Indexed OCR Text

Pages 721-740

CArrYO
لا تكونُ لأجل عوضٍ ، ومن تاب عن ذنبه في الدنيا لرفاهيةِ نفسِهِ في
الآخرة .. لم تكن توبتُهُ نَصوحاً؛ لأنه طلب بها عِوضاً، فكانت توبتُهُ لحظُّ
نفسه، لا الله عزَّ وجلَّ)(١)
وقال أبو بكر محمَّدُ بن عمرَ الواسطيُّ: ( التوبةُ النصوحُ : أن تَضيقَ
عليك الأرضُ بما رَحُبَتْ لأجل ذنبك)(٢) ، وأخذه من قوله عزَّ وجلّ :
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: ١١٨]؛
يعني : كعب بن مالك، وهلالَ بن أميَّةَ، ومُرارةَ بن الربيع ؛ وهم الذين
تخلَّفوا عن غزوة تبوكَ ، ثم ندموا وخرّقوا ثيابَهم ، وجعلوا الترابَ على
رؤوسهم، وساحوا في الجبل ، حتى أنزلَ الله عزَّ وجلَّ: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ
عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَجِرِينَ وَاَلْأَنْصَارِ ... ﴾، ﴿وَعَلَى الثََّثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ﴾
[التوبة: ١١٧- ١١٨]، فأرسل النبيُّ صلى الله عليه وسلم سلمانَ الفارسيَّ
إليهم ، فردَّهم وبشَّرهم بقبول توبتهم(٢)
وقالت رابعةُ البصرية : ( ﴿تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ : أي : توبةً لا يتوبُ صاحبُها
منها ) ، ثم قالت : ( إن توبتنا تحتاجُ إلى توبةٍ منها ) (٤)
(١) أورده بنحوه الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٣٥٠/٩)، ونسبه السلمي في ((حقائق
التفسير)) (٣٣٧/٢) إلى أبي بكر الوراق رحمه الله تعالى .
(٢) أورده الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٩/ ٣٥٠) عن أبي بكر الوراق ، وأورد القشيري
في (( رسالته)) (ص٣٠٢ - ٣٠٣) نحوَ هذا القول عن ذي النون المصري رحمه الله
تعالى .
(٣) روى خبرهم البخاري (٤٤١٨)، ومسلم (٢٧٦٩) من حديث سيدنا كعب بن مالك
رضي الله عنه ، ولكن دون ذكر التخريق والسياحة والتبشير .
(٤) انظر ((تهذيب الأسرار)) ( ص ٩٥ ).

NOVATO
COpoo
20000
قال الجنيدُ: ( التوبةُ النصوحُ: نسيانُ الذنب)(١)
وقال السريُّ السقطيُّ : ( التوبةُ النصوحُ : أن تنصحَ بها غيرَكَ ، فتدعوَهُ
إلى مثلها ) (٢)
وقال يحيى بن معاذ الرازيُّ: ( التوبةُ النصوحُ : هي لزومُ الفِطام ، إلى
نزول الحِمَام )(٣)
وقال سهلُ بن عبد الله التستريُّ : ( التوبةُ النصوحُ : توبةُ أهل السنَّةِ ؛
لأن المبتدِعَ لا توبةَ له مع مُقامه على بدعته )(٤)
ـر
فإن قيل: التوبةُ مؤنَّئَةٌ، فلمَ قال فيها: ﴿تَوْبَةُ نَصُوحًا﴾، ولم يقل :
نصوحةٌ ؟
O
قيل : لأنها ( فَعُول ) ، وقلَّما تُدخِلُ العربُ التأنيثَ على (فَعُولٍ ) ، ألا
تراهم يقولون : امرأةٌ عجوزٌ وكَدُودٌ ، ونحوَ ذلك .
واعلمْ : أن أكثرَ القرّاء على فتح قوله: ﴿نَّصُوحًا﴾؛ بفتح النون ، وفي
رواية أبي بكر بن عيَّاش عن عاصم: ﴿تَوْبَةُ نُصُوحًا﴾؛ بضمِّ النون(٥)
(١) رواه القشيري في ((الرسالة)) (ص٣٠١) من طريق أبي نصر السرَّاج؛ قال السرَّاج:
( أما الجنيد : فإنه أشار إلى توبة المتحققين ، لا يذكرون ذنوبهم مما غلب على قلوبهم
من عظمة الله ودوام ذكره ) .
(٢) أورده بنحوه الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٩/ ٣٥٠).
(٣)
الحمام : الموت .
(٤) أورده بنحوه الثعلبي في ((الكشف والبيان)) (٣٥٠/٩).
(٥)
وأبو بكر: هو شعبة. انظر ((الدر المصون)) (٣٧١/١٠).
COODO
٥٥٥٥٥ ٧٢١
CON

