Indexed OCR Text

Pages 461-480

والحُسْنَى: هي النهايةُ في الحسن(١)؛ قال الله عزَّ وجلَّ ﴿هَلْ جَزَآءُ
اُلْإِحْسَنِ إِلَّا الْإِحْسَنُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، ثم قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾
[يونس: ٢٦]، قيل في التفسير: إن الحُسْنَى: هي الجنَّةُ، والزيادةَ : النظرُ إلى
وجه الله تعالى ، وإنما خصَّ الجنَّةَ باسم الحُسْنَى لأنه ليس في الثواب أفضلُ
منها ، فأمَّا الرؤيةُ والنظرُ إلى الله عزَّ وجلَّ فليس من باب الجزاء على عملٍ ،
وإنما هي ابتداءُ تفضُّلٍ على أهل الثواب في دار الثواب (٢)
X
قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنََّ إِلَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة: ٥٢]؛
ومعناهما : الظفرُ بالغنيمة ، أو السعادةُ بالشهادة ، وإنما أنَّهما لأنه أرادَ
الخَصْلَتَينِ .
O
وقيل: إنما قال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءِ الْمُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] .. لأنه ليس من
أسمائه اسمٌ إلا وهو دالٌّ على إحسانه صريحاً ، أو في ضمنه دلالةٌ على
إحسانه(٣) ، وبيان ذلك :
الثاني : لما وعدّ فيها سبحانه من الثواب عند الذكر .
=
الثالث : ما مالت إليه قلوب العباد .
الرابع : شرفُ العلم بها .
الخامس : تحقّق معرفة الله تعالى بها ؛ من معرفة ما يجب وما يستحيل وما يجوز في
حقه تعالى .
انظر ((الأمد الأقصى)) (١/ ١٧٥).
(١) فهي من مقابلة الإحسان بالعلم بالأسماء الحسنى، كما سيأتي قريباً (١/ ٤٦١).
(٢) إذ لا يُتصوَّرُ عقلاً أن تكون لمثل هذه المنحة منه سبحانه .. جزاءً مكافئ، بل لا تتعلق
القدرة الأزلية بإيجاده أصلاً؛ إذ فعله تعالى لا يخرج عن حيز الجواز ، خلافاً لذاته
العلمية وصفاته السنيّة .
(٣) وهو القول الثالث المتقدم تعليقاً قريباً عن ابن العربي.
00000 8 7. 00000

200
أنَّا إذا قلنا: إنه سبحانَهُ مُحسِنٌ، ورحمانٌ، ورحيمٌ، وغافرٌ، وشاكرٌ ،
وساترٌ، وماجدٌ، ورؤوفٌ، وعفوٌّ .. فكلُّ ذلك إشارةٌ إلى إحسانه ورحمتِهِ
وإنعامِهِ بصريحه من غير إضمار فيه ، وكذلك: الوهَّابُ، والرزَّاقُ،
واللطيفُ، والمغيثُ، والباسطُ، والكريمُ، والنافعُ ، والهادي .
وإذا قلنا : إنه خالقٌ، وبارئٌّ، وفاطرٌ، وقادرٌ، وعادلٌ، ونحوَ
ذلك .. اشتملَ ذلك على أصناف المخلوقاتِ والمقدوراتِ والمملوكاتِ ،
وكلُّ ما خلقَهُ من الإحسان والإنعام داخلٌ فيه إذا وصفناه بالعالِم والحكيم
والخبير وما جرى مجراه ؛ فالإحسانُ : قد يكون بمعنى العلم والحكمة ؛
من قولهم : فلانٌ يُحسنُ النحوَ واللغةَ؛ أي : [يعلمُهما](١).
o
وعلى هذا التقدير : تصحُّ الإشارةُ بكلِّ اسم من أسمائه إلى أصنافٍ
إحسانِهِ وإنعامِهِ، فلذلك قال الله عزَّ وجلّ: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا لَلْمُنَى﴾؛
أي : الجنَّةُ، ووصفَ أسماءَهَ بأنها الحُسْنَى، والإشارةُ في ذلك : أن تلك
الحُسْنَى - التي هي الجنَّةُ - لمن أحسنَ وعلمَ هذه الأسماءَ الحُسْنَى؛ بدليل
قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أحصاها دخلَ الجنَّةَ))(٢).
وقيل: إن الله عزَّ وجلَّ جعل قولَهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْمُسْنَى﴾ تفسيراً لقولِهِ
عزَّ وجلَّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَنََّى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِرُهُ لِلْيُسْرَعَى * وَأَمَّا مَنْ يَخِلَ
وَأَسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ** فَسَنُيَسِرُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل: ٥-١٠]؛ أي: من صدَّقَ
بأسمائِهِ الحُسْنَى يسَّرناه للحُسْنَى، ومن كذَّبَ بها يسَّرناه للعُسْرَى .
(١) ما بين المعقوفين في (أ، ب): ( يعلمها)، وسقط من (ج).
(٢) انظر معنى هذا الإحصاء (٤٦٩/١).
CLON
CON

