندب رضي الله عنه ، في صفة مالك عليه السلام خازن النار: (( فأتينا على رَجُلٍ كَرِيهِ المَرآةِ، كأكرِهِ ما أنت راءٍ رجلاً مَرْآَةٌ ))، وقبحُ الاسم دون قبح الصورة ، وإنما كان على هذه الصورة الكريهة زيادةَ عذاب لأهل النار ، ومع ذلك رآه غيرهم . (٢) وهذا مبنيٌّ على الجواز العقلي، غير أن الشارع أخبرنا بأن المرء يموت على ما عاش عليه ، ويبعث على ما مات عليه . (٣) ونقل الإمام الأشعري في ((رسالة إلى أهل الثغر)) (ص١٥٩) إجماع أهل الحق على ذلك، وقد وردت الآثار من قبل بذلك؛ روى أحمد في ((المسند)) (٢٨٧/٤)، وأبو داود ( ٤٧٥٣ ) من حديث سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنهما مرفوعاً في خبر طويل ، واللفظ لأحمد: (( فتعاد روحه في جسده ، فيأتيه ملكان ، فيجلسانه ، فيقولان له : من ربك ؟ فيقول : ربي الله ، فيقولان له : ما دينك؟ فيقول : ديني الإسلام ، فيقولان له : ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول : هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ... )) الحديث . ٥٥٥٥٥ ٦٦٩ فأما بين النفختينِ : فهو حالُ خُمودٍ وهُمودٍ بموت الخلقِ بينهما ، من غير أن يكونَ بينهما حيٌّ سوى الملكِ الإلهِ الواحدِ القَهَّارِ . والدليلُ على الإحياءِ في القبر : مبنيٌّ على صحَّة ما ورد به الخبرُ ، ونزل به القرآنُ من عذاب القبر ؛ لأن العذاب والألمَ لا يصحُّ إلا لحيٍّ . ودليلُ عذاب القبرِ: قولُ الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَحَاقَ بِثَالِ فِرْعَوْنَ سُوَّءُ الْعَذَابِ ﴾ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥-٤٦]. وقال الله عزَّ وجلَّ في قصَّة قوم نوح: ﴿مِّمَّا خَطِيَِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُواْ نَارًا فَلَمْ يَجِدُ واْ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ [نوح: ٢٥]، والفاءُ تقتضي التعقيبَ. وفي المسانيد الصحاح : عن البراء بن عازبٍ وأبي أيوبَ : أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم سمعَ أصواتاً حين وجبتِ الشمسُ، فقال: (( هذهِ أصواتُ يهودَ تُعذَّبُ في قبورِها))(١) وفي المسانيد الصحاح: قولُهُ صلى الله عليه وسلم: (( تَوَقَّوًا البولَ يُوقِكُمُ اللهُ عذاب القبرِ)) (٢) (١) رواه مسلم (٢٨٦٩) عن البراء بن عازب عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم مرفوعاً . (٢) روى الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٣٣/٨) من حديث سيدنا أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعاً: (( اتقوا البول ؛ فإنه أول ما يحاسب به العبد في القبر))، وروى أيضاً في (المعجم الكبير)) (٨٤/١١) عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( إن عامة عذاب القبر من البول ، فتنزهوا من البول)) . وروى البخاري (٢١٦)، ومسلم (٢٩٢) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما : أن= 100000 V . Z00000 ـد ٢ GAY OOOOO وفي الحديث : أن القبرَ ضغطً سعد بن معاذ ضغطةً(١) ، فبكى منها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ؛ لتقصيرٍ كان من سعدٍ في بوله(٢) وعن ابن مسعود في قوله عزَّ وجلَّ : ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكً﴾ [. [طه: ١٢٤ ] قال : عذاب القبر(٣) وقال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ وسائرُ المفسّرينَ في قوله عزَّ وجلَّ: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْخَيَوَةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]: إن معناه راجعٌ إلى الثبات عند سؤالِ مُنكَرٍ ونَكيرٍ لهم في القبر(٤) فإن استدلَّ المنكرونَ لها بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْنَى وَلَا تُسْمِعُ اَلُمَّمَ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِىِ الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. النبي صلى الله عليه وسلم سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال : (( يعذبان ، وما يعذبان في كبير))، ثم قال: (( بلى؛ كان أحدُهما لا يستترُ من بوله، وكان الآخرُ يمشي بالنميمة )) . (١) رواه بنحوه أحمد في ((المسند)) (٥٥/٦) من حديث سيدتنا عائشة رضي الله عنها. (٢) روى ذلك البيهقي في ((إثبات عذاب القبر)) ( ص ٨٥ ) عن بعض أهل سيدنا سعد بن معاذ رضي الله عنه . (٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٣٣/٩)، ورواه ابن حبان في «صحيحه » (٣١١٩) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه، والحاكم في ((المستدرك)) (٣٨١/٢) من حديث سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، كلاهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم . (٤) رواه بنحوه النسائي في (( السنن الكبرى)) (١١٢٠١) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما، والطبري في (( تفسيره )» (١٦ / ٦٠٢) عن مجاهد وطاوس وقتادة ، وروى نحو ذلك البخاري ( ٤٦٩٩)، ومسلم ( ٢٨٧١/٧٣) من حديث سيدنا البراء بن عازب رضي الله عنهما مرفوعاً . xera 00000 ,١ ٦٧ Ox قيل لهم : الله يُسمعُهم أصواتَ داعيهم، لا الدعاةُ(١) وإن استدلُّوا بإخبار الله تعالى عنهم [بقولِهِم] عند الحشر (٢): ﴿يَوَيِلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَّا﴾ [يس: ٥٢]. قيل : رقادُ قوم منهم بعد السؤالِ في القبر ، ورقادُ آخرينَ بين النفختين(٣) فإن سألوا عن قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا أَلْمَوْتَ إِلَّ الْمَوْتَةَ اُلْأُولَ﴾ [الدخان: ٥٦]. XA قيل : أرادَ موتاً يَسُلُّ الروحَ عنهم ، والموتُ في القبر يكونُ من الخِفَّةِ على وجهٍ لا نجدُ له ذَواقاً . 0000 وقيل : معناه : لا يذوقونَ فيها الموتَ إلا من جنسٍ الموتة الأولى(٤)؛ أي : كلَّما ماتوا في القبور شاهدوا في حال الموتِ ما شاهدوه عند الموتة الأولى ؛ من رَوحِ ورَيحانٍ إن كان من المقربينَ ، أو من نُزُلٍ من حميمٍ إن كان من المُكذِّبينَ الضالِّينَ . 00 O O انظر ((أبكار الأفكار)) (٣٣٨/٤، ٣٤١). (١) (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( قولهم ) . (٣) انظر ((تفسير الطبري)) (٥٣٢/٢٠)، ((ومجرد مقالات الأشعري)) (ص١٧١)، و((أبكار الأفكار)) (٣٣٩/٤)، والآية يستدلُّ بها أصحاب المذهب الخامس المتقدم ذكره (٦٦٧/٢)، ثم إن عذابهم عند أهل الحق في مرقدهم ، فهو عذاب برزخ ، لا عذاب آخرة ، أو إن عذاب القبر انقطع عنهم ، وكانت لهم هجعة يجدون فيها طعم النوم ، فإذا بعثوا صاحوا بههذه الكلمة ، وهذا الانقطاع يكون عند الصعقة ، ويدوم أربعين سنة ، والله أعلم . (٤) انظر ((أبكار الأفكار)) (٤ / ٣٤٠ - ٣٤٢). G. ٦٧٢ 200000 وأما إنكارُ الكعبيِّ اسمَ المَلَكينِ: فإن ( مُنكَراً) إنما