Indexed OCR Text

Pages 381-400

X
00
O

ـة
ذكر ما جاء من تسميات الله عزوجل
مفتتحة بحرف العسين
قد وصفَ الله عزَّ وجلَّ نفسَهُ في القرآن : بالعليِّ العظيمِ ، وبالعالمٍ ،
والعليمِ ، والعلَّامِ، وبالعَفُوِّ ، وبالعزيزِ، فذكرَ العليَّ العظيمَ في مواضعَ
من القرآن(١)، وذكرَ العزيزَ والعليمَ (٢)، وقال: ﴿عَلَّمُ الْغُيُوبِ﴾ [المائدة: ١٠٩]،
وقال: ﴿عَلِّمُ اٌلْغَيْبِ﴾ [الأنعام: ٧٣].
وقد ذُكرَتْ هذه الأسماءُ كلَّها في السنة الواردة في أسماء الله عزَّ وجلَّ ،
وذُكِرَ فيها : العدلُ ، والعادلُ(٣)
وسنذكرُ تفسيرَ كلِّ واحد منهما على التفصيل إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
000000
(١) ذكر ذلك في قوله تعالى: ﴿ وَلَا يَتُودُهُ حِفْظُهُمَاً وَهُوَ اَلْعَلِىُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وفي
قوله سبحانه: ﴿لَهُمَا فِى السَّمَوَتِ وَمَا فِىِ الْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَلِىُّ اَلْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤].
(٢) من ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَهِزِ اَلْعَلِيمِ﴾ [الأنعام: ٩٦]، وقوله عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ
رَبِّكَ يَقْضِى بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ، وَهُوَ الْعَزِيِزُ الْعَلِمُ﴾ [النمل: ٧٨].
(٣) انظر (١ /٤٤٧) ولم يرد اسم (العادل) في الروايتين اللتين أوردهما الإمام (١/ ٤٤٧ ،
٤٤٩)، ونبّه (٤٥٤/١) عی وروده في رواية ولم يذكرها.
00000 A00000

00
G
ذكر معنى (العدل) و(العادل) في أسمانه عزوجل
يقعُ في تفصيل هذين الاسمينِ فصولٌ :
أحدُها : في بيانِ معنى ( العدلِ ) و( العادلِ ) في اللغة .
والثاني : في بيانِ معناهما على مذاهب المتكلِّمينَ ، وبيانِ معنى
وصفِ الله عزَّ وجلَّ بهما .
والفصلُ الثالثُ : في بيانِ أمثلةٍ من باب التعديلِ والتجويرِ يكثرُ الكلامُ
فيها .
وسنذكرُ في كلِّ واحدٍ منها ما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
CONS

MYFAY boOO
الفصل الأول
في ذكر معنى (العدل) و(العادل) في اللغة
اعلمْ : أن ( العَدْلَ ) في اللغة قد يكونُ بمعنى المِثلِ ؛ قال الله عزَّ
وجلَّ: ﴿أَوْ عَدِلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٥]؛ أي: مِثلُ ذلك(١)
قال ابنُ الأنباريِّ : ( العِذْلُ بكسر العين : ما عادلَ الشيءَ من جنسه ،
والعَذْلُ بفتح العين : ما عادلَهُ من غير جنسه ؛ تقولُ : عندي عِدلُ ذلك من
الدراهم ، وعَدلُ دراهمك من الثياب )(٢)
وقال البصريون: العَدْلُ والعِدْلُ: لغتان، وهما المِثلُ(٣)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠]؛ أي: يجعلونَ
له مِثْلاً وعِدْلاً(٤)
ـوم
ولذلك قيل : ( كذبَ العادلون بالله وضلُّوا ضلالاً بعيداً ، وخسروا
خُسراناً مبيناً )(٥)؛ فالعادلُ به : المعتقدُ له مِثلاً أو شريكاً ، تعالى الله
(١) انظر ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص ١٤٧).
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٢٣٧/٤)، وإلى هذا القول ذهب الفراء. انظر ((معاني القرآن))
له (٣٢٠/١) .
(٣) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٢٠٨/٢)، و((الغريبين)) (١٢٣٧/٤).
(٤)
انظر ((الغريبين)) (٤/ ١٢٣٧).
(٥) رواه البيهقي في (( شعب الإيمان)) (١٩١٥) من حديث زين العابدين بن الحسين =
TO
DO000 ٣٨٣, 00000