Coo
الفصل الثالث
في بيان فائدة حصر أسماء الله الحسنى بشعسة وعين
واستثناء الواحد منهامن المئة
قيل : إن الأسماءَ الثابتةَ لله عزَّ وجلَّ وإن كانت أكثرَ من التسعةِ والتسعينٌ
التي ورد بها الخبرُ .. فإن معانيَ جميع أسمائِهِ محصورةٌ في هذه التسعة
والتسعينَ ، فلذلك اقتصرَ على ذِكْرِ التسعةِ والتسعينَ منها(١)
وقيل : إنما حصرَ أسماءَهُ التي يجبُ الإيمان بتفسيرها على التفصيل بأنها
تسعةٌ وتسعون .. لأنها في جملةٍ مئةٍ اسم ، والأعظمُ منها مكتومٌ عند الله عزَّ
وجلَّ ، وفي أيدي عبادِهِ منها تسعةٌ وتسعون في المعنى ، وإن كانت أكثرَ من
تسعة وتسعين في العبارة .
وإنما كان الكمالُ في المئة .. لأن كمالَ العدد من واحدٍ إلى مئةٍ ؛ لأن
الأعدادَ كلَّها ثلاثةُ أجناس ؛ آحادٌ وعشراتٌ ومئونَ ، ثمَّ الألوفُ ابتداءُ آحادٍ
أَخَرَ ؛ بدليل أنه يتبعُها عشراتُ الألوفِ ومئاتُ الألوفِ ، ثمَّ ألوفُ الألوف
ابتداءٌ ثالثٌ يتبعُهُ عشراتُ ألوف الألوف ثمَّ مئاتُ ألوف الألوف ، ثمَّ يصير
(١) ولا كلفة في إرجاع باقي الأسماء الواردة إلى هذه التسعة والتسعين ، بل أرجع أهل
السنة هذه الأسماء إلى ذاته تعالى وصفاته السبع. انظر ((المقصد الأسنى))
( ص٣١٦) .
00000 , ٦٢ ٤

ـر
إلى ابتداءِ رابع ؛ وهو ألوفُ ألوفِ الألوفِ يتبعُها عشراتُها وألوفُها ، ثمّ
كذلك الابتداءاتُ بعدَها بتكرير أعدادِ الألوفِ وما يتبعُها من عشراتِها
ومئاتِها ، ومن الواحد إلى المئة آحادٌ وعشراتٌ ومئةٌ لا يتكرَّرُ منها شيءٌ ؛
فبانَ بذلك : أن كمالَ العددِ مئةٌ .
فأسماءُ الله عزَّ وجلَّ مئةٌ ؛ من طريقِ أنها تفيدُ مئةَ وجهٍ من المعاني الدَّالةِ
على قِدَمِهِ وتوحيدِهِ وصفاتِهِ وعدلِهِ وحكمتِهِ ، وقد استأثرَ بواحد منها لم
يُطْلِعْ عليه عبادَهُ، وأنعمَ عليهم بالهداية إلى تسعة وتسعين منها ، فلذلك
خصّها بتسعة وتسعین(١)
ـومـ
000
00
وقيل : إن العددَ نوعان؛ زوجٌ وفردٌ، والفردُ أفضلُ من الزوج(٢)،
ولذلك قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ وِتْرٌ يحبُّ الوِتْرَ))(٣)،
ولذلك كانت عددُ الصلوات المفروضات وِتْراً ؛ وهو خمسُ صلوات ،
وكانت الركعاتُ المفروضة في الصلاة المفروضة سبعَ عشرةَ ركعةً ؛ وهو
عددٌ وِتْرٌ .
DC
وإن كانت الصلاةُ عند الشافعيِّ رحمه الله ثلاثةَ عشرَ نوعاً (٤)، لا يصحُ
فرضُ الصلاة ممَّن قَدَرَ عليها إلا بها ؛ وهي : النيةُ ، والتكبيرةُ الأولى ،
(١) ويحمل وصفُ الأسماء بالوترية على ما عُلِمَ منها، كما سيبيِّنُ المصنف (٤٦٥/١)
بقوله : ( على الوجه الذي تُعبِّدنا بمعرفة معانيها ) .
(٢) إذ الزوج مركّب منه ، وعالة عليه في تأليفه .
(٣) رواه البخاري ( ٦٤١٠)، ومسلم ( ٢٦٧٧)، وهو قطعة من حديث الأسماء المتقدم
( ٤٦٥/١ ) .
(٤) أراد بالنوع هنا : الركن .
مـ
00000 , ٤٦٣