فمن فتح النونَ : فعلى النعت ، ومن ضمَّها : أراد : توبةً ذاتَ
نُصح(١)
فإذا صحَّ ما ذكرنا في معنى التوبة النصوح .. فمعنى قولنا في الله عزَّ
وجلَّ : ( إنه التواب ) : هو أنه الموقّقُ عبادَهُ للتوبة النَّصوحِ ، وقابلُها منهم
كما بيَّنَاهُ ، والله أعلم .
oo
000
00000
(١) وهي أيضاً على النعت، ولكن على حذف مضاف. انظر ((الدر المصون))
(٣٧٢/١٠) .
CLON
00000 VYoo

الفصل الثالث
في بيان شروط التوبة ومسائلها
على مذاهب المتكلمين
[ تحقيقُ معنى التوبةِ عندَ المتكلمينَ ]
اختلفوا في تحقيقِ معنى التوبةِ المأمورِ بها عقيبَ المعصيةِ والذنبِ :
فقال جمهورُ الأمَّة : هي الندمُ على الذنب ، والعزمُ على ترك العودِ إلى
مثله ، مع الإشفاقِ فيما بينهما ؛ خوفاً من ألا تُقُبلَ توبتُهُ .
وزعم جمهورُ القدريَّةِ : أنها الندمُ على الذنب ، والعزمُ على ألا يعود إلى
مثله ، من غير اشتراطِ الخوفِ من ألا تُقُبلَ؛ لأنهم يرون قبولَ التوبة واجباً(١).
وحكى الكعبيُّ عن عمرو بن عبيد : أنه اشترطَ الإشفاقَ في التوبةِ .
وحكى اليمانُ بن الرباب عن قوم من الخوارج أنهم قالوا : إن التوبةً هي
الاستغفارُ باللسان لا غير(٢)
(١) وهذا مذهب البصريين من المعتزلة؛ قال القاضي عبد الجبار في «شرح الأصول
الخمسة)) ( ص ٧٩٠): ( وفي التوبة هل تسقط العقوبة كلام :
فالذي عليه البغداديون من أصحابنا : أنها لا تأثيرَ لها في إسقاط العقاب ، وإنما الله
يتفضَّلُ بإسقاطه عند التوبة .
وأما عندنا : فإنها هي التي تسقط العقوبة لا غير ) .
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص١٢٠)، و((الملل والنحل)) (٣٧/١)، واليمان بن=
oo

وقال آخرونَ من الخوارج : التوبةُ : الندمُ على الذنب ، والعزمُ على
ترك العود إليه ، مع اعتقاد التائب أن توبتَهُ مقبولةٌ ، وزعموا أنه إذا تاب
لزمَهُ أن يعلم أنه قد أتى بما وجب عليه .
وقال أبو هاشم : من شرط التوبة : قدرةُ التائب على العود إلى مثله ،
ومن شرطها أيضاً : أن تقارنَها التوبةُ عن كلِّ ذنب سوى الذنب الذي
تابَ منه(١)
[ اختلافُهم في قبولِ التوبةٍ ]
واختلفوا في قبول التوبة :
فقال أصحابنا : قَبولُها فضلٌ من الله عزَّ وجلَّ ، وليس بواجبٍ من طريق
العقل، وإنما قلنا بقَبولِها خبراً (٢)، كما أن الظالمَ منَّا لغيره في الشاهد إذا
تابَ، واعتذر إليه ، ونِدِمَ على ذنبهِ ، وعزمَ ألا يعودَ إلى مثله .. فإن شاء
المجنيُّ عليه عفا عن ذنبه ، وقبل توبتَهُ وعذرَهُ ، وإن شاء جازاه على ذنبه
بقصاصٍ أو غُرْمٍ أو تأديب ، على حسَبِ ما أوجبَهُ الشرعُ(٣)
الرباب : إياضيٍّ من متكلمي الخوارج ومؤلفي كتبهم ، كان ثعلبياً ثم صار بيهسياً .
=
(١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٧٩٤).
(٢) وذاك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَّةَ عَنْ عِبَادِهِ ﴾ [التوبة: ١٠٤]،
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِى يَقْبَلُ النَّوَةَ عَنْ عِبَادِهِ، وَيَعْفُواْ عَنِ السِّّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا نَفْعَلُونَ﴾
[الشورى : ٢٥] .
(٣) وإليه ذهب البغداديون من المعتزلة كما سبق نقله تعليقاً قريباً .
٤٥ ٧٢boo0
00000

