Indexed OCR Text
Pages 621-640
سامعاً للمسموع ورائياً للمرئيِّ من غير حصول معنىّ هو سَمْعٌ أو بصرٌ فيه(١). وقال أصحابُنا مع أكثر المعتزلةِ : بإثبات الرؤية والسمع معنيَينِ قائمّينِ بالسامع المبصِرِ منَّا(٢). وإنما خالفَنا الأوائلُ من معتزلة البصريينَ في إثبات السمع والبصر لله عزَّ وجلَّ، ووافقونا في إثباتهما للسامع المبصِر منَّا(٣) [ دليلُ إثباتٍ صفتي السمع والبصرِ معنيَينِ زائدَينٍ على الذاتِ ] ودليلنا على الذَّمِّيّة منهم : أنَّا نجد الحيَّ منَّا يدرك المسموعَ والمرئيَّ في حالٍ ، وقد يوجدان في حالةٍ أخرى وهو لا يدركُهما ، مع كونه حيّاً في الحالتّينِ . 000000 00 وعلمنا : أنه في حال إدراكِهِ لهما لم يكن إدراكُهُ لهما لحدوثٍ نفسه ؛ 00 (١) قال قاضي المعتزلة عبد الجبار في ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٦٨): ( اعلم : أن هذه مسألة خلاف بين الناس : فعند شيوخنا البصريين : أن الله سميع بصير مدرك للمدركات ، وأن كونه مدركاً صفةٌ زائدة على كونه حياً . وأما عند مشايخنا البغداديين : هو أنه تعالى مُدرِكٌ للمدرَكات ؛ على معنى: أنه عالمٌ بها ، وليس له بكونه مدركاً صفةٌ زائدة على كونه حيّاً ، فعند هذا لا بد من بيان أن المدرك لها بكونه مدركاً صفةٌ ، وأن هذه الصفة إنما يستحقها الواحد منا لكونه حياً ، بشرط صحة الحاسة وارتفاع الموانع)، وفي كلامه فائدة تسمية الأحوال صفاتٍ عندهم . وهو قول أكثر البصريين كما تقدم في النقل عن القاضي عبد الجبار . (٢) (٣) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص١٦٨ - ١٦٩). 00000 ٠ ٦٢ 00000 لأن نفسَهُ لم تحدث في تلك الحالة ، ولا لبطلان نفسه فيها ؛ لوجود نفسه في حال الإدراك وبعدَها (١) ، فبانَ: أنه إنما أدركَهما لمعنىّ حدث فيه ، وسمَّينا ذلك المعنى: إدراكاً ، وفسرناه : بالسمع إن أدرك المسموعَ ، وبالرؤية إن أدرك المرئيَّ، ولولا حدوثُ هُذَينِ المعنيَينِ فيه لم يكن إدراكُهُ بالمسموع مسموعاً ، والمرئيِّ مرئيّاً في حال إدراكِهِ لهما .. أولى من ألا یدر کهما . ٥ ولأنَّا نثبتُ الحيَّ منَّا وننفي عنه الإدراكَ، ولا نجوِّزُ أن يكونَ نفيُنا لإدراكه نفياً لعينه ولا لحياته ؛ لوجودنا له حيّاً في حال نفينا عنه الإدراكَ(٢)، فوجب أن يكون ذلك نفياً لمعنىَّ سواه ؛ وهو الإدرادُ . ـالــ فأما قولُهُ : (إن معنى السميع البصيرِ : أنه حيٌّ ليست به آفةٌ تمنعُهُ من إدراك المسموع والمرئيِّ إذا وُجِدًا)(٣) .. يقتضي إثباتَ الإدراك معنىً؛ لأن المنعَ يقتضي ممنوعاً، فإذا كان الصَّممُ مانعاً من إدراك المسموع ، وكان العمى مانعاً من إدراك المرئيِّ .. وجب أن يكونَ إدراكُهما معنیّ سوى ذاتِ المُدرِك ؛ لأن الممنوعَ بهما ليس هو ذاتَ المُدرِك ؛ لوجود ذاته في حالٍ وجود الصَّممِ والعمى، وفي ذلك دليلٌ : على أن الممنوعَ بوجود الصَّممِ والعمى معنيان ؛ هما إدراكانِ المسموع والمرئيِّ، وأنهما غيرُ ذاتِهِ . فإن قالوا : العمى والصَّممُ مانعانٍ له عن أن يكونَ مُدرِكاً . فالتعليلُ بالذات والصفات النفسية في إثباتهما .. باطلٌ . (١) (٢) قوله : ( لوجودنا له ) يعني : لوجودنا إياه . (٣) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١٦٨). قيل : ما معنى منعِهما عن كونه مُدرِكاً ؟ هل هو مَنْعٌ عن نفسه ، أو عن معنىَّ سواه ؟ ولا يجوز أن يكونَ مَنْعاً عن نفسه ، فوجب أن يكون المنعُ إنما وقع عن معنىّ سواه ؛ وهو الإدراكُ؛ إذ لا يجوزُ أن يكونَ المنعُ منعاً لا عن شيء . واستدلَّتِ الذَّمِّيَّةُ على نفي الإدراكات بأن قالت : لو كان الإدراكُ معنى لم يخلُ : من أن يكونَ من فعل الله عزَّ وجلَّ في المُدرِك منَّا ، أو من فعلنا . فإن كان من فعل الله عزَّ وجلَّ: صحَّ منه تركُهُ له في الحيِّ الذي لا آفةً به ، فيُوجَدُ حِيٌّ لا آفةَ فيه ، ولا يكونُ مع ذلك مُدرِكاً للمرئيِّ والمسموعِ مع وجودهما بحضرته بالقرب منه . وإن كان من فعلِ الإنسان : لم يخلُ من أن يكونَ : مباشِراً ، أو متولِّداً . فإن كان مباشِراً : جاز ألا يفعلَهُ مع كونه حيّاً لا آفةً به ، ولا يكونُ مُدركاً . 