والقيامُ بقَدْرِ قراءةِ ( الفاتحة )، وقراءةُ ( فاتحة الكتاب ) ، والركوعُ ،
والطُّمأنينةُ في الركوع ، والاعتدالُ من الركوع قائماً، والسجودُ ، والاعتدالُ
بين السجدتَينِ جالساً ، والجلسةُ الأخيرةُ، والتشهُّدُ فيها ، والصلاةُ على
النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيها ، والتسليمةُ الأولى، فهذه ثلاثةَ عشرَ ركناً
في قول أكثر الأمَّةِ ، وهي عددٌ فردٌ(١).
ثمَّ الأذانُ في قول أهل الحجاز تسعَ عشْرَةَ كلمةً ، والإقامةُ إحدى عشْرَةً
كلمةً ؛ وهما فردانِ .
وعددُ الركوع في الركعات المفروضة سبعةً عشَرَ ، في كلِّ ركعة ركوعٌ واحد.
والزكواتُ عند جمهور الأمَّة ثلاثةُ أنواع ؛ وهي : زكاةُ العين ، وزكاةٌ
الفطر ، وزكاةُ التجارة ، وكلُّ صدقة سواها فهي تطوُّعٌ غيرُ مفروضة .
ولا ننكرُ وجودَ أحكام كثيرة في الشريعة على أعدادها شفعٌ وزوجٌ ؛ إلا أن
(١) وقد اختلف أئمة الشافعية في تحديد عدد أركان الصلاة ، وهي راجعة عند التحقيق إلى
الأركان الثلاثة عشر المذكورة ؛ قال الإمام البجيرمي في حاشيته (( تحفة الحبيب على
شرح الخطيب)) (٤/٢-٥): (وأركان الصلاة ثمانية عشر ركناً، وهذا ما في
(( التنبيه))؛ بجعل الطمأنينة في الركوع والاعتدال والجلوس بين السجدتين وفي
السجدتين ونية الخروج أركاناً، وفي بعض النسخ سبعة عشر ؛ وهو ما في (( الروضة))
و ((التحقيق))؛ لأن الأصح أن نية الخروج لا تجب، وجعلها في (( المنهاج)) ثلاثة عشر
كما في ((المحرر))؛ بجعل الطمأنينة كالهيئة التابعة، وجعلها في ((الحاوي)) أربعة
عشر ، فزاد الطمأنينة ، إلا أنه جعلها في الأركان الأربعة ركناً واحداً ، والخلف بينهم
لفظي ؛ فمن لم يعدَّ الطمأنينة ركناً جعلها في كل ركن كالجزء منه وكالهيئة التابعة ) ثم
قال : ( ومن عدها أركاناً فذاك لاستقلالها ، وصدق اسم السجود ونحوه بدونها ،
وجعلت أركاناً لتغايرها باختلاف محالها ، ومن جعلها ركناً واحداً فلكونها جنساً
واحداً ؛ كما عدوا السجدتين ركناً لذلك ) .
40
٤٦٤٠

الأحكامَ المعلّقةَ منها على الأفراد أكثرُ من الأحكام المعلّقةِ على الأزواج .
وأكثرُ أركان العالم عددٌ فردٌ؛ كالسماواتِ ، والأرضينَ ، والبحارِ ،
والأيامِ ، كلٌّ واحدٍ منها سبعةٌ ، وهي فردٌ .
فإذا صحَّ أن العددَ الفردَ أفضلُ من الزوج ، وكان أوَّلُ الأفراد واحداً ،
ومنتهى الأفراد تسعةً وتسعين ؛ لأن الفردَ الذي بعد تسعةٍ وتسعينَ إنما هو مئةٌ
وواحدٌ ، وقد تكرّر فيه لفظُ الواحد ، فكلُّ عددٍ یکون بعد المئةِ فلا بدَّ فیه من
تكرير لفظِ ما قبلَهُ فيه .. فلذلك كان عددُ تسميات اسم الله عزَّ وجلَّ تسعةً
وتسعين على الوجه الذي تُعبِّدنا بمعرفة معانيها .
فأمَّا في العبارة فيجوز الزيادةُ عليها ، كما يجوز أن يُعبَّرَ عنها بالفارسية أو
بلغة التُّرْكِ أو غيرها من اللغات ، بعد أن يكونَ معنى العباراتِ باللغات متفقةً
غيرَ مختلفة .
فهذه فائدةُ حصرها بتسعة وتسعينَ .
[ فائدةُ الاستثناءِ الواردِ في حديثِ الأسماءِ ]
وأمَّا قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم فيها: ((مئةٌ إلا واحدةً))(١) بعد قوله
عليه السلام : ((إنها تسعةٌ وتسعونَ)) .. فقد اختلفوا في فائدته :
فمنهم من قال : إن ذلك تأكيدٌ فيه للعدد الأوَّل بغير لفظه ؛ كقوله
تعالى: ﴿ فَسَجَدَ الْمَلَتِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] (٢)، ونظيرُهُ قولُ النبيِّ
(١) في (أ): (واحد)، وانظر ما تقدم (٤٤٥/١).
(٢) التأكيد الأول بـ (كلهم): للإحاطة، والتأكيد الثاني بـ ( أجمعون) : للاجتماع . =
1 00000
٤٦٥٠٥٥٥
AC100
5

