Indexed OCR Text

Pages 421-440

فمنهم من قال : كلتاهما صفةٌ حادثةٌ في ذاته ، وإنما كان في الأزل مُريداً
بمريديَّةِ ؛ هي قدرتُهُ على إحداث الإرادةِ في ذات نفسِهِ .
ومنهم من قال : له مشيئةٌ واحدةٌ قديمةٌ ، وإراداتٌ كثيرةٌ حادثةٌ في
ذاته ، وهو مع ذلك كان في الأزل شائياً مُريداً
وزعموا : أن الحوادثَ التي تَحدُثُ في ذات البارئ تعالى أضعافُ
المُحدَثاتِ من أجسام العالَم وأعراضِهِ ؛ لأنه لا يَحدُثُ عندهم في العالم
جسمٌ ولا عرضٌ إلا بعد أن يَحدُثَ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ قولُهُ له : ( كن )
وإرادةٌ لحدوثه ، ولا يُعدَمُ من الأعراض عرضٌ إلا بعد أن يحدُثَ في ذات
البارئ تعالى إرادةٌ لعدمه ، وقولُهُ له : ( كن معدوماً ) .
فالأقوالُ والإراداتُ الحادثةُ في ذاته عندَهم أضعافُ المخلوقات من
الأجسام والأعراض .
وقالوا : بحدوث أعراضٍ في ذاته سوى الأقوالِ والإراداتِ ؛ وهو
مماسَاتُهُ لِمَا يماستُهُ من الأجسام ، وعرضان [آخران] سمَّوهما (١): التسمُّعَ
والتبصُّرَ .
وقالوا : إن الله عزَّ وجلَّ كان سامعاً بصيراً في الأزل بسمع وبصرٍ ، إلا
أن سمعَهُ : قدرتُهُ على التسمُّع ، وبصرَهُ : قدرتُهُ على التبصُّرِ ، وبالتسمُّع
يصيرُ المسموعُ له مسموعاً ، وبالتبصُّرِ يصيرُ المرئيُّ المُبْصَرُ له مرئيّاً مُبصَراً ،
فهو قادرٌ على فعلِ التسمُّع والتبصُّرِ وعلى [تركهما](٢)، وإذا ترك أن يفعلَ
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ : ( آخر ) .
(٢) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( تركها ) .
CON
00000 ٠ ٤٢ 00000

YYYOY
ذلك لم يكن له مرئيٍّ ولا مسموعٌ ، وهو مع ذلك سامعٌ بصيرٌ على معنى
القدرة على التسمّع والتبصُّر .
وهذه المماسَّاتُ وأنواعُ التسمُّع والتبصُّرِ حوادثُ في ذاتِهِ زائدةٌ على
الأقوال والإرادة التي هي أضعاف المخلوقات .
وكان الناس يتعجَّبون من قول أبي الهذيل وبشرِ بن المُعتمِرِ وهشام بن
عمرو : ( إن خَلْقَ الشيء غيرُهُ)(١)، ومن قول أبي الهذيل : ( إن خَلْقَ
الشيء قولُ الله عزَّ وجلَّ له : كن ، وإن هذا القولَ عرضٌ حادثٌ لا في
محلٌّ، وإنه ليس بمخلوقٍ)(٢) .. حتى حدث قولُ الكراميّةِ: (إن خَلْقَ
الشيء غيرُهُ ، وهو عرضٌ حادثٌ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ ) .
OC
وقالوا : إن أبا الهذيل وإنْ زعمَ أن الخَلْقَ غيرُ المخلوق .. فإنه لم يجعل
البارئَّ محلّاً له ، واعتقدت الكراميَّةُ أنه محلٌّ للحوادث ، ولأن أبا الهذيل
لمَّا جعل الخَلْقَ غيرَ المخلوقِ .. زعم: أنه لم يكن قبلَ حدوث الخَلْقِ
خالقاً ، وزعمت الكراميَّةُ : أن الله كان في الأزل خالقاً بلا خَلْقٍ ، ولمَّا
حدثَ الخلقُ في ذاته لم يَصِرْ به خالقاً .
وكانوا يتعجبون من قول مَعمَرٍ : إن خَلْقَ الشيء غيرُهُ، وكذلك الخَلْقُ
خَلْقٌ آخرُ لا إلى نهاية (٣) ، ومن قوله بإثبات أعراضٍ غيرِ محصورةٍ في
(١) وممن قال بههذا القول أيضاً من المعتزلة : أبو موسى الدردار ومعمر بن عباد وغيرهما.
انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٣ -٣٦٦).
(٢) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٣)، و(( الفرق بين الفرق)) (ص١٢٧).
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص٣٦٤).
٤٢١