0 وإن كان متولِّداً : جاز ألا يفعلَ سبيَهُ الذي تولَّد منه، فيصيرُ حيّاً لا آفةً به ، ولا يكونُ مُدرِكاً . وزعموا : أن ذلك ممتنعٌ على جري العادة ، وقالوا : لو جاز وجودُ حيٍّ لا آفةً به تمنعُهُ من إدراك المسموع والمرئيِّ ، ولا يكونُ مُدرِكاً لهما مع حضورهما بالقرب منه .. لم يمتنع أن يكونَ بحضرتنا أجسامٌ كثيفة في عِظَم الفِيَلَةِ ، وأصواتٌ هائلةٌ أعظم من صوت الرعد ، ولا نُدرِكَ شيئاً من ذلك ، مع انتفاء الصَّمم والعمى عنَّا ، وذلك معلومٌ استحالتُهُ . فيقالُ لهم : أما الإدراكُ عندنا : فهو من فعل الله عزَّ وجلَّ في الحيِّ الذي ٦٢٢ 00 ج انتفت عنه الآفةُ المانعةُ من الإدراك، وإنما لم يَجُز ألا يفعلُهُ في الحيِّ مع انتفاء الآفات عنه .. لاستحالة خلوِّ الحيِّ عن الإدراك وضدِّه(١) وهذا كما نقولُ نحن وأنتم جميعاً : إن الكونَ الأوَّلَ في الجسم من فِعل الله عزَّ وجلَّ(٢) ، ومع ذلك فلا يجوزُ أن يَخلقَ جسماً ولا يَخلقَ فيه کوناً(٣) وليس لقائل أن يقولَ : لو كان الكون الأوَّلُ من فِعل الله عزَّ وجلَّ .. جاز ألا يفعلَهُ في الجسم مع وجود الجسم ، بل لا بدَّ من فعله فيه ؛ لاستحالة وجود الجسم عارياً من الأكوان (٤) ـون كذلك لمَّا استحالَ عندنا وجودٌ في حالٍ من الإدراك وضدِّهِ .. استحالَ ألا يفعلَ الله الإدراكَ في الحيِّ الذي ليس فيه ضدُّ الإدراك ، ومتى لم يفعل فيه إدراكاً .. وجب أن يكونَ قد فعل فيه ضدَّهُ . وأما تجويزُ أجسام كثيفة وفِيَلَةٍ عظام بحضرتنا من غير رؤيتنا لها .. فالذي آمنا منه : رؤيتنا للهواء في الأمكنة التي بحضرتنا ، فلو كانت فيها أجسامٌ كثيفةٌ .. لَمَا رأينا فيها الهواءَ ؛ لأن الهواءَ مع جسمٍ آخرَ لا يجتمعان في مكان واحد . 5 (١) إذ قبولُ صفات الإدراك أو عدمُها في الحيُّ .. صفة نفسية له؛ كقبول الجسم الأعراضَ وأضدادَها مع استحالة الانفكاك عنها ؛ إذ ذاك القبول صفة نفسية له أيضاً . (٢) باتفاقٍ ، فلا مباشرة ، ولا تولد . (٣) لأن الأكوان أعراضٌ لا ينفك عنها حادث. انظر (( المسائل في الخلاف بين البصريين والبغداديين)) ( ص٦٢)، و((شرح الأصول الخمسة)) (ص٩٦). (٤) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص١١١). CON 00000 ٦٢٣ 00000 على أنه ليس كلُّ ما جاز كونُهُ وجبَ الشُّ في كونه ؛ ألا ترى أنه جائزٌ ممكنٌ أن يكونَ الناسُ الغائبون عنَّا في البلدان النائيةِ قد ماتوا كلُّهم في هذه الساعة، ولا يجوز أن نشُكَّ الآن في بقاء جماعة منهم وحياتِهم ؟! بل نعلمُ بالضرورة أن الحيواناتِ كلَّها لم تمتِ الآن وإن كانت غائبةً عنَّا ، وكان موتُها في وقت واحد جائزاً، ولكنَّا نعلمُ بالضرورة خلافَ ما يجوز على نقض العادة(١). وكذلك يجوزُ عندنا وعندَهم : تغيُّرُ الأشباه والأشخاص ، وأن يُلقَى شَبَهُ زيد على عمرو ، ثمَّ لا يلزمُنا أن نشكَّ فيمن رأيناه اليومَ ورأيناه أمسٍ فنقولَ : لعله غيرُ الذي رأينا أمسٍ، وقد خُلِقَ فيه صورةُ من رأيناه أمسٍ ، بل نعلمُ بالضرورة خلافَ ما أجزناه فيه بنقض العادة (٢) وكذلك جائزٌ على نقض العادة : حضورُ أجسام كثيفةٍ بحضرتنا ، وإن لم يَخلق الله عزَّ وجلَّ فينا رؤيتَها من غير عمىّ فينا ، بل يخلقُ فينا رؤيةَ غيرها من الأجسام والأعراض ، ولكنَّا نعلمُ بالضرورة الآن أنه لم يفعل ذلك ، وقضينا بعلم الضرورة على خلاف ما جاز نقضُ العادة به ، والله أعلم . (١) وهذه عبارة حريّةٌ بالعناية ، وهي مؤسسة على التفريق بين الجواز والوقوع؛ فليس كلُّ جائز واقعاً ، وعلى اعتبار الأسباب العادية ؛ فهي وإن لم تكن مؤثرة بذاتها إلا أن الشرع اعتبرها ، وبنى الخطاب الشرعي عليها ، ولم يعطّل صلتها مع مسبباتها إلا لحكمة ؛ كمعجزة وكرامة وفتنة ونحو ذلك ، فمن ظنَّ ارتباطها محضَ عبثٍ فهو صاحب هوس . (٢) فإن وقع لنا خبرٌ صادق من خالق كلِّ شيء أن مثل هذا قد وقع ، وأُلقِي شبهُ فلان على فلان .. آمنا وصدَّقنا من حيث عصمةُ الخبر ، لا عبئاً بالأسباب واستهزاءً بارتباطاتها مع مسبَّباتها ، وبهذا تعلم : أن أهل السنة قد وُقِّقوا في التعامل مع الأسباب والشروط العادية ، فلا هم عطَّلوها ، ولا هم ألَّهوها. 3 الفصل الثالث في بيان فاعل (البصر) و(الإدراك) اختلفَ المثبتونَ للإدراك بالسمع والبصرِ معنيين في أن له فاعلاً(١) : [ مذهبُ ثمامةَ بن الأشرسِ في فاعل الإدراكِ ] فقال قومٌ من القدريَّة: إنه فِعلٌ متولِّدٌ لا فاعلَ له أصلاً(٢)، وكذلك زعمَ الأفعالَ المتولِّدةَ كلَّها لا فاعلَ لها . وعلى هذا القول : يكون ذهابُ الحجرِ عند الدفع ، والسهمِ عند الرمي ، والإدراكُ عند فتح العين، والإصغاءُ بالآذان ، ونحو ذلك .. حوادثَ لا مُحدِثَ لها . وإلى هذا القول ذهب ثمامةُ بن أشرسَ النميريُّ ؛ وهو زعيمُ المعتزلة في أيام المأمون(٣)، وهو الذي قتلَهُ بنو خزاعةً بمكّةَ بين الصفا والمروة من أجل (١) قوله: (معنيين) منصوب على الحالية من السمع والبصر، والخلافُ جارٍ في الحوادث ، لا في القديم سبحانه كما لا يخفى . (٢) قوله : ( لا فاعل له أصلاً) صفة لازمة على مذهبهم ؛ لأن كل متولٍَّ لا فاعل له ، وإنما ذكر ذلك للبیان والتأكيد . (٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٠٧)، وهو من كبار تلامذة العلاف ، مات سنة (٢١٣ هـ)، وعبارة المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص١٧٢): (وكان زعيم = COOOD ٦٢ 0 06000 ATACTOVO O بدعتِهِ ، ومن أجل سعيِهِ في دم أبي أحمد الخزاعيِّ المَرْوَزيّ(١) وقال الباقون من مثبتي الإدراك : إنه حادثٌ له مُحدِثٌ أحدثَهُ ، واختلفوا في مُحدِثه : [ مذهبُ مَعْمٍ في فاعلِ الإدراكِ ] فقال معمرٌ : إنه فِعلٌ من الجسم المُدرِكِ ، وبناه على أصله في دعواه : أن الأعراضَ كلَّها من فعل الأجسام ، وأن الله عزَّ وجلَّ ما خلق حياةً ولا موتاً، ولا صحةً ولا سقماً ولا عافيةً ، ولا لوناً ولا طعماً ، ولا رائحةٌ ولا صوتاً ، ولا قدرةً ولا علماً ، ولا لذةً ولا ألماً ، ولا عرضاً من الأعراض . القدرية في زمان المأمون والمعتصم والواثق ، وقيل : إنه هو الذي أغوى المأمون بأن = دعاه إلى الاعتزال ) . (١) وعبارة المصنف في ((الفرق بين الفرق)) (ص١٧٥): ( وأما ثمامة : فإنه خرج إلى مكة ، فرآه الخزاعيون بين الصفا والمروة ، فنادى رجل منهم فقال : يا آل خزاعة ؛ هذا الذي سعى بصاحبكم أحمد بن نصر وسعى في دمه ، فاجتمع عليه بنو خزاعة بسيوفهم حتى قتلوه ، ثم أخرجوا جيفته من الحرم ، فأكلته السباع خارجاً من الحرم ) . فقوله : ( أبي أحمد) تصحيف وقع في جميع النسخ معاً، وإنما هو أبو عبد الله أحمد بن نصر الخزاعي، المتوفى سنة (٢٣١هـ). انظر (« البداية والنهاية)) (٣٠٣/١٠). وبالغَيْبة عن سنوات الوفاة نقلَ المصنفُ هذا الخبر عن ((تاريخ مرو)) وأثبته مقرّاً له ، وهو محالٌ ؛ إذ ثمامة توفي قبل الخزاعي بتسع عشرة سنة ، وقد نقل ابن الجوزي هذا الخبر بعينه في ((المنتظم)) ( ٢٥٥/١٠) عن الإمام المصنف وأَمَرَّهُ دون تنبيهٍ ، ولذلك قال الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (٣٩٩/٢) بعد إيراد هذه الحكاية: (وفيها تناقضٌ ؛ لأن قتل أحمد بن نصر تأخّر بعد ذلك بدهر طويل ؛ فإنه قتل في خلافة الواثق سنة بضع وعشرين ، وكيف يقتل قاتله سنة ثلاث عشرة ؟! والصواب : أنه مات سنة ثلاث عشرة ، ودلَّت هذه القصة على أن ابن الجوزي حاطب ليل ، لا ينقد ما يحدِّث به ) . 