Oc
صلى الله عليه وسلم في زكاة الإبل: (( فإذا بلغَتْ خمساً وعشرينَ إلى خمسٍ
وثلاثينَ ففيها بنتُ مخاضٍ، فإن لم تكنْ فابنُ لبونٍ ذَكرٌ ))(١) ، فالذَّكَرُ فى
هذا الموضع تأكيدٌ لابن لبون(٢)، ومثلُهُ قولُ الفرزدق(٣):
[من الوافر ]
ثلاثٌ واثنتانِ فهنَّ خمسٌ وسادسةٌ تميلُ إلى شِمَامِ
فلو لم يَقلْ : ( هنَّ خمسٌ ) لكان المعنى واضحاً ، وللكنه أرادَ
التأكيدَ .
وكذلك قال الآخر (٤):
[من الطويل]
تجمَّعْنَ مِنْ شتَّى ثلاثاً وأربعاً وواحدةً حتَّى كَمَلْنَ ثمانِيا
على تأكيد العدد الذي قبلَ الثمانية بذكر الثمانيةِ .
وإلى هذا القول ذهب أبو عبيدةَ مَعْمرُ بن المثنَّى (٥)، وأبو عبيدٍ
القاسمُ بن سلَام ، وجماعةٌ من أهل اللغة ، وبنَوْهُ على أصلِهِم : في جواز
التكرير على طريق التأکید .
=
انظر (( الدر المصون)) (٩/ ٣٩٧).
(١) رواه البخاري (١٤٥٤)، وأبو داود (١٥٦٧) واللفظ له من حديث سيدنا أبي بكر
الصديق رضي الله عنه .
(٢) أو لتنبيه رب المال؛ ليطيب نفساً بالزيادة، وقيل: احترازٌ من الخنثى. انظر (( فتح
الباري)» ( ٣١٩/٣) .
(٤) هو سحيم عبد بني الحسحاس. انظر (( حماسة الخالديّين)) (ص٦٠)، ومطلع
قصيدته :
(٣) انظر ((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة (٤٧٨/١).
عُميرةَ ودٌّعْ إنْ تجهّزتَ غاديا كفَى الشَّيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهِيا
(٥) انظر ((مجاز القرآن)) (١٢/١).
dera
00000 8 1 100000

a
وبه قال الشافعيُّ وجماعةٌ من الفقهاء ، وكذلك قال الشافعيُّ في كتاب
((الرسالة)): ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ تأكيدٌ لقوله عزَّ وجلَّ: ﴿فَصِيَامُ ثَلَثَةٍ أَيَّامٍ فِي
الحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١)، وجعلَ تأكيدَ القول بما
يزيدُهُ إيضاحاً أوَّلَ أنواعِ البيانِ(٢)
حـ
وكان أبو العبّاس أحمدُ بن يحيى النحويُّ(٣)، وأبو العبَّاس محمدُ بن
يزيدَ الملقبُ بالمبرِّدِ ، وجماعةٌ من النحويين والفقهاء .. ينكرون التأكيدات
والصِّلات في القرآن والسنة ، ويتأوَّلونَ لكلِّ ما ذُكِرَ منها تأويلاتٍ بعضُها
قريبٌ مفيدٌ، وبعضُها عن العرف بعيدٌ(٤)
فهؤلاء يقولون في قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهِ تسعةٌ
وتسعينَ اسماً ، مئةً إلا واحدةً »: يحتملُ وجهين:
أحدُهما : أنه أرادَ تخليصَ أمَّتهِ من التصحيف ؛ لأنه لو اقتصرَ على
قولِهِ: ((تسعة وتسعينَ)) .. لاشتبهَ في الخطّ والصورة بسبعةٍ وسبعينَ ،
00000
(١) كذا في جميع النسخ بزيادة: ( تلك عشرة كاملة ) .
(٢) وعبارة الإمام الشافعي في ((الرسالة)) (ص٢٦): ( قال الله: ﴿ِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَّةٌ ﴾ ،
فاحتملت أن تكون زيادةٌ في التبيين ، واحتملت أن يكون أعلَمَهُم أن ثلاثةً إذا جُمعت إلى
سبع كانت عشرةٌ كاملةٌ ) .
(٣)
هو المشهور بثعلب ؛ إمام الكوفيين في عصره .
(٤) قال الإمام الزركشي في ((البرهان في علوم القرآن)) (٧٢/٣): (وقد اختلف في وقوع
الزائد في القرآن، فمنهم من أنكره؛ قال الطرطوسي في (( العمدة » : زعم المبرِّد
وثعلب أن لا صلةَ في القرآن ، والدهماءُ من العلماء والفقهاء والمفسرين على إثبات
الصلات في القرآن ، وقد وُجِدَ ذلك على وجهٍ لا يسعنا إنكارُهُ ، فذكر كثيراً .
وقال ابن الخباز في (( التوجيه )» : وعند ابن السرَّاج أنه ليس في كلام العرب زائدٌ ؛ لأنه
تكلُّمٌ بغير فائدة ، وما جاء منه حملَهُ على التوكيد ) .
C00000" ٤٦٧/٥٥
00