الأجسام كلُّها حوادثُ .. حتى سمعوا قول الكراميّةِ بحدوث أعراضٍ في ذات
البارئ هي أضعافُ جميع ما في العالَم من الأجسام والأعراض .
واستعظموا قولَ أبي هاشم : ( إن خَلْقَ الشيء غيرُهُ؛ وهو إرادةُ الله عزَّ
وجلَّ بحدوث المراد ، وإن تلك الإرادةَ عرضٌ حادثٌ قد أحدثها الله عزَّ
وجلَّ لا في محلِّ، وإنه قَبْلَ إحداثِها لم يكن مُريداً)(١) ، قاربت الكراميَّةُ
عليه في القول بحدوث إرادته في ذاته مع كونه مريداً قبلَ حدوثها .
ومن تدقيق الكراميَّةِ في هذا الباب قولهم : إنَّا نقولُ على الإطلاق :
إن الله عزَّ وجلَّ لم يَزِل خالقاً رازقاً فاعلاً مُحدِثاً موصوفاً بجميع أسمائه من
غير إضافةِ شيءٍ منها إلى غيرِهِ ، ولا نقول : كان خالقاً للعالَم ولا رازقاً
للمرزوقينَ إلا عندَ وجودِ المخلوقين والمرزوقين .
وقالوا أيضاً : إنه كان في الأزل معبوداً على الإطلاق بمعبوديَّةٍ ، ولم
يكن معبوداً للعابدين إلا عندَ وجودِ العابدين وعبادِتِهِم إيّاه .
000000
وهذا قولُ جمهورهم ، إلا رجلٌ منهم يُعرَفُ بـ ( عبدان الدين ) ؛ فإنه
أطلق هذه الإضافاتِ على الله عزَّ وجلَّ في الأزل مع الإضافة ؛ فقال : إنه
لم يزل خالقاً للعالَم قبلَ وجودِ العالَم ، ولم يزل معبوداً للعابدين قبلَ وجودٍ
العابدين .
وقالوا بأجمعهم : إن الله عزَّ وجلَّ نورٌ بنوريَّةٍ هي صفةٌ له ، ويُميَّزُ بينَهُ
وبينَ غيرِهِ عند رؤيته ورؤيةٍ غيرِهِ .
(١) انظر ((شرح الأصول الخمسة)) (ص ٤٤٠).
٥ ٤٢٢
00000

a
وليس ذلك كما يقول أكثرُ الأمَّة: إن [معنى] النور (١): أنه المنوِّر(٢)
والكلامُ عليهم في هذا الباب يقعُ في ثلاث فصول هذه ترجمتُها :
فصلٌ : في الدَّلالة على أن الخَلْقَ والمخلوقَ شيءٌ واحدٌ .
فصلٌ : في إبطال قولِهم بحلول الحوادثِ في ذات القديم .
فصلٌ : فيما يؤدِّي إليه قولُهم بذلك مِنْ مضاهاة الدَّهريَّةِ والمُلحدَةِ .
وسنذكر في كلِّ فصلٍ منها ما يقتضيه شرطُهُ إن شاء الله عزَّ وجلَّ .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( مع ) بدل ( معنى) .
(٢) وذلك في قوله تعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَنَتِ وَالأَرْضِ﴾ [النور: ٣٥]، ونقل الإمام ابن
العربي في ((الأمد الأقصى)) (١٩٠/٢) سبعة أقوال في معنى النور ، وحكى عن
الأشعري أنه قال : ( نور لا كالأنوار ) .
CHON
CcCE٤٢٣ ٠ cccCC
C

AXYCOVEY
الفصل الأول
في الدلالة على أن الخلق والخلوق في، واحس ؟
40
دليلُ هذا الفصل آياتٌ من القرآن :
منها: قولُهُ تعالى: ﴿هَذَا خَلَّقُ اللَّهِ فَأَرُوِى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ﴾
[لقمان: ١١]، فأشار إلى المحسوسات من جملة العالَم، وسمّاها: خَلْقاً،
وهي مخلوقةٌ ، فدلَّ ذلك على أن الخَلْقَ هو المخلوقُ .
ومنها : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَوْتٍ﴾، وإنما أراد
به السماواتِ ؛ لأنه ذَكرَ ذلك عَقيبَ ذِكرِ السماواتِ ، ثمَّ أكَّد ذلك بقوله :
﴿فَرْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ * ثُمَّ أَرْجِعِ الْبَرَ كََّنِ يَقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِثًا وَهُوَ
حَسِيرٌ﴾ [الملك: ٣-٤]، وإنما أراد به تكريرَ النظرِ في السماوات، وسمَّاها :
خَلْقاً ، وهي مخلوقةٌ ، فدلَّ ذلك أيضاً على أن المخلوقَ خَلْقٌ .
000
ومنها : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿اللَّهُ يَبْدَؤُ أْ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [يونس: ٣٤]، وإنما
قصد بذلك الردّ على من أنكر إعادةَ المخلوقاتِ والمخلوقينَ ؛ من الناس
(١) هناك منازعٌ غير الكرامية في هذه المسألة، وهو قول السادة الماتريدية من أهل السنة
بإثبات صفة التكوين ، وإثباتها يلزم عنه التباين بين الخَلْق والمخلوق ، وانظر تفصيل
هذا القول تعليقاً (٤٣٣/١)، وما ستراه من توجيهات في التعليق على هذا الفصل فهو
لهذا الملحظ ، لا بملحظ الكرامية الذين أثبتوا الخَلْق صفة حادثة في ذاته تعالى .
CON