00000 7 1 00000 0000 قال : وما حدث من العرض في الأجسام فهي أفعالٌ للأجسام ؛ فاللونُ والطعمُ والرائحةُ وكلُّ فعلِ سوى الاختياريَّة .. من فِعلِ الأجسام بطباعِها(١) وأن الحيَّ فَعلَ الحياةَ لنفسه ، وكذلك القادرُ والسميعُ والبصيرُ فَعلَ القدرةَ والسمعَ والبصرَ لنفسه . وأن الحدوثَ عرضٌ من فعل المُحدَثِ ، وكذلك ذهابُ الحجر والسهم في الجوِّ فِعلٌ لهما بطباعهما . وإنما يفعل الحيُّ باختياره بعضَ ما يريده ؛ من قيام وقعودٍ وأكلٍ وشُربٍ ونحو ذلك ، فأما ما لم يكن من الأعراض بالاختيار .. فهو من فِعلِ الجسم باختياره(٢) 000 ونتيجةُ هذا القولِ : أن الله عزَّ وجلَّ ما أنعمَ على أحدٍ بحياةٍ ، ولا صحَّةٍ، ولا علمٍ ، ولا قدرةٍ ، ولا لذةٍ ، ولا سمع ، ولا بصرٍ . وزعم هذا القائلُ أيضاً : أن المتحرِّكَ إذا تحرَّكَ فإنما يتحرّكُ بمعنىّ هو الحركةُ ، وأن الحركةَ إنما صارت حركةً لمعنىٌ ، وذلك المعنى متعلَّقٌ بمعنىّ ، ثمَّ كذلك لا إلى نهاية . وكذلك قولُهُ في كلِّ عرضٍ وتعلُّقِهِ بعرضٍ آخرَ لا إلى نهاية ، فأجاز (١) وزعم أن الله سبحانه إنما يفعل التلوين والإحياء والإماتة ؛ لأنها ليست بأعراض عنده، والله تعالى عنده لا يفعل عرضاً، ولا يوصف بالقدرة على عرض . انظر (( مقالات الإسلاميين )) ( ص ٤٠٥ - ٤٠٦). (٢) كذا في جميع النسخ ، فليتأمل . 00000 VO00 LY.Y. حدوثَ معانٍ لا نهايةَ لها في وقتٍ واحدٍ في جسمٍ واحدٍ ، بل في جوهٍ واحدٍ . وهذا القائلُ من زعماء المعتزلةِ وشياطينهم الذين علموهم الضلالَ . وقد التحقَ في هذا القول بمن قال من الدهريَّة الأزليّة بحوادثَ لا أوَّلَ لها ، بل الأزليَّةُ أمثلُ قولاً منه ؛ لأنها أثبتَتْ حوادثَ لا أوَّل لها قد حدثَتْ شيئاً فشيئاً بعضُها قبلَ بعض ، ولم يجيزوا حدوثَ حوادثَ لا نهايةَ لها في مكانٍ واحدٍ ، وأجاز معمر بحكمته - وانتسب بزعمه إلى العدل والتوحيد - حدوثَ معانٍ لا نهايةَ لها ولا أوَّل لها في وقتٍ واحدٍ في محلٌّ واحدٍ ! هذا مع قوله : إن الأجسام محصورة في العدد ! ونتيجةُ هذا المذهب : أن أفعالَ الله محصورةٌ متناهيةٌ ، وأفعالَ الأجسام من الأعراض غيرُ محصورةٍ ولا متناهيةٍ ، وما وُجِدَ من مقدوراتِ الله عزَّ وجلَّ متناهيةٌ، وما وُجِدَ من مقدورات الأجسام غيرُ [متناهٍ](١)، وما وُجِدَ من أفعالها بالطبائع غيرُ متناهيةٍ ! فالأجسامُ إذاً على هذا المذهب أقدرُ من صانعها ، وأكملُ منه في الفاعليَّةِ ، وأكثرُ منه بدائعَ وأفعالاً ! تعالى الله عن هذا القول علوّاً كبيراً . [ مذهبُ النظَّامِ في فاعلِ الإدراكِ ] وقال آخرون من المعتزلة : لسنا نقولُ كما قال هؤلاء ، ولكنَّا نقولُ : إن الله عزَّ وجلَّ فعلَ الإدراكَ عند فتح الفاتح بصرَهُ ، مع ارتفاع الموانع ، واتصالِ الضياء بين الرائي والمرئيِّ ، ومحاذاةِ المرئيِّ للرائي وقربه منه .. (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( متناهية) . 00000 ٦٢٨ 00000 O بإيجاب خِلْقةِ الرائي ، وأنه هو الذي فعلَ ذهابَ الحجر عند دفع الدافع له بإيجاب خِلْقتِهِ ؛ لذهابه عند الدفع ، وكذلك القولُ في تصاعده إذا صَعِدَ ، وفي انحداره إذا انحدر ، وفي ذهاب السهم عند الإرسالِ ، وكذلك قالوا في جميع المتولِّدات . وهذا قولُ إبراهيمَ النظّام ومن تبعه من القدريَّةِ (١) وهؤلاء مصيبونَ في قولهم : إن الجسمَ لا يفعلُ في غيره فعلاً (٢) ، وفى قولهم : إن المتولِّداتِ من فعل الله، وبذلك نَقولُ . إلا أنهم أخطؤوا في دعواهم : أن الله عزَّ وجلَّ فعلَ هذه المتولِّداتِ بإيجاب خِلْقة الجسم الذي فَعلَهُ فيه له ، بل قلنا: إنه فَعَلَهُ اختراعاً من غير أن تكونَ خِلْقةُ الجسم سبباً في وجوب حدوث هذا المتولِّد فيه(٣) [ مذهبُ بشرِ بن المُعتَمِرِ في فاعلِ الإدراكِ ] وقال آخرون من المعتزلة في الإدراكات وسائرِ المتولَّدات عندَهم ، وفي حدوثٍ الألم عند الضرب ، وحدوثِ البياض في الناطف عند (١) وكان يقول: إن الله سبحانه خلق الأجسام ضربة واحدة، وإن الجسم في كل وقت يخلق ؛ لأن الله تعالى - على مذهبه - طبع الحجر مثلاً إذا دفعه دافع أن يذهب ، وكذلك سائر الأشياء المتولدة . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٤٠٤ ). (٢) والنظام كان يقول : لا فعل للإنسان إلا الحركة ، وأنه لا يفعل الحركة إلا في نفسه . انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٠٣)، وقوله: ( مصيبون ) لأن من خصائص القدرة الحادثة أن أثرها يكون في محلّها ، بخلاف القدرة القديمة التي أثرها لا في محلُّها . (٣) إذ المتولِّدُ في نفسه فعلٌ ممكن ، والقدرة الأزلية متسلطة على كل ممكن ، والممكن لا يكون إلا ذاتياً ، وإلا للزم انقلاب الحقائق . rX ٨ ٦٢٩ 000٠٠ GOVAT.NCY 60000 سَوْطِهِ (١) ، وفي خروج الروحِ عند وجأة الواجئ(٢)، وفي حدوثِ الطَّعمِ في الخَبيصِ(٣)، وسائرِ الطعوم في أنواع الطبيخ، وفي حدوثِ الصّةِ والراحةٍ في الجوارح بعدّ الجَبْرِ ، وفي حدوثِ العلم بالألم عند الضربِ ، وفي إدراكات الحواسِّ كلُّها : إنها كلَّها أفعالُ مَنْ فَعَلَ أسبابَها ، فإذا كانت أسبابُها من الإنسان .. فهي من فعلِ الإنسان ، وإن كانت أسبابُها من فعل الله عزَّ وجلَّ .. فهي أيضاً من فعله . وهذا قولُ بشرِ بن المعتمر ومن تبعَهُ من المعتزلة (٤) [ مذهبُ أبي الهذيلِ العَلَّافِ في فاعلِ الإدراكِ ] وقال آخرون منهم في المتولِّدات : إنها فعلُ الأحياء منَّا إذا فعلوا أسبابَها ، إلا أن العبادَ لا يفعلون إلا ما يعلمون كيفيَّتَهُ وقد أحدثوا سببَهُ ، والإنسانُ لا يفعلُ في غيره إلا بأن يماسَّهُ أو يماسَّ ما ماسَّهُ . وأنكر أن يفعلَ الإنسانُ في غيره لوناً، أو طعماً ، أو رائحةٌ ، أو إدراكاً ، أو حرارةً، أو برودةً، أو رطوبةً ، أو يبوسةً ، أو لذَّةً ، أو علماً في غيره ، أو إرادةً في غيره(٥) . (١) السوطُ: خلط الشيء بعضه ببعض، وسوَّطه تسويطاً: خلطه. انظر ((مختار الصحاح)) ( س وط ) . الوجء: الضرب بالسكين في أي موضع. انظر (( المصباح المنير)) (وج أ) . (٢) (٣) الخبيص : حلواء معمولة بتمر وسمن . انظر (( تاج العروس)) ( خ ب ص ) . (٤) وزعم بشر : أن الإنسان يفعل في غيره بسببٍ يحدثه في نفسه ، ويفعل في نفسه أفعالاً متولدة وأفعالاً غير متولدة. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٤٠٢) . (٥) وقال: إن هذه كلها من فعل الله تعالى. انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٠٢). ٦٣٠٥٥ 00000 10 2 وهذا قولُ أبي الهذيل . وقد وافقَنا : فيما منعَ أن يكونَ الإنسانُ فاعلاً له . وخالفَنا : في المتولِّدات . واجتمع قولُنا وقولُ أبي الهذيل : في أن الله عزَّ وجلَّ قادرٌ على أن يجمعَ بين النار والقُطنِ ، ولا يفعلَ في القطن احتراقاً بالنار ، وعلى أن يجمعَ بين الحجر والجوِّ، ولا يُحدِثَ في الحجر صعوداً ولا هبوطاً(١). O 00000000 [ مذهبُ الصالحيِّ في فاعلِ الإدراكِ ] وقال آخرون من المعتزلة : إن إدراكَ المُدرِك عند فتح البصر وسائرٍ الإدراكات ، وذهابَ الحجرِ والسهمِ عند الدفع والرمي ، وانقطاعَ الشيءِ عند الضرب ، وسائرَ ما يسمِّيه المخالفون لنا متولَّداً .. أفعالُ الله عزَّ وجلَّ يخترعُها اختراعاً ، وإن شاء ألا يفعلها مع حدوث ما ذكرناه ؛ من فتح البصر والضرب وسائر ما ذكرناه .. لم يفعلها . وهذا القولُ مذهبُ الصالحيّ(٢) وهو موافقٌ لقولنا ؛ إلا أن الخلافَ بيننا وبينَهُ : أنا لا نجيزُ حدوثَ (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣١٢). (٢) ذكر الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) ( ص ٤٠٦ -٤٠٧) بعد نقل قوله هذا: ( بلغني أنه قيل له : فما تنكر أن تكون في هذا الوقت بمكّةً جالساً في قبَّة قد ضُربت عليك وأنت لا تعلم ذلك ؛ لأن الله سبحانه لم يخلق فيك العلم به ، هذا وأنت صحيح سليم غير مَؤُوف ؟! قال : لا أنكر ، فلُقِّبَ بقُبَّة ) ، وقد سبق تعليقاً أن أهل السنة يقولون بعين هذا الإمكان ، إلا أنهم لا يجحدون ضرورة الحسنِّ بظنِّ الوهم . 