O
OrA YO
وحُكيَ عن سعيد بن المسيب : أن من ترك صلاةً لم يقضها أبداً ، وعليه
القضاء(١)
فعلى هذا القول : لا تصحُ التوبةُ من تارك الصلاة .
ورُويَ عنه أنه قال : يلزمُهُ قضاءُ ألف صلاةٍ(٢)
وأنه قال فيمن أفطرَ في يوم شهرِ رمضانَ عامداً بلا عذر : إنه يقضي صومَ
شهرٍ كاملٍ ، ولا توبةَ عليه دون ذلك (٣)
وقال آخرون : تصحُّ التوبةُ عن الذنوب التي بين الإنسان وبين ربِّهِ عزَّ
وجلَّ ، فأما مظالمُ العباد فلا تصحُ التوبةُ منها دون إرضاء الخصوم .
وقال أصحابُنا : يجوزُ أن يرضيَ اللهُ عزَّ وجلَّ عن الإنسان خصومَهُ في
DO
(١) قوله: ( لم يقضها أبداً) ؛ يعني : لم يتدارك ما فاته من أجرها ، وهو كالحديث الذي
رواه أبو داود (٢٣٩٦)، والترمذي ( ٧٢٣) عن سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( من أفطر يوماً من رمضان في غير رخصة رخصها الله
له . . لم يقضِ عنه صيام الدهر » .
000
وقال الإمام ابن عطاء في ((حكمه)) كما في (( شرحها)) لابن عباد ( ص ٧٧٩) :
( حقوقٌ في الأوقات يمكن قضاؤها ، وحقوق الأوقات لا يمكن قضاؤها ؛ إذ ما من
وقت يرد إلا ولله عليك فيه حق جديد ، وأمر أكيد ، فكيف تقضي فيه حق غيره وأنت لم
تقضٍ حقَّ الله فيه ؟! ) .
ولم يخالف في وجوب قضاء الصلاة المتروكة إلا النظَّامُ ، فخرق الإجماع ، وأفتى بعدم
جواز قضائها، كما نبَّةَ على ذلك الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق)) ( ص١٤٦).
(٢) نقل الإمام المصنف في (( الفرق بين الفرق)» ( ص١٤٦) عن سعيد بن المسيب أنه
قال : ( من ترك صلاة مفروضة حتى فات وقتها .. قضى ألف صلاة ).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (٩٨٧٤)، ونقل البخاري تعليقاً قبل الرقم
(١٩٣٥) عن سعيد بن المسيب أنه قال فيمن أفطر يوماً من رمضان من غير عذر
ولا مرض : ( يقضي يوماً مكانه ) .
LON
00000 VY 0 00000
٥

o
الآخرة ، فيكونُ ذلك توبةً لهم من هذا الوجه(١)
٥
وزعم قومٌ: ( أن القاتلَ للمؤمن متعمِّداً لا توبةً له ) ، وهذا قولُ
المَسْمَعيِّ وجماعةٍ من أصحاب الحسن من البكرية ؛ منهم : عبد الله بن
عيسى البكريُّ، وأبو عبيد محمَّدُ بن سهل البصريُّ(٢).
[ اختلافُهم في التوبةِ مِنَ الذنبِ الذي عجزَ عنهُ التائبُ ]
واختلفوا في التوبة من الذنب الذي قد عجزَ عن مثله التائبُ :
فقال الذَّمِّيَّةُ من القدريَّة : إنها غيرُ صحيحة(٣)
(١) ويشهد لههذا الخبرُ المشهور الذي رواه البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦) من
حديث سيدنا أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
((كان في بني إسرائيل رجلٌ قتل تسعة وتسعينَ إنساناً ، ثمَّ خرج يسأل ، فأتى راهباً
فسأله ، فقال له : هل من توبة ؟ قال : لا ، فقتله ، فجعل يسأل ، فقال له رجل : اثْتِ
قرية كذا وكذا ، فأدركه الموت ، فنَاءَ بصدره نحوّها ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة
وملائكة العذاب ، فأوحى الله إلى هذه : أن تقربي ، وأوحى الله إلى ههذه : أن
تباعدي ، وقال : قيسوا ما بينهما، فوُجِدَ إلى هذه أقربَ بشبر، فغُفِر له ».
فإذاً؛ مطالبةُ العبد بحقوق العباد عليه .. لا بدَّ منها، ثم الإرضاءُ من قِبَلِهِ سبحانه فضلٌ
منه وكرم .
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٨٦)، وأما ما روي عن سيدنا ابن عباس رضي الله
عنهما وغيره من السلف من أنه قال : ( لا توبة للقاتل ) .. فهو محمول على الزجر ؛
قال الواحدي في ((التفسير البسيط)) (٣٨/٧): (لأن الأولى لأهل الفتوى سلوكُ
سبيل التغليظ ، سيما في القتل ) .
(٣) ذكر قاضي المعتزلة عبد الجبار الهمذاني في (( شرح الأصول الخمسة)) (ص ٧٩٤)
ما يشعر بخلاف ذلك ؛ إذْ قال بصحة توبة المحجوب عن الزنى إن هو ندم وعزم على
عدم العودة .
00000 VY 1 00000