O
COOo
والبهائم وسائرِ الحيوان، وسمَّاه: خَلْقاً .
والأعراضُ الحادثةُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ عندَ الكراميَّةِ لا يصحُّ
إعادتها عندَهم ، وكذلك من قال بقول أبي هاشم وزعم : أن الخَلْقَ إرادةُ الله
الحادثةُ لا في محلِّ .. لا يصحُّ على مذهبه إعادةُ ذلك الخَلْقِ .
فبطلت فائدةُ هذه الآية على مذهب هذَينِ الفريقَينِ ؛ لأن ما هو خَلْقٌ
عندهما لا يصحُّ إعادتُهُ بزعمهم ، وما يصحُّ إعادتُهُ من المخلوقات فليس
بِخَلْقِ عندَهم ، فإنما تصحُ فائدةُ هذه الآية على قولنا ؛ لأنّا نقول : إن
المخلوقاتِ كلَّها خَلْقٌ ، والعدمَ والفناء صحيحٌ على جميعها ، ويصحُ إعادةُ
كلَّ ما عُدِمَ منها .
ومنها: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِىِ بُطُونِ أُمَّهَيِكُمْ خَلْقَا مِنْ بَعْدٍ خَلْقٍ﴾
[الزمر: ٦]، فسمَّى اختلافَ صورهم: خَلْقاً (١) ، والصورُ مخلوقةٌ ، فهي
أيضاً خَلْقٌ .
ومنها : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِن يَشَأْ يُذْ هِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩]؛
يعني : خَلْقاً يكون بدلاً منهم ، وبدلُ المخلوقِ مخلوقٌ مثلُهُ .
ومنها: قولُهُ عزَّ وجلَّ حكايةٌ عن الكفَّار قولَهم: ﴿وَقَالُواْ أَِذَا ضَلَلْنَا فِى
الْأَرْضِ أَِنَّا لَفِى خَلْقِ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]، فأنكرَ عليهم استبعادَهم لذلك،
ولم يُنكِر عليهم تسميةَ المعادِ خَلْقاً ، والمَعادُ مخلوقٌ .
ومنها: قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَاَلْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ، ففصلٌ
(١) وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَ كُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ﴾ [الأعراف: ١١].
00000 ٤٢٥

NOVATE
بينهما ؛ دلَّ على أن أمرَهُ غيرُ خَلْقِهِ، وفي ذلك إبطالُ قول [أبي الهذيل](١).
إن قولَهُ للشيء: (كن ) هو الخَلْقُ، وإبطالُ قول [الكرامِيَّةِ] (٢): إن ذلك
هو الخَلْقُ ؛ لأن قولَهُ عزَّ وجلّ: ( كن ) أمرٌ ، وقد بيَّن الله تعالى أن أمرَهُ
غيرُ خَلْقِهِ .
ومنها : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَأَخْتِلَفِ الَّيْلِ
وَاُلتَّهَارِ لَيَتٍ لِّأُوْلِ الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]، وقد أمر الله عزَّ وجلَّ في هذه
الآيةِ أولي الألباب باعتبار خَلْقِهِ للاستدلال به عليه وعلى توحيده ، وإنما
يصحُّ اعتبارُهم بما شاهدوه ، وفي ذلك دليلٌ على أن الذي شاهدوه ولزمَهم
اعتبارُهُ والاستدلالُ به هو الخَلْقُ ، دون ما لا يشاهدونه من معنىّ لا في محلِّ
بزعم أبي الهذيل ، أو من معنىّ حادثٍ في ذات المعبود بزعم الكراميَّةِ (٣)
ومنها : قولُهُ عزَّ وجلَّ: ﴿لَخَلْقُ السَّمَوَتِ وَاُلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ
النَّاسِ﴾ [غافر: ٥٧]، وفي هذا إبطالُ قول الكراميَّةِ: (إن الخَلْقَ أعراضٌ
حادثةٌ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ من أقوالِهِ وإرادتِهِ ) ؛ لأن الأعراضَ لا يكونُ
بعضُها أكبرَ من بعض (٤)، وكذلك من قال من المعتزلة: (إن الخَلْقَ قولُهُ :
كن، وهو حادثٌ لا في محلٌّ )(٥) ، ومن قال: ( إنه أراد به الحادثَ لا في
(١) في جميع النسخ: ( الكرامية ) .
(٢)
في جميع النسخ : ( أبي الهذيل ) .
(٣)
في ( ب، ج): ( معبود الكرامية ) بدل ( المعبود بزعم الكرامية ) .
(٤) إذ الطولُ والعَرْض والعمق ليست أعراضاً، وإنما هي اجتماعٌ لجواهر متعددة في جهة
واحدة ، فعادت معانيها إلى الذوات ، لا إلى الأعراض .
(٥) وهو قول أبي الهذيل العلاف منهم .
00000 ٤٢٦ 00000

DOO
محلٌّ ) .. قولُهُ خطأً ؛ لأنه لا يكونُ قولٌ أكبرُ من قولٍ ، ولا إرادةٌ أكبرُ من
إرادةٍ ، وإنما يظهرُ التزايدُ في الكِبَرِ والعِظَمِ في المخلوقات لأن بعضَها أكبرُ
من بعضٍ ، فدلَّ ذلك على أن الخَلْقَ هو المخلوق .
ويدلُّ عليه : إجماعُ الكافَّةِ من أهل اللغة على تسميةِ الناس خَلْقاً ؛ كقول
القائل : نحن خَلْقُ الله ، وقولِ القائل : رأيتُ الخَلْقَ الكثيرَ ، وجاءني خَلْقٌ
كثيرٌ ، ونحوَ ذلك من اللفظ الدالِّ على أجناس المخلوقاتِ دونَ الأعراضِ
التي لم يذهبْ إليها وهمُهم .
فإن قيل : إن هذه الإطلاقاتِ مجازٌ واتساعٌ(١)، وهي بمنزلة تسميتهم
المخلوقاتِ بالقدرة ؛ في قولهم إذا رأوا حادثةً عظيمةً : هذه قدرةُ الله ،
وكتسميتهم الموهوبَ هبةً ، والمسروقَ سَرِقةً ؛ في قولهم : هذه هبةُ زيدٍ ،
وهذه سرقةُ عمرو ، والمرادُ بذلك : موهوبُهُ ومسروقُهُ ، دون هبتِهِ وسرقتِهِ
اللتين هما فعلُهُ ، وكذلك قولهم : هذه شهوةُ العليلِ ؛ أي: مشتهاهُ ، وإن
كانت حقيقةُ الشهوة في قلبه دون ما اشتهاه ، وكذلك قولُهم : هذا الدرهمُ
ضربُ الأمير ، وهو مضروبُهُ، وحقيقةُ الضرب لا تقعُ على المضروب ،
كذلك القولُ في تسمية المخلوق خَلْقاً .
قيل لهم : أصلُ الكلام في اللغة الحقيقةُ فيما أَطلِقَ فيه ، لا يُصرَفُ عنه
م
إلى المجاز إلا بدليلٍ ، ولو لزمَنا قياسُ لفظ الخَلْقِ والمخلوقِ على لفظ الهبةِ
والموهوبِ ، والقدرةِ والمقدورِ .. للزمَهم قياسُ الوجودِ والموجودِ على
الهبةِ والموهوبِ ، والضربِ والمضروبِ ، وأن يقولوا : إن الوجودَ غيرُ
(١) يعني : من باب إطلاق المصدر وإرادة اسم المفعول ، أو على طريقة المجاز المرسل .
ACION
[00000 ٤٢٧
000
20000
00000

الموجود ، كما أن الضربَ غيرُ المضروب ، والهبةَ غيرُ الموهوب ، فإن لم
يلزمهم هذا لم يلزمنا ما قالوه .
وممَّا يدلُّ على التسوية بين الخَلْقِ والمخلوقِ من طريق المعنى: أن الخَلْقَ
والمخلوقَ إمّا أن يكونا في المعنى واحداً .. فيصحَّ قولنا فيهما، وإمّا أن يكونا
متغايرَينٍ .. فلا يخلو حينئذٍ مِنْ أن يكونا واقعَينٍ بقدرة الخالق أو أحدُهما .
فإن وقعا بقدرتِهِ : لم يكن أحدُهما باسم الخَلْقِ والآخرُ باسم المخلوقِ
أولى مِنْ عكسٍ ذلك فيهما .
وإن وقع أحدُهما بالقدرة دون الآخرِ : لم يكن الواقعُ منهما بالقدرة أولى
باسم الخَلْقِ والواقعُ بغير القدرة أولى باسم المخلوق من الآخر ، ولو عُكِسَ
الأمرُ فيهما ؛ فقيل : إن الواقعَ بالقدرة منهما هو المخلوقُ ، والواقعَ بغير
القدرة هو الخَلْقُ .. أمكن، وإذا لم يَجُزْ هذا كان عكسُهُ مثلَهُ ، ووجب أن
يكونا جميعاً خَلْقَينِ أو مخلوقَيْنِ .
000000000
000000
وأيضاً : فلو كان الخَلْقُ غيرَ المخلوقِ ، وكان المخلوقُ واقعاً
بالخَلْق .. وجب أن يكونَ الخَلْقُ قدرةٌ عليه لخالقه ، ألا ترى أن الخَلْقَ
عندَهم لمَّا وقع لمعنىّ هو غيرُهُ .. كان ذلك المعنى قدرةٌ ؟!
فإن ركبت الكراميَّةُ هذا وسمّوا ذلك الخَلْقَ قدرةً .. لزمَهم أن يكونَ لله
عزَّ وجلَّ قدرتانٍ ؛ إحداهما قديمةٌ ، والأخرى حادثةٌ .
وإن امتنعوا منه .. قيل: إذا لم يكن الخَلْقُ قدرةً استحالَ وقوعُ شيءٍ
من الحوادث به ؛ كسائر الأعراض التي ليست بقدرة في استحالة وقوع
الحوادث بها
40

O
وممَّا يزيدُ هذه الدَّلالةَ تأكيداً : أن حقيقةَ القدرةِ ومعناها : أنها معنىّ يقع
تحتَهُ الحادثُ على أحد الوجهين ؛ إمَّا على جهة الاختراع ، وإمَّا على جهة
الاكتساب ، ولا يصحُّ وصفُ القديم بالاكتساب ، ولا تصلحُ قدرتُهُ
للاكتساب بها ، فبقي أنها تصلُحُ للاختراع بها .
فإذا كانت خاصيّةُ قدرتِهِ وقوعَ الاختراع بها .. لزم إذا كان وقوعُ اختراع
المخلوقاتِ عندَهم بالخَلْقِ الذي هو القولُ أو الإرادةُ أو كلاهما .. أن يكونَ
قولُهُ وإرادتُهُ قدرتَين له ؛ لمشاركة القولِ والإرادةِ قدرتَهُ في خاصيَّتِها التي
لأجلها كانت قدرةً، وإذا استحالَ أن يكونَ الخلقُ قدرةً .. استحال وقوعُ
المخلوق به .
وممَّا يدلُّ عليه : أن الخلقَ لو كان غيرَ المخلوقِ .. لم يخلُ : أن يكونَ
معه ، أو قبله .
فإن كان قبلَهُ : لم يَجُزْ أن يكونَ سبباً له ولا عِلَّةً له ؛ لأن علَّةَ الشيء
وسببَهُ لا يجوز وجودُهما مع عدمه؛ كالحركة لمَّا كانت عِلَّةً للمتحرِّك وسبباً
له .. لم يَجُزْ وجودُها من غير أن يتحرَّك بها شيءٌ في حال حدوثهما .
وإن كان حدوثُهما معاً : لم يكن أحدُهما بأن يكونَ خَلْقاً للآخر أولى من
العكس فيهما .
وممَّا يدلُّ عليه : أنه لو كان الخَلْقُ غيرَ المخلوقِ ، وكانت القدرةُ متعلّقةً
به دون المخلوقٍ .. لم يَجُزْ أن يكونَ المخلوقُ مخلوقاً لمَنْ ليس بقادرٍ
عليه ؛ كما لا يصحُّ أن يكون الخَلْقُ خَلْقاً لمن ليس بقادرٍ عليه ، ولأنه لو لم
يكن القديمُ قادراً على المخلوق لم يَجُزْ أن يكونَ خالقاً له ؛ ألا ترى لمَّا
٤٢٩00000 00000