00000 1,000 الإدراك والعلم في الميّت ، وأجاز الصالحيُّ حدوثَ الإدراك والعلم والقدرة مع الموتِ(١) [ كلُّ ما سواهُ تعالى فعلُهُ وخَلْقُهُ ] وأجمع أصحابنا : على أن الإدراكاتِ كلَّها من فعل الله عزَّ وجلَّ ، وأنه ليس شيءٌ منها فِعلاً للإنسان، ولا كسباً له (٢)، إلا أن العبارةَ منهم اختلفت فيها : فقال أبو العباس القلانسيُّ [فيها] وفي سائر المتولِّدات(٣): ( إنها فعلُ الله عزَّ وجلَّ بإيجاب الطبيعة ) ؛ يعني : طبيعةَ الجسم ، وهذا قولُ برغوثٍ وأكثرِ النجَّارِيَّةِ (٤) (١) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٤٠٦)، وقد تقدم ذلك (٣١١/١)، وأهل السنة قالوا بأن الإدراك أيّاً كان من شأنه تصحيح صفة الحياة ، وبه تعلم : أن سؤال الملكين للميت وجوابه لهما ، ونعيم أو عذاب القبر، وردّ السلام من قبل الميت .. كلُّ ذلك مع وجود نوع حياة قطعاً . (٢) لأن الكسب مقرون بالاختيار ، وإدراك المدرَكِ لا يتوقف على اختيار المدرك . فإن قيل : أفلا يحاسب على النظرة الحرام عقاباً، وعلى النظرة الحلال - كالنظر إلى الكعبة مثلاً - ثواباً ؟ فالجواب : كسبُهُ في توجيه هذا الإدراك فقط، وهذا التوجيه والإدراك من بعده هما من فعل الله تعالى وحده ، ولا تتعلق القدرة الحادثة به . (٣) قال الإمام الصفار في ((تلخيص الأدلة)) (ص٢٩١) بعد إيراده قول القلانسي : (يريد به أن يحدث بقوة فعل الفاعل الذي يخلق الله فيه ) ، وما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فيهما ) . (٤) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٢٨٤)، وبرغوث: هو محمد بن عيسى، وإليه تنسب البرغوثية؛ قال الإمام المصنف في ((الفرق بين الفرق)» (ص٢٠٩): ( كان= OCDO ٠ ٦٣٢000 وقال شيخنا أبو الحسن الأشعريُّ - رحمه الله ورضي عنه - وأكثرُ أصحابنا : إنها أجمعَ فِعلُ الله عزَّ وجلَّ ، من غير أن يكون لطبع الجسم ولا لخليقتِهِ فيها تأثيره(١) [ الردُّ على قولِ ثمامةَ في فاعلِ الإدراكِ ] فأما الكلامُ على ثمامةَ في دعواه أفعالاً لا فاعلَ لها : فيلزمُّهُ عليه مثلُ ذلك في جميع الأفعال ؛ لأنه إذا صحَّ وجودُ فعلٍ لا من فاعلٍ .. لم يكن لنا أمانٌ من وقوع سائرِ الأفعالِ لا من فاعلٍ . فيقالُ حينئذٍ لتُمامةَ : ما دليلُكَ على أن للأجسام فاعلاً أحدثها واخترعها ؟ 1000 فإن قال : دليلُهُ: أنه لو جاز حدوثُ جسم لا من مُحدِث .. لجاز حدوثُ كتابة لا من كاتب ، وحدوثُ إرادة لا لمريدٍ ولا من مريدٍ . قيل له : ما أنكرت أيضاً أنه إن جاز عندك حدوثُ بعض الأفعالِ لا من فاعل .. جاز حدوثُ بعضِ الإرادات لا لمريد ، وحدوثُ بعض الكتاباتِ لا من كاتب ؟! على مذهب النجَّار في أكثر مذاهبه ، وخالفه في تسمية المكتسب فاعلاً ، فامتنع منه ، = وأطلقه النجار ، وخالفه أيضاً في المتولِّدات ؛ فزعم أنها فعل الله تعالى بإيجاب الطبع ؛ على معنى أن الله تعالى طبع الحجر طبعاً يذهب إذا دُفع ، وطبع الحيوان طبعاً يألم إذا ضُرب، وقال النجار في المتولِّدات بمثل قول أصحابنا فيها : إنها من فعل الله تعالى باختيارٍ ، لا طَبْعٍ من طبع الجسم الذى سمّوه مولِّداً ). (١) انظر ((مجرد مقالات الأشعري)) (ص٧٦) . ٠٠٠٠٥, ٦٣٣ ٠٦٢,٠٠٠٠٥ CON Oooo ويقالُ له : إذا قلتَ: لا بدَّ للأجسام من مُحدِث ، والمتولِداتُ لا مُحدِثَ لها ، مع اشتراك الجميع في الحدوث .. فما المَفْصِلُ بینك وبین من عكس قولَكَ فقال : يصحُّ حدوثُ الأجسام لا من مُحدِث ، ولا يصُ حدوثُ المتولِّدات إلا من مُحدِث ؟! وكلُّ قول لا يصحُّ معه الاستدلالُ على إثبات صانع للأجسام .. فهو قولٌ فاسدٌ مناسبٌ لقول الدهريَّة . [ الرُّ على معمرٍ في فاعلِ الإدراكِ ] وأما قولُ مَعْمرٍ : ( إن الإدراكَ والأعراضَ كلَّها أفعالٌ للأجسام ) : فما ذكرناه من التشنيع عليه فيه دلالةٌ على فساد قوله ؛ ولأن الدليلَ قد دلَّ عندنا على أن الجواهرَ والأجسامَ كلَّها جنسٌ واحدٌ . CO 000 0000 وإذا صحَّ هذا الأصلُ : لم يكن بعضُ الأجسام بأن يفعلَ الإدراكَ ، وبعضُها بأن يفعلَ الحياةَ والقدرةَ والعلمَ .. أولى من بعضٍ ؛ لأنها كلِّها من جنس واحد ، فلمَّا اختصَّ حدوثُ الإدراكِ والحياةِ في بعضها دون بعض .. دلَّ على أن