وعلى هذا القول : إذا كذبَ أو زنى أو سرقَ ، ثمَّ قُطْعَ لسانُهُ وِيدُهُ
وفرجُهُ ، فلم يمكنْهُ العودُ إلى مثل ذنبه .. لم تصحَّ توبتُهُ منه .
وقال الباقونَ من فِرَق الأمَّةِ : تصحُ توبتُهُ ، وإن لم يَقْدِر على ارتكاب
مثل ذنبه الذي تاب منه .
وهذا صحيحٌ واضحٌ ؛ لأن العادِمَ لآلةِ المعصيةِ لو اعتقدَ أنه لو كانت له
آلتُها لعصى وأذنب .. صار عاصياً في الحال ، فكذلك إذا عُدِمَ منه آلةُ
المعصية ، وعزمَ على أنه لو حصلت له تلك الآلةُ أطاع بها ربَّهُ ، ولم
يستعملها في المعصية .. صحّت توبتُهُ ، كما بينَّه .
[ اختلافُهم في التوبةِ مِنْ بعضِ الذنوبِ دونَ بعضٍ ]
واختلفوا في التوبة عن بعض الذنوب ، مع الإصرار على ذنب آخرَ دون
الشرك :
0000
فقال جمهورُ الأمَّة : بصحَتها عمَّا تاب عنه .
X
وقال الذَّمِّيَّةُ من القدريَّة ؛ أصحابُ أبي هاشم : إن التوبةَ لا تصحُ عن
قبيحِ مع الإقامة على قبيح آخرَ يعلمُهُ قبيحاً أو يعتقدُهُ قبيحاً ، وإن كان
حسناً(١) .
وعوَّلوا في ذلك : على أن من قتلَ ابناً لغيره ، وزنى بحريمِهِ .. لم
(١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٧٩٤)، وقد خالفهم في ذلك أبو علي الجبائي ،
واستدل عليهم : بأن اشتراطهم التوبة من جميع الذنوب لقبولها .. خرق لإجماع الأمة .
انظر المصدر نفسه ( ص ٧٩٧ ) .

يَحسُنْ منه قَبولُ توبته من بعض هذه الأشياءِ ، مع الإصرارِ منه على الباقي
منها .
وهذه دعوى منهم على الشاهدِ، وخلافُهُ هو المعقولُ في الشاهدٍ ؛ لأن
من أذنبَ إلى غيره ذنباً عظيماً ، ثمَّ ترك سَقْيَ حمارِهِ ، أو كسرَ له قلماً ..
صحَّ منه اعتذارُهُ إليه عن الذنب العظيمِ دون الصغيرِ .
وعند هؤلاء الذَّمِّيَّةِ : لا تصحُّ التوبةُ من العظائم مع الإصرارِ على منع حبّة
ممَّا وجبَ عليه! وكذلك من عقَّ أباهُ وسرق مالَهُ، ثمَّ اعتذر إليه من العقوق ..
حَسُنَ من الأب قَبولُ توبته من عقوقِهِ ، وإن لم يردَّ عليه مالَهُ الذي سَرَقَ .
واستدلَّتِ الذَّمِّيَّةُ أيضاً بأن قالت : إنما وجبَ عليه أن يتركَ القبيحَ
لقبحه ، فإذا أصرّ على قبيح آخرَ لم يكن تاركاً له لقبحه(١)
فيقالُ له : أما عندنا : فإنما وجب عليه التوبةُ من كلِّ ذنب لأن الله عزَّ وجلَّ
أمرَهُ بالتوبة عن كلِّ واحد من ذنوبه، ولا نقول : إنه يلزمُهُ ذلك لقبح الذنب(٢).
00
وأما عند أصحابكم المخالفينَ لكم في هذه المسألةِ : فإنما يلزمُهُ التوبةُ
من كلِّ ذنبٍ لإزالة عقابِهِ عن نفسه ، فإن تاب عن بعض الذنوب سقطت عنه
عقوبةُ ما تابَ عنه ، وإن لم تسقطَ عقوبةُ ما لم يتبْ عنه .
ويقالُ لهم : أكثرُ ما في هذا الباب : أن يكونَ التائبُ عن بعض ذنوبه
مناقِضاً اعتلالَهُ للتوبة عن بعض ذنوبه ، فلِمَ لا تصحُّ مع ذلك توبتُهُ ؟! كما أن
الخارجيَّ وغيرَهُ ممَّن يعتقدُ اعتقاداً فاسداً وعندَهُ أنها حسنةٌ يصحُّ منه عندكم
(١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص٧٩١).
(٢) كذا بين السطور في (أ)، وفي ( ب، ج) وأصل (أ): (الذم) بدل ( الذنب ).
VA 00000