سُمِّيَ بذلك : لأن الكافرَ ينكرُهُ إذا رآه ، وسُمِّيَ الآخرُ ( نكيراً) : لأنه هو الذي يُنكِرُ على الكافر فعلَهُ (١) [ الكلامُ في تعيينٍ ما يحييهِ اللهُ عزَّ وجلَّ مِنَ الأمواتِ](٢) وأما الكلامُ في تعيين ما يحييه الله عزَّ وجلَّ من الأموات : فإن أصحابنا أجمعوا : على أن الله عزَّ وجلَّ يحيي المكلّفينَ كلَّهم، فيثيبُ أهلَ الثواب ، ويعاقبُ أهلَ العقاب منهم (٣) وأجمعوا : على أن الأطفالَ والمجانينَ من أهل دار الإسلام يحييهم ويدخلُهم الجنَّةَ برحمته ؛ إذا كانوا من نسل المسلمين ، وماتوا قبل البلوغ وتمامٍ العقلِ (٤)، وإنما قالوا بإحياء هؤلاء لورود الأخبار الصحيحة بذلك(٥) (١) وانظر استدلال قاضي المعتزلة في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٧٣٤) على صحة كون اسم الملكين منكراً ونكيراً ؛ فإنه حسن . (٢) اختلفت العناوين في المسائل التي وعد المصنف أوَّلَ الباب أن يتكلم فيها . انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٤٥)، وانظر فتوى الإمام المصنف في وجوب (٣) اعتقاد حياة الأنبياء في قبورهم (٤٦/١). (٤) ونقل الإجماع على ذلك أيضاً: الإمام ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٣٤٨/٦)، فقال: ( وقد أجمع العلماء على ما قلنا ؛ من أن أطفالَ المسلمين في الجنة ، فأغنى ذلك عن كثير من الاستدلال ، ولا أعلم عن جماعتهم في ذلك خلافاً ، إلا فرقةً شذَّت من المجبرة فجعلتهم في المشيئة ، وهو قول شاذ مهجور ، مردود بإجماع الجماعة ، وهم الحجة الذين لا تجوز مخالفتهم، ولا يجوز على مثلهم الغلط في مثل هذا )، وقال الإمام النووي في (( شرح صحيح مسلم )) ( ١٦ /٢٠٦): ( وتوقف فيه بعض من لا يعتدُّ به ) . (٥) من ذلك : ما رواه مسلم ( ٢٦٣٥) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً : = Q ٦٧٣٨٠٠٥ VATEGYO! [ اختلافُهم في أطفالِ المشركينَ بعدَ إحيائِهم ] واختلفوا في أطفال المشركينَ بعد إجماعهم على إحيائهم في الآخرة (١): (« صغارُهم دعاميصُ الجنة، يتلقّى أحدهم أباه - أو قال: أبويه - ، فيأخذ بثوبه - أو قال : بيده - كما آخذُ أنا بصَنِفَةٍ ثوبك هذا، فلا يتناهى - أو قال: فلا ينتهي - حتى يدخلَهُ اللهُ وأباهُ الجنةَ)). وأما الأحاديث التي ظاهرها يشير إلى خلاف هذا القول .. فمتأوَّلةٌ ؛ إما لتأديب الجازم بدخولهم الجنة قبل ورود الخبر ، أو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن قد أُوحي إليه فيهم بشيء . (١) ذكر الإمام ابن حجر رحمه الله في (( فتح الباري)) (٢٤٦/٣ - ٢٤٧) في أولاد الكفار عشرة أقوال ؛ إليك خلاصتها : أوَّلُها : أنهم في مشيئة الله تعالى، وهو منقول عن الحمَّادَينِ وابن المبارك وإسحاق ، ونقله البيهقي في ((الاعتقاد)) عن الشافعي في حق أولاد الكفار خاصة ، قال ابن عبد البر : وهو مُقتضى صنيع مالك ، وليس عنده في هذه المسألة شيء منصوص . ثانيها : أنهم تبعٌ لآبائهم ؛ فأولاد المسلمين في الجنة ، وأولاد الكفار في النار ، وحكاه ابن حزم عن الأزارقة من الخوارج . ثالثها : أنهم يكونون في برزخ بين الجنة والنار ؛ لأنهم لم يعملوا حسنات يدخلون بها الجنة ، ولا سيئات يدخلون بها النار . رابعها : خدمُ أهل الجنة . خامها : أنهم يصيرون تراباً . سادسها : هم في النار ، حكاه عياض عن أحمد ، وغلَّطَه ابن تيمية بأنه قول لبعض أصحابه ، ولا يُحفظ عن الإمام أصلاً . سابعها : أنهم يُمتحنون في الآخرة ؛ بأن تُرفع لهم نار ويؤمرون بدخولها ، فمن دخلها كانت عليه برداً وسلاماً ، ومن أبى عُذِّب ، وقد صحت مسألة الامتحان في حق المجنون ومن مات في الفترة من طرق صحيحة، وحكى البيهقي في كتاب ((الاعتقاد)» أنه المذهب الصحيح . = CON GYOTAN فتوقَّفَ فيهم شيخنا أبو الحسن الأشعريُّ رحمه الله ؛ لاختلاف الروايات [فيهم](١)؛ لأنه رُويَ أنهم خدمُ أهلِ الجنَّةَ(٢)، ورُويَ أنهم مع آبائهم في النار (٣) ، ورُويَ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لعائشةَ رضي الله عنها: (( لو شئتِ لأسمعتُكِ تضاغِيَهُم في النَّارِ))(٤) ٥ ثامنها : أنهم في الجنة ؛ قال النووي : وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه = المحققون؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة .. فلَأَنْ لا يُعذَّب غير العاقل من باب الأولى ، وهو الذي صار إليه البخاري . تاسعها : الوقف . عاشرها : الإمساك . 000000 والفرق بين الوقف والإمساك : أن المتوقف ليس عنده حكمٌ ، بخلاف الممسك ؛ فإنه إنما أمسك لمصلحة ؛ كمراعاة حال السامع مثلاً (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٤٤)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (فيها). (٢) روى ذلك الطيالسي في ((مسنده)) (٢٢٢٥) والطبراني في (( المعجم الأوسط )) (٥٣٥٥) من حديث سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه، والبزار في (( مسنده » (٤٥١٦) من حديث سيدنا سمرة بن جندب رضي الله عنه . (٣) روى مسلم (٢٦٦٢/٣١) عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : دعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار ، فقلت : يا رسول الله ؛ طوبى لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه، قال: ((أوَغيرَ ذلك يا عائشة ؛ إن الله خلق للجنة أهلاً ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق النار أهلاً ، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم » . وروى الطيالسي في ((مسنده)) (١٦٨١) عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها قالت : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين فقال: ((هم في النار يا عائشة)). (٤) رواه أحمد في ((مسنده)) (٢٠٨/٦) من حديثها رضي الله عنها ، قال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري )» ( ص ١٤٥) : ( وذكر - يعني : الأشعري - في كتاب له سماه كتاب (( المعرفة)): أنه يمكن أن تحمل هذه الأخبار على الترتيب فيها ، فيقال := ٦٧٥٠ O ومنهم من قال : إنهم يُوقَدُ لهم نارٌ ويؤمرون باقتحامها ؛ فمن اقتحمَها لم تضرُّهُ النارُ ، وصار إلى الجنَّة بالطاعة ، ومن أبى اقتحامَها صار عاصياً من أهل العذاب (١) وذهب القلانسيُّ من أصحابنا : إلى أنهم في الجنَّة (٢) [ الكلامُ في إحياءِ الملائكةِ والجنِّ والشياطينِ والبهائم وذواتِ النفوسِ] وأجمعَ أصحابُنا : على إحياء الملائكةِ والجنِّ والشياطينِ . وأما إحياءُ البهائم والحشراتِ والسباعِ والطيورِ والذَّبَّانِ وأصنافٍ إن ما قال فيه: ((إنه تؤجج لهم نار فيؤمرون بدخولها ، فمن دخلها دخل الجنة)) .. إنما = يرجع إلى الذين قال فيهم: ((إنهم خدمُ أهل الجنة))، والذين لا يدخلونها يرجع إلى من قال فيهم: (( لو شئتِ لأسمعتك تضاغيّهم في النار))، حتى تترتبَ هذه الأخبار