الفاعلَ لهما فيه غيرُهُ دونَهُ . ولأن قولَ معمر ينقضُ عليه الاستدلالَ على أن صانعَ العالم حيٌّ قادرٌ عالمٌ ؛ لأنه إذا أجاز وقوعَ الحياةِ والقدرةِ واللونِ وأكثرِ الأفعال المُحْكَمةِ من الجسم بطبعه دونَ اختياره .. لم يأمن أن يكونَ صانعُ العالَم قد أحدث العالَمَ مع إحكامه وإتقانه بالطَّبْعِ ، من غير أن يكونَ قادراً عليه أو عالماً به ، وهذا يؤدِّي إلى نفي كونه عالماً قادراً حيّاً ، أو إلى قول من أضاف CON VAX Ya حدوثَ تركيب العالم إلى الطبائع الأربع(١) ولأنه مقرّ معنا بحُجَّة القرآن، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَاَلْأَبْصَرَ﴾ [النحل ٧٨]، وفي هذه الآية دلالةٌ على إبطال قول من نفى أن يكونَ السمعُ والبصرُ معنيينٍ(٢)، كما ذهب إليه أبو هاشم(٣)، ودلالةٌ على إبطال قول مَعْمر : إن الله عزَّ وجلَّ لم [يَخلقْهما] (٤) C وفي قوله مع هذا كلّه : قطعُ وجوبٍ شكرنا لله عزَّ وجلَّ على السمع والبصر ؛ لأن أحداً لا يستحقُّ الشكرَ على ما لم يُنعِم به . حـ وقد نصرَ ابنُّ الراونديِّ في كتابه الذي صنفه في (( الإدراك)) قولَ من يقول: إن الإدراكَ فعلُ المُدرِك، واستدلَّ عليه: بأن الإنسانَ قد يُمنَعُ عن الإدراك بسَتْرِ الأبصار وسدّ الآذان والأنف ونحو ذلك(٥)، ولا يجوزُ أن يكونَ ممنوعاً إلا من فِعْلِهِ، كما لا يجوزُ أن يكونَ عاجزاً إلا عن فِعْلِهِ . فيقال له : لِمَ قلت: إنَّا لا نُمنعُ من فعل غيرنا؟ ولِمَ قلت : إن الإنسان ممنوعٌ من الإدراك ؟ ده 3 (١) تقدم قولهم (٣٢١/١)، وقال الإمام الأشعري في ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٨٢): ( وتحقيق قول أصحاب الطبائع : أن الإدراك فعلٌ لمحله الذي هو قائم به ، وهم أصحاب معمر ) . (٢) لكونهما مجعولين ، والمانعون تأوَّلوهما بالاعتبارات التي هي من متعلقات العلم ، والاعتبارات غير مجعولة . (٣) تقدم بيان مذهبه والرد عليه (٢٢٦/١، ٣٩٠) . (٤) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( يخلقها ) . (٥) وهذا منهم خلط بين الشروط العادية والشروط العقلية؛ إذ الشرطُ العادي قد يتخلّف مع ثبوت مشروطه ، بخلاف الشرط العقلي ، وأهل السنة لا يمنعون من وجود هذه الإدراكات مع نفي هذه الشروط ؛ لأنها عادية وليست بعقلية . ٦٣٥٠ ثُمَّ يقالُ له : لم تَنفصِلْ ممَّن قال : ( إن الإدراكَ يجبُ أن يكونَ مراداً للمُدرِك أو إرادةٌ له ) بمثل استدلالك ؛ وذلك أن الإنسانَ كما لا يكونُ ممنوعاً إلا عن فعله .. كذلك لا يكونُ ممنوعاً إلا عن مراده أو إرادته ، فإذا صار ممنوعاً عن الإدراك بسدِّ الآذانِ وسَترِ العين .. وجب أن يكونَ ممنوعاً عن اختياره وإرادته ، أو عن مختاره ومراده ، ولا يجوزُ أن يكونَ ممنوعاً عن مُرادٍ غيرِهِ ، كما لا يجوزُ أن يكون عاجزاً عن مراد غيره ، وهذا يوجبُ عليك أن يكونَ الإدراكُ اختياراً للمُدرِك منَّا كما أوجبت أن يكونَ فعلاً له . فإن أجزتَ أن يكونَ ممنوعاً لا من اختياره ولا من مُراده .. فما أنكرتَ أن يكونَ ممنوعاً لا من فعله ؟! OC ويقال له : كما يُمنعُ الإنسانُ عندك عن الإدراك بسدِّ الآذان وسَتْرِ العيون .. كذلك قد يُمنعُ عن القدرة بالعجز ، وعن الحياة بالموت ، فقل : إن الحياةَ والقدرةَ فعلُهُ ؛ فإن الممنوع لا يُمنعُ إلا من فعله ! 00 فإن أبى ذلك: أبطلَ علَّتَهُ . وإن أجابَ إلى أن القادرَ هو الفاعلُ لقدرته وحياته .. قيل : هل فَعَلَهما بقدرةٍ ، أو بطبْعِهِ وعينِهِ ؟ فإن قال: فَعَلَ القدرةَ والحياةَ [بعينه] وطَبْعِهِ(١) .. وجب ألا تُوجدَ عينُهُ إلا وهي حيٌّ قادرٌ ، وذلك خلافُ حاله . وإن قال : إن الإنسانَ يفعلُ الحياةَ والقدرةَ بحياة وقدرة له قبلَهما .. لزمه (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( لعينه) . ٦٣٦ 000 ٢٠٧ في الحياة الثانيةِ والقدرة الثانيةِ مثلُ ذلك ، حتى يتعلَّقَ بما لا نهاية له من الحياة والقدرة . وإن قال : فَعَلَ الحياةَ والقدرةَ لا بطبعه ولا بحياةٍ وقدرةٍ . قيل : إذا جاز حدوثُ الحياة والقدرة لا من حيٍّ قادرٍ .. فهلَا جاز حدوثُ جميع الحوادث لا من مُحدِثٍ قادرِ حِيٍّ ؟! وما يؤمنُكَ أن يكونَ جميعُ من تظهرُ منهم الأفعالُ الحِكَميةُ أمواتاً ليس فيهم حيٍّ قادرٌ ؟! وقيل له : أخبِرْنا عن الإنسان : أهو عاجزٌ عن فعلِ الأجسام ، أو قادرٌ عليها ؟ فإن [قال](١): هو عاجزٌ عنها . قيل : فهو عاجزٌ عن فعل غيره ، فما أنكرتَ من كونه ممنوعاً من فعل غيره ؟! وإن قال : ليس هو عاجزاً عنها ولا قادراً عليها ؛ لأنها ليست من فعلِهِ . قيل له : ما أنكرتَ أن الإنسانَ غيرُ عاجزِ عن فعل الإدراكِ ولا قادرٍ عليه ولا ممنوع منه لأنه ليس من فعله ؛ فلا يصحُّ كونه ممنوعاً عن فعلٍ غيرِهِ ، ولا قادراً على فعل غيرِهِ ؟!(٢) 000000 [ الردّ على النظّامِ في فاعلِ الإدراكِ ] وأمَّا قولُ النظَّامِ : ( إن الإدراكَ وسائرَ المتولِّدات فِعْلُ الله عزَّ وجلَّ بإيجاب الخِلْقَةِ لها ) : (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( قالوا) . (٢) العبارة قلقة ، فتأمل . ٠٥٥٥٥ - ٦٣٧ C10 زين فإن أرادَ بإيجاب الخِلْقَةِ : كونَ الخِلْقَةِ علَّةٌ [لها](١) .. لزمَهُ: ألا تُوجدَ الخِلْقَةُ إلا مُوجِبةً لها ؛ لأن العللَ لا تسبقُ معلولاتِها . وإن أراد به : أن الخِلْقَةَ سببٌ [لها](٢) .. فهو لا يقول بتولَّدِ الأفعال عن الأسباب . وإن أراد به : أنها حالَّةٌ في الخِلْقَةِ ، أو فيما يشبه الخِلْقَةَ .. لزمَهُ : أن تكونَ كلُّ حركة للجسم فِعلاً لله عزَّ وجلَّ بإيجاب الخِلْقَةِ لها ؛ لأن الحركةَ أيضاً حالَّةٌ [فيها](٣) وإن أراد : أن الخِلْقَةَ هي الفاعلةُ لها .. فهذا هو الشركُ الذي فرَّ منه، وقد شاركَ مَنْ قال : بأن المتولِّداتِ لها فاعلٌ غيرُ الله عزَّ وجلَّ (٤) فما معنى قوله : إن الله عزَّ وجلَّ خالقُها بإيجاب الخِلْقة ؟! 2275 [ الردُّ على برغوثٍ المعتزليِّ والإمام القلانسيِّ في فاعلِ الإدراكِ ] وأما قولُ من قال بقول برغوثٍ والقلانسيِّ في إيجاب الطَّبع لهما .. فيقال لهم : ما أردتم بالطبع ؟ فإن أرادوا به : الخِلْقَةَ .. كان الكلامُ عليهم كالكلام على النظّام . (١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (له)، والضمير راجع على الإدراك والمتولدات . (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( له)، والضمير راجع على الإدراك والمتولدات . (٣) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( فيه ) . (٤) وهو قول معمر حيث نسب فعل المتولدات للأجسام ، وقول بشر بن المعتمر فيما كان أسبابه من فعل الإنسان، كما مر (١ / ٦٢٦، ٦٢٩ - ٦٣٠). ٦٣٨ ٥٥ حدة وإن قالوا : هو غيرُ الخِلْقة . قيل : أهو جسمٌ ، أو عرضٌ ؟ فإن قالوا : هو جسمٌ .. لزمهم أن يكونَ الله عزَّ وجلَّ فَعَلَ إدراكنا للجسم بجسم آخر ، وذلك خلافُ قولهم . وإن قالوا: هو عرضٌ .. فهم لا يقولون: إن الله عزَّ وجلَّ يفعلُ عرضاً بعرضٍ يحدثُهُ في غيره . [ قولُ ابنِ الراونديِّ في فاعلِ الإدراكِ ، والرُ علیهِ ] 00 وكان ابنُ الراونديِّ يقول : ( إن الإدراكَ من فعل المُدرِك بطبعه ) ، واستدلَّ على أنه طِباعٌ فيه ، وأنه يقع بطِباع المُدرِك : بأنه خاصيَّةُ الحيِّ التي تَفْصِلُ بينه وبين المَوَات (١) ، وخاصيَّةُ الشيء لا تفارقُهُ ما دامٍ منفصلاً ممَّا خصَّته منه . فيقال له : لِمَ زعمتَ أن الإدراكَ خاصيَّةُ [الحيِّ](٢) التي بانَ بها من المَوَات ؟ وما دليلُكَ على هذا؟ أليس الإنسانُ قد يُغمى عليه أياماً حتى لا يُحسَّ شيئاً ، فهل يُدرِك في تلك الحالة ؟! فإن قال : نعم .. كابرَ وطُولِبَ بالدَّلالة عليه . وإن قال : لا .. أبطلَ قولَهُ: إن الإدراكَ من خاصيَّة الحيِّ التي بها بان من المَوات . (١) المَوات: ما لا روح فيه. انظر ((مختار الصحاح )) (م و ت). (٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( للحي ) . 00000 ٦٣٩ 00000