PAT
عزَّ وجلَّ عن ذلك علواً كبيراً (١)
وقد يكون ( العَدْلُ) بمعنى : العُدولِ عن الشيء، ومنه قولُهُ عزَّ وجلَّ :
﴿بَلّ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠]؛ أي: يعدلون [عن] الحقِّ والقَصْدِ إلى
الكفر والجَوْرِ (٢)
فأما قولُهُ عزَّ وجلَّ : ﴿فَعَدَلَكَ * فِىَ أَِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَّكْبَكَ ﴾ [الانفطار: ٧-٨]:
فمن قرأه بالتشديد أراد : قوَّمَكَ ؛ من قولهم : عَذَّلْتُهُ فاعتدلَ ؛ أي : قوَّمْتُهُ
فاستقام ، ومن قرأه بالتخفيف أراد : عدلَكَ من الكفر إلى الإيمان ، فيكونُ
من العُدولِ(٣)
وفائدتُهُ : أنه هو الذي عدلَ بالمؤمن عن الكفر إلى الإيمان ، [ردّاً] على
من قال (٤): إنه هو الذي عَدَلَ بنفسه [عن] الكفر إلى الإيمان(٥)
000
رضي الله عنهما يذكره ضمن دعاء للنبي صلى الله عليه وسلم عند ختم القرآن ، وانظر
=
((النهاية في غريب الحديث)) (١٩١/٣).
(١) انظر (العين)) (٣٨/٢)، و((الغريبين)) (١٢٣٧/٤)، وقال: ( أي: يتكبرون).
(٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (١٢٨/٤)، وما بين المعقوفين في جميع النسخ: (من).
(٣) قاله ابن الأعرابي ، وقراءة التخفيف يمكن حملها على معنى قراءة التشديد . انظر
((تهذيب اللغة)) (٤٣٧/٢)، و((الغريبين)) (١٢٣٧/٤)، وقرأ بالتشديد : عاصم
وحمزة والكسائي وخلف، والباقون بالتخفيف. انظر ((النشر في القراءات العشر)»
(٣٩٩/٢)، وفي ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص٥١٨) معلقاً على قراءة
التخفيف : ( أراد : صرفك إلى ما شاء من الصور في الحسن والقبح ) ، ومن معاني
العدل في الخِلْقة : استواء العينين واليدين والرجلين ، وكل ما له مثيل . انظر ((مفاتيح
الغيب)) (٣١/ ٨٢) .
(٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : (رد ).
(٥) وقد تأوَّل قاضي المعتزلة عبد الجبار في ((متشابه القرآن)) (ص ٦٨٢) هذه الآية لأجل
ذلك ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( من ) .
٠٠٠ ٣٨٤ ٠٠٠٠٠

TODAY
YO
وأما قولُهُ عزَّ وجلّ: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ [البقرة: ٤٨] فمعناه: القيمةُ
والفديةُ(١)، فيرجعُ معنى ذلك إلى معنى المِثْلِ كما ذكرناه قبل هذا(٢)
وقد يكون ( العَدْلُ) بمعنى : الفريضةِ(٣)، وفي الحديث: ((مَنْ شربَ
الخمرَ لم يقبلِ اللهُ عزَّ وجلَّ منهُ صِرْفاً ولا عَذْلاً أربعينَ ليلةً))(٤)؛ قال
النضرُ بن شُميلٍ : أرادَ بالعدل : الفريضةً ، وبالصِّرْفِ : التوبةً (٥)
قال عبد القاهر :
العَدلُ في الأصل : مصدرٌ من : عَدَلَ يَعْدِلُ عَدْلاً فهو عَادِلٌ ، ثمّ إنه أقيم
المصدرُ مُقاَ الاسم ؛ كما قيل: رجلٌ صَوْمٌ ورجلٌ زَوْرٌ ؛ بمعنى : أنه
صائمٌ وزائرٌ .
وعلى هذا القول : يستوي فيه الذكر والأنثى، والجمعُ والتثنيةُ
والوُحْدانُ ؛ فيقالُ : رجلٌ عَدْلٌ، وامرأةٌ عَدْلٌ، ورجلان عَدْلٌ ، وامرأتان
عَدْلٌ ، ورجالٌ عَدْلٌ، ونساءٌ عَدْلٌ (٦)
وكلُّ مصدرٍ أقيم مُقَامَ الاسم فهذا حكمُهُ .
(١) رواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٤/١) عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما وأبي العالية
والسدي وقتادة وغيرهم .
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٢٣٧/٤).
انظر ((العين)) (٣٩/٢)، و((الغريبين)) (١٢٣٧/٤)، وهو قول النضر
(٣)
(٤) رواه بنحوه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٩٢/١١) من حديث سيدنا ابن عباس
رضي الله عنهما ، ورواه الترمذي ( ١٨٦٢) من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله
عنهما ، وليس فيه موضع الشاهد .
(٦) انظر ((جمهرة اللغة)) (٦٦٣/٢)، و((الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي)) (ص٣٧).
(٥)
انظر ((الغريبين)) (٤ / ١٢٣٧ ) .