التوبةُ عن أشياءَ قبيحةٍ ، مع إصراره على قبائحَ يعتقدُها حسنةً ؛ فكذلك توبةٌ
من تاب عن ذنبٍ وأصرَّ على غيره لشهوةٍ له .. صحيحةٌ .
ويُسألونَ عن يهوديّ أسلم وتاب عن جميع القبائح ، غيرَ أنه أصرّ على
منع حبّةِ فضةٍ من مستحقُّها عليه غيرَ مستحلٌّ ولا جاحدٍ ، بل هو مع ذلك
خائفٌ وَجِلٌ ؛ هل صحَّت توبتُهُ من الكفر ؟(١)
فإن قالوا : نعم .. نقضوا اعتلالَهم.
وإن قالوا : لا ؛ وهو قولهم .. لزمَهم : أن يكونَ باقياً على كفره ، وأن
يكونَ عقابُهُ في الآخرة عقابَ الكافرينَ .
000
وهذا الذي كفَّرهم فيه الباقونَ من أصحابهم وسائرَ الأَمَّة ؛ لأنه يلزمُهم
فيه : أن يكونَ كافراً باليهوديّة التي قد تاب منها ، ومع ذلك فإنه غيرُ يهوديٍّ
في الحكم ؛ لأنه لا تُقُبَلُ منه الجزيةُ بعد ذلك، ولا تحِلُّ ذبيحتُهُ(٢)، فهو
باقٍ على كفره الأوَّل من اليهوديّة ، وغيرُ يهوديٍّ على الحقيقة ، ولذلك
كفَّرَتهم الأمَّةُ في ذلك ، مع ظهورِ مناقضتِهم في لفظ المسألةِ ومعناها ، والله
علم .
C
(١) وهذا إيراد أبي علي الجبائي عليهم. انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٧٩٧).
OLY
(٢) وإنما لا تؤخذ الجزية ولا تحل الذبيحة منه لأنه خرج من اليهودية ولم يدخل في
الإسلام ، وعبارة الإمام أبي المظفر في (( التبصير في أصول الدين)) ( ص٨٧ ): ( لم
تصح توبته عن اليهودية ، وهذا يوجب أن يؤخذ منه الجزية بعدما أسلم ، وألا تحلَّ
ذبيحته ولا مناكحته إذا أسلم عن مجوسيته مع هذه الحالة ، فههذا خلاف الإجماع ) ،
وانظر ((الفرق بين الفرق)) ( ص ١٩١).
و
(10حرة

varratosarà
O
D
0000

Arra
(٠)
ذكر ما ورد من أسماء الله عز وجل
مفتّ بحرف الجيم
G
YOY
000000
00
٢
٧٣١

00000
000000
HATOrArray
ـحـ
C

ذكر ما ورد من أسماءالله عز وجل
مشتّ بحرف الجيم
قد ورد من أسمائه المفتتحةِ بحرف الجيم في الكتاب والسنَّةِ خمسةُ
أسماءٍ ؛ وهي : الجامعُ، والجليلُ ، والجبَّارُ ، والجميلُ ، والجوادُ .
فالجبّارُ: مذكورٌ في القرآن والسنَّة ، والجليلُ والجميلُ والجامعُ
والجوادُ : [مذكورةٌ] في السنَّة (١)
oor
000
000
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( مذكور) .
00000,٣٣ 00000