ITATODAY.n.
استحالَ وصفُهُ بالقدرة على نفسه .. استحالَ أن يكونَ خالقاً لنفسه ؟!
فإن قيل : إنما استحالَ ذلك في نفس القديم لأنه لم يقع تحتَ قدرةٍ ،
ولا تحتَ خلقٍ واقعٍ بقدرةٍ .
قيل : لو استحالَ وقوعُهُ تحتَ القدرة .. استحال وقوعُهُ تحتَ الخَلْقِ.
وممَّا يدلُّ على فساد قولهم في هذا الباب : أن يقالَ لهم : إذا جاز أن
يكونَ بعضُ الحوادث واقعاً من قادرٍ عليه ، وبعضُها واقعاً لا من قادر عليه ..
فِلِمَ لا يجوز أن يكونَ بعضُها واقعاً من فاعلٍ ، وبعضُها مُستغنياً [عن]
فاعل ؟!(١) كما زعم ثُمامةُ(٢) : أن الأفعالَ المُتولِّدةَ لا فاعلَ لها(٣)
وما الفرقُ بين حاجة جميعها إلى فاعلٍ من غير اختصاصِ هذه الحاجة
ببعضها دون بعضٍ ، وبين حاجةٍ جميعها إلى قادرٍ عليها من غير اختصاصٍٍ
بعضها بهذه الحاجة دون بعضٍٍ ؟!
0000
000
[ استدلالُ الكراميةِ المجسمةِ على تغايرِ الخَلْقِ والمخلوقِ ]
٥
واستدلَّ هؤلاء المجسّمةُ على زعمها أن الخَلْقَ غيرُ المخلوقِ : بأنهما
يجريان مَجرى الضَّربِ والمضروبِ ؛ لأنهم يقولون : خَلَقَ يَخْلُقُ خَلْقاً ؛
فهو خَالِقٌ ، وذلك المفعول مَخْلُوقٌ ، كما يقولون : ضَرَبَ يَضْرِبُ ضَرْباً ؛
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: ( من ) .
(٢) هو أبو معن ثمامة بن الأشرس النميريُّ ، تلمذ لأبي الهذيل العلاف ثلاثين سنة ، وإليه
تنسب الثمامية ، وكان نديماً للمأمون ، توفي سنة (٢١٣ هـ) ، ذكره قاضي المعتزلة
عبد الجبار في الطبقة السابعة من (طبقات المعتزلة)» ( ص ٢٧٢) .
(٣) انظر ((مقالات الإسلاميين)) (ص ٤٠٧).
00000,٤٣٠ 00000

فهو ضَارِبٌ، وذاك مَضْرُوبٌ ، فلمَّا كان الضربُ غيرَ المضروب .. وجب
أن يكونَ الخَلْقُ غيرَ المخلوقِ .
واستدلُّوا بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَا أَرَدْنَهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، قالوا: وفي هذا دليلٌ على أن قولَهُ: ((كن)) خَلْقٌ
للمخلوق ، وتكوينٌ له .
واستدلُّوا أيضاً بقوله عزَّ وجلَّ: ﴿ مَا أَشْهَدِتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ
أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف: ٥١] ، وقالوا : قد علمنا أنهم قد شاهدوا أعيانَ السماواتِ
والأرض ، وشاهدوا أنفسَهم، وقد أخبر أنه لم يُشهِدْهم خَلْقَها ، فدلَّ على
أن الذي أشهدَهم غيرُ الذي لم يُشهِدْهم .
فيقال لهم : لم قِستُم الخَلْقَ والمخلوقَ في التفريق بينهما على الضَّربِ
والمضروب ؟
000000
000
فإن قالوا : جمعنا بينهما من طريق المعنى دونَ اللفظِ .
قيل : ما ذلك المعنى الذي يُوجبُ التسويةَ بينهما ؟ فلن يجدوا إليه
سبيلاً
وإن قالوا : جمعنا بينهما من طريق إمكانِ التصريفِ فيهما ، على مجرى
عادةِ الناس في ألفاظهم .
قيل : يلزمُكم على هذا أن يكونَ الحالُّ غيرَ الحلولِ ؛ لأنهم قد قالوا :
حَلَّ العرضُ في الجسم يَخُلُّ حُلُولاً فهو حَالٌّ فيه، والجسمُ مَحَلٌّ له ومَخْلُولٌ
فيه ، فيلزمكم : أن يكونَ الحلولُ معنىّ يَحُلُّ به العرضُ في المَحَلِّ .
ـي