PAYO
فإذا قيل : الله عزَّ وجلَّ عَدْلٌ .. فمعناه : أنه العادلُ ، وأقيم المصدرُ
مُقَامَ الاسم ، ولولا وقوعُ الإجماع عليه لَمَا جاز تسميتُهُ باسمِ يكونُ مصدراً ،
كما لا يُسمَّى علماً ولا قدرةً وإن كان عالماً وقادراً .
وقال سيبويه : ( أريدَ بالعَدْلِ: ذو العَدلِ ، وكذلك قولُهُ : رجلٌ صَوْمٌ
معناه: ذو صَومٍ)(١)
ودليلُ هذا القول : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدّلٍ مِّنْكُمْ ﴾
[الطلاق: ٢]، فدلَّ ذلك: على أن العادلَ إنما قيل له : (عَدْلٌ) على معنى :
أنه ذو عَدْلٍ (٢)
وقد ضربت العربُّ الأمثالَ في موضع المدح ؛ فقالت : أعدلُ من
الميزان (٣)، وأعدلُ من قسمة الموت (٤)
وقال أهلُ الإسلام : أعدلُ من قسمة الميراثِ .
وقالوا أيضاً : أعدلُ من فريضةٍ عادلةٍ غيرِ مائلةٍ .
وقال بعضُ الحكماء : أعدلُ من داء الحسدِ ؛ لأنه يبدأ بالحاسد الباغي
قبل أن يُؤْثِّرَ في المحسود(٥)
(١) وبه قال الخليل. انظر ((العين)) ( ١٧٢/٧ ) .
(٢) انظر ((معاني القرآن)) للزجاج (٣٢٥/٤) .
(٣) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣٤/٢).
(٤) وقد أخذ أبو العلاء المعري هذا المعنى فقال :
( من البسيط )
ما أعدلَ الموتَ من آتٍ وأسترَهُ
فهيِّجيني فإني غيرُ مهتاج
انظر ((اللزوميات)) (٢٠١/١).
(٥) القائل: سيدنا معاوية رضي الله عنه كما في ((الفاضل)) (ص ١٠٠) وعبارته: (قال=
00000 ٣٨٦ 100000

0000
[وقالوا] في نقيض العدلِ من الأمثال المضروبةِ من الجَور (١) : أعدلُ من
صِرف البَيْنِ ، وأجورُ من سَدومٍ ؛ وكان قاضيَ عادٍ ، وكان جائراً ظالماً (٢)
وكلُّ هُذا معلومٌ لا يُحتاجُ إلى تفسيره ، والله عزَّ وجلَّ أعلم .
=
معاوية : ليس في خلال الشرِّ خَلَّةٌ أعدلَ من الحسد ؛ فإنه يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى
المحسود ) .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (وقال) .
(٢) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣٣٣/١)، وقال: (ذكر أنه كان على قنطرة يأخذ من كل
إنسان يعبرها درهماً ، فقال له رجل : أنا أعبر تحتها ، فقال : إذاً تعطيّ درهمين ) .

G
الفصل الثاني
في بيان معنى (العدل) و(العادل)
على مذاهب المتكلمين
الكلامُ في هذا الفصلِ يقعُ في موضعينٍ :
أحدُهما : في بيانِ معنى ( العَدلِ ) وحقيقتهِ .
والثاني : في بيانِ معنى (الظلم) و( الجَورِ ) ، وهما نقيضا العدلِ.
نار
[ اختلافُهم في معنى (العَدْلِ ) ]
فأما الكلامُ في معنى ( العَدلِ ) فقد اختلف أصحابُنا فيه :
فمنهم من قال : لا يصحُّ تحديدُهُ بجنسٍ، ولا بنوعٍ مخصوصٍ، ولا بوصفٍ
خاصٌ له(١) ، لا سيما على ما يعرفُهُ الناسُ به، [وكذا] نقيضه أيضاً(٢) ؛ لأن
العدلَ الذي هو الحقُّ عدولٌ (٣) ، والجَورَ أيضاً عدلٌ وعدولٌ عن الحقِّ(٤)،
في (ب، ج): ( حاصرٍ ) ، وكلاهما مناسب .
(١)
ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( وعلى ) .
(٢)
(٣)
يعني : عدولاً عن الجور إلى الحق .
قال الأستاذ ابن فورك في (( مجرد مقالات الأشعري)) (ص٢٥): ( وهذه إحدى
(٤)
طرقه - يعني : الأشعري - في الألفاظ المشتركة المعاني؛ أنها لا تنحصر بحدٍّ واحد
وبحقيقةٍ واحدة ) .
محددمنـ
C
AS
55 (٣٨٨ (635)