CK
فقال: هي ((مئةٌ إلا واحدةً))؛ لئلا يظنَّ ظانٌّ إذا رآها مكتوبةً في كتاب أنها
سبعةٌ وسبعونَ ؛ التي هي ثمانون إلا ثلاثة .
وهذا التأويلُ مع [التكلُّف] فيه (١) .. راجعٌ إلى معنى التأكيد الذي قال به
الأوّلون .
والوجهُ الثاني: أنه قال: ((مئةٌ إلا واحدٌ ))(٢)؛ أي: ذلك الواحدُ
عند الله عزَّ وجلَّ لم يطلع عليه عباده ، أو يكونُ أراد : أن ذلك الواحدَ قد
خصَّ الله عزَّ وجلَّ به رسولَهُ .
0000
وقال بعضُ أهل التأويل في قول الله عزَّ وجلَّ في نبيِّهِ صلى الله عليه
وسلم: ﴿فَأَوْحَّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠]؛ يعني: ليلة المعراج؛ إنه
أرادَ أنه أوحى إليه باسمه الأعظم وخصَّهُ به ، ولذلك أخبرَ عنه مطلقاً ، ولم
يَذكُر تفسیرَ ما أوحى إليه(٣)
وقد اختلفوا في الاسم الأعظم على حسَبٍ ما نبيُِّهُ بعد هذا إن شاء الله
عزَّ وجلَّ(٤)
(٤)
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( التكليف ) .
(٢) كذا في جميع النسخ، ورسمت التاء ثم محيت من (أ)، والرفع في ( واحد ) على لغة
من يجوِّز الإتباع في الإثبات .
(٣) قال القاضي عياض في ((الشفا)) (ص٣٨): (ولمَّا كان ما كاشفَهُ صلى الله عليه وسلم
من ذلك الجبروت ، وشاهده من عجائب الملكوت ؛ لا تحيطُ به العباراتُ ، ولا تستقلُّ
بحمل سماع أدناه العقول .. رمزَ عنه تعالى بالإيماء والكناية الدَّالة على التعظيم ؛ فقال
تعالى: ﴿فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ مَآ أَوَحَى﴾).
(٤) انظر (١ / ٥٢٠).
210
00000 ٦٨ ٤

الفصل الرابع من هذا الباب
في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم
في خبر الأسماء: ((من أحصاها دخل الجنة))
اعلمْ : أن قوماً غلطوا في تأويل قولِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذه
الأسماء التي ذكرها في خبر أبي هريرة: ((مَنْ أحصاها دخلَ الجنَّةَ ))؛ فظنُّوا
أنه أرادَ بإحصائها عدَّها(١)
واعترضَ بذلك الملحدون والطاعنون في نبوّةٍ نبيّنا صلى الله عليه وسلم ،
وقالوا : ( يلزمُهُ أن يقولَ : إن اليهوديَّ والنصرانيَّ والملحدَ والدهريَّ
والزنديقَ إذا عدُّوا هذه الأسماءَ .. [يدخلونَ] الجنَّةَ!(٢) وهذا خلافُ
اعتقادِ المسلمين فيهم ) .
000000
ولأصحاب المعاني عن هذا السؤال جوابان :
أحدُهما : إجراءُ الخبر على ظاهره في عدِّ هذه الأسماء واعتقادِها
وذكرها لفظاً .
(١) قال الإمام الخطابي في ((شأن الدعاء)) (ص٢٦): ( في الإحصاء أربعةُ أوجهٍ :
أحدُها - وهو أظهرها - : الإحصاءُ الذي هو بمعنى العدِّ؛ يريد: أنه يعدُّها ليستوفيها
حفظاً، فيدعو ربَّهُ بها ... )، وسيأتي ذكر تمام الأوجه قريباً.
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( أن يدخلوا) .
1 00000 81900000

ومن قال بهذا الجواب قال : لا يَذكرُ هذه الأسماءَ التسعةَ والتسعينَ
متديّناً بها من غير استهزاءٍ منه بذكرها .. إلا موحِّدٌ مسلِمٌ .
فأمَّا الدهريُّ والملحدُ : فإنه لا يقرُّ بحدوث العالم ولا بصانعه ، فكيف
ينطقُ بالإلله والخالقِ والرازقٍ ، وغيرِ ذلك من أسماء الإلله ؟!
وأمّا من أقرَّ بحدوث العالَمِ وإثبات الصانع ، وأنكر الحشرَ والنشرَ
والإِعادةَ وبَعْثَ الأمواتِ في قبورهم : فإنه لا يقولُ في الصانع : إنه المحيي
الباعثُ المثيبُ المعاقِبُ .
ومن قال بالتناسخ في الأرواح : فإنه لا يقولُ بإحياء الأمواتِ ، وإنما
يقول بانتقال الأرواح من جسدٍ إلى جسدٍ ، فلا يصحُّ وصفُهُ له بأنه مُخي .
وأمّا الفلاسفةُ والباطنيَّةُ والجهميّةُ : فإنهم لا يصفون الله عزَّ وجلَّ بشيء
من أوصاف الإثبات ، فلا يقولون: إنه موجودٌ ، ولا شيءٌ، ولا عالِمٌ ،
ولا قادرٌ ، ولا حيٌّ ، وإنما يصفونه بألفاظ النفي ؛ كقولهم : ليس بميِّتٍ ،
ولا جاهلٍ، ولا عاجزِ(١) ، فهؤلاء قد أسقطوا عن لفظهم جميعَ أسماء الله
عزَّ وجلَّ أو أكثرَها(٢) ، فلا يحصونها ولا شيئاً منها(٣)
وأمَّا الثنويَّةُ: فقد أنكروا توحيدَ الصانع ، وأثبتوا معه صانعاً آخرَ جعلوه
(١) انظر (١/ ٢٩١) .
(٢) في (أ): ( وأكثرها ) .
(٣) وهذا مذهب الفلاسفة وبعض الباطنية ، وقد تقدم بيان مذهبهم (٢٩١/١)، ومذهب
الجهمية في الصفات يفضي بهم إلى مذهب الفلاسفة كما نبَّهَ على ذلك الإمام الأشعري
في (( مقالات الإسلاميين)) ( ص ٤٨٣).
00000 EV OOOOO