بعضُها على بعض ، ويكون تقدير ذلك : أن من كان في المعلوم أنه لو بلغ آمن .. كان من خدم الجنة ، ومن كان في المعلوم أنه لو بلغ كفر .. فمن أهل النار ) ، وذكر الطبراني في (( المعجم الأوسط)) (٣٠٢/٢) نحو هذا التوجيه للأحاديث ثم قال : ( فقد صحت معاني الأحاديث الثلاثة ، وهو قولُ أهل السنة ) . (١) وهو اختيار الإمام الأشعري في ((الإبانة)) (ص٣٤). (٢) وإلى هذا القول صار البخاري، واختاره الإمام الحَلِيمي ، وهو مذهب الأئمة المحققين كما حكاه الإمام النووي ورجحه. انظر (( المنهاج في شعب الإيمان)) (١٥٨/١ - ١٥٩)، و((شرح صحيح مسلم)) (٢٠٨/١٦)، و((فتح الباري)) (٢٤٧/٣). وذهب حجة الإسلام الغزالي في (( إحياء علوم الدين)) (١٠٥/٧) إلى أن أطفال المشركين والمجانينَ والمعتوهين والذين لم تبلغهم الدعوة .. أنهم في الأعراف ، وهي منزلة بين المنزلتين - ولا يخفى أن هذا التعبير لا علاقة له بمذهب العدلية المعتزلة - ، ولم يجرؤْ في الحكم على أعيانهم ، وقال : ( هذا مظنون ، وليس بمستيقن ، والاطلاع عليه تحقيقاً في عالم النبوة ، ويبعدُ أن ترتقي إليه رتبة الأولياء والعلماء ) ، ثم قال : ( الإشكال والاشتباه أغلبُ في هذا المقام ) . ٦٧٦٨٥ ـحدى الهَمَجِ (١) .. فجائزٌ عندنا في العقل غيرُ واجب، وليس على الله عزَّ وجلَّ تعويضُ شيء منها في الدنيا ولا في الآخرة (٢) وقد وردت أخبارٌ بحشرها والاقتصاصِ للجمَّاءِ من القَرْناءِ(٣) ، وفي بعض الأخبارِ أنها بعد الحشر تصيرُ تراباً، فيقولُ الكافرُ حينئذٍ : ﴿ يَلَيْنَنِى كُتُ تُرَبًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٤) واختلفوا في الكافر الذي يقولُ هذا : فمنهم : من حملَهُ على الجنس . (١) الذِّبَّان: واحدها الذباب؛ قال الخليل في ((العين)) (١٧٨/٨): (ويُجمع الذبابُ على أذِبَّة ، فإن كثر فهو الذَّبَّان ) ، والهمجُ : ذبابٌ صغير يسقط على وجوه الدواب ، وقيل : صغار الدواب ، وقيل : كلُّ دود ينفقئ عن ذباب أو بعوض . (٢) قال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري)) ( ص ١٤٥) حكاية عن مذهب الإمام الأشعري : ( واعلم : أنه كان يقول بوجوب الإعادة للمكلفين خبراً لا نظراً ؛ لِمَا عرَّفناك من أصله : أن الثواب والعقاب عنده سمعي لا عقلي ، ولذلك كان لا يقطع بإعادة المجانين والبهائم ، ويقول : جائزٌ أن يعادوا فيدخلوا الجنة ، وألا يعادوا ، والأمر في ذلك موقوفٌ على ما يثبت سمعاً وشرعاً ؛ إذ لا مجال للعقل في ذلك ) . (٣) في (أ): ( من القرناء للجماء)، روى مسلم (٢٥٨٢) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لَتُؤَذِّنَ الحقوق إلى أهلها يوم القيامة ، حتى يقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القَرْناء))، وعند ابن حبان ( ٧٣٦٣) وغيره: ((للشاة الجماء)»، والجماء والجلحاء: التي لا قرن لها. انظر ((تهذيب اللغة)) (٤ / ٩١). (٤) روى الحاكم في ((المستدرك)) (٣١٧/٢)، والبيهقي في (( البعث والنشور)) (٣٧٧) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿أُّ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] قال: ( يحشرُ الخلقُ كلُّهم يوم القيامة ؛ البهائمُ والدواتُ والطيرُ وكلُّ شيء ، فيبلغُ من عدل الله أن يأخذَ للجَمَّاء من القَرْناء ، ثم يقول : كوني تراباً ؛ فذلك حين يقول الكافر : ﴿يَّتَنِ كُتُ ثُرَبًا﴾ ) . ومنهم : من حملَهُ على اللعين