ولذلك قيل : عَدلَ السهمُ عن الهدف ؛ إذا حادَ عنه(١) .
د
ولهذا قال أصحابنا : إن الجَورَ ليس بضدٍ للعدل ؛ لأن كلَّ فعلٍ كان منَّا
عَذلاً لموافقةِ أمرِ الله عزَّ وجلَّ فقد يجوزُ أن يكونَ جَوراً لموافقته نهيَهُ(٢).
ومنهم من قال : يصحُّ تحديدُ العدلِ ، واختلف هؤلاء في حدِّهِ :
فمنهم من قال : حدُّهُ : ما للفاعل أن يفعلَهُ ، وكذلك حدُّ الحُسن ،
وحدُّ الظلم والجَور : ما ليس لفاعله أن يفعلَهُ (٣)
C
فإذا قيل لهم على هذا : الله عَدلٌ وليس بفعلٍ لفاعلٍ ؟!
قالوا : إن معنى تسميته عَدْلاً: هو أنه عادلٌ أو ذو عدلٍ، وإنما حَدَدْنا
العدلَ الذي هو في الحقيقة عَدلٌ ، دون ما قيل له : إنه عدلٌ بمعنى : ذو
عدل (٤)
(١) انظر ((المحكم والمحيط الأعظم)) (١٤/٢)، و((مجرد مقالات الأشعري))
( ص٩٦ ) .
(٢) انظر ((اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع)) (ص٤١)، و((مجرد مقالات الأشعري))
(ص٩٦ - ٩٧، ١٤٨) ، وهذا في الحادث ، وهذا مبني على أصلٍ عند أهل السنة ؛
وهو أنَّنا لا نعلم قبل خطاب الشارع أحسناً يكون فعلُنا أم قبيحاً ، وبعبارة أخرى : ألنا أن
نفعل أم ليس لنا ذلك ، أما القديم الأزلي الحقُّ فله أن يفعل ما يشاء ؛ فلذلك كانت
أفعاله كلُّها عَدْلاً صِرْفاً .
(٣) وهو قول الإمام الأشعري. انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص١٣٩)، و(( الحدود
في الأصول)) ( ص١٢٣)، وقال ابن العربي المالكي في «الأمد الأقصى)) (٢٨٧/٢)
عن هذا الحدِّ للعدل: ( والعبارة الأولى أوجز وأحقُّ في البيان ؛ لأنها تعمُّ المحدث
والقديم ) .
(٤) قال ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٢٨٧/٢ - ٢٨٨) في وجه تسميته
سبحانه بالعدل: ( اختلف في ذلك علماؤنا : فمنهم من قال : معناه ذو العدل ، ومنهم =

واعترضَ المخالفون على أصحابنا في هذا فقالوا : يلزمكم أن يكونَ
الكفرُ والمعاصي كلُّها عدلاً ؛ من قِبل أنها كلَّها عندكم من فعل الله عزّ
وجلَّ ، وكان له فعلُها .
فأجابوا : بأنها كلَّها عَدلٌ منهُ، وهو بفعلها عادلٌ حكيمٌ ، وإنما كان
الكفرُ والمعصيةُ ظلماً وجَوراً من مكتسِبِهما ، دون خالقهما(١)
فقال لهم المخالفون : إذا جازَ عندكم أن يكونَ الفعلُ الواحدُ عدلاً من
واحدٍ جوراً من واحدٍ ، فيكونَ عدلاً جوراً من وجهينٍ .. فأجيزوا أن يكونَ
الخبرُ الواحدُ صدقاً كذباً من وجهينِ ، وأن يكون الكونُ الواحدُ حركةً
وسكوناً من وجهينٍ .
وأجابوهم : بأن ذلك أيضاً جائزٌ ؛ لأن الحركةَ من المكان سكونٌ في
الذي يليه ، والسكونَ في المكان في أوَّلِ أحواله حركةٌ عن المكان الذي كان
فيه قبله ، وكذلك الدخولُ في المكان خروجٌ من غيره ؛ كقولنا : الدخولُ
في الظلِّ خروجٌ عن الشمس ، والدخولُ في شعاع الشمس خروجٌ عن
الظلِّ، والبعدُ من المشرق قُرْبٌ من المغرب ، والبعدُ عن المغرب قُرْبٌ من
المشرق (٢)
=
من قال : إنه اسم للفاعل سُمَِّ به الفعل ) ، ثم قال : ( والمراد بقوله عند المحققين :
عدلٌ: أنه وُصِفَ بجميع الجنس مبالغة ، لأنه استولى على الأفعال الحسنة ، فوُصِفَ
بالجنس أجمع تمكيناً للوصف وتأكيداً ، وأُفردَ ليكون الإفرادُ أمارةٌ للمصدر وعلامةً
عليه ) .
(١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ١٤٠).
(٢) والواقفُ الراكبُ في السفينة الخائضة عرض البحر ساكنٌ بالنسبة لمن عليها، ومتحرِّكٌ
بالنسبة للناظر له من خارجها ، ومن الحيثيات ترفع الإشكالات .
٣٩٠ ٥