JOOD Y
فإن قالوا بذلك .. لزمهم : أن يكونَ ذلك الحلولُ أيضاً حالاً لمعنىّ
سواه ، واتَّصلَ ذلك بإثبات معانٍ لا نهاية لها كما ذهب إليه معمر (١) ، وذلك
خلافُ أصلهم .
و
وإن امتنعوا من ذلك وقالوا : إن الحلولَ ليس بمعنىّ أكثرَ من الحالِّ ..
نقضوا استدلالَهم بالتصريف والاشتقاق .
ثم يقال لهم : إن الضربَ إنما كان غيرَ المضروبِ لوجود المضروبِ غيرَ
مضروبٍ ، فلمَّا صار مضروباً بعد أن لم يكن مضروباً .. افتقرَ إلى معنىّ
يصيرُ به مضروباً ، ويستحيلُ وجودُ المخلوقِ غيرَ مخلوقٍ ، فلم يكن فيه عِلَّةٌ
توجب الافتقارَ إلى خَلْقٍ هو غيرُهُ .
وأيضاً : لمَّا كان المضروبُ غيرَ الضربِ .. استحالَ وجودُ مضروبٍ
يكون مضروباً ، فلو كان واجباً أن يكونَ المفعولُ غيرَ الفعل .. لاستحالَ أن
يكونَ بعضُ المفعولات فِعلاً ، فلمَّا كان فعلُ الإنسان مفعولاً لله عزَّ وجلَّ
عندنا وعندهم .. بطلَ قولُهم بوجوب كون المفعول غير الفعل .
وأمَّا قولُهُ عزَّ وجلَّ للشيء: ﴿كُنْ﴾ .. فهو عندنا قولٌ أزليٌّ غيرُ
حادثٍ ، وليس معهم دليلٌ على حدوثه حتى يُسلَّم دليلُهم منه .
وأمَّا قولُهُ : ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ﴾
فمعناه : أنّي لم أستعنْ بهم في خَلْقِها ، ولم أُشهدهم حالَ خَلْقِها ، وأراد
بذلك التنبيهَ على انفراده بالخَلْقِ والتدبيرِ ، والقضاءِ والتقديرِ .
(١) انظر (٦٢٦/١ - ٦٢٧ ) .
COODO ٤٣٢, 00000
O

واستدلَّ بعضُ الكراميَّةِ بأن قال : ( لو لم يكن بين الخَلْقِ والمخلوق
واسطةٌ .. لم يكن المخلوقُ بأن يكونَ مخلوقاً لخالقِهِ أولى منه بأن يكونَ
مخلوقاً لغيره ) .
فيقالُ له : يلزمُك على هذا الاعتلال إثباتُ واسطةٍ بين الخالق
والخَلْقِ ؛ لأنه يمكن أن يقال : لولا وجودُ واسطةٍ بين الخالق والخَلْقِ .. لم
يكن الخَلْقُ بأن يكونَ خَلْقاً له أولى بأن يكونَ لغيرِهِ ، أو مِنْ غيرِهِ ، فإن لم
يجب بذلك ثبوتُ واسطةٍ بين الخالق والخَلْقِ القائم به عندكم .. لم يجب
أيضاً ثبوتُ واسطةٍ بين الخالق والمخلوق .
فإن قال : بين الخالق والمخلوق واسطةٌ ؛ وهي القدرةُ .
C
قيل : هلَّا اكتفيتُم بهذه الواسطة بين الخالق والمخلوق ؟!
00
وقيل لهم : إن كان لا بدَّ من واسطةٍ بين الخالق والمخلوق .. فلا يجوز
أن تكونَ تلك الواسطةُ القدرةَ على أصلكم ؛ لأنها إذا صَلَحت للضدَّينِ لم
يَجُزْ أن تكونَ عِلَّةً لأحدهما دون الآخر ، على أن الواسطةَ التي تكونُ عِلَّةٌ أو
سبباً اختلفا فيها (١)
فأمَّا واسطةٌ لا تُوجبُ الفعلَ ؛ كقدرة القديم .. فليست بسبب للخَّلْقِ؛ لأنه
كان جائزاً أن تُوجَدَ أبداً ولا يَفعلَ بها فِعلاً، ووجودُ الخَلْقِ عند الكراميَّةِ موجبٌ
وجودَ المخلوق لا محالةَ ، فبطل اعتبارُ أحدهما بالآخر ، والله أعلم (٢)
(١) فقال أبو يعقوب الجرجاني: إن الخلق علة للمخلوق ، وقال الباقون من الكرامية: إنها
سبب ، كما تقدم ( ٤١٩/١).
(٢) بقي أن السادة الماتريدية قالوا بالتفريق بين الخَلْق والمخلوق ، لكن لا بالمنحى الذي=
٨

2
=
نحاله الكرامية ، بل لثبوت صفة التكوين عندهم؛ قال العلامة السعد في « شرح العقائد
النسفية)) (ص١٩١): (وهو المعنى الذي يعبّرُ عنه بالفعل والخَلْق والتخليق والإيجاد
والإحداث والاختراع ونحو ذلك ، ويفسَّرُ بإخراج المعدوم من العدم إلى الوجود ) .
وقال أيضاً (ص١٩٦): ( ((وهو غير المكوَّن عندنا))؛ لأن الفعل يغاير المفعول
بالضرورة ؛ كالضرب مع المضروب ، والأكل مع المأكول ) .
ثم قال ( ص ١٩٧) مبيّنا تحقيق الأشاعرة في هذه المسألة: ( من قال: ((التكوين عين
المكوَّن)) .. أراد أن الفاعل إذا فعل شيئاً فليس ها هنا إلا الفاعلُ والمفعول ، وأما
المعنى الذي يعبّر عنه بالتكوين والإيجاد ونحو ذلك .. فهو أمر اعتباري يحصل في
العقل من نسبة الفاعل إلى المفعول ، ليس أمراً محققاً مغايراً للمفعول في الخارج ، ولم
يرد أن مفهوم التكوين هو بعينه مفهوم المكوّن ليلزم المحالات .
وهذا كما يقال : إن الوجود عينُ الماهية في الخارج ؛ بمعنى أنه ليس في الخارج
للماهية تحقُّقٌ ولعارضها المسمَّى بالوجود تحقّق آخر حتى يجتمعا اجتماع القابل
والمقبول كالجسم والسواد ، بل الماهية إذا كانت فكونها هو وجودها ، لكنهما
متغايران في العقل ؛ بمعنى : أن للعقل أن يلاحظ الماهية دون الوجود وبالعكس ) .
٥٠٠٠٥ ٤٣٤
CLO