ه
ذكر معنى (الجامع)
قال اللهُ تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اَللَّهُ الرُّسُلَ﴾ [المائدة: ١٠٩]، وقال: ﴿يَوْمَ
يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمَعِ﴾ [التغابن: ٩] (١) ، وكلُّ هذا مأخوذٌ من الجمع .
واختلفوا في تأويل قوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَحِْعُوْ أَفَّكُمْ وَشُرَّكَآَ كُمْ﴾ [يونس: ٧١]:
فقال قومٌ: هو من قوله : ( أجمعَ أمرَهُ) ، فـ ( أجمعَ عليه) و( عزَم
عليه ) بمعنىّ واحد .
وقال أبو الهيثم الرازيُّ: ( يقال : أجمع أمرَهُ؛ إذا جعلَهُ جميعاً بعد أن
كان متفرّقاً )(٢)
ونُصِبَ قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ على معنيينِ :
أحدُهما : على إضمارِ فعلٍ ؛ أي: وادعوا شركاءَكم(٣)
(١) وقال تعالى: ﴿رَبَّنَآَ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ اَلْمِعَادَ﴾
[آل عمران: ٩]، وقال سبحانه: ﴿أَيَخَسَبُ الْإِنِسَنُ أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣]، وقال
عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَفِقِينَ وَاَلْكَفِينَ فِى جَهَنَّمَ بَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقال:
﴿ قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ [سبأ: ٢٦]، وقال: ﴿الله يجمع بيننا وإليه
المصير﴾ [الشورى : ١٥].
(٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٥٤/١).
(٣) وإليه ذهب الفراء كما في ((معاني القرآن)) (٤٧٣/١)، وغلَّطه الزجاج في ((معاني
القرآن)) (٢٧/٣) فقال: (زعم الفرّاء أن معناه: فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ،
وهذا غلطٌ ؛ لأن الكلامَ لا فائدةً فيه؛ لأنهم إن كانوا يدعون شركاءَهم لأنْ يُجمِعوا=
٧٣٤٨٧٥

والثاني : على أن تكونَ ( الواو) بمعنى (مع ) ؛ أي: أجمِعُوا مع
شركائكم على أمركم (١)
وقولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿ وَنُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ [الشورى: ٧] ؛ يعني : يومَ القيامة؛
لاجتماع الخلائق فيه (٢).
ومنه قولُهُ: ﴿وَإِذَا كَانُواْ مَعَمُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ﴾ [النور: ٦٢]؛ أي: ما جمعَهم
عليه شريعةُ الإسلام؛ من جُمُعةٍ وغيرها (٣)
وفي الحديث: (( أوتيتُ جوامعَ الكَلِمِ )) (٤) ؛ يعني : القرآنَ ؛ لأنه جمعَ
الكثيرَ من المعاني في الكلمة الوجيزةٍ منه .
وفي الحديث في صفة النبيِّ صلى الله عليه وسلم : ( أنه كان يتكلّمُ بجوامع
الكَلِم )(٥) ؛ أي : كان يجمعُ الكثيرَ من المعاني في القليل من لفظه.
أمرَهم ، فالمعنى: فأجمعوا أمركم مع شركائكم ؛ كما تقول : لو تُرِكتِ الناقةُ وفصيلَها
=
الرضعها ؛ المعنى : لو تركت مع فصيلها لرضعها ) .
(١) قرأ العامة بنصب (وشركاءًكم)، وقرأ الحسن والسلمي وعيسى بن عمر وابن
أبي إسحاق وسلام ويعقوب: ( وشركاؤكم) بالرفع. انظر (( الدر المصون ))
(٦ /٢٤٠، ٢٤٣) .
(٢) قاله السدي والزجاج وغيرهما. انظر ((تفسير الطبري)) (٥٠٣/٢١)، و((معاني
القرآن)) للزجاج (٣٩٤/٤).
(٣) قاله مجاهد ومكحول وغيرهما. انظر ((تفسير الطبري)) (٥٠٣/٢١)، و((الدر
المنثور)) (٢٢٩/٦) .
(٤) رواه البخاري (٢٩٧٧) بنحوه ، ومسلم (٥٢٣/٧) من حديث سيدنا أبي هريرة
رضي الله عنه .
(٥) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (١٥٥/٢٢) من حديث سيدنا هند بن أبي هالة
رضي الله عنه .
و
XLTO
00000 ٥ ٧٣
10