٢٠٧
وقد قلنا في قول الرجل الذي لم يكذب قط : ( أنا كاذبٌ ) : إنه صدقٌ
من وجهٍ ، كذبٌ من وجه آخر (١)
وهذا على أصلنا غيرُ عجيبٍ ، مع قولنا : إن الأمرَ بالشيء نهيٌ عن
ضدِّهِ (٢)، وإرادةَ الشيء كراهةٌ لضدِّهِ(٣)، وقد يكونُ الفعلُ أيضاً طاعةً
معصيةً من وجهينٍ ؛ لأن ما هو طاعةٌ لله معصيةٌ للشيطان ، ومن عصى الله
عزَّ وجلَّ في شيء فقد أطاعَ الشيطانَ فيه(٤)
O
ولا يلزمُنا على هذا المذهب : أن يكونَ اللونُ الواحدُ سواداً بياضاً من
وجهينٍ ، ولا أن يكونَ العرضُ الواحدُ قدرةً عجزاً من وجهين ؛ لأن القدرةَ
لعينها كانت قدرةً ، والسوادَ لعينه كان سواداً، وصحَّ أن يكونَ القادرُ على
الشيء قادراً على ضدِّهِ ، ولم يصحّ أن يكونَ الأسودُ من وجهِ أبيضَ من وجهٍ
آخرَ في حالةٍ واحدةٍ ، وصحَّ أن يكونَ المطيعُ من وجهٍ عاصياً من وجهٍ ، ولم
تكن الطاعةُ والعدلُ طاعةٌ وعدلاً لعينه؛ لأنه لو ورد النهيُ لصار جَوراً ومعصيةً.
00
فبان الفرقُ بينهما .
X
ومن أصحابنا من قال : العدلُ والحسنُ من أفعالنا : ما وافق أمرَ الله عزَّ
وجلَّ ، والجَورُ والقبيحُ : ما وافق نهيَهُ عنه(٥)
(١) انظر (٢/ ٣٤١) .
(٢) قوله: (الأمر بالشيء) يعني: على غير جهة التخيير. انظر ((التقريب والإرشاد))
( ٢ /١٩٨ ) .
(٣) انظر ((التقريب والإرشاد)) (٢٠٧/٢).
(٤) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ١٤٠).
(٥) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٩٦ - ٩٧ ).
C

,٢
وهذا الحدُّ يختصُّ باكتسابنا، وإن أردت أن تَطَرُدَ هذا الحدَّ في جميع
الحوادث .. قلت : ما كان فاعلُهُ منهياً عنه(١)
فإذا صحَّ ما قلناه في معنى ( العدلِ ): فإن الله عزَّ وجلَّ هو العادلُ على
الحقيقة ، ولتسميته بـ ( العادل ) معنيان :
أحدُهما : عدولُهُ عن صفات النقصِ والعيب (٢)
وعلى هذا التأويل : يكونُ هذا الوصفُ من صفاته الأزليَّة الواجبةِ له في
الأزل .
والمعنى الثاني: رجوعُهُ [إلى] إيقاع العدلِ(٣)؛ وهو فعلُهُ.
وعلى هذا التأويل : يكونُ هذا الوصفُ من أوصافه الفعليّةِ المشتقَّةِ من
أفعاله (٤)
000000
000000
0000
(١) الضمير في (فاعله) راجع إلى الجور كما لا يخفى .
(٢) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص ١٣٩)، وتشمل هذه العبارة جميع صفات
السلوب لمن تأمَّل .
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (عن )، أو يقال : (رجوعه عن إيقاع الجور).
(٤) وبهذا تعلم : أن كل ما تقع عليه عينُكَ، أو يقع على أُذُنك، وتدركه سائر حواسِّك ..
هو محض العدل ، وافق مزاجك أو خالفه ، واستحلاه عقلك أو أباه ، وإنما قسمته
الشريعة إلى عدل وجور ، وحسن وقبيح ، وممدوح ومذموم ، وحقٍّ وباطل .. باعتبار
ظهوره في قوالب الممكنات ، أما باعتبار نسبته إليه سبحانه فهو في رتبة العدل والحسن
والمدح والحق فقط ، وعبَّرَ عن هذا المعنى العارف بالله محمد وفا رحمه الله تعالى
( من الوافر )
فقال :
أنا في المُلْكِ وحدي لا أزولُ
سمعتُ اللهَ في سرِّي يقولُ
وقبحُ القبحِ من حيثي جميلٌ
وحيثُ الكُّ مني لا قبيحٌ
انظر (( حاشية الأمير على شرح عبد السلام)» (ص ٤٢).
R
٨
٣٩٢ ٨٥٠٠٠

فهذا كلُّهُ قولُ أصحابنا .
فأما النجَّاريَّةُ: فقد قالوا في حدِّ ( العادل ) بمثل قولنا ، وأجازوا أن
يكونَ الفعلُ الواحدُ عدلاً جَوراً من وجهينٍ .
وزادوا علينا القولَ : بأن الصفةَ الواحدةَ يجوز أن تكونَ عِلْماً بشيءٍ جهلاً
بغيره ، وأن تكونَ القدرةُ على الشيء عجزاً عن غيره .
وبناه على أصله(١): في أن قدرةَ المُكتسب على كسبه عجزٌ عن الخَلْقِ
والاختراع(٢)
وهذا على أصلنا فاسدٌ ؛ لأن الاختراعَ لا يصحُّ أن يكونَ مقدوراً لنا ،
ولا تصحُّ قدرتُنا عليه ، فلا نوصفُ بالعجزِ عنه .
وزعم الكعبيُّ : أن العدلَ : هو التسويةُ بين العباد فيما يحتاجون إليه ؛
من إزاحةِ العلل ، والتوفيقِ والهدايةِ .
ويلزمُهُ على هذا القول : ألا يكونَ الإنسانُ بفعل العدلِ عادلاً ؛ لأن
عدلَهُ المختصَّ بنفسه إذا لم يَبَعُدْ منه إلى غيره .. [لا] يكون تسويةً بين
العباد (٣)
وقد قال الكعبيُّ في بعض كتبه : ( إن العدلَ : هو التسويةُ بين
الخصمينِ ، وتركُ الميلِ إلى أحدهما ) .
ويلزمُهُ على هذا القول : ألا يكونَ الفعلُ الذي لا يكونُ حُكماً بين
(١) يعني : زعيمهم النجار .
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٥٦٦).
(٢)
(٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( ولا) .
00000 ٣٩٣ 00000