NoVA
ضدّاً له ؛ كالظلمة أو الشيطانِ الذي تسمِّيهِ المجوسُ (أهرمن)(١) ، فهؤلاء
قد أنكروا من أسمائه : الواحدَ والفردَ .
OO
وأمّا من قال بالتشبيه وإثباتِ الجوارح والأعضاءِ للصانع ؛ كاليهودِ
والهشاميّةِ والجواربيَّةِ وغلاةِ الروافض: فهؤلاء قد نفَوا توحيدَ ذاتِهِ(٢)،
وحقيقةُ الواحد : هو الشيءُ الذي لا ينقسمُ، فإذا كان أعضاءً وجوارِحَ لم
يكن شيئاً واحداً ، فلا يصحُ لهم إطلاقُ القولِ : بأنه الواحدُ ، ولا أنه
الصمدُ ؛ لأن الصمدَ هو الذي لا جوفَ له ، وإن كان قد يكونُ بمعنی
المصمودِ في النوائبِ ، فإذا لم يصحّ لهؤلاء تحقيقُ معنى الواحدِ والصمدِ
في معبودِهم .. لم يصحَّ لهم إحصاءُ هذَينِ الاسمَينِ في أسمائه عزَّ وجلَّ .
0000
وأمَّا النصارى : فهم الأساسُ في نفي التوحيدِ ؛ لقولهم : بأنه ثالثُ
ثلاثةٍ ، وقولٍ من قال منهم باتِّحاد اللاهوت بالناسوت ، وإنكارِهم أسماءً
كثيرة من الأسماء التي اشتملَ عليها الخبرُ الذي نحن في شرحِهِ .
وأمَّا المبتدعةُ المنتسبةُ إلى الإسلام (٣)؛ كالمعتزلةِ والنجاريَّةِ والكراميَّةِ :
(١) وسَمَّوا الصانع الأول (يزدان)، وهما كلمتان فارسيتان ؛ يزدان: النور ، وأهرمن :
الظلمة. انظر ((الملل والنحل)) (٣٧/٢).
(٢)
المعبَّر عنه بالكمِّ المتصل .
(٣) ظاهر ههذه العبارة يقضي بكفر من سيأتي ذكرهم ، غير أن عبارة الإمام المصنف في
(((الفرق بين الفرق)) (ص ٢٣٢) تقلِّلُ من غُلَوَاء هذه العبارة؛ حيث قال : ( وإن كانت
بدعته من جنس بدع الرافضة الزيدية ، أو الرافضة الإمامية ، أو من جنس بدع أكثر
الخوارج ، أو من جنس بدع المعتزلة ، أو من جنس بدع التجارية ، أو الجهمية ، أو
الضرارية ، أو المجسمة من الأمة .. كان من جملة أمة الإسلام في بعض الأحكام ؛ وهو
أن يدفن في مقابر المسلمين ، ويدفع إليه سهمه من الغنيمة إن غزا مع المسلمين ، =
00000
٤٧١/٥٢

ـى
فلا يُقرُّون بتحقيق أكثرِ تلك الأسماءِ .
لأن المعتزلةَ : لا توحِّدُ خالقاً واحداً ، بل تزعمُ أنَّ الناسَ والبهائمَ والبقَّ
والبعوضةَ وكلَّ حيوانٍ في العالَم .. خالقون كما أن الله عزَّ وجلَّ خالقٌ !(١)
فكيف يصحُّ منها إفرادُ الإلهِ باسم الخالق؟! (٢)
وكيف يصحُّ لهم وصفُهُ بأنه غفورٌ مع قولِهِم : بأنه لا يجوز أن يَغْفِرَ لأهل
الكبائر ، ولا يجوز أن يُعذّبَ على الصغائر إذا لم يكن معها كبيرةٌ ؟! فما
معنى عفوه وغفرانه ؟! (٣) وفي أيٍّ ذنبٍ يقعُ ذلك فلا يصحُّ لهم وصفُ الإلله
بالغافرِ ولا بالغفورِ .
ولم يصحّ منهم أيضاً جميعُ أسمائِهِ تحقيقاً ولا مجازاً .
والكراميَّةُ : لا يصحُّ لها وصفُ الله عزَّ وجلَّ بالقادر ؛ لأن المعدومَ
عندَهم غيرُ مقدورٍ ، والقدرةَ على الموجود غيرُ صحيحةٍ عندهم .
فليت شعري ! علامَ أثبتوه قادراً ، والمقدورُ لا يكونُ موجوداً ،
ولا يمنع من دخول مساجد المسلمين ومن الصلاة فيها ، ويخرج في بعض الأحكام عن
=
حكم أمة الإسلام ؛ وذلك أنه لا تجوز الصلاة عليه ، ولا الصلاة خلفه ، ولا تحلُّ ذبيحته ،
ولا تحلُّ المرأة منهم للسني ، ولا يصحُّ نكاح السنية من أحد منهم ) ، وهذه الأحكام التي
ذكر خروجهم فيها عن حكم أمة الإسلام .. هي موضع اجتهاد ونظر فقهي ، ولبعض مذاهب
أهل السنة أقوالٌ تدور بين الإباحة والكراهة ، ولا تصل إلى حدِّ التحريم .
(١) وهو مبني على أصلهم: بأن أفعال العباد مخلوقة لهم. انظر ((شرح الأصول الخمسة))
(ص٣٢٣) وما بعدها ، غير أن الإمام المصنف بنى هذا على لازم مذهبهم ، والتحقيق
أن لازم المذهب إن لم يلتزمه الخصم فليس بمذهب ، والقوم لا يسلَّمون به .
(٢) لا يقال : ينعكس هذا عليكم بالعالم والقادر ونحوهما ؛ لأن الخالقية من خواصٌ
الإلهية ، وعلى أي حال فالإمام المصنف إنما أراد التشنيع على مذهبهم .
(٣) انظر (( شرح الأصول الخمسة)) (ص٦٧٨).
00000