وقال عمرُ بن عبد العزيز رحمهُ الله عليه : ( عجبتُ لمن لاحنَ الناسَ ،
كيف لا يعرفُ جوامعَ الكلم ؟!)(١) ؛ أي : كيف لا يقتصرُ على الوجيز
ويتركَ الفضولَ ؟!
وفي الحديث : (( مِنْ بهيمةٍ جمعاءً))(٢)؛ أراد: السليمةَ من العيوب؛
سمِّيت بذلك : لاجتماع سلامة أعضائها لها .
وفي حديث الشهداء؛ ومنهم: ((أنْ تموتَ المرأةُ بجُمْعٍ))(٣) ؛ وهو أن
تموتَ وفي بطنها ولدٌ .
وقيل : هي التي لم يمسَّها الرجلُ، ومنه الحديثُ الآخر (( أيَّما امرأةٍ
ماتَتْ بجُمع لم تُطمَثْ دخلَتِ الجنَّةَ)) (٤)
ورُويَ أن امرأةَ العجَّاج قالت : ( إني منه بجُمْع ) ؛ أي : عذراءُ ،
وذلك راجعٌ إلى اجتماع بكارتها ، وأنها لم تُقْتضَّ (٥)
(١) رواه بنحوه ابن وهب في ((الجامع في الحديث)) (ص ٥١٧)، وأورده ابن سلام في
((غريب الحديث)) (٢/ ٤٢) وقال: (رجل لَحِنٌ: إذا كان فطناً) ، ومعنى: ( لاحن
الناس ) فاطنَهم وجادلهم. انظر (( النهاية في غريب الحديث)) (٢٤١/٤) .
(٢) رواه أبو داود (٤٧١٤ ) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه .
(٣) رواه أبو دواد (٣١١١)، والنسائي (١٨٤٦)، وابن ماجه ( ٢٨٠٣) من حديث
سيدنا جابر بن عتيك رضي الله عنه، ولفظه بتمامه عند أبي داود: (( الشهادة سبع سوى
القتل في سبيل الله: المطعونُ شهيد ، والغَرِقُ شهيد ، وصاحبُ ذات الجَنْبِ شهيد ،
والمبطونُ شهيد ، وصاحبُ الحريق شهيد ، والذي يموت تحت الهدم شهيد ، والمرأةُ
تموت بجُمْعٍ شهيد))، والجُمْع : بمعنى المجموع؛ كالذُّخر بمعنى المذخور . انظر
(( النهاية في غريب الحديث)) ( ٢٩٦/١)
(٤) أورده ابن سلام في ((غريب الحديث)) (١٣٥/٣).
(٥) انظر (( الألفاظ)) لابن السكيت (ص٢٣٦)، و((النهاية في غريب الحديث)) (٢٩٦/١).

وفي الحديث أيضاً: ((بع الجَمْعَ بالدراهمِ، وابتعْ بها جَنيباً))(١)
قال الأصمعيُّ : ( كلُّ لونٍ من النخيل لا يُعرَف اسمُهُ: جَمْعٌ ) ؛ يقال :
كَثُرَ الجمعُ في أرض بني فلانٍ(٢)
وفي حديث ابن عباس : ( بعثني النبيُّ صلى الله عليه وسلم في الثَّقَلِ من
جَمْع بليل )(٣) ؛ يعني : من المزدلفة ؛ لاجتماع الناس فيها ليلةَ النحر ،
ولأنه يُجمَعُ فيها بين المغرب والعشاء الآخرة .
وفي الحديث : ( كانَ في جبلِ تِهامةَ جُمَّاعٌ غصبوا المارَّةَ)(٤)؛
والجُمَّاعُ : الجماعاتُ من قبائلَ شتَّى متفرّقةٍ (٥)، وإذا كانوا مجتمعينَ قيل
لهم : جَمْعٌ ؛ قال الشاعر (٦):
[من السريع]
مِنْ بِينٍ جَمعٍ غيرِ جُمَّاعِ
وفي حديث الحسن(٧): ( اتقوا هذه الأهواءَ، فإن جِمَاعَها
00000
(١) رواه البخاري (٢٢٠١)، ومسلم ( ١٥٩٣) من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله
عنه ، والجنيب : بوازن عظيم ؛ نوع جيد من أنواع التمر ، وقيل : هو الصلب منه .
(٢)
يقال ذلك: لنخل يخرج من النوى. انظر ((تهذيب اللغة)) (١ /٢٥٥).
(٣) رواه البخاري (١٨٥٦)، ومسلم ( ١٢٩٣).
أورده ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٢٧٨/١)، وابن قتيبة فى «غريب الحديث»
(٤)
(٧٥٨/٣ ) .
(٥) انظر ((الغريبين)) (٣٦٧/١).
(٦) البيت لأبي قيس صيفي بن الأسلت ، وصدره :
حتى تجلَّتْ ولنا غايةٌ
انظر (( ديوانه)) ( ص ٨٠) .
(٧) كذا في هامش (أ)، وفي أصلها : ( وفي الحديث )، وفي ( ب، ج) زيادة :
( الحسن ) ، وإنما المراد أنه من كلام الحسن البصري رحمه الله تعالى .
CHONE