خصمينٍ عدلاً ، وإن كان حَسَناً في نفسه .
ويلزمُهُ أيضاً : أن يكونَ رئيسُ اللصوص إذا سوَّى بين اللصوصِ في
قسمةِ ما سرقوه بالسويَّةِ ، ولم يمل إلى واحدٍ منهم دون الآخر .. عادلاً ،
وأن يكونَ فعلُهُ عدلاً !
فإن ركبَ ذلك خرج عن الملَّةِ ، وإن منعَ منه نقضَ حدَّهُ .
[ الكلامُ على معنى الظلمِ ]
وأما الكلامُ في معنى ( الظُّلم) و(الظالم ) فمن وجهينِ :
أحدُهما : من طريقِ اللغة .
والثاني : في بيانِ حقيقةِ ( الظلم ) و( الظالم ) من طريق المعنى على
مذاهب المتكلِّمينَ .
[ بيانُ معنى الظلمِ لغةً ]
فأما معنى ( الظلم ) في اللغة : فهو وضعُ الشيء في غير موضعه ، ومنه
يقالُ : ظَلمتُ السِّقاءَ؛ إذا سَقيتُ منه قبل أن يُخرِجَ زُبْدَهُ(١)
وقد يكون ( الظلمُ ) بمعنى : المنع ؛ يقال : ما ظلمكَ أن تفعلَ كذا ؟
أي : ما منعك (٢)
(١) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٧٤/١٤-٢٧٥)، و((الغريبين)) (٤ /١٢٠٦).
(٢) انظر (( تهذيب اللغة)) (٢٧٧/١٤)، و((الغريبين)) (٤ / ١٢٠٧).
104
OODOO ٥٥ ٣٩٤

وفي الحديث: ((إذا أتيتُم على مظلوم فأَغِذُّوا السيرَ))(١)؛ أراد
بالمظلوم : البلدَ الذي مُنِعَ الغيثَ، فليس للدوابٌّ فيه رَغْيٌّ(٢).
وقد يكونُ ( الظلمُ ) بمعنى : العدول من الحقِّ إلى الباطل ، ولهذا كان
الشركُ ظُلماً؛ لعدوله عن الحقِّ؛ قال لقمانُ: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْرُ
عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] (٣).
وقال عزَّ وجلَّ: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوْاْ إِيَمَنَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]؛ أي:
بشرك (٤)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَتِلْكَ بُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَّمُواْ﴾ [النمل: ٥٢]؛
أي : بكفرِهم وعصيانهم(٥)
وفي حديث ابن زِمْلِ: ( [لزموا] الطريقَ [فلم يَظْلمُوه])(٦)
(١) أورده الهروي في ((الغريبين)) (١٢٠٨/٤)، ورواه بنحوه الروياني في ((مسنده »
(١٢٨١)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٧٨/٨) من حديث سيدنا أبي أمامة الباهلي
رضي الله عنه، ولفظه عنده: ((إذا مررتم على أرض قد أُهلِكَ أهلُها فأَغِذُّوا السير)).
(٢) انظر ((الغريبين)) (١٢٠٨/٤).
انظر ((تهذيب اللغة)) (١٤/ ٢٧٨) .
(٣)
انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٧٨/١٤)، و((الغريبين)) (١٢٠٦/٤).
(٤)
(٥) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٧٨/١٤)، و((الغريبين)) (١٢٠٦/٤)، وزاد : (ومن
جعل الله شريكاً فقدخرج عن الحق إلى الباطل ، والكافر ظالم لههذا الشأن ) .
(٦) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( الزموا) بدل ( لزموا)، و( فلن تظلموه ) بدل
(يظلموه)، والمثبت من ((غريب الحديث)) لابن قتيبة (٤٨٤/١)، و((تهذيب
اللغة)) (١٨/١٤)، و((الغريبين)) (١٢٠٦/٤)، والخبر رواه البيهقي في (( دلائل
النبوة )) (٣٦/٧) ضمن حديث طويل، وجاء فيه: ( ثم أكبوا رواحلَهم في الطريق،
فلم يَظلموه يميناً ولا شمالاً ) ، ثم قال : ( فلما رأيت ذلك لزمتُ الطريق ) .
00000 ٣٩٥ 100000