إبليسَ ؛ لأنه هو الذي أنِفَ [مِنَ] السجودِ لآدَمَ ، واذَّعى أن النارَ خيرٌ من التراب، فيتمنَّى يومئذٍ أن لو كان تراباً(١) ومنهم (٢) : من تأوَّلَ الاقتصاصَ للجمَّاء من القَرْناء على معنى أَخذِ حقِّ الضعيف من القويِّ ، فأما البهائمُ فلا اقتصاصَ بينها ؛ لأنها لم تكن في الدنيا مکلّفة(٣) والقولُ الأوَّلُ أصحُ . واختلفت المعتزلةُ في حشر البهائم وإحيائها وتعويضِها : فمنهم من قال : إن الله يعوِّضُها في المعاد ، وإنها تُصوَّرُ في الجنَّة أحسنَ صورةٍ ؛ لترُوقَ المؤمنينَ وتَسُرَّهم ، ويكونُ ذلك دائماً لا انقطاعَ له ، وهذا قول الكعبيِّ (٤) وقال آخرون منهم : يجوزُ أن يكونَ تعويضُها في الدنيا ، ويجوزُ أن (١) انظر (( الكشف والبيان)) (١٢١/١٠)، وإنما حمله على ترك السجود: اعتقاده أن الأجسام متفاضلة بطباعها، واعتقاده أن قدرة العبد لها أثر في الأفعال . انظر (شرح العقيدة الوسطى)) ( ص ٣٢٠). (٢) هذا راجع لمسألة إحياء البهائم والاقتصاص منها ، لا لمسألة الكافر . (٣) وهو قول الإمام الأشعري؛ قال الأستاذ ابن فورك في ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٤٥) حكاية عنه : ( فأما المقاصَّةُ : فلا تجري في أحوالهم ، وما يُروى أنه يُقتصُّ للجمّاء من القرناء فمَثَلٌ ، والمعنى فيه : إنما يُقتصُّ للمظلوم من الظالم القوي ؛ إخباراً عن العدل ووضع الموازين بالقسط ) . (٤) حكاه الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص٢٥٤) عن قوم من المعتزلة ولم يسمهم ، وإلى نحو قول الكعبي ذهب قاضي المعتزلة عبد الجبار في (( شرح الأصول الخمسة )) ( ص ٥٠٤ ) . AXYa 00000 VA 200000 pooOW XY.EG YOVD يكونَ في الموقف ، ويجوزُ أن يكونَ في الجنَّة دائماً ، ولا بدَّ من تعويضها ، ومن إحيائها لأجل التعويض(١) وقال جعفرُ بن حرب والإسكانيُّ : يجوز أن يكونَ في العقاربِ والحیَّاتِ والسباع والهوامِّ المؤذيةِ للناس ما يُعوَّضُ في الدنيا أو في الموقف ، ثمَّ تُدخَلُ جهنَّمَ فتصيرُ عذاباً على أهلها ، ولا ينالُها من ألم جهثَّمَ شيءٌ ، كما لا يألمُ الخزنةُ والزبانيةُ بشيء من آلامها(٢) وقال عبَّدُ بن سليمانَ الصيمريُّ: إنها تُحشَرُ وتُبطَلُ(٣) وزعم النظّامُ منهم : أن الطاعاتِ إذا استوت استوى أهلُها في الثواب ، وأن المعاصيَ إذا استوت استوى أهلُها في العقاب ، فإذا لم يكن منهم طاعةٌ ولا معصيةٌ استوَوا في التفضُّلِ(٤) OC ولأجل هذا القولِ زعمَ : أن أطفالَ المسلمينَ وأطفالَ المشركينَ والبهائمَ والسباعَ سواءٌ في أنه يجبُ على الله عزَّ وجلَّ إحياؤها وإدخالُها الجنَّةَ ، والتسويةُ بينها كلِّها في [التفضُّل] عليها(٥) ، إلا أن الأبدانَ السبعيَّةَ لا تدخلُ الجنَّةَ ، وللكن الله يَنقلُ أرواحَها الخالصةَ من تلك الآفات ، فيركِّبُها في الصور الحِسان . ونتيجةُ هذه البدعةِ : أنه لا يجوزُ أن يكونَ لله عزَّ وجلَّ في الجنَّة من (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٢٥٤). (٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٥٤). (٣) بناء على مذهبه: أن الإيلام يحسن من الله تعالى دون العوض. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٥٥)، و(( شرح الأصول الخمسة)) (ص٤٨٩). (٤) انظر ((الفرق بين الفرق)) (ص ١٤٥). (٥) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( التفضيل ). 100000 79 00000