الضلالةُ)(١)، والجِمَاعُ ها هنا: بمعنى الجميعِ (٢)
وفي الحديث أيضاً : ( كان إذا مشى مشى مُجْتمِعاً)(٣) ؛ أي: مشى
مشياً سريعاً متتابعَ الحركات ، غيرَ متراخي الحركات .
وإذا صحَّ ما ذكرناه في معنى ( الجمع ) .. فوَصْفُ الله عزَّ وجلَّ بأنه
( الجامعُ ) : يَحتمِلُ معانيَ (٤):
أحدُها : اجتماعُ أوصافِ المدحِ له ، مع نفي النقائص عنه(٥) ،
وأوصافُ المدح هي : البقاءُ، والحياةُ، والقدرةُ، والعلمُ، والإرادةُ ،
والكلامُ، والسمعُ، والبصرُ(٦)
٢٨٠٨
(١) أورده الخليل في ((العين)) (١/ ٢٤٠)، وعزاه إلى الحسن البصري رحمه الله تعالى ،
وتمامه : (ومعادها إلى النار ) .
(٢) انظر ((تهذيب اللغة)) (٢٥٦/١)، و((النهاية في غريب الحديث)) (٢٩٥/١)،
والمعنى : أنها مجمعٌ للضلال ومظنة لوجوده .
(٣) رواه أحمد في ((مسنده)) (٣٢٨/١) من حديث سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله
عنهما .
(٤) قال الإمام ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (٣٤٤/٢): ( اعلموا
وفقكم الله : أن الأمة أجمعت على أن البارئ جامعٌ ، ولكن لم يوفِّ هذا الاسم حقَّهُ
إلا جماعةُ السنة ، فإنهم قالوا : إن البارىَّ هو الجامعُ وحدَهُ على الإطلاق ولكلّ
مُجْتَمِعٍ ، وقالت المبتدعة : ليس جامعاً على الإطلاق إلا لجمع الروح والجسد ، وسائر
ذلك يفعله الخلق دونه أو معه ، وقد مهَّدنا : أن الله هو الخالق وحدَهُ ، فلا جمع
ولا تفريقّ إلا من الله ؛ هو جمعَ المخلوقاتِ في الخلق ، والناسَ في الموت ،
والمبعث ، والجنة والنار ، وهو مفرِّقُهم في الصفات والأحوال ، والمنازل
والأعمال ) .
فهو على هذا القول من أسماء المعاني الجوامع .
(٥)
(٦) لم يرتض العلامة ابن العربي هذا القول؛ حيث قال في ((الأمد الأقصى)) (٣٤٥/٢) : =

والمعنى الثاني : أنه الجامعُ للناس يومَ الجَمْعِ(١) ، وهو الجامعُ في ذلك
اليوم لِمَا تفرَّقَ قبلَهُ من أوصال الناس(٢)؛ قال اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَيَحْسَبُ آلْإِنسَنُ
أَلَّنْ تَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَى قَدِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّىَ بَنَانَهُ﴾ [القيامة: ٣ -٤].
وفي ذلك : إبطالُ قولٍ من أنكر البعثَ بعد الموت(٣)
وفيه : إبطالٌ لقولٍ من قال : إن البعثَ والإعادةَ إنما يكونُ للأرواح ،
دون الأجسادِ والأوصالِ (٤)
والمعنى الثالثُ : أنه الجامعُ بين أوليائه في البدء وفي العُقْبِى ، والجامعُ
بين أعدائه في البدء وفي العُقْبِى .
فأما في البدء : فقولُهُ: ((هؤلاءِ في الجنَّةِ ولا أبالِي، وهؤلاءِ فِي النَّارِ
ولا أبالِي))(٥)
( قال بعض علمائنا : معنى وصفنا له تعالى بأنه ((جامعٌ )) نعني به : جمع الفضائل
=
ووجوه الجلال ، وأنواع الشرف والكمال ، وهذا باطل من القول والتأويل ؛ لأن ذلك
كلَّهُ في البارئ موجودٌ ، وهو به موصوفٌ)، وما علَّلَ به رحمه الله لا يمنع من صحة
هذا المعنى ، وبهذا المعنى الذي أورده المصنف قال الإمام السنوسي في «الأسماء
الحسنئ )) ( ص٦١) .
(١) فهو من أسماء الأفعال، وبه قال حجة الإسلام الغزالي في ((المقصد الأسنى))
( ص٢٨٦) .
(٢) وبه قال الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص٩٢ ) .
(٣)
كالدهرية ، والملحدة ، والتناسخية ، والطبائعية .
قال الإمام المصنف في (( أصول الدين)) ( ص٢٣٥): (وأنكرت الحلوليُّ وأكثر
(٤)
النصارى إعادةً الأجساد، وزعموا : أن الثواب والعقاب إنما يكون للأرواح ) ، وهو
مذهب عامة الفلاسفة .
(٥) رواه أحمد في ((مسنده)) (١٨٦/٤) من حديث سيدنا عبد الرحمن بن قتادة السلمي=
٧٣٩٠٠٥٥٠٠ ٢٠١٠٠٠٥٠