MYFAY WOODOCK
O
وقالت أمُّ سلمةَ رضي الله عنها : ( إن أبا بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما لزما
الطريقَ فلم يَظلماهُ)(١) ؛ أي: لم يعدلا عنه (٢)
ويقالُ : أخذَ في طريقٍ ، فما ظَلمَ يميناً ولا شمالاً ؛ أي : ما عَدَلَ(٣)
وقد يكون ( الظلمُ) بمعنى: النقصانِ؛ قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَا
ظَلَمُونَا﴾ [البقرة: ٥٧]؛ أي : ما نقصونا بفعلهم من مُلكنا شيئاً ، ولكنَّهم
نَقْصُوا أنفسَهم وبَخسُوا حظَّها(٤)
وعلى ذلك تأوَلُوا قولَهُ عزَّ وجلَّ: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ﴾ [فاطر: ٣٢]؛
أي: يَنقُصُ حظّها من الخير مع كونه مُوحِّدً(٥)
فأما قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَاُلْكَفِرُونَ هُمُ اُلَِّمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤]؛ أي: هم
أَظلمُ الظَّلَمَةِ، كما يقالُ : الشجاعُ عليٌّ بن أبي طالب ؛ أي : هو أشجعُ
(١) أورده ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٧٩/٢)، وفيه: ( فإنهما ثَكَما الأمر تَكْماً ولم
يظلماه)، والأزهري في (( تهذيب اللغة)) (٢٧٨/١٤) بلفظ: ( إن أبا بكر وعمر ثكما
الأمر فلم يظلما عنه)، وتابعه الهروي في «الغريبين)) (٤/ ١٢٠٧)، وتَكَمَ الأمر:
لزمه .
(٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٧٨/١٤)، و((الغريبين)) (١٢٠٧/٤).
انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٧٨/١٤)، و(( الغريبين)) (٤ / ١٢٠٧).
(٣)
(٤)
انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٧٨/١٤)، و«الغريبين)) (٤ / ١٢٠٧ ).
(٥) انظر ((الغريبين)) (١٢٠٧/٤)، فالظالم لنفسه : أهل الكبائر من هذه الأمة ، وهو
قول سيدنا ابن مسعود رضي الله عنه وكعب الأحبار وأبي إسحاق السبيعي وغيرهم ،
وقيل : الظالم لنفسه : هم المنافقون من هذه الأمة ، وهو قول عكرمة ومجاهد
والحسن البصري وغيرهم، روى ذلك عنهم الطبري في ((تفسيره)) (٤٦٥/٢٠ -
٤٦٩ ) .
CON

CYO!
الشجعان، وكلُّ كافٍ ظالمٌ، وليس كلُّ ظالمٍ كافراً (١)
وقد ضربت العربُ الأمثالَ من (الظلم) فقالت: أظلمٌ من حيَّةٍ (٢)،
وأظلمٌ من أفعىّ ، وقديماً قالت: أظلمٌ من حيَّة الوادي(٣)؛ لأن الحيَّةَ هي التي
[من مشطور الرجز]
تأتي جحرَ غيرها فتدخلُهُ وتغلبُ عليه(٤) ، وقال الشاعر (٥) :
وأنتَ كالأفعى الذي لا يَحتَفِرْ
ثمَّ يجيءُ سادِراً فينجَحِزْ
وقالوا أيضاً : أظلمٌ من وَرَلٍ ؛ لأن كلَّ شدَّةٍ يلقاها [ذو جُحْرٍ] من
الحيّة .. فهو يلقى مثلَ ذلك من الوَرَل(٦).
Do
(١) نقله الهروي في (( الغريبين)) (١٢٠٧/٤) عن ابن عرفة، وروى الطبري في ((تفسيره)
(٣٨٥/٥) عن عطاء بن دينار أنه قال: (الحمد لله الذي قال: ﴿ وَاُلْكَهِرُونَ هُمُ اَلظَّالِمُونَ﴾،
ولم يقل : الظالمون هم الكافرون ) .
(٢) انظر ((الأمثال)) للهاشمي (ص٢٣)، و((جمهرة الأمثال)) (٢٩/٢).
(٣) يزعمون أن رجلاً أخذ حية وقد جمدت من البرد حتى لا حراك بها ، فلم يزل يدفِّتها
تحت ثيابه حتى تحركت فنهشته ، فقال لها : ويحك ! أهذا جزائي منك ؟! قالت :
لا، ولكنه طبعي. انظر ((الأمثال)) للهاشمي (ص٢٣)، و((المستقصى في أمثال
العرب)) (٢٣٢/١) .
(٤) انظر هذه الأمثال في ((جمهرة الأمثال)) (٢٩/٢-٣٠).
(٥) أورده أبو علي القالي في ((الأمالي)) (١٥/٢) بلا نسبة، ولفظه عنده :
وأنتَ كالأفعى التي لا تحتَفِز
ثمَّ تجي سادِرةٌ فتنجَحِزْ
(٦) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣٠/٢)، و((الحيوان)) (١٤٩/٤ - ١٥٠)، والمثبت بين
المعقوفين زيادة من كتاب ( الحيوان)» ، والوَرَل ؛ بفتح الواو والراء المهملة : دابة
أصغر من الضب شبيهة به ، وبراثنها أقوى من الضب . انظر كتاب « الحيوان )
(١٥٠/٤)، (٤٥٨/٦)، و((حياة الحيوان الكبرى)) (٥٤١/٢).
00000

OC
والوَرَلُ [يقوى] على الحِيَّات فيأكلُها أكلاً ذريعاً (١)، وإذا ظَفِرَ بشيء من
الحشرات نكحَهُ ، فيخرجُ من بينهما نتاجٌ طويلٌ يشبه الحيَّةَ ، ولكنَّها تعدو
على قوائمَ .
ورُويَ : أن أعرابيّاً خاصمَ رجلاً فقال له : أبوك كالوَرَلِ لا يرى شيئاً
إلا نكحّهُ، وأقُّك كالسُّنَّور لا ترى شيئاً إلا بركت(٢)، فكيف تكونُ
لرَشْدَةٍ؟!(٣).
وقالوا أيضاً في المثل : أظلمُ من ذئبٍ (٤)، ومَنِ استرعى الذئبَ
ظَلمَ(٥) ، ومستودِعُ الذئب أظلمٌ، وقالوا أيضاً: كافأه مكافأةً الذئب(٦)
وقال الشاعرُ(٧) :
[من الطويل]
وأنتَ كذئبِ السَّوءِ ليسَ بالفٍ أبى الذئبُ إلا أنْ يجورَ ويَظلِمًا
وقالوا أيضاً : أظلمُ من التمساح(٨)، كما قالوا: كافأه مكافأةً
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (أقوى)، والمثبت من كتاب ((الحيوان))
( ٤ / ١٤٩ ) .
(٢) في (أ) زيادة: (عليه)، وكتبت كلمة (بركت) في (ب، ج): ( بركة ).
(٣) يقال: وُلدَ فلان لرشدة - بفتح الراء وتكسر -؛ إذا صحَّ نسبه، ضدُّ ( لزَنْيَة). انظر
((تهذيب اللغة)) (٢٢٠/١١).
انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣٠/٢) .
(٤)
انظر ((جمهرة الأمثال)) (٢٦٥/٢).
(٥)
(٦) انظر المثلين في ((مجمع الأمثال)) (٤٤٦/١).
أورده العسكري في ((جمهرة الأمثال)) (٣٠/٢) من غير نسبة، وفيه: ( يخون ) بدل
(٧)
( يجور ) .
(٨) انظر (( جمهرة الأمثال)) (٣٠/٢).
COOOO ٣٩٨ 00000

DC
COO
التمساح(١)؛ لأنه يكافئ الطيرَ [الذي] قد نظّفَ فمَهُ من الديدان بإطباق فمه
عليه ، فيجزيهِ بالإحسان سيئةً (٢)
وقالوا أيضاً : أظلمُ من الجَلَنْدَى، وأرادوا به : الذي ذكرَهُ الله في
كتابه: ﴿ وَكَانَ وَرَآءَ هُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: ٧٩] (٣)، وهذا لعدوله
عن طريق الحقِّ إلى طريق الجَورِ .
OVA
وقولهم : أظلمُ من تمساحٍ ، فإنه يضعُ الجزاءَ بالسيئة في غير موضعِها ،
وذلك عائدٌ إلى قولهم : إن الظلم وَضعُ الشيء في غير موضعِهِ .
وليس هذه الأمثال من جنس قولنا : أظلمُ من ليل(٤)؛ لأن هذا من
شدَّةِ الظُّلمةِ، وتلك الأمثالُ المتقدِّمةُ من كثرة الظّلم
·
فإذا صحَّ ما قلناه من معنى ( الظلم ) في اللغة: فإنه لا يُضافُ شيءٌ من
وجوهه إلى الله عزَّ وجلَّ ؛ لأنه غيرُ واضع للشيء غيرَ موضعِهِ ، ولا عادلٍ
عن طريق الحكمةِ يعدلُ في شيء من أفعاله ، ولا يجوزُ أن يلحقَهُ نقصٌ في
ملكه ولا في إرادته ، فلم يكن موصوفاً بالظلم بحالٍ .
[ بيانُ معنى الظلم والظالمِ عندَ المتكلمينَ ]
وأما الكلامُ في معنى ( الظلمِ ) و( الظالمٍ ) من طريق المعنى على مذاهب
المتكلِّمينَ . . فإن المتكلِّمينَ اختلفوا في ذلك :
(١) انظر ((الأمثال المولدة)) (ص٣٠٣)، و((مجمع الأمثال)) (٤٤٦/١).
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : (التي ) .
(٣) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣١/٢)، و((مجمع الأمثال)) (٤٤٦/١).
(٤) انظر ((جمهرة الأمثال)) (٣١/٢).
00000 ٣٩٩ 00000)
ATION