COOC
والمعدومُ لا يصحُّ أن يكونَ عندهم مقدوراً ؟!
هذا مع قولهم : إن الله لا يقدرُ إلا على خمسة أجناس من الأعراضِ
تَحدُثُ في ذاتِهِ ؛ وهي: قولُهُ، وإرادتُهُ، ومماسَّتُهُ(١) أو كونٌ يَحدُثُ في
ذاتِهِ، وتسمُّعُهُ، وتبصُّرُهُ ؛ يعنون بهما السمع والبصرَ اللذَينِ هما إدراكٌ
للمسموع والمبصَرِ (٢)
فإذا تقرَّرت هذه المقدمةُ التي ذكرناها .. بانَ بها : أنه لا يصحُ إحصاءُ
التسعةِ والتسعينَ المذكورة في الخبر مِنْ أسماءِ الله عزَّ وجلَّ .. إلا لمن اعتقدَ
مذاهبَ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ ، وسلكَ في توحيد ربِّهِ طريقاً عَدْلاً خارجاً عن
التشبيه والتعطيل ، كما ذهب إليه أصحابنا
ولعَمْري ؛ إن مَنْ أحصاها من أهل هذا المذهبِ ، ولم ينتقلْ عن
اعتقادِهِ فيها .. كان من أهل الجنة .
وفي هذا سقوطُ سؤالِ الطاعنين على الخبر كما بيَّنَاه .
والجوابُ الثاني ؛ من طريق اللغة : وهو أن الإحصاءَ في اللغة :
قد يكونُ : عدّاً ، كما ذكروه ؛ ومنه قولُهم : قومٌ ذو حصىّ ؛ أي : ذو
عددٍ .
وقد يكون : طاقةً؛ ومنه الحديث: (( استقيموا ولن تحصوا))(٣)؛
أي : لن تطيقوا (٤)
في ( أ، ج) : (ومماسه ) .
(١)
(٢)
تقدَّم الرد عليهم (٤٣٥/١).
رواه ابن ماجه ( ٢٧٧ ) من حديث سيدنا ثوبان رضي الله عنه .
(٣)
(٤) قال العلامة ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٣٩٨/١): ( أي : =

وقد يكون الإحصاءُ : معرفةً بالأمورِ واستقصاءً للنظر فيها ؛ من قول
العرب : فلانٌ ذو حصاةٍ وأصاةٍ(١)؛ إذا كان عاقلاً مميّزاً ذا معرفةٍ بالأمور
واستقصاءٍ للنظر فيها ؛ قال طرفةُ بن العبد(٢):
[من الطويل]
وإنَّ لسانَ المرءِ ما لم تكنْ لَهُ حَصاةٌ على عوراتِهِ لدليلُ
والحصاةُ : العقلُ والتمييز والمعرفة(٣)
وقد اختلفوا في تفسير قول الله عزَّ وجلَّ في قيام الليل: ﴿عَلِمَ أَلَّنْ تُحْصُوهُ﴾
[المزمل: ٢٠].
قال الفرَّاء : معناه : لن تعرفوا مواقيتَهُ على التحقيق والتمييز (٤)
.
OU
وقال غيرُهُ : معناه : عَلِمَ أن لن تطيقوه(٥)
استقيموا في كل شيء حتى لا تميلوا ، ولن تطيقوا الاستقامة؛ من قوله تعالى: ﴿عَلِّ
=
أَّنْ تُخْصُوُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تطيقوا عذَّه وضبطه).
(١) الأصاة: الرزانة؛ كالحصاة؛ قال ابن الأعرابي: (آصى الرجل : إذا عقل بعد
رعونة) . انظر ( تاج العروس)» (أص ي ) .
(٢) انظر ((ديوانه بشرح الشنتمري)) (٩٢/١).
(٣) وزاد الإمام الخطابي في (( شأن الدعاء)) (ص٢٩) وجهاً رابعاً فقال: ( والوجه الرابع:
أن يكون معنى الحديث أن يقرأ القرآن حتى يختمه ، فيستوفيّ هذه الأسماءَ كلَّها في
أضعاف التلاوة ، فكأنه قال : من حفظ القرآن وقرأه فقد استحقَّ دخول الجنة ، وذهب
إلى نحوٍ من هذا أبو عبد الله الزبيريُّ ) .
وقد ذكر الإمام ابن العربي المالكي في ((الأمد الأقصى)) (١٩٦/١) خمسة تأويلات
لقوله صلى الله عليه وسلم: ((من أحصاها))، فجعل من عدَّها ومن حفظها ، كلَّ واحد
منها وجهاً مستقلاً .
(٤) انظر ((معاني القرآن)) (٢٠٠/٣).
(٥) وهو قول الحسن البصري وسعيد بن جبير وغيرهما. انظر (( شأن الدعاء)) (ص ٢٧)،
و ((الدر المنثور)) (٣٢٢/٨).
CoDOD V E CCo00