C
الفصل الثاني
في إبطال قول الكرامية بحدوث الحوادث
في ذات القديم سبحانه وتعالى
أجمع أصحابُنا مع المعتزلةِ والنجاريّةِ والجهميةِ والخوارج : على إحالة
حدوثِ الحوادثِ في ذات القديم عزَّ وجلَّ .
وزعمت الكراميَّةُ : أن معبودَهم مَحلٌّ للحوادث التي هي أقوالُهُ وإرادتُهُ
وأكوانُهُ وتسمُّعُهُ وتبصُّرُهُ ، وزعموا : أنه الآن يستحيلُ أن يخلوَ من الحوادث
وإن كان سابقاً لها خالياً منها في الأزل .
00000000
0000
والقولُ بهذا الذي ذهبوا إليه يؤدِّي : إلى القولِ بقدم العالم ، أو إلى
القولِ بحدوث القديم .
وبيانُهُ : أنَّا إنما عَلِمْنا حدوثَ الأجسام بكونها غيرَ سابقةٍ للحوادث ،
وإنما عَلِمْنا أنها غيرُ سابقةٍ للحوادث بكونها [مَحالَّ] للحوادث(١)، فإذا جاز
عند الكراميَّةِ وجودُ جسم هو محلٌّ للحوادث ، وهو لا يخلو منها في
المستقبل ، وقد كان مع ذلك سابقاً لها ، خالياً منها في الأزل .. لم نأمن أن
تكون سائرُ الأجسام سابقةً للأعراض الحادثة فيها ، وإن كانت لا تخلو منها
في المستقبل .
(١) ما بين المعقوفين في جميع النسخ: (محالاً ) .
00000 ,٤٣٥

فإن قالوا : الأجسامُ لا تُعقَلُ موجودةً إلا مجتمعةً متماسَّةً ، أو مفترقةً
متباينةً ، واجتماعُها وافتراقُها حادثان ، وما لا يخلو من الحوادث فهو
مُحدَثٌ .
قيل : كذلك لا يُعقَلُ وجودُ حيٍّ يخلو من الإرادة وضدِّها ، ومن القول
وضدِّه، والقولُ والإرادةُ وأضدَّادُهما عندكم حوادثُ ، فإن ساغ لكم إثباتُ
حيٍّ قد خلا في الأزل عن الإرادة والقولِ وضدِّهما ، وإن كان لا يخلو منهما
الآن في المستقبل .. لساغ لإخوانكم من الدهريَّةِ أن يقولوا بانفكاك الأجسام
في الأزل عن الحوادثِ ، وإن كانت لا تخلو منها الآن في المستقبل(١)،
ومن لزمَهُ هذا على أصلِهِ .. فقد لزمَهُ القولُ بقدم العالم على أصلِهِ .
ثم يقال لهم : إن كان ذاتُ القديم سبحانَهُ عندكم يحتملُ أنواعاً
للحوادث .. وجب أن يكونَ مُحتَمِلاً لجميع أنواع الحوادث التي تَخُلُّ في
الأجسام ؛ كالجوهر لمَّا احتملَ نوعاً من الحوادث .. احتملَ كلَّ نوعٍ منها .
وعلى العكس من هذا قولُنا في ذات القديم : لمَّا صحَّ قيامُ صفةٍ قديمةٍ
به .. صحَّ قيامُ كلِّ صفةٍ قديمةٍ به ، ولو احتمل ذاتُهُ جميعَ الحوادث كان
مُحدَثاً مثلَها، كذلك لو كان يَحتَمِلُ بعضَ الحوادث .. وجب حدوثُهُ
واحتمالُهُ لجميع أنواعه (٢) ، وذلك فاسدٌ، فما يؤدّي إليه مثلُهُ .
(١) وهم في هذا الموطن: الفلاسفة المثبتون لـ ( الهَيُولى)، والمثبتون لقدم العالم
بالمادة ، لا بالصورة والعَرَض على اعتقاد الأكثر منهم. انظر (( الشامل في أصول
الدين)) ( ص١٨٦ ) .
(٢) لأن من كان من صفة نفسه الوصفُ بالعَرَض .. استحال انفكاكه عنه؛ كالجوهر لمّا كان
من صفة نفسه احتمالُ العرض .. وجب وصفه ببعضها
000000