ـد
وأولى المعاني بقول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أحصاها دخلَ
الجنَّةَ )) ؛ أي : من عرفَها ؛ لأنه إذا عرفها آمنَ بها ، وإنما كفرَ بها أو ببعضها
مَنْ لم يعرف جميعَها ؛ سواءٌ عدَّها أو لم يعدّها ، والعارفُ العالمُ بها يدخلُ
الجنة بفضْلِ الله ورحمته (١)
وعلى أيِّ هَذَينِ الجوابَينِ اعتمدنا سقطَ به الطعنُ عن الخبر ، وبالله
التوفيقُ .
OoOK
boo
000000
O
(١) تنبيهً من الإمام المصنف على أن هذا الإحصاء ليس مؤثراً في دخول الجنة بذاته ؛ بل
بفضل الله تعالى ورحمته وصادق وعده .
تتميمٌ: قال الإمام ابن التلمساني في (( شرح لمع الأدلة)) (ص٢٤٦) مبيناً معنى هذا
الإحصاء : ( هي درجاتٌ : الأولى: عدُّها ، وهي أدناها ، الثانية : فهُمُ معناها لغة ،
الثالثة : فهمُّها على وجهٍ يليق نسبتُهُ إلى الله تعالى من حقيقة أو مجاز ، الرابعة : تمييز
بعضها عن بعض ، الخامسة : بيان رجوع بعضها إلى الذات ، أو الصفات ، أو
الأفعال ، أو التقدُّس، أو المركَّب من ذلك ، السادسة : اعتقاد موجَبِها ، السابعة :
اعتبارُ آثارها في العالم ، الثامنة : أخذُ العبد بحظُّهِ منها من التعلُّق أو التخلُّق عند بعض
الصوفية ) .
٨
200 ٤٧٥ ٥٥٥٥

G
O
OC

0000000000000000
٢٠
باب
C
في بيان تقسيم أسماءالله عز وجل على المعاني والصفات
وفي التمييز بين مايرج منها إلى صفات الذات
وبين ما يرج منها إلى صفات المعنى أو صفات الفعل
٥
b
ـة
O
وم
OODD٤٧ ٥
FO000
MC10
R

Bravorarr
0000000
O
NCZODO

باب
في بيان تقسيم أسماءالله عز وجل على المعاني والصفات
وفي التمييز بين ما يرجع منها إلى صفات الذات
وبين ما يرج منها إلى صفات المعنى أو صفات الفعل
اختلفت عباراتُ أصحابنا في تقسيم أسماءِ الله عزَّ وجلَّ إذا أريد بالاسم
التسميةُ :
٨
[ تقسيمُ الأسماءِ باعتبارِ الذاتِ والمعاني والأفعالِ ]
فمنهم من قال(١) : جميعُ تسمياتِهِ على ثلاثة أقسام :
قسمٌ منها (٢) : يفيدُ الإشارةَ إلى ذاته ، ووجوده ، وقدمه ، ونفي
الأجزاءِ والأبعاضِ والتشبيه عنه ؛ وذلك كقولنا : موجودٌ ، وذاتٌ ،
وشيءٌ، [وأزليٌّ](٣)، وواحدٌ، وفردٌ.
والقسمُ الثاني منها (٤) : يفيدُ الإشارةَ إلى صفاته الأزليّةِ القائمةِ به؛
(١) وهو الإمام القلانسي. انظر (٢٤٥/١)، وقد قسم القاضي الباقلاني الأسماءَ
قسمينٍ: صفات ذات، وصفات معانٍ أو أفعال. انظر ((تمهيد الأوائل)) ( ص٢٦١)،
وهو ما جرى عليه الإمام المصنف .
(٢) اشتمل هذا القسم على الأسماء الدالة على الصفة النفسية وصفات التنزيه السلبية .
(٣) ما بين المعقوفين في ( أ، ب): ( أزلي ) .
(٤) اشتمل هذا القسم على الأسماء الدالة على صفات المعاني، والمعنوية على القول بها .