وممَّا يدلُّ على إبطال قولهم في هذا الباب : أن يقالَ لهم : إذا زعمتم أن
قولَ الله عزَّ وجلَّ وإرادتَهُ عرضانٍ حادثان في ذاته ، مع كونه في الأزل مُريداً
قائلاً .. فما أنكرتم من أن يكونَ عِلمُهُ أيضاً عَرَضاً حادثاً في ذاته ، وإن كان
هو سبحانَهُ عالِماً في الأزل ؟!
فإن قالوا : لو كان علمُهُ حادثاً في ذاتِهِ لم يصحّ إحداثُهُ إلا بعلم موجودٍ
قبلَهُ .
قيل : ولو كانت إرادتُهُ حادثةً فيه لم يصحّ منه إحداثُها إلا بإرادةٍ موجودةٍ
مثلها !
فإن قالوا : إرادتُهُ الحادثةُ في ذاته تختصُّ بالحدوث بإرادةٍ قديمةٍ .
قيل : فما أنكرتم أن يكونَ له علمٌ مُحدَثٌ يقوم بذاته ، ويكونَ هذا العلمُ
مختصّاً بالحدوث فيه بعلمٍ قديمٍ عَلِمَ به حدوثَ هذا العلمِ الحادث فيه ؟!
وإن قالوا : لو كان عِلْمُهُ حادثاً .. كان قبل حدوثِ العلم له ناقصاً .
00
قيل : ولو كانت إرادتُهُ حادثةٌ .. كان قبلَ حدوثها ناقصاً ؟! ولو كان
قولُهُ حادثاً فيه .. لكان قبلَ حدوثه ناقصاً ؟! فإن لم يجب هذا في الإرادة
والقول .. لم يجب مثلُهُ في العلمِ وحدوثِهِ .
وإذا بطل القولُ بحدوث العلم فيه .. بطلَ القولُ بحدوث الإرادةِ والقولِ
والكونِ فيه ، والله أعلم .
AMON201100000 8 ,00000

00
الفصل الثالث من هذا الباب
مايؤدي إليه القول بحلول الحوادث فيه
من مضاهاة القائل به للدهرية والحدة
اعلمْ : أن الكراميَّةَ بإجازتهم حدوثَ الحوادث في ذات البارئ عزَّ وجلَّ
قد صاروا من جملة أهل البغي والضلالِ ، واستحقُّوا ما حلَّ بهم من الخزي
والنّكال ؛ وذلك أنهم في فَرْقِهِم بين الخَلْقِ والمخلوق ، ودعواهم أن الخَلْقَ
حادثٌ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ .. مضاهون للدهريَّةِ من عشَرةٍ أوجه :
أحدُها : أن الدهريَّةَ قالت: إن الأجسامَ والألوانَ والطعومَ والروائحَ
ليست بخَلْقِ لأحد ، وكذلك قالت الكراميَّةُ ؛ لأن الخَلْقَ عندَهم : هو الفعلُ
الحادثُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ دون غيرِهِ من الحوادث .
والوجهُ الثاني : أن الدهريَّةَ قالت : لا يجوز إثباتُ إِلٍ خَلَقَ الخَلْقَ ،
وقالت الكراميَّةُ : لا يجوز أن يقال: إن الله خَلَقَ الخَّلْقَ ، وإنما يقال :
خَلَقَ المخلوقَ ، والمخلوقُ غيرُ الخَلْقِ .
والوجهُ الثالثُ : أن الدهريَّةَ زعمت : أن الأجسامَ والألوانَ والروائحَ
والطعومَ لم يقع وجودُها بقدرة قادرٍ عليها ، ولا يجوز وصفُها بأنها مقدورةٌ
قبلَ وجودِها ، ولا أنها الآن مقدورةٌ لأحدٍ ، وكذلك قالت الكراميَّةُ ؛ لأن
المقدورَ عندَهم إنما هو الخَلْقُ الحادثُ في ذات البارئ عزَّ وجلَّ ، وهذه
CO000 ٤٣A00000

00
00
المخلوقاتُ المشاهدةُ واقعةٌ بالخَلْقِ لا بالقدرة .
والوجهُ الرابعُ : أن الدهريَّةَ أحالت قولَ من يقولُ بإٍ فعلَ الفِعلَ ،
وكذلك زعمت الكراميَّةُ ؛ لأنه لا يقالُ عندهم : إن الله فعلَ الفِعلَ ، وإنما
يقال : فعلَ المفعولَ الذي هو غیرُ فِعْلِهِ .
والوجهُ الخامسُ : أن الأزليَّةَ من الدهريَّةِ زعموا : أن الأعراضَ التي في
الأجسام لا يجوزُ عدمُها ، وإنما يَظهرُ بعضُها ، ويَكمُّنُ بعضُها ؛ فتختلفُ
هيئاتُ الجسم بظهور ما فيه من الأعراض وكمونِهِ ، لا لحدوث عرضٍ
ولا لعدمِهِ ، وزعم أكثرُ الكراميّةِ : أن الأعراضَ الحادثةَ في ذات البارئ عزَّ
وجلَّ لا يجوزُ عدمُها ، وقد قال أكثرُهم : باستحالة عدم الأجسام أيضاً ،
وهذا بعينه قولُ الثنويَّةِ الذين أحالوا عدمَ النورِ والظلام(١) ، كما أن ذلك
الأوَّل قولُ الأزليّةِ من الدهريَّةِ .
والوجهُ السادسُ : أن أهلَ الطبائع زعموا : أن الطبعَ معنىٌ يتولَّدُ منه
أعراضٌ وحركاتٌ وأجسامٌ كثيرةٌ من غير أن يَقدِرَ أحدٌ على خَلْقِ مثل ما تولّدَ
عن الطبع(٢)، وزعمت الكراميَّةُ: أن الخَلْقَ الحادثَ عندهم في ذات
معبودهم تحدثُ عنه أجسامٌ وألوانٌ وحوادثُ كثيرةٌ لا يُوصَفُ أحدٌ بالقدرة
عليها ولا على تركها ، فالخَلْقُ الذي قالوا به بمنزلة الطبع الذي قال به أهلُ
الطبائع .
والوجهُ السابعُ : أن الدهريَّةَ أحالت وقوعَ الأفعال باختيار فاعلِ
(١) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص٧٨).
(٢) انظر ((تمهيد الأوائل